سبتي الهيتي : 7 سنوات على رحيل المفكر والفيلسوف مدني صالح : لا كرامة لمحتاج (ملف/7)

sabti alhitiإشارة :
احتفاء بتراث الفيلسوف العراقي الراحل الدكتور “مدني صالح” ، وبمساهماته الفذّة في الثقافة العراقية والعربية ، تبدأ اسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف الخاص عنه ، والذي تدعو الأخوة الكتّاب الأحبّة إلى المساهمة فيه . وسيكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية على عادة أسرة الموقع حيث لا يتحدّد الإحتفاء بالفكر بمساحة زمنية معينة .

المقالة : 

كنا نتحلّق ذات صباح حول مجلسه في تلك الغرفة الصغيرة المخصصة له في مبنى كلية الآداب\ قسم الفلسفة وقد تعودنا ان نقصده بين حين وآخر ونحن مأخوذون بشخصه المتفرد الذي لا مثيل له ابداً وبأسلوبه المتميز في الحديث وطريقة تناوله مواضيع الثقافة وشؤونها والسياسة وخباياها والادب ومضامينه والانسان واهدافه في الحياة، وقد كان يلّوح بيده وهو يقول: لا كرامة لمحتاج.. فقلنا له ماذا تقصد؟ فأجاب.. الانسان لا كرامة له حينما يكون محتاجاً والحاجات تختلف بالطبع منها الضرورية والماسة ومنها غير الضرورية وما اعنيه هو الحاجات الماسة والضرورية الملحة التي تهيء له اسباب العيش والحرية والوجود من خلال وجوده تحت ضل الدولة الملزمة برعاية وضمان حقوقه الشخصية والصحية.

ومن خلال الحديث سأله احد الحاضرين عن افضل عمل قام به في حياته؟ فأجاب وهو يرفع سبابته ليقول بإبتسامة : وان احسن عمل قمت به في حياتي هو ترك التدخين!.. فأحسست شخصياً بمدى سخرية هذا الرجل العظيم من توافه الاشياء المضرة بالصحة ومدى جديته في السخرية من الحياة.. مثلما احسست انا بتعلق الانسان بالوجود ومحبة الرفاه في الحياة مهما تعذرت عليه اسباب الرفاهية التي ينبغي لمثله ان يحققها لنفسه و مهما تميز به هذا الاستاذ الكبير فقد كان تعلقه بالوجود والانسان و بالحياء والزهد والاقتصاد في كل شيء مثلما هو متعلق ومحب للجمال والابداع وللبهجة وللفرح فهو لا يحب الافراط والتبذير مثلما لا يحب البخل على النفس والتقصير في اكرام الغير.

madani saleh 2وقد روى لي شخصيا وهو مبتهج النفس ذات يوم في معرض حديثه عن مجلة (الكلمة) التي كانت تصدر في النجف في السبعينات من القرن الماضي وكيف تعهد بأصدارها واحد من شباب النجف من الادباء المرموقين، ساعده على ذلك ان اخاه كان يملك مطبعة جيدة أمنكه ان يطبع هذه المجلة فيها وان يلّم شمل الشباب من الادباء المتلهفين لنشر نتجاتهم الشعرية والنقدية والقصصية بعد خلو الصحف اليومية التي تصدر في بغداد من صفحات ادبية كافية.وقد كانت هذه المجلة التي صدرت عام 1969 وكما يشهد الجميع منبراً ادبيا للكثير من الادباء العراقين الذي بدأوا الكتابة بداية الستينيات مثل حميد سعيد وفاضل عزاوي وفوزي كريم ومحسن اطيمش وستار ناصر وياسين النصير وسامي مهدي وموسى كريدي وغيرهم من الادباء الشباب، وكان على رأسهم الاديب حميد المطبعي الذي كان صاحبها و ترأس تحريرها القاص موسى كريدي مدة صدورها واسهم في ديمومتها وطباعتها في مطبعة اخيه في النجف الاشرف، وكانت تحمل هموم وطموح وابداع الشباب في النجف وبابل وبغداد وغيرها وكانت يومذاك تنافس المجلات الادبية التي تصدرها المؤسسات الادبية الثقافية الحكومية وتنافسها بكثرة القراء وجودة المواد الادبية المتنوعة شعراً ونقداً وقصة قصيرة مثلما تتميز عليها بأفكارها المعاصرة ونظرة المساهمين فيها الى مستقبل الثقافة والحياة.

ولقد كان المرحوم مدني صالح اول المعجبين بها وبشجاعة المساهمين في اصدارها وقد روي لنا قصة استضاقته لبعض من محرريها وكتابها يومذاك اذكر منهم المطبعي وموسى كريدي وحميد سعيد وذلك يوم استقبلهم وهم قاصدينه للسلام بعدما انهى محاضراته في كلية الفقه في النجف ظهر ذلك اليوم فقال: لقد فرحت بهم كثيرا وسرّنا معا الى ان وصلنا مكانا جميلا على الرصيف تتصدره عربة شواء على قارعة الطريق وكنا جميعا مسرورين باللقاء والوقوف امام عربة ذلك الشّواء ونحن نتناول وجبة لذيذة من لحم الغنم المشوي وكم سرنّي ذلك ودفعني ان اطلب برجاء من صاحب العربة ان يزيد في وضع المزيد من اسياخ اللحم على النار ونحن نأكل ونتحدث مبتهجين ببساطة وسرور هذا المفكر والفيلسوف والمعلم الذي خرج لتوه من محاضرة في الفلسفة الاسلامية ليلتقي بمن جاءوه قاصدين السلام عليه فيدعيهم ويكرمهم ببساطة وعفوية ويدعوهم للمشاركة في هذه الاكلة العراقية المعروفة بـ( التكة ).

تذكرته هذا اليوم وهو يروي لي ذلك الموقف وكم كان سروره بأولئك الشباب من الادباء وبالاديب حميد المطبعي الذي لن ينسى او يبخس قيمة هذا الرجل الفيلسوف حينما كتب مقالته بعنوان ( عندما تكون الكتابة بعربة عرجاء ) والتي نشرتها جريدة الزمان في الملف الخاص الذي اعدته بمناسبة مرور خمسة اعوام على رحيل المرحوم مدني صالح،فيقول المطبعي:

( بعد مئة سنة ستقرأ له النخبة وترقص على ايقاع قلمه الذي لم يستعره من محبرة احد انما هي محبرة مدني صالح عصرت من دماء الطاهرين.. فأية محبرة لديك يا مدني؟ .. ولذا فانني وجدت في مدني منذ اكتشفت مدني انه مدني صالح الرابض على هرم الحياة دائما)

* عن صحيفة الزمان

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *