محمود النمر* : الأيروتيكية في شعر حسب الشيخ جعفر (ملف/3)

mahmod alnemr 1إشارة :
في عيد ميلاده الثالث والسبعين ، يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف احتفاء بالمنجز الإبداعي الفذّ للشاعر الكبير “حسب الشيخ جعفر” وإجلالاً لمسيرته الإبداعية الرائعة . وتدعو أسرة الموقع جميع الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة في هذا الملف بما لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تتعلق بمسيرة مبدعنا الكبير . وسيكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية انطلاقاُ من حقيقة أن لا زمان يحدّ الإبداع . تحية لشاعرنا الكبير حسب الشيخ جعفر .

المقالة : 

* شاعر عراقي راحل

“يحلو لي أن أذهب الى الحديقة ،لأستحم امام عينيك ،واتركك تملأ ناظريك بجمالي ،في ثوبي الكتاني الأبيض ،وقد ابتل” .
“من اغنية حب على بردية قديمة “
هذا موضوع قد يصعب الخوض فيه ولكني سأتناول ماأراه يتناسب مع قيمة ادراك قارئ شغوف بشعر وعبقرية شاعر اكتسب جميع الصفات المتناقضة كلها ، فهو طالب ريفي يعتنق الماركسية ،ويحصل على بعثة الى روسيا ( الاتحاد السوفيتي ) ليدرس في معهد ( مكسيم غوركي ) عام 1959بعد اختبار عسير ويجتازه بمهارة شاعر يستوفي الشروط المطلوبة التي تكون اكثر الاسئلة حول الادب العالمي ،ويقظة المتقدم في كتابة وفهم النص الادبي.
وهناك يرى عالمين مختلفين تفصل بينهما حقب زمنية من حيث التطور الحياتي في فهم حيثيات مستويات الوعي ،ولكنه العقل الشعري الواعي الذي استوعب مقدار الفوارق وتغلب عليها بل طوع اللغتين الروسية والعربية في التداخل الترجمي الشعري والنثري ،وكتب قصائد اصبحت محطات شاهدة على براعة هذا الشاعر الذي امتزجت روحه شعرا يمنح كل لغة واقع البلد الثاني ،فتبدو القصائد عراقية وروسية مشتبكتين تنهلان من نبعين ليس بينهما برزخ يفصل ما بينهما .

الشاعر الراحل محمود النمر مع الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر
الشاعر الراحل محمود النمر مع الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر

في رحلة معاكسة مابين الشاعر ابن الاهوار والمدن التي تكاد تلتهب من الحر والحياء الريفي، وبين الطيور المهاجرة من مدن الثلج التي تطلب الدفء ،الطيور التي تخفق اجنحتها مستمتعة بالمياه الدافئة ،وبين مايرى من فتيات موسكوفيات صاحبات العيون الزرق والقامات الفارهة، والرؤوس التي تنسج خيوط الشمس ضفائر لها .
من هنا اختلّت عند الشاعر المعادلة ،خيال وحياء ريفي وترسبات عرفية واجتماعية قاسية .
كيف تكونت صفة الشاعر المخملية مابين هذه المتناقضات ،بين ان لايرى امراة الا بالتلصص من خلال القصب والمرور بالنساء المحتشدات في حقول الرز .
وبين مايرى الفتيات المسكوفيات في المسابح اللواتي يتقافزن في الفضاء ،كالاسماك منفلتات من شبكات الصيادين، او في قاعات الدرس المكتظة بالانفاس الملتهبة .
من هنا اشتبكت خيالات الشاعر( ابو نواس ) وكأنه اجتاز سنوات ضوئية تحمل صفة ماض ٍقريب وبعيد في لحظة واحدة.
شاعر مكتظ ومشحون بالشبق، بين مايرى ويسمع، وبين مايضمر من جمرات تحت مخمل الحياء،فيقول في قصيدة (الرباعية الثانية ):
فقالت وقد شدني ساعداها طويلا : (تباركت ياطفلي الهمجي،انتظرتك منذ اعتلى التاج رأسي .. ومعشوقتي امرأة في الثلاثين مرت عليها القرون ولّما تزل في الثلاثين ،في النخل تغلي الظهيرة والرز يشهق ُ نديان ،جاءت تراودني بالفخذين ممتلئين ،افترشنا السنابل .. لي ليلة عشت فيها ثلاثين قرناً اردّ المغول عن امرأة القيصر.
كم يدرك الشاعر حسب الشيخ جعفر حجم الوجع والنزوات النائمة منذ قرون ،بحيث تتصل بكل القصيدة مايحمل الشاعر من تاريخ القحط والضيم والفجيعة والنار التي لاتزال وقودها الانسان المقهور والليلة التي عاش فيها ثلاثين قرنا الذي يتدثر فيه على خطى الخوف ويصحو وهو بين فخذي امرأة يردُ فيها شبح الموت .
ثم يدخل من ابواب التاريخ المقفلة الصدئة من حيث تراكم القرون واساطيرها فهو يستبيح التاريخ المهمل والتاريخ المدون بالنار والمعاول والدم ويمزج كل هذه التواريخ بالشهوة او يصل بالقصيدة الانثى الى ( الاورجازم ORGASIM) ويطرق عليها وهي في قمة شهوتها وعنفوانها ،فتصل الى الانصهار الشعري ان جاز التعبير او الذوبان او الصعق (FUSE) كل هذه الحالات الاستثنائية والإجرائية يضعها حسب الشيخ جعفر ليعفر انفه الذي يشم عطر الانثى ويمنحها تاج الرغبات / رأيتها وحيدة في عتمة السرداب / مكشوفة الثديين ،في رقادها ،مسبلة الاهداب /ينحسر الظلام في حقولها ،ينحسر التراب /قلت: انهلي ياشفتي المحترقة / خمرتها المعتقة / قلت: اهدئي يانار .
هذه( القفزة النوعية ) التي فجرت فيه كل الماضي والتاريخ . الماضي.. الاحداث التي لم تكتب ولكنها حدثت وآثارها شاخصة ،والتاريخ هو الاحداث التي دونت من قبل المؤرخين وايضا حدثت،كل هذا الارث كان مكتظا في روح الشاعر ،في الرباعية الاولى تتضح هذه المعاني ويسلط الضوء على الارث والاعراف التي ترزح تحت النفوس /العشب والحيوان والنار الصديقة اصدقائي ،الريح تحمل لي اريج الحندقوق ،العشب والحيوان والنار القديمة اصدقاء صبية خجلى ،ارتجفت امام عينيها ،ضممت ُ،بكت ،وما كنا سوى طفلين يحتضنان بعضهما ،ارتشفت ،ولم اذق من قبل غيرهما ،ندى شفتين ،تحمل لي اريج الحندقوق ،الريح في قصب الضفاف ؟الماء يجري ؟الفجر كان نداوة وشذى قديم، ضباب قديم .
المتتبع لشعر حسب الشيخ جعفر يكتشف ان الشاعر مولع بشكل لايوصف بالنساء ،فتكاد لاتخلو قصيدة الا وكانت بطلتها امرأة ،يحاورها من خلال القصيدة المدورة التي وصل بها الى الذروة فمنح القصيدة شكلا جديدا يعتمد على الحوار وزج الميثولوجيا والتاريخ والحلم واللغة ،واسناد دعائمها بالاستعارات والتشبيهات والجناس والطباق ،حتى وصل به الامر ان يمنحها تاجا ويتوجها على جميع الاجناس الشعرية الاخرى ويجلس ملكا على ذرورة القمة ،متخذا منها ميزة على جميع الذين سبقوه في هذا الشكل الشعري الدائري او نقدر ان نقول انه ( ملك القصيدة المدورة) .
وفي قصيدة (طوق الحمامة ) تأتي على هديلها حمامة مغروقة / تحمل دمعا او دما ايهما تختار ؟/في بابك الثاني حصان جامح / مغسول بالعرق الناضح .
انه يستفز الحوارات بين الانثى والشاعر ويستعمل ( الصدمة المدهشة ) في مقهى البرازيلية يقول / وكالموج صدرك ملء القميص /كأن لم يفح في الفراء الوفير / وفي الشعر نفح الثلوج/ كأن ما احتوت قبضتاي / نعومة اكتافك العارية وما انساب عنك الحرير / وما اقمرت غرفتي الداجية /او انهار فوق البساط الوشاح كما انهار فوق السرير الصباح / تبينت وجهك عبر الزجاج /ورفرفة الليل والسابلة /وكان لأخرى اما من زجاج /يصيب الهوى عنده ساحله؟.
ان التتابع السردي في شعر حسب ينضوي تحت امرين مختلفين ومتفقين في آن واحد ،فقد تواجهك صورة تأخذك الى المهد الاول ،الصور الاولى التي تراكمت فيها البدايات ،وفي الجانب الاخر تاخذك الصورة الشعرية الى عالم يختلف تماما من حيث البيئة والطقس والاعراف ،ولكنه يكـوّن من هنا وهناك عالما شعريا ممتزجا ومشتبكا بالمعنى واظهار حالات التحام روحاني ،فهو عالق في رحم الجنوب العراقي ممتدا بحبله السري الى مدن الجليد والنساء اللائي تظهر مفاتنهنَّ كاسراب البط البري ،وهو يرى ويسمع ويدرك ويجمع مابين عالمين مختلفين متناقضين .
(شعرها المبتل محلولا على وجهي انهمر ،وانا تحت الغطاء وارتمى معطفها الناعم كالغصن ثقيلا بالمطر مزهوا القت به الريح على العشب المضاء ،وشممت الثلج في دفء الفراء كبقايا النغم العابق في القاعة ،وانهار الستار) .مقطوعة الشتاء صفحة 77.
المتتبع لشعر حسب الشيخ جعفر يرى ان الشاعر قد اخذت تخمد لديه تلك الجذوة، التي استعرت لعدة عقود وكانت ملتهبة بل تشكلت خارطة تمنح القارىء تاريخ يتكلم عن الانسان الذي جسده حسب في قصائده ،تاريخ يتسلسل من بدايات وعي الانسان العراقي عبر الازمنة الغابرة التي اكتوت بالحرمان من ممارسة الحب عبر قرون، فجسدها في قصائده من خلال دمج تواريخ سومرية وبابلية واغريقية بل حتى تاريخ الانسانية ،ومنح الجسد شفرات كما منحها “فيدياس ” ذلك النحات الاغريقي / إني استضفت فراشة وكتبت فوق جناحها القزحي ما كتبت يداي ،مُذ نؤت شيخا بالمتون الى صباي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.