الرئيسية » نقد » ادب » قحطان جاسم : إسترجاع حيّ لماض مفقود في رواية “صورة في ماء ساكن” للروائية العراقية سلوى جرّاح

قحطان جاسم : إسترجاع حيّ لماض مفقود في رواية “صورة في ماء ساكن” للروائية العراقية سلوى جرّاح

الشاعر قحطان جاسم
الشاعر قحطان جاسم

يمكن للإدب ان يلّخص او يسجل ويحفظ قيم حياتنا او اخفاقاتها من الضياع ، بنفس الوقت الذي يمنحنا المتعة النفسية والجمالية للولوج في ادغالها. فيمكن لقصيدة ما ان تصف لنا الحب وتظهر اهميته والتحليق في سمائه ، بل وتسهل لنا العيش في عذاباته. كما يمكن لرواية ان تسجل وتصف العلاقات بين البشر، فنكون منتبهين الى قيمة الحياة التي نعيشها والتفاصيل المحيطة بنا؛ الصداقات ، العائلة والمجتمع وغيرها، التي عادة ما نتوق اليها في وقت ما من حياتنا. لكن الادب، وخاصة الرواية، لا تكتفي بتسجيل ووصف واسترجاع الاحداث التي تبعث فينا الراحة فقط، بل تساهم ايضا بفضح جوانب الحياة البشعة من خلال طرحها اسئلة او كشف مواقف او عرض احداث وعلاقات ما. وفي رواية كهذه تشكل عناصر التاريخ والذات الانسانية قيما مهمة في بنيتها. ولان الرواية مشغولة بالعلاقات الانسانية اكثر من اي شيء آخر ، فانها بحث عن الموقف، او كما يقول الروائي ميلان كونديرا في مقابلة له :” الرواية بالنسبة لي هي الطريقة التي يمكن بها اختيار جوهر الموقف، فهي ليست مجرد استحضار للمواقف- الغيرة مثلا، او الرقة، او الميل الى السلطة- فهي تقوم بالقبض على كل هذا، تصل الى حد الوقوف الى جانبها ، تنظر اليها عن قرب، تتاملها وتفكر بهل مليا، تستجوبها، تطرح أسئلة عليها، وتفهمها..”(2) من هنا فان الرواية لا تقتصر على حشد المشاهد ومراكمة الاحداث وتقدمها على شكل سرد، بل تبحث عن عقدة المواقف فيها والتحولات التي تضيئها وتكشف عن طبيعتها وتقدم الخفي في بنية هذه المواقف والاحداث و العلاقات التي تصوغها. وهو ما سعت اليه رواية” صورة في ماء ساكن” للروائية العراقية سلوى جرّاح، التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت عام 2014. انطلاقا من هذه المقاربة، اقوم هنا بقراءة نقدية للرواية كي نرى الى أي حد تمكنت الروائية من الدخول الى جوهر واسرار عالم الاحداث والمواقف والعلاقات الانسانية.

ثيمة الرواية ونسيج السرد :
salwa jarrahتتناول الرواية موضوعا عالجه، في السنوات الاخيرة، مجموعة من الروائيين العراقيين ، أعني سرد التحولات الاجتماعية والسياسية التي رافقت حياة الانسان العراقي خلال ستة عقود من السنين ، حيث يرصد القاريء من خلال “السيرة الذاتية” للشخصية الرئيسية في الرواية “بديعة عبدالرحمن الكيّال” تاريخ العراق السياسي ونسيجه الاجتماعي منذ خمسينات القرن الماضي وحتى ما بعد سقوط النظام العراقي بسنوات. وتمثل عائلة “عبدالرحمن الكيّال”، التي تتكون من ولدين، توفيق و سامي ، ثم البنت بديعة، إضافة الى الام ” فريدة حجي فتاح ” والاب عبدالرحمن الكيّال، و شخصية ” بيبي أم عبدالرحمن التي كانت تعيش مع العائلة، العناصر الاساسية في نسيج الرواية.
تتخذ الرواية في تطورها ثلاثة مسارات؛ المسار الاول الذي يتمحور حول بديعة وعائلتها. نرصد حياة بديعة منذ ولادتها ثم تخرجها من اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد كفنانة تشكيلية، حتى هجرتها في خاتمة الرواية الى باريس بعد زواجها من المهندس عماد عبدالواحد. نتعرف على اخيها توفيق الذي يكبرها بثمان سنوات، وقد اصبح مهندسا وهاجر هو الآخر واستقر في كندا، ويتزوج من الكندية هنرييت. اما سامي ، الذي كان مهتما بلعبة كرة القدم، الذي انتمى الى حزب العبث ويصبح فيه عضو شعبة، فانه يواصل اقامته في بغداد. والدتها مدرّسة للغة العربية في اعدادية للبنات في المنصور، اما والدها عبدالرحمن الكيّال فقد كان تاجر اقمشة يملك محلا كبيرا. على تخوم العائلة والعلاقات مع بديعة يتطور المسار الثاني؛ حيث نتعرف منذ وقت مبكر عبر مسيرة حياة بديعة على حيوات اخرى تقدم بمجموعها صورة مصغّرة لتنوع النسيج الاجتماعي في العراق، احيانا بصورة مختصر ة جدا وفي اخرى بتفصيل ملموس. تتعرف بديعة في الروضة، الفضاء الاجتماعي الاول في حياتها، على العديد من شخصيات الرواية التي ترافقها على مدى سنوات طويلة فيما بعد. في الروضة أيضا تبدأ ” حكايتي مع الرسم”( ص.19 -الرواية). وفيها ايضا تلتقي بجارتها وفاء نعوّم التي ولدت في بغداد، فتاة من عائلة مصلاوية، قدمت من الموصل واستقرت في بغداد قبل ولادة وفاء، وهي من عائلة مسيحية” حيث تذهب كل احد الى الكنيسة” (ص15- الرواية). تتزوج وفاء من “صباح عبو”، رجل اعمال غني وقريب من سلطة البعث وتتخلى عن اكمال دراستها في كلية البنات. ومن خلال وفاء تتعرف على اخيها فوزي، المثقف الليبرالي الذي يحب الكتب والموسيقى ، تلتقي به بديعة عندما كانت في الرابعة عشر ويصبح صديقا لها. يهاجر هو الآخر الى باريس ويعمل فيها كاستاذ للفلسفة، و يلتقيان هناك ايضا.
اما “سورغول محمد كاوه” المولودة في بغداد ايضا، فهي من عائلة كردية قدمت من السليمانية.امها ” نازين خان” التي تتوفى فيما بعد بحادث سيارة. جاؤوا الى بغداد لان ابيها حصل عمل في شركة نفط العراق وكان جيولوجيا. سورغول ايضا تهاجر الى لندن مع زوجها الجراح ” د.احمد عرفان” ، الذي ” ليس فيه قطرة دم كردية”(ص.130- الرواية)،وقد تعرفت عليه في الكلية الطبية وكان يسبقها في الدراسة، بعد ان تكمل دراستها كطبيبة في بغداد. تلتقي بديعة بسورغول في المدرسة الابتدائية وهي ايضا تسكن في المنصور قريبا منها وتبقى صديقتها في مراحل عمرها اللاحقة ويلتقيان في لندن. وعندما تدخل بديعة اكاديمية الفنون الجميلة تلتقي بالطالب جواد كاظم علي، القادم من العمارة، والذي يسكن عند عمته في مدينة الشعب. علاوة على ذلك تظهر وتختفي بعض الشخصيات الثانوية التي لا تلقي ظلالها على تطور الرواية.
اما المسار الثالث للرواية فانه ينمو ويتطور على خلفية هذه العلاقات الاجتماعية، وبموازاة تقدم بديعة في الزمن ؛ حيث نشهد احداثا تاريخية-وتحولات سياسية تترك سماتها العميقة في تاريخ العراق وحياة الناس؛ فمنذ ان كانت في الخامسة ” تسمع البيان الاول الذي يعلن سقوط الملكية ويبدأ مسلسل الموت والقتل” ( ص.30- الرواية)، وبعد ذلك تتوالى الاحداث: ثورة 14 تموز 1985، محمكة الشعب، انقلاب 1963، مجيء عبدالسلام عارف بانقلاب جديد، مجيء البعث الى السلطة ثانية عام 1968، وما رافقه من حروب وقمع حتى دخول الامريكان عام 2003، ثم بسنوات ما بعد الاحتلال.
في هذا السياق السردي لعالم مصغر للنسيج الاجتماعي والفكري في العراق تبدأ الصراعات منذ مرحلة الروضة وعبر المدرسة والمحلة والجامعة والعمل. يمتزج الذاتي بالوقائع التاريخية، وهو تزاوج يفرض طبيعة سردية تحدده الروائية في مستهل الرواية : ” لن أبتدع شخصيات الهو بها ، أو حيّا ، أدخل تفاصيه ما يروقني، رغم أني كرسّامة أتمتع بخيال يتيح لي أن اخرج الواقع من فحواه ليختلط بالحلم والخيال”(ص.7-8- الرواية). يدلنا هذا الاستهلال على الشكل الفني للرواية واسلوب السرد. فكما يشير الناقد ياسين النصير، فان الاستهلال يلعب دورا مهما ” بتحديد السمات الفنية والفكرية التي تحدد تفكير واسلوب الكاتب”(3) ويضيف النصير الى ضرورة توفر “وجود بؤرة اسلوبية ، قد تكون مفردة أو أكثر ، وقد تكون جملة صغيرة.” ص.159. وهذه البؤرة هي التي تقود الكاتب الى اعماق نصه. وتقدم مفتاحا للقاريء للدخول او التعرف على بينة واسلوب هذا النص.
وطبقا لذلك يمكن لنا الاستدلال على ان الروائية جرّاح وضعت خطة محددة للنص واسلوبه في هذه الصياغة او الاستهلال، و حددت مسبقا الشكل الفني لروايتها ، حيث اختارت الواقعية كأناء فني لسرد تفصيل الاحداث والشخوص والاماكن . وهي احداث واقعية عاشتها الكاتبة بنفسها، رغم ان تلك الواقعية لا يعوزها الكثير من الخيال. فبديعة، الشخصية الرئيسية، هي في الاصل فنانة تشكيلية، فنحن هنا امام شخصيتين فيهما بعضا من الخيال؛ الفنانة والكاتبة في آن واحد، الكاتبة التي تسرد حياة الفنانة التي ترسم وتمتهن الفن كوظيفة ابداعية ومصدر عيش. قد توحي هذه العبارة الى القاريء بانطباع مفاده انه سيقرأ تفاصيل خاصة لسيرة ذاتية لامرأة، الا ان الرواية تقودنا الى غير ذلك. فكلما تقدم القاريء قدما في تفاصيل الرواية وزمن وقائعها، كلما بدا الأتقان التخييلي في سبك نسيج الاحداث الواقعية وانتقائها وترتيبها فنيا واضحا.
ومما يلاحظ له ان بناء النسيج الحكائي للرواية تم على شكل مقاطع مترابطة دون ان تحمل عناوينا فرعية لفصول، بحيث تحوّل نسيج الرواية الى وحدات متصلة مع بعضها، كأنها حكاية طويلة واحدة عن حياة عائلة تتمحور حول شخصية بديعة، تتوالد الاحداث فيها دون انتقالات مفصلية حادة، قد يتطلب بدايات جديدة او انعطافات في بنية نسيج الرواية السردي. فحافظت بذلك على تتابع الحدث وانسيابية السرد وتوزع الادوار، والايحاء بوحدة التجربة سواء على المستوى الشخصي، المتعلق بحياتها ، او المستوى التاريخي الذي تتابعت كوارثه في العراق.
شخوص واحداث الرواية :
kh salwa jarrahتعرفنا منذ البداية على الشخصية الرئيسية في الرواية “بديعة” ، بانها فنانة تشكيلية، أي تنتمي الى الفئة المثقفة التي تشتغل في الحقل الابداعي وبالتحديد الرسم. وهذا يرسم لنا صورة مسبقة عن محدودية الحراك الاجتماعي لها، ثم مسارات علاقاتها الانسانية. وتتعمق الصورة اكثر حينما نطلع على طبيعة حياتها وخلفية أسرتها الاجتماعية، فهي قد ” ولدت في بيت الأسرة في حي المنصور ببغداد”(ص.8 – الرواية) ، احد احياء بغداد الراقية التي لا يسكنها الا الميسورين. وتسير الحياة في بيت عبدالرحمن “دون ان يعكّر صفوها شيء يذكر” ( ص.29-الرواية). ثم تصف البيت الذي تسكن فيه ” انها تسكن في بيت من طابقين ، ابوابه وشبابيكه من الخشب الصاج- له مدخل مرصوف، وتدور حوله حديقة واسعة” (ص. 28- الرواية). وهكذا فان بديعة كانت تعيش حياة ميسورة هادئة ، او كما تقول :” حياتي بين اسرتي في حي يوفر الكثير من الرفاهية والعزلة”(…..)” في أسرة لم تكن مشغولة بما يجري حولها” ( ص.-31- 32- الرواية). أبوها “عبدالرحمن محمد الكيّال” يملك محلا كبيرا للاقمشة في شارع النهر ببغداد”(ص.9- الرواية)، اي انه ليس مجرد تاجر اقمشة، بل كان محله يتعامل مع الاقمشة الفاخرة والغالية. مع ذلك فان الاصول الطبقية لابيها عبدالرحمن تختلف عن الصورة التي تقدمها عن وضعهم الراهن ” فمما بلغه من وضع اجتماعي لم يتحقق الا بعد جهد جهيد.”( ص.49- الرواية). كما ان امه ” بيبي ام عبدالرحمن” القادمة من الناصرية هي ” الفاطمة التي تربيت في بيت فقير”( ص.56- الرواية).
أما امّها “فريدة حجي فتاح” فتعمل مدرّسة لغة عربية في اعدادية حكومية للبنات (ص.12- الرواية). بالنسبة لأخويها توفيق وسامي. فالاول يكبرها بثمانية اعوام، وتصفه بانه ” من نوع آخر فهو متحفظ بعض الشي”، كما انه لطيف ويبدي اهتماما ببديعة.
والثاني اكبر منها بثلاث سنوات، وتصفه من من خلال اصدقائه” يشبهون اخي سامي في رعونته وتسرعه”( ص.78-الرواية).يدخل سامي الجامعة، كلية الرياضة ليتخرج منها ويعمل مدرسا للرياضة، وكان على وشك الحصول على بعثة دراسية، بسب ارتباطه بالبعث الا ان فشله في اختبار اللغة منعه من ذلك. كان سامي يبدي ولاءً متعصبا الى حزب البعث الى درجة ان الأب راح يحذر العائلة ” من سامي وولائه للبعث (ص.112-الرواية).
وفي ظل هذه العائلة كانت بديعة تعيش حياة بهيجة او كما تقول ” كنت مدللة الجميع ، وبهجة البيت، الكل كان يرد عبارة واحدة ” بديعة الحلوة الحبابة” ( ص.11- الرواية)، وهو الاسم الذي يلاحقها على طول صفحات الرواية.
يمثل دخول “بديعة” اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد في اوئل السبعينات ، تحولا جديدا وانعطافة مهمة في حياتها. فهنا كما تقول” تعرفت لاول مرة في حياتي على المجتمع العراقي الحقيقي، المجتمع الذي يخرج من النطاق الضيق للحياة في الاحياء المترفة في االعاصمة” (ص.94- الرواية). ومقابل ذلك كان بعض الطلبة الذين إلتقتهم يسكنون في مدينة الثورة، التي بناها رئيس وزراء العراقي عبدالكريم قاسم بعد ثورة تموز عام 1958 ، للعوائل الفقيرة التي كانت تسكن في الصرائف في منطقة خلف السدة. في هذا الفضاء الاجتماعي والعلمي تلتقي بديعة بشباب يشبهونها، لكنهم لا ينتمون الى طبقتها ، لهم احلام كاحلامها وانشغالات وتصورات مغايرة، وقد قادها ذلك الى صدمة” اكتشاف عالم حقيقي، قاع المجتمع”( ص.95- الرواية). الجامعة تمثل هنا إعادة اكتشاف للذات، لكنه اكتشاف هامشي، تولد عبر صدمة شعورية – انسانية، و لم ترافقه تحولات فكرية وطبقية، فلا العائلة، الاصدقاء ، ولا ما تمتلكه من ثقافة ادبية وفنية اكتسبتها عن طريق الكتب، او العلاقة بالطالب جواد كاظم علي، الذي صار حبيبها وزارته في غرفته في مدينة “الشعب”، حيث يسكن في غرفة ملحقة لبيت عمته، التي كانت بمثابة كراج سيارة، كان يؤهلها للانتقال طبقيا وفكريا. فهي قد سمعت او قرأت عن المدينة التي يسكنها فقراء العراق القادمين من مدن الجنوب لكنها لم” تلتقِ احدا من سكانها” (ص.96-الرواية).
اما حبيبها جواد كاظم علي فهو شاب في العشرين، وسيم وجريء بهندام متواضع. ، ابن اسرة فقيرة تعيش في مدينة العمارة في جنوب العراق.مات أبوه في وقت مبكر من حياته، وكان يعيش مع أمه وأخته على المساعدات التي يقدمها عمه اليهم. اخته تتزوج وكان عمرها 15 عاما من رجل ميسور. وقد كان جواد متفوقا في المدرسة. ولانه فشل للحصول على عمل في العمارة، فقد قدم الى بغداد واضطر للعمل كخطاط في احد المحلات لكي يوفر المال المطلوب الذي يلزمه للدخول الى اكاديمية الفنون. وقد صرح لها ذات يوم ” كنت اخذها مشي من سوق السراي الى بيت خالتي بمدينة الشعب، اكثر من ساعة رايح جاي كل يوم ، رياضة اجبارية” (ص.98- الرواية). كان جواد مسكونا بتحقيق احلامه الكبيرة ، او كما يعبر” كي لا تصبح كاحلامه الصغيرة ، تطارده دون رحمة …بعد ما ارضى تتراكم الاحلام، تعبت من الاحلام، الي تبوخ ويضيع الوانها”. وهي ملاحظة تكتسب اهميتها لفهم تحولات جواد الانتهازية القادمة . فاحلامه لا علاقة لها بما هو مشترك، بل يعبر عن حلم ذاتي، وانشغال بخلاص فردي من فقره الخاص. تتوطد علاقة حب بين بديعة وجواد في السنة الاخيرة من الدراسة في الاكاديمية ، وتتواصل اللقاءات على حديقة المركز الثقافي البريطاني حتى في فترة العطلة الصيفية. تحس ان علاقتها به هي علاقة “تمس الاعماق داخل الانسان”، مقارنة بعلاقتها السابقة بصديقها فوزي، التي كانت “علاقة اكتشاف وانبهار من الخارج. لقد احبت جواد لصراحته وصدقه رغم انها “بقيت متوجسة “. وكان مبعث ذلك الخوف الفوارق الطبقية بينهما، حيث ماذا سيكون موقف أمّها منه؟ ” ترى هل سيُستقبل جواد يوما بابتسامة كهذه ؟ هل سترضى عنه ، أم ستحصي عيوبه؟ “( ص123- الرواية).وهو نفس الامر الذي تدركه صديقتها سورغول عندما تشير اليها باتساع الفوارق الطبيقية بينهما. لكن هذه العلاقة لا تدوم بسبب اضطرار جواد، المنتمي الى الحزب الشيوعي، الى الاختفاء فجأة بسبب ملاحقته من قبل المخابرات العراقية ولجوئه الى كردستان، من ثم عبوره الى الاتحاد السوفييتي، حيث تنقطع اخباره عنها تماما لسنوات طويلة بعد ان يترك لها اربع رسائل. وكانت آخر رسالة استلمتها منه عندما كان في الاتحاد السوفييتي التي ينهيها ب” أعتني بنفسك، وفنك وأبقِ الجميلة التي أعرف” (ص.152- الرواية). تتزوج اخيرا من المهندس عماد عبدالواحد، زميل اخيها توفيق في الدراسة، الذي ينحدر من عائلة برجوازية، والحاصل على شهادة ماجستير، والذي دخل دورات عديدة في ايطاليا وباريس، ويعمل مدير شركة. تختتم بهذا الزواج علاقتها بجواد، و تقوم بحرق رسائله. زواجها كان بمثابة ” محاولة للهروب من ماض مجهول” ( ص.175- الرواية). كما انها تحصل لها على عمل بعد تخرجها كمدرسة اعدادية للرسم في منطقة الصالحية. تهاجر فيما بعد الى فرنسا وتستقر فيها بعد ان يلحق زوجها عماد بها. وهناك ايضا تحصل على عمل كمدرسة للرسم لبضعة ساعات في مدرسة لتعليم العرب، بينما هو يحصل عمل في شركة عالمية. تلتقي بجواد مصادفة في باريس، وقد تحول الى تاجر كبير يتعامل مع الحكومة العراقية في صفقات تجارية، بينما يقيم في الوقت نفسه في ايطاليا. وكان قد تزوج من امرأة روسية، وله ولد وبنت منها يعيشان مع امهما بعد انفصاله عنها.
في فترة الحرب والحصار كانت الحياة في العراق قد تحولت الى جحيم. وقد اجبر الفساد والفقر والقمع العديد من الميسورين واصحاب الشهادات للهجرة او مغادرة العراق. وبموازاة استمرار الحرب استمر ايضا العقم الذي اصاب بديعة. لم تحدث تحولات كبيرة في حياة بديعة رغم ما مرت بها من احداث، فقد بقيت الفتاة الميسورة التي تعيش على تخوم ما يجري من مآسي في العراق، و تتمتع بحياة منعمة مقارنة بما اصاب العراقيين وحتى ابناء العوائل التي تشبه عائلتها. اكثر ما كان يقلق بديعة هو عدم تمكنها من الحمل بعد الزواج والحصول على طفل رغم المحاولات المتفرقة. رأت في رحلتها الى باريس ” فرصة للخروج مما انا عليه. انا اختنق . لم أتخيل يوما أن بغداد الجميلة ستختفي في يوم من الايام “( ص.194- الرواية). وبمغادرتها العراق واستقرارها في باريس تتمكن من الحمل أخيرا، حتى صار عندها بنتان “يارا وساره”. ويمكن القول ان الروائية جرّاح ارادت من خلال الاشارة الى ثنائية العقم والحمل الدلالة على ان العراق توقف عن الولادة والانتاج، لقد توقف عن الحياة او يكاد ذلك. وان الخروج منه هو الحل الوحيد. خلال اقامتها في باريس تموت ” بيبي عبدالرحمن وكذلك والدها، الذي لم يتمكن لا بديعة او توفيق من حضور جنازته.
تحتل شخصيتا سامي و جواد اهمية كبيرة لو ان الكاتبة سلوى جرّاح اهتمت بهما اكثر، ومنحتهما مساحة اكبر في الرواية. وكان يمكن تحويلهما الى شخصيتين نمطيتين يمكن عبرهما رؤية كلّ شخصية ايديولوجية وانتهازية. فمن خلال سامي كان بالامكان التوسع في كشف الصراعات و التحولات والمواقف بين خيارات عديدة اهله ، التزامه الايدولوجي ، خوفه من المستقبل وغيرها، الذي كان يعيشه هو بالذات، على خلفية انتمائه الايديولوجي وولائه الفكري لحزب البعث، وما يمكن ان يتركه هذا الولاء على سلوكه تجاه اقرب الناس اليه او الكوارث التي يمكن ان يتسبب بها. حتى ان بديعة كانت خائفة منه وتردد مع نفسها ” ترعبني فكرة ان يعرف أني أحب شيوعيا هاربا” (ص.144- الرواية). لكن الرواية لم تمض بفكرة الخوف الى مديات اوسع كي تكشف صورة الرعب والموت التي فرضها النظام، من خلال سامي “البعثي” الملتزم ، التي هيمنت على المجتمع. الى جانب ذلك شخصية جواد الانتهازية، فباستثناء الزيارة التي قامت بها بديعة الى غرفته، ووصفها باختصار شديد وعابر المنطقة التي يعيش فيها وغرفته، الا ان الرواية لم تتعمق في الحياة والطبيعة النفسية والتناقضات التي كان يعيشها جواد. رغم ان الروائية نجحت في الاشارة في وقت مبكر من زمن الرواية الى تحوله الانتهازي اللاحق، الى عكس ما كان يؤمن به سابقا، حيث يتحول الى تاجر بعدما كان شيوعيا مناضلا في سبيل الفقراء قبل دخول الامريكان العراق. كما يمكن ان يوحي هذا التحول بان أنتمائه الى الحزب الشيوعي كان في الاصل انتماء ثقافيا فكريا- عاطفيا، اكثر مما كان انحيازا ووعيا طبقيا، بمعنى انه لم يتحقق عبر سياق معارك طبقية وسياسية، بل من خلال التأثر بقراءات فكرية، جاعلة اياه رمزا للثنائية التي يتمتع بها العديد من سياسيي ما بعد سقوط نظام صدام عام 2003. علاوة على ذلك، لم تلق الرواية مزيدا من الضوء على علاقة جواد ببديعة، بحيث تتعمق اكثر في عالمها النفسي بعد لقائها بجواد، وهي الفتاة الميسورة التي لا تفهم شيء في السياسة. إذ يمكن لنا ان نتساءل: ألم يخلق اطلاع بديعة بانضمام جواد الى الحز ب الشيوعي، وملاحقة السلطة له، حالة شك وتردد فيها بحيث تجعلها تعيش بين مواقف متناقضة؛ بين الاستمرار او قطع العلاقة، وبالتالي الكشف بصورة اعمق عن قلقها ومخاوفها وربما لوم نفسها على علاقة كهذه ؟ اضافة الى ذلك، فاننا لم نشهد، رغم اعلان بديعة بنفسها عن اكتشاف قاع المجتمع، طبيعة هذا القاع والصراعات التي دارت فيه والتشرذم الاجتماعي والأسري الذي حصل فيه في ظل الحرب والقمع والحصار، بل بقيت الرواية على مسافة وهامش هذا القاع.

لغة الرواية :
سعت الروائية ان توائم بين واقعية الاحداث ولغة االسرد. وكانت اشارتها منذ البداية الى التزامها بالانطباعية كرسامة ” احببت أسلوب الانطباعيين في الرسم، ضربات الفرشاة التي تميزها العين، والاهتمام بمصادر الضوء مما يعطي الاحساس بمرور الوقت وحركة الناس، كل شيء في اللوحة يتحرك ويتكلم” (ص.25- الرواية)، اي كل ما يقترب من الحياة الفعلية الذي يحتاجه الكاتب في عمله السردي. ولهذا لجئت الى استخدام اللهجة الشعبية القريبة الى الفصحى، والتي تتناسب مع المكانة التي يحتلها اكثر شخوصها في السلم الاجتماعي. أضافة الى انها احيانا استخدمت اللهجات المغرقة في محليتها للتعبير عن اصول هذه الشخوص، وخصوصا على لسان بيبي ام عبدالرحمان. وقد اجادت ذلك في محاولة لرسم انتماءات شخوصها الجغرافية. الا ان بعض الصياغات جاءت على شكل عبارات جاهزة فيها تقرير مسبق يقوض جمالية السرد، كأمثلة على ذلك” الرجل الذي يضرب زوجته او اخته، هو في معظم الاحيان رجل جارت عليه الدنيا وقست، فاستضعف من هو اضعف منه.”(ص18- الرواية) او عبارة جاهزة” ابي كان يريد لابنته ان تحقق ما تحلم به هي بتحقيقه، لا ان تحقق احلامه هو فيها. وبما ان الفن هو الحلم في حياتها ، فلتكن رسامة تفهم مهنتها وتعرف اصولها.”(ص.26- الرواية)، اوتعميم “المرأة تستطيع ان تلغي وجود امرأة اخرى ببضع كلمات”( ص.17- الرواية).

الاحداث التاريخية والتحولات الانسانية
تنحصر مهمة الروائي في انتقاء و استجلاء ما خلف الاحداث والوقائع وكشف تناقضاتها وسلوكيات الناس وتحولاتها. يمكن القول باختصار ان الروائية سلوى جرّاح قدمت لنا بانوراما التاريخ الشخصي لبديعة عبدالرحمن الكيّال متزامنة مع التحولات التاريخية في العراق، باسلوب سهل، واقعي، لكنه مختصر احيانا بصورة قسرية، بحيث بقيت على مسافة من بعض الشخصيات، التي كان بامكانها ان تضيء خلفية الصراعات والتمزق الاجتماعي في تلك الفترات. كما طغى الجانب “الوصفي”، الى حد ما على الجانب “الكشفي” في النص، بحيث لم نلمس تحولات عميقة او حاسمة في حياة بديعة رغم الاحداث التاريخية الكارثية التي جرت في العراق، اي ان ثمة مفارقة بين ما هو تاريخي وبين ما هو ذاتي شخصي. وربما يمكن تبرير ذلك باعتبار ان “بديعة” الشخصية الرئيسية في الرواية تنتمي الى عائلة ميسورة مما مكّنها من امتصاص قوة صدمات الاحداث التي توالت عبر السنين.
لكن الملاحظات أعلاه لا تقلل من قيمة واهمية الرواية. فان رواية ” صورة في ماء ساكن” ستبقى عملا أدبيا مهما مكتوبا بلغة سلسلة وسرد واقعي اصيل، يسجل باختصار تاريخ العراقيين ويعرض بانتظام مدروس واسلوب واقعي النسيج الاجتماعي العراقي والعلاقات الانسانية المتبادلة الحميمة السابقة، التي قامت الاحداث السياسية في تفكيكها وشرذمتها منذ خمسينات القرن الماضي.إنها استرجاع حيّ لماض مفقود.
.

الهوامش
1) الصفحات التي تم الاشارة اليها في داخل المقال عن الرواية مأخوذة من :سلوى جرّاح، صورة في ماء ساكن ،بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 2014
2) ميلان كونديرا: رواية اليوم تمتحن عالمنا، حوار ايان ماك ايان، ترجمة الياس فركوح، آفاق عربية، بغداد:وزارة الثقافة والاعلام، 1990، آب، ص.98
3) ياسين النصير ، بنية الاستهلال في الغروب الاخير ، آفاق عربية ، بغداد: وزارة الثقافة والاعلام ، ، 1993 ع. 5 آيار، ص.148

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *