الرئيسية » نقد » ادب » شاكر مجيد سيفو : طاقة المفردة وإشعاعها في (مواسم)

شاكر مجيد سيفو : طاقة المفردة وإشعاعها في (مواسم)

shaker sifo 3تثير عنونة مجموعة (مواسم) للشاعر هشام القيسي علامة جمالية تدل على الزمن، لكن لو تتبعنا النصوص التي احتوتها المجموعة سنجد تسلط بنية المكان حيث اتخذت منه مساحة كبيرة وعرضة في مناطق النصوص وهي الاكثر اجتلابا لموضوعاته، ويتبين هذا في تداخل الامكنة والازمنة من زوايا متعددة. ينمو النص في تجربة الشاعر وسط ضجيج التضادات الحادة في الواقع، مشكلا كيانا شعريا خاصا به، في اشبه ما تكون القصيدة او النص ” رؤيا” “كنت دون مبالاة/ تهرول في السنوات وتعلن ان الابواب المغلقة/ طفولة تائهة/ وأن الامكنة/ تزف الرسائل المورقة ص7″ تندرج نصوص الديوان تحت يافطة الحداثة الشعرية في تظاهرة الذات بالرومانسية تارة والدراماتيكية تارة آخرى فالوحدات البنائية تعمل على تشكيل رؤية نوعية بتحليل الدلالات الايحائية وبالتالي تشكل معمارا شعريا عموديا، معلنا الشاعر التمرد والعبث والتمسك بالوجود ” في النفق/ حطب لا يعبره صوت ولا احلام عابرة، وكما تريد عليك ان تصبح كتابا..ص 12″وفي المواقف الداراماتكية نشهد القول الشعري على نحو نشيج يتكون من سلسلة من الوحدات البنائية الشعرية التي ينساق اليها الشاعر في موضوعاته من خلال المفردة المألوفة: “يقولون ان النيران تجيء مخبوءة/ في صليل السيوف والصرخات تنجبها اصوات الدماء/ كأن علامات الحكماء/في أقاصي السبات/ وكأن نبوءات الفقراء/ تميل للشظايا وللبلاء ص10 ” تشكل الأفعال الكبيرة في الحياة اليومية التي تخثر فيها الزمن مادة الشاعر حين تصبح شعرا عبر محطات التأويل والتخييل حيث الاماكن بنيات شعرية يومية يصنع منها الشاعر شعره ويبتكر صوره الشعرية:” ومن اماكن بعيدة/مثل خطوات بعيدة/ تطأ الذكريات..لا تنام عارية ذات يوم مشى الغياب في صحارى حارقات/ يبحث عن نفسه ص14″.
يعتمد الشاعر المبنى الحكائي الذي يتخذ منه تسلسلا داخليا عبر ايقاع الموسيقى والفكرة حيث أن مفردات البناء الحكائي تقترب من قصيدة النثر في ايقاعها الداخلي وسرديتها الموجزة فأيقاع الفكرة يتجسد في المعاني والدلالات بشكل عميق والايقاع الموسيقي النبري يتجسد في طراز الاسلوبية الحادة شعرا:”حيث الحرية الداخلية التي تتيح لحالات رؤية اكثر حسب الناقد ياسين النصير..
hosham 7إن الشاعر هنا أشبه بالاثاري ينقب في ارض الشعر حيث يتحول الواقع الخارجي عنده الى بنية داخلية والى تساؤل داخلي منقبض، يستعين الشاعر بقمر صناعي صوفي ليؤسس تجربته الشعرية وهذه احدى فعاليات وفاعليات الابتكار والابتداع الشعريين بامتلاك الشاعر طاقة التخييل والاختراق حين يلعب بالمفردات ويفجرها:”الكائنات تجلس على أسئلتها/ والدروب لا تحاور سكانها/ كذلك الجوع الذي لن يشبع/ لديه كل الاشكال… بعد منتصف الليل/ فالانفاق أرث الاشياء/ والنهار ليس على ما يرام ص16″ يتحول المشهد من الداخل الى الخارج حين ينقب الشاعر فيه عن لقى أثرية شعرية بوساطة الخيال ووسط تساؤلات غامضة: “كي تتبدد العزلة/ كي تصل الضياء/دون سياط/ انتظر احلاما/ ليس فيها مخلوقات غريبة ص17” يعتمد النص في ديوان الشاعر مشروع الحكاية الشعرية التي تدخل كمادة في المبنى الحكائي بهذه الاسلوبية من الممارسة الخيالية ينتج الشاعر صوره الشعرية بين الامكنة والازمنة والحلم والتخييل “في هذه الايام/ في مكان ثابت/ لا ينتظر سوى احزان واقفة/ وقبل غياب طويل دون ان يعبر او يعترف/ يترنح المجهول/ حتى لا ينطق/بكلمة جائعة..ص18”. تعتمد قصيدة النثر عناصر المفارقة والتوازي والايقاع الداخلي للموسيقى والفكرة لصياغة المتن الحكائي عموديا وهو القاسم المشترك لإقتناص اللحظة الهاربة من الاشياء المألوفة، والشاعر هنا يبدو حريصا على قلقه ومادته اليومية من حيث التقاط المهمل والغريب والمدهش والمألوف إذ تلتحم كل هذه البنيات الاسلوبية كمضمون خفي بما هو قاسم مشترك بينها: “الايام الرتيبة، وفي احتمال الفراغ -1- قد تنهض الاسماء من نومها 2- وتعرف انها ليست سوى شرارة 3-ثم تصغي لكأس قبل الرحيل/ وفي اكثر من زمن/ يحتفي بدخانه ص27″ تتسع حدود شعرية النص في خصوصية اللغة واتساع دائرة المفردات التي تعيش داخل مناخات ضاجة بالحياة حيث يبدو هنا إلغاء المشترك بين الداخل والخارج حيث ” كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة “وهنا تبقى مساحة الرغبة في اقتناص لحظة الوجود مفتوحة وراغبة فالرغبات هنا كلمات جامحة: “لم ترث كلماتي/سوى رغبات/ لا تلتهم الدوار/وأمام هذه الجدران/ ستذكر علب السكائر/ بعض عري الامطار.. ص31” تولد شعرية النصوص عبر سريالية خفية حيث يجمع kh hosham 5الشاعر بين اللحظة الهاربة وخطاب الحالة اليومية والرغبة في الكتابة، وتجتمع هذه التضادات والتجانسات في الكتابة في بوتقة واحدة لتؤسس نصا شعريا ثرا في صيغ من الايجاز والتكثيف والاختزال والايحاء: لأن للألم خلوة/ تتأوه الابدية/ في الرحيل الطويل/ وفي كل إقامة عويل.
“في تلك الشجرة تمشي نفسه قبالته كل يوم/ لكنه لا يطرق باب الاسفار/ وفي ايامه عين آخرى/تلملم له الدموع…/ حيث لا نافذة تضيء/ يقدح جرحه ليضيء ص34” تتولد نار الشعرية هنا بقدحات المفردة واشعاعها وطاقتها التأويلية -فالنص هنا جامع –لمفردات شعرية تضخ شعريتها منظومة من بنى الانزياح والايحاء وخرق الاشكال الرتيبة، تمثل كل بنية من هذي البنيات الشعرية العميقة حقل الشاعر الخاص المتفرد شكلا ومضمونا فهي جادة ومتجددة وحداثية تكمن حداثتها في صيانتها الداخلية الحية ولمعان شكلها الظاهراتي الحداثوي “تخونه الكلمات” لا يعرف من اين يغادر مخلوقاته/ او يصير غفلة/ تبدد اوراقه ص35″ ويكتب في موضع آخر بهذا الاشعاع نفسه وبالحلم وطاقته الرؤيوية ” صدقوا/ من الحلم حتى الشعر/ الغيوم توزع نزهاتها/ والدموع لا تنزل من جديد ص 37 تنزع موضوعة المكان الى طاقة المفردة ،حيث تمتلك الاماكن بؤرا شعرية او يمثل المكان بؤرا مكانية شعرية او مولدة للشعر فهنا يميل الشاعر الى التركيب المركب” الزمكان” وتبدو الخطى مبعث مولد لشعرية هذا النص “في اماكن بعيدة/ تنام عارية/ خطوات لا تهجرها كلمات/ وفي خطى تلتحف ايامها/ قد تخرج خطوات/ تبحث عن احرف ساكنة ص41”
ان النوع الشعري الذي يبحث عنه الشاعر يجده في المكان البؤر الشعرية المتجسدة في بؤرا الامكنة من خلال اصطياده لمفردات تحيل الى الدوال المتوفرة هنا والدلالات الايحائية المزدحمة بالصور الشعرية التي تكتسب شرطها التكويني من الزمان والمكان معا عبر ايقاع الفكرة والموسيقى الداخلية، فالحكاية الشعرية هنا اشبه ما تكون بالرسالة بين المُرسِل والمرسَل اليه وينقل مادته الفكرية الموحية على كسر السياق ونقل الحكاية من نمطية السرد الى صناعة صورة موجزة للذكرى التي هي من أفعال الذاكرة التي تهيمن على السياق الكلي للنص لتحويل الكلمات الى دلالات ومعان في بنيات مركزة ومختزلة وموجزة “ألم وطائر وباب تلك ثمار لمواقد طويلة ص45″ ذات ليلة يترك النهر قبلة/ ولا ينقر على الباب/ أذن الألسنة ليست ارغفة/ لكنها متسع الكلمات ص44” ويكتب في موضوع آخر بهذا الاشعاع نفسه “كي تقول الايام/ لا احد يخطيء العشاق/ عليها ان تشهر ينابيع الامكنة” وفي مقطع آخر يكتيب مختزلا وموجزا ” الشعراء مياه تعرفها المحطات ص46″.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *