تابعنا على فيسبوك وتويتر

بروست صموئيل بيكيت

ترجمة: حسين عجة

الفصل الخامس

hussein_ajaعلى سبيل المثال، حين قرّر الانفصال عنها في النهاية، أقسمت بأن عمتها لم يكن لها أصدقاء في “انفرفيل”. لم يكن ثمة من حدود لخداعها، وليس لها أية قدرة على التألم. وفي وسط هذه الـ “Tolomea” عرفَ بأن هذه المرأة لا تتمتع بأي واقع “أن حبنا الأعظم لشخص ما هو دائماً حبنا لشيء آخر”، وبأنها في داخلها كانت أقل من لا شيء، ومع ذلك، هناك تيار فاعل، غريب ولا يمكن تجزئته في تلك اللاشيئية “nothingness” يرغمه على الانحناء أمامها والتهدج بصلاة غامضة لهذه الإلهة، التي يضحي بنفسه من أجلها. فتلك الإلهة، التي تطالب بالتضحية والمذلةِ، وشرط تسلطها الوحيد المتمثل بالفساد، الذي وَلَدتْ فيه الجنس البشري برمته، ضمن الإيمان والتهدج بالصلاة لها، ما هي إلا إلهة الزمان “Goddess of Time”. بيد أن كل مادة قد انغمرت في هذا البعد الزمني لن تغفر تملكها، مادامت تعني بالتملك ذلك التملك الكلي، الذي ليس بالمقدور إنجازه إلاّ عن طريق توحد الذات بالموضوع. ذلك beketلأن مسألة استحالة النفاذ إلى أي كائن إنساني، مهما كانت سوقيته ودلالته، ليست مجرد وهماً لغيرة الذات (مع إن عدم النفاذية هذه تغدو أكثر وضوحاً تحت أشعة “ريتغن” “Rötegn rays” للغيرة الأشد تضخماً عند الراوية، غيرة هي دون شك عقدة للتسلط والصبيانية عنده، وهما ميلان كان بروست قد دفعهما إلى حدودهما القصوى). كل ذلك نشط، كله مغلفاً في الزمان والمكان، ويتمتع بما يمكن وصفه باعتباره عدم نفاذ تجريدي ومثالي. لذا، يمكننا فهم موقف بروست : “نحن نتخيل بأن مادة رغبتنا هي كائن يمكنه أن ينحني أمامنا، ويلتحم بنا جسدياً، يا ليت! لكن تلك الرغبة تمثل امتداد ذلك الكائن في كل نقاط المكان والزمان اللذين كان قد أحتلهما وسوف يحتلهما. أمّا إذا لم نكن قادرين على امتلاك الاتصال بمكان كهذا أو ساعة كهذه، فسوف لن نستطيع تملك هذا الكائن. ذلك لأننا نعجز عن نلمس كل نقاطه”. وثانية: “أن كائناً موزع في المكان والزمان ما عاد امرأة، ولكن سلسلة من الأحداث لا يمكننا ألقاء الضوء عليها، سلسلة من المشاكل ليس بمقدورنا حلها، بحر نحاول جلده بحبل، كما فعل “أكسرس” Xerxes، لمعاقبته لأنه أبتلعَ كنزنا. ويحدّد الحب بالطريقة الآتية : “ما يجعله الزمان والمكان محسوساً”. كذلك فأنه يقنع “إلبرتين” بالذهاب لحضور عرض مسرحي في “توروكاديرو”، بدلاً من ذهابها إلى دار “آل فردينان”. فتقبل بذلك. لقد كان يظن بأنه أبعد تهديد لقائها بأبنت “فنتاي”، لذا يفكر بأن “إلبرتين” غنيمة لا ينبغي تضيّيعها. وها أنه يتلقى فجأة ضربة، أثناء تقليبه بكسل لصحيفة “الفيغارو”، تخبره بأن “ليا” كانت تعدُ نفسها للذهب إلى ذلك العرض المسرحي، الذي أرسل هو بنفسه “إلبرتين” لحضوره. ترجع إلى داره دون أن تتاح لها فرصة الحديث مع “ليا”. يعود إليه هدوئه، ومن جديد تُثار أعصابه بسبب من تلميح “إلبرتين” برغبتها لزيارة حديقة “بوت شمو” Buttes-Chaumont”. إذ يشك، هذه المرة، بأنها ستلتقي بـ “أندريه”. وهكذا يدرك بأنه لا يمكنه الحصول على أي سلام ما لم تغادره “إلبرتين”. فهو سيفقدها كما فقدَ في السابق “جلبرت أسوان” أو الدوقة “آل غيرمونت”. (لكن جلبرت مقارنة بإلبرتين تشبه مقارنة سوناتا بسباعية موسيقية –مجرد تجربة). كذلك يفهم بأن تحمل فكرة العذاب أكثر صعوبة من التعذيب نفسه. “لقد ارتجفت لبؤة حبي أمام ثعبان النسيان”. لهذا، يتخذ قراره في وقت مبكر من صباح أحد الأيام، في فترة اتسمت بالهدوء. على “إلبرتين” تركه. لقد كف عن حبها. سوف يسافر إلى مدينة “فينوس” مدينة حلمه في عصرها القوطي، في ربيع معتدل. ثم تدخل “فرنسواز” : “رحلت الآنسة إلبرتين في الساعة التاسعة وأعطتني هذه الرسالة إلى سيدي”. وفيها يعرف، “كفيدر”، “like Phèdre”، بأنها مرسلة من قبل آلهة لا تغمضُ جفنها.
“… هذه الآلهة في خاصرتي
قد أضرمت النار المحتومةِ في دمي،
تلك الآلهة التي شيدت مجدها القاسي
على قبض قلب كائن فاني”.
بعد ذلك بوقت قصير، تُقتَلْ “إلبرتين” في مدينة “تورين”. لكن موتها، أي تحررها من الزمان “Time”، لم يُهدأْ غيرته ولم يُعَجلْ بإطفاءِ ذلك الهَوسَ، الذي تشكل أداة تعذيبه وعجلاتها الدائرة الأيام والساعات. فهذه الأخيرة وحبها هي برمائيات، تغوص في الماضي والحاضر. هناك طقس أخلاقي وطيبة عاطفية، لا تكون أداة تكافئهما شمسية، بل قلبية. فلكي ينسى “إلبرتين” كان يجب عليه –كالفرد الذي يتلقى ضربة الفالج “hemiplegia”- نسيان الفصول السنوية، فصولهما، و، كطفل، عليه تعلمها من جديد. “لكي أعزي نفسي، كان عليَّ أن أنسى بأن”إلبرتين” لم تكن واحدة، بل العديدات منها”. كما كان عليه أن ينسى ليس “أناه، لكن العديد من هو “many I’s. فلكل “إلبرتين” ثمة من راوية يصاحبها، ولا يمكن لأية مفارقة تاريخية أن تضع جانباً ما كان الزمان قد زاوجه. كان ينبغي عليه التقهقر وإعادة تفعيل المحطات التي تُوقَفْ عذابه. وهكذا فإن دهشته بأن “إلبرتين”، التي كانت تضج بالحياة حين كانت معه، يمكن أن تموت، وحقيقة أن فكرة الموت قد هجمت على حياتها –قد ولدت لديه دهشة أضعف بألمها مما يمكن أن يحدثه موت شخص بعينه –لقد هجمت فكرة حياتها على واقع موتها. لكن المحطات التي أدت إلى الصلب “Calvary” تحتفظ بحيويتها الأصلية، بتصاعدها وضغطها باتجاه الصليب. ففي كل وقفة من تلك المحطات يتألم من الهلوسة “the hallucination” بأن ما كان قد خلفه من ورائه ما زال أمامه. “تلك هي قسوة الذاكرة”. أنه يصف ثلاثة مراحل، مرتبة حسب هبوط قواها وفظاظتها. أولى تلك المراحل كان تجوله وحيداً في “غابات بولونيا”، حيث أصبح كل شكل نسائي بمثابة “إلبرتين”، فالمركب الكوكبي لتألق وصخب المجموعة في “بالبيك” قد شحب الآن وتكسر، بتعاكس متناظر، في غمامته؛ أمّا الثانية، فقد حدثت أثناء تكلمه مع “أندريه”، التي تكشف له عن خداع صديقتها وبؤسها بكامله؛ وفي النهاية، المرحلة الثالثة، تَحدثُ في مدينة “فينوس”، حين يتلقى برقية من “جلبرت” تخبره بأنها تزوجت من “سانت لوب” وقد وقعت البرقية باسم “إلبرتين”، بسبب من خطأه في قراءة خط “جلبرت” وادعاءاته السوقية. لكنه لا يمكن “لإلبرتين” الناهضة من الموت أن تقلق شبحها الحقيقي، الشبح الوحيد الذي لا يمكن اغتصابه، في المقبرة المُهملةِ للقلب. فـ “إلبرتين” هي الأولى والأخيرة، باخوسية الساحل تلك التي رآها الراوية بحركة فهم محضة –الحدس، الأسيرة التي ستحصل على الحياة والحرية، والتي ستمتلك نفسها ضمن غسالات نهر “لوار” الفتيات. أن هذا التوكيد على المنظور الأصيل شيء نموذجي على طريقة بروست في الشخصنة. وهكذا، ثمة من تلميح على التوافق ما بين آخر دوقات “آل غيرمونت”، كما ظهرت في صبيحة أحد الأيام في دار أبن عمها، والمرأة المُترفة سليلة “جنفيف برابونت”، التي أُعجبَ بها الرواية عندما ظهرت له للمرة الأولى في كنيسة “سانت هيلير” في “كومبري”، بعد قداس في كتدرائية “جلبرت الشريرة”، ونظرتها ذات الابتسامة المتعرشة، التي لا تستقر ولون شعاع الشمس المتمايل عبر نافذته، أو حزام “جنيفيف” نفسها، السابحة في الزمن “المورفنجني” “Merovingian time” واللون الإرجواني الداكن والأسطوري لتألق اسمها. “وجلبرت” ذاتها ناهضة عبر سلسلة تحولاتها، من “جلبرت أسوان” في “الشانزيلزيه”، ثم الآنسة “فورشفيل” بعد موت “أسوان”، ثم السيدة “سانت لوب”، وفي النهاية الدوقة “غيرمونت، بعد وفاة “روبرت”، مثلما رآها للمرة الأولى في مدينة “تونسنفيل”، عبر تعريشة الزعرور البري، حورية وقحة مُستندةْ على مسحاتها، وسط الياسمين وزهرة الجدار النحاسية. كذلك فهو يرى حبه لـ “إلبرتين”، بالرغم من كل احتجاجات عقله، بمثابة شهادة على وضوح رؤيته وتأكيد على رؤيتها هي كنورس نهاب ومُخادع، عدواني وبعيد في هجومه ضد البحر. “في صميم العمى الكامل، تبقى البصيرة على شكل رقة وتحبيذ. لذا من الخطأ الحديث عن اختيار مشؤم في الحب، ما دامت حقيقة أنه كان هناك ثمة من اختيار ينطوي بذاته على شؤم الاختيار”. وكما في السابق، تكمن الحكمة في إسكات ملكة التعذيب أكثر مما تكمن في المحاولة العبثية على تقليص الحافز المُثير لتلك الملكة. “Non che la speme, il desiderio…” يَرغَبُ كل واحد منا أن يُفهم، لأنه يرغب في أن يُحبْ، وهو يرغبُ في أن يُحب لأنه يَحبْ. نحن لا نكترث بفهم الآخرين، بيد أن حبهم يشكل فرصة لنا.
لكن، إذا كان الحب بالنسبة لبروست بمثابة وظيفة لحزن الإنسان، وإذا كانت الصداقة وظيفة لجبنه؛ و، إذا لم يكن بالإمكان تحقيق واحدة منهما بسبب عدم النفوذ (العزلة) في كل ما من شأنه أن لا يكون “قضية عقلية”، يتمتع الإخفاق في التملك، على الأقل، بنبل ما هو مأسوي، فيما تكون محاولة التواصل حيث لا وجود لأي وصل ممكن مجرد قردية سوقية “simian vulgarity”، أو رعب مضحك، كجنون التحاور مع الأثاث. فالصداقة، وفقاً لبروست، ما هي إلا نكران لتلك العزلة التي لا علاج لها، والتي يخضع لها كل كائن إنساني. تنطوي الصداقة على قبول يُثير الشفقة للقيم الظاهرية. الصداقة هي أداة اجتماعية، كمواد التنجيد أو توزيع صفائح النفاية. لا دلالة روحية لها. فالنسبة للفنان، الذي لا يتعامل مع السطوح، لا يشكل رفض الصداقة شيئاً معقولاً فحسب، بل ضرورة. ذلك لأن التطور الروحي قائم في العمق. أن ميل الفنان ليس توسعياً، ولكنه تكثيفي. والفن هو تمجيد للعزلة. ليس هناك من تواصل، ذلك لأن وسائل الوصل معدومة. فحتى ضمن المناسبات النادرة، التي تعبر بها الكلمة والحركة عن الشخص، فأنها تفقد دلالتها أثناء مرورها عبر عدسة العين المعتمةِ للشخص الذي يقابلهما. فنحن أمّا نتكلم ونتحرك من أجل أنفسنا –وفي هذه الحالة يكون الكلام والحركة قد شُوها وأُفرغا من معناهما من قبل فطنة هي ليست فطنتنا، أو نتكلم ونتحرك من أجل الآخرين –وفي هذه الحالة، لا نقول ولا نأتي بأية حركة أخرى سوى الكذب. “يكذب المرء طيلة حياته، يكتب بروست، “ويكذب بشكل خاص على منْ يحبونه، وفوق كل ذلك يكذب على الشخص الغريب الذي سيكون احتقاره سبباً للألم العظيم عند الواحد –المرء ذاته. ومع ذلك ينبغي على شتيمة نصف دزينة –أو نصف مليون- من الحمقى لرجل عبقري أن تشفينا من حساسيتنا المفرطة وقدرتنا على التأثر بسبب تلك البذاءة المختصرة التي نطلق عليها اسم مسبة.
يَضعُ بروست الصداقة في مكان قائم ما بين التعب والملل. فهو لا يتفق مع تصور نيتشة القائل بوجوب إرساء الصداقة على أساس من التعاطف العقلي، ذلك لأنه لا يرى فيها أية دلالة عقلانية. “نحن نتفق مع أولئك الذين تكون أفكارهم (اللاأفلاطونية) تحتل نفس درجة الالتباس كأفكارنا”. يرتقي مراس الصداقة عنده إلى مصاف التضحية بالجوهر الذاتي الوحيد الحقيقي والذي لا يمكن إيصاله نحو مطالبات العادة المذعورة، التي يقتضي الأيمان بها إعادة بنائها بفضل جرعة من الانتباه. أنها تمثل حركة مزيفة للروح –من الداخل إلى الخارج، من التمثل الروحي للأشياء اللامادية التي وفرها الفنان، باعتبارها ما فصلته الحياة عنه، نحو القشور القذرة والتي لا تُهضم للاتصال المباشر بما هو مادي وملموس، أي ما نطلق عليه بالمادي والملموس. وهكذا يزور “بالبيك” و”فينوس”، يلتقي “بجلبرت” وبدوقة “غيرمونت” و”إلبرتين”، لكن ما يجذبه نحو تلك المدن والنساء لا يعتمد على واقعها بذاته، بل ما تفرضه عليه تعادلاتها الاعتباطية والمثالية. أن البحث الوحيد المثمر حفري، انغماري، تكثيف للروح، نزول. أن الفنان نشط، لكن سلبياً، فهو يهرب من الحلقات الخارقة للظواهر، لكي يهبط في نواة الدوامة. وليس بمقدوره ممارسة الصداقة، لأن الصداقة هي مركز انفلات قوة الخوف الذاتي “self-fear”، والنكران الذاتي “self-negation”. فالتعامل مع “سانت لوب” يجب أن يجري باعتباره شيئاً أكثر عمومية من نفسه هو، كنتاج للنبالة الفرنسية القديمة، وبأن جمال وبساطة رقته نحو الراوية –حينما يقوم، مثلاً، بتلك الرياضة الجمانزية الأكثر رهافة في أحد المطاعم الباريسية، حتى لا تتمّ مضايقة صديقه- يجري تثمينها، ليس باعتبارها مظاهرات لشخص من نوعية خاصة ويتمتع بجاذبية، ولكن كونها ملحقات لا يمكن تفاديها لشخص من سلالة عريقة وذو تربية رفيعة للغاية. “أن الإنسان، يكتب بروست، ليس بناءً يمكنه استقبال إضافات على مساحاته، لكنه شجرةً يشكل ساقها وأوراقها التعبير عن النسغ الداخلي”. نحن معزولون. لا يمكن أن نعرف ولا يمكن معرفتنا. “أن الإنسان هو ذلك المخلوق الذي لا يستطيع القدوم من نفسه، والذي لا يعرف الآخرين إلا في نفسه، أو هو ذلك المخلوق الذي، إذا ما أنكر هذا، يكذب”.

هنا، كما هو الأمر دائماً، ينفصل بروست عن كل اعتبارات أخلاقية. إذ ليس هناك ما هو صحيح وخطأ عنده ولا في عالمه. (ربما في ما عدا تلك المقاطع المُتعلّقةِ بالحرب، عندما يتوقف لفترة في أن يكون فناناً، ويضم صوته إلى الغوغاء، العامية، الخليط والرعاع). لا علاقة للمأساة بالعدالة الإنسانية. فالمأساة هي حكم كفارة، ولكنها ليست كفارة بائسة لمصالحة محلية لخرق مُشفر، ينظمها خدمة الجماهير. يُمثل شكل المأساة كفارة عن الخطيئة الأولية، الخطيئة الأصلية والأبدية لنفسه ولكل “socii malorum”، خطيئة ولادة المرء.
“Pues el delito mayor
Del hombre es haber nacido”.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"