حميد حسن جعفر: تحـولات النّـص* تحـولات التنــاص في (طريدون) (2-2)

(7)

إن الفنان / الرسام لم يستنسخ واقعاً بل أقام حياةً ، بشراً وأحداثاً جغرافيةً وفضاءاتٍ ، من الممكن أن تستبدل أماكنها بسواها.
لذا فأن – طريدون – المكان / المدينة المصورة ، تشكيلات لها من القوة ما يمنحها إمكانية اشغال أمكنة أخرى . بعيداً عن التفكيك وإعادة التركيب ، بل يراها القارئ ، حالها حال أي مواطن يسكنها ، أو يسكنها ، أو يمسك بأي مفاصلها .
تتحرك وسط أي فضاءات تشاء ، والطريقة التي ترغبُ . فهي كائن بعيد عن الهشاشة ، قريب من اتحاد المفاصل ، فليس من السهل أن تستطيع الحروبُ قلعها / محوها من فضاء البحر . رغم حركتها وانعدام ثباتها الموقعي ، الذي يمنحها مبدأ المقاومة ، لأن وضعها المتحرك يمنحها حالة المراوغة . فهي تقف خارج أن تؤمر . خارج الانصياع للآخرين رغم آثار الحروب ، وما تتركه المعارك على جذوع أشجارها وطين جدرانها ، وبوابات الصباح التي تتقبعها .
إن ما يوجد خارج فضائها ، يجد نفسه داخل حوافها / أطرها .
كيف تتم الحركة / الانتقال ؟ وفق أي من المبادئ ؟ تحت أي قوة طاردة ؟ قادرة على فعل حدث يقف خارج إطار الصورة !
كل هذا لن ينتج عن حالة صحوٍ طارئةٍ ! بل هو الصحو المتواصل الذي لابد له من أن يدخل حيز الغيبوبة ، حيث التداخل ما بين الخارج / الأشياء والداخل / المدينة
[ يقول الكابتن – أمامي سجل – طريدون– مفتوحاً من أوله
ومن حاشية اللوحة بدت طاولة نيكل متقاربة الابعاد
تتصل بمقدمة السرير ، فتمحي الفوارق بين الأمكنة
كل ما يشكل على أرصفته ، المياه بشراً ، أمكنةً
أحداثاً ، كنتُ أراه في طريدون يتخلق أشباهاً وتوائم ] ص42
إن إعادة التكوين يكاد يتحول الى مرآة ولكن وفق رؤية بعيدة عن الاستنساخ الفوتوغرافي . حيث تسود السكونية . ويحل انعدام الرغبة في التغيير . إن المفردات التي تحيط بالقارئ ، وحدات متكررة . ولكن حين يعمل الكاتب على إعادة تشكيلها ، وفق عملية ربط غير ما كانت عليها . عند هذه النقطة تكتسب التشكيلات الجديدة غرائبيتها ، وسحر الملامح المؤتلفة .
إن تفكيك الواقع هي عملية تدميرية ، ولكن إعادة البناء وفق رؤية مناهضةٍ للتكرار ، هو الذي يوفر التشكيلية الحداثوية للمدينة المراد بناؤها ، التشكيلية التي تطالب القارئ بتوظيفها جديدة لكي تتمكن تمنح الآخرين انتاجات أخرى.
والسارد هنا هو البطل ، الكابتن / الفنان النشكيلي ، المعمار الهندسي ، يولد الصور وسط ذهنية / مخيال متوقد خارج اطار الآخرين . ويلغيها ، ليحل بدلها حدث أو كائن . كل هذا يحدث في فضاء غير محسوب . وعلى أرض غير محسوسة . ووسط ذاكرة قادرة على سحب الحدث والصعودبة من الأعماق نحو الأعالي . والقذف به خارج الاهتمامات . كل ذلك يتم بعيداً عن دليل عمل . كل هذا يتم بعيداً عن الخصوم ، وليظل هو السارد – المحتفظ الوحيد بالسجلات والذكريات . وبالحياة كذلك .
فقد بات الإنسان – مهما كان قريباً منّا – كائناً مؤتمن . فهو القادر الوحيد على الجلوس عند الحافة ، والهبوط في نفس الوقت الى الماء . ليرتقي زورقه ، وهو الوحيد القادر على التواجد في المدينة / الواقع ويداه تقلبان سجلات طريدون / الحلم .
إذ إن تواجد / وجود القاص / الكابتن في أكثر من مكان ، مؤدياً لأكثر من مهمة / عمل في ذات اللحظة يدفع بالقارئ الى أن يحاول تشكيل مدينة / سفينة / لوحة تشكيلية على غرار ما يمتلك الآخر .
وكما الخصم – الذي لا يراه سوى السارد / البطل المتماهي خلف تشكيلات لا تمتلك ملامح ولا دلائل – تعمل كائناتت النص القصصي ، وليس القصة . إذ إن الكاتب يعمل على اختراق / خرق جميع تحصينات القصة ، لاغياً جميع أكاديمياتها . حيث تتداخل الوحدات القديمة المتعارف عليها كلاسيك القص ، مؤدياً بذلك الى الغاء التوقعات ، ورفع اليد عما تستنتجه الكتابةُ ، فالمسميات والصفات والكنى ما عادت تطلق على أشياء أو كائنات أو مخلوقات محددوةٍ ، فقد تخلت المسميات عن أسمائها ، والصفات عن الموصوفات . والكتابات وجدت الوانها تلطخ الجدران والواح المراكب . بل إن الجغرافيا راحت تعد نفسها للوهم حتى ما عاد الكاتب يمنح الآخرين من أبطاله ومخلوقاته أسماءً تميزهم عما سواهم بل أطلق على الجميع ما يوحدهم في الفرد الـ (أحـد) مستنداً بذلك على قوة وحراك مخيال قادر على التغيير والتشكيل والتبدل بعيداً عن الضياع وإنعدام الأدلة والدلائل . فهو يطوي المسافات ، ويعبر الموانع ، بعيداً عن الإحساس بضرورة وجود نافذة أو بوابة ، أو سلم يرتقيه . بل إن جميع ألشياء / المواصفات تحدث ، وتُلغى بنفس القوة والقدرة والوضوح فهو يتحرك وسط فضاء مضيء رغم العتمة ، وجغرافيةٍ موائمةٍ رغم اختلافاتها وتعد تضاريسها . وبعيداً عن الفنان التشكيلي / اللوحة . يأخذ القاص دور الرسام ليمنح الألوان والإضاءة [ وما نسي الرسام / الفنان من ظلالٍ لم يستطع أن يأخذها معه حين انتهى من عمله ] شيئاً من روحه . فينفخ فيها الحياة ، حيث تتلابس الدواخل بالخوارج ، وليستعيض البحر بالبر والقبطان بسواه – حتى الجوامد )) راحت تستعير أدوار الآخرين . ولتسمي نفسها بما تتصف به الكائنات الحية ، فجميع المحتويات سواء على رصيف المياه أو على سطح المركب ، سواء ما بين إطار اللوحة أو قاعدة التماثيل جميع الأشياء تمارس عملية الخلق والتكوين عبر مختبر صناعة الواقع الجديد ، البعيد عن سلطات الآخرين من المبدعين والفنانين والساردين . إنها عملية بناء تقترب من السحر ، ما تتعد عنه . تتداخلُ مع الواقع بنفس القوة التي تبتعد عنه .
وكما يدير القبطان دفة المركب الموجه وسط اللوحة كذلك يحسن السارد ادارة شؤون – طريدون – التي تتقلب بجغرافيتها بين يديه اللتين تحاولان التخلص من السبات والدخول في الحركة .
تلك على قماش اللوحة وهذه في عرض البحر / الشط ، وثالثة ضمن نسيج الكلام تلك بألوانها التي تسيح مشكلة حياةً مكللةً بالصفرة ، وتلك بكائناتها وعلى أرضية هذي وتلك يحاول القاص الاشتغال سوية ، يأخذ من هذه ليمنح تلك ، أو يسلب من تلك ليهب هذه . وما بين الأخذ والعطاء تتحرك فرشاة / قلم القاص ليؤكد حقه بمنح الحياة للجماد .
كل هذه الأمور تتم وفق المعيش الذي استطاع الفنان التشكيلي أن يرمي به في لجة الألوان ، وليحوله عبر مخياله الى لوحةٍ مؤطرةٍ . استطاعت في لحظة ما أن تستوعب حركة الواقع لتغلفها بسكونية مؤقتةٍ ، استطاع السارد أن ينفخ فيها من روحه ، ليعيدها الى الحياة عبر مخيال آخر . مخيال سردي بعد أن استطاع أن يمنح كائنات اللوحة القدرة على عبور الاطار الخشبي وتجاوز الحدود لتتداخل الحياة الواقعية بالمتخيلة .

(8)

إن عملية الكتابة التي اعتمدها القاص – جابر خليفة جابر – من أجل انجاز نصوصه تلك تعتمد في الأساس على تعدد حالات من التناص .
1.    الأول :- التناص مع الواقع الذي حول الى لوحة .
2.    الثاني :- التناص مع النص وصولاً الى رسم اللوحة .
3.    الثالث :- التناص عبر اعتماد اللوحة من قبل السارد في كتابة نص على احتواء ما في اللوحة من حياة محاصرة استطاع أن يفكَ عنها اغلالها / الوانها لتتحرك بعيداً عن سلطة الفن التشكيلي .
والتناص هنا ليس عملية استغلال نص / لوحة في كتابة لوحة / نص . بل انه يعتمد في هذه الجغرافية على قدرة القاص في إزاحة واقع واستغلال مفرداته في إقامة مشهد قصصي قادر على أن يمنح البديل . إضافةً الى ما في النص السابق من مهابة وسمو .
فالقاص يعمل على إقامة متون سردية متقاطعة مع المتعارف عليه . وذلك عبر الاشتغال على نصوص إبداعية غير كتابية . نصوص تنتمي الى إبداع تشكيلي . كسواه من المبدعين الذين اشتغلوا قبله روائياً . كما هو الحال مع المبدع القاص محمد خضير في كراسة كانون مع منجز إبداعي يعتمد اللوحة كجغرافية ، واللون والخطوط والظلال والضوء والفكر والتناول كمحتويات .
***
فما إن يجد القاص / الراوي البطلَ [ الذي لم يعرف له القارئ في كثير من الأحيان اسماً أو ملمحاً أو صورة سوى أن يكون – أحدَ سكان اللوحة / السفينة ] قد يكون بحاراً أو شخصيةً خدميةً أو قبطاناً أو قاشطاً للأصباغ [ أو الذين إدخرهم القاص لما يأتي من نسيج قصصي أو حدثٍ يحتاج الى هكذا كائنٍ ] أو هو القاص / الفنان نفسه وقد تخلص من اللوحة حتى يدخل الواقع المصنوع المتخيل ، متخلصاً من الواقع الأول / الواقع الحقيقي . والواقع الثاني التشكيلي . وليجد جسده وسط واقع هو نتاج مخيلة القاص نفسه . حين يبتعد عن العيون والملاحقات والأخطاء . [ أخطاء الآخرين . القادة / السلطة / الخصوم ] حيث لا آثام لا معاصي لا تجاوزات حيث يتحرك الكائن الإنساني متخلصاً من جاذبية الأرض ، سابحاً وسط فضا . الإحساس بالتحليق . ولكن يظل الواقع الوسيط ساكناً بين الواقع الثابت ، والواقع المتخيل / المسرور . واعني به اللوحة التي حولها التناص الكتابي الى عالم لا ينفذ / لا ينتهي / لا يجف من الأحداث والشخصيات والطموحات .
فالقاص لا يشطب الفن التشكيلي المتناص مع ما يكتب ، بل يحوله الى خزين / ذخيرة تمكنه من خلق عملية استيلاد تمنحه القدرة على الاستمرار بإشعال الحرائق بالجاف من العشب / ولنجد الجذور تنفسها . ولتدفع بورقها الأخضر ثابتة الى الأعلى فعملية الشطب عملية غير متحققة . بل العكس من ذلك يحس القارئ الذكي بأن القاص قد يتحول الى فنان تشكيلي ، فيضيف من عندياته ككاتب الى ما عند المنتج الآخر / الفنان التشكيلي ، خالقاً بذلك تواشجاً بتحقيق من خلال حالة بث وارسالهِ على القارئ ان يجهر بما لديه من معرفة لإعادة بناء الشكل / اللوحة على هيأة نص كتابي .
فهو يستذكر ليعيد الخلق ، وهو لا يكتفي بأستحضار النص الفني ليشتغل عليه بل يعمل كذلك على استحضار الفنان التشكيلي نفسه داخل النص ، على الرغم من انه من الممكن أن تكون الصفحة الأخيرة من الغلاف ، والمجتزأة من آخر النصوص – أن تكون المبتدأ / خط الشروع في الدخول الى جغرافية النص الكتابي .
هذا الدخول هو المقترح الايحائي الذي يطلقه القاص في درب المتلقي كما لو كان اسطرلاباً .

(9)

إن جميع الأشياء التابعة لعملية القص التي يقوم بها المبدع – محتويات الكتابة أو أثاث العملية الكتابية تكاد تتحرك بنفس القوة التي يتحرك بها القاص . هذه الأشياء تتحول وتتبدل ، بعيداً عن رغبات القاص على الرغم من عدم حدوث حالة تقاطع أو تصادم ما بين الاثنين . فأبتداءً بالكائنات / المخلوق الإنساني الذي يعيش على سطح – طريدون – وانتهاءً بالحاجات / الأشياء الجامدة التي تكون الجغرافية أو الفضاء البصري للمدينة / المركب . محل هذه تمتلك القدرة على الحياة بالحراك والنمو ، بعيداً عن التدخل الخارجي – الحالة الإبداعية للكاتب .
إذ أن عناك عمليتان إبداعيتان أو أكثر . بل إن القاص يحاول أن ينشئ لوحته التشكيلية الخاصة به . مضيفاً الى ما سبق . فالحياة لم تعد تقف في صف التوقعات . أو الاستباقات ، فالاحداث والأشخاص بل الجميع يحاول أن يرسم لوحته ، أو يحاول أن يمتلك اسطرلابه الذي لا يشبه سواه . مما يدفع بالقاص الى أن يترك الأشياء تتحرك وفق هواها / برنامجها الداخلي إذ ان هذه الأشياء لا تتحرك وفق قانون الفوضى . رغم انعدام الموجه الخارجي بل وفق قانون الموجود الذي يخلق حالة من التوازن / الموازنة والاتساق والاتساقات التي تضيف للنص متانة ، وللمخيلة شجاعة ونمواً . والكثير من الحرية القادرة على الاضافة .
إن الأفعال لدى القاص لا تعترف بالأزمنة . والأحداث بمؤديها ، ولا الأشخاص بمرجعياتهم الإبداعية ولا النصوص بأكاديمية التقسيمات . بل انها تصنع نفسها بنفسها . أزمنة متعددة خارج سلطة الإنسان الذي يقوم بها . بل إن البعض منها لا يحتاج الى فاعل / نحوي . إذ يتحول الفعل الى شيء داخلي قائم بذاته شيء يقف خارج الثبات / داخل المتحرك .
بل حتى النساجين / الرواة داخل النص ، ما من مهمة محددة مناطة بهم بأي منهم ، بل إن الواحد منهم بإمكانه أن يقوم بأي فعل يوكل اليه ، فهو المتكلم وهو المستمع ، وهو المخاطب ، والغائب والحاضر . هو الطباخ والكابتن وعامل التحميل وسواهم . ولولا وعي القارئ لتداخلت الشخصيات . ولأختلط الحابل بالنابل ولخرج المتلقي من حفلة القراءة بخفي حنين .
إذ إن النص الذي يقدمه القاص معافى ، دفعه النقص ، وعدم الاكتمال الى البحث عمن يعيد اليه اكتمال الدائرة ، التي لم تكتمل .
نص بأمكانه أن يمتد بكل الاتجاهات . نص استطاع أن يمحو الحدود والتقسيم الواقعي للزمن. رغم خضوعه في بداية السرد الى تقسيمات الوحدة الزمنية – الليل والنهار – وفق ملامح أي منهما .
ولكن حين كبر / نضج النص ، ونسب على الطرق وعلى الزمن دفع به جانباً ليتحرر من سلطة الوقت وكذلك سلطة الوحدة الجغرافية .

(10)

إن الكتابة بحد ذاتها هي عملية خروج على المألوف . الخروج على السلطات التي يقف الكائن البشري تحت سلطة دولتها . تكشف وتعري . الكتابة عبور وتجاوز ربما تكون الحرب واحدة من هذه السلطات ، التي تقف الكتابة وافعالها بموازاة ما تنتجه الحروب . ولهذا ستكون واحدة من المهام التي يقوم بها القاص بالتماهي في حالة مواجهتها في طريدون – وفي نص – المظلة في الشفق . على الرغم من إن الكثير من العناوين الفرعية تذوب وتنحل وتتحلل حالها حال الألوان والأصباغ التي تشكل اللوحة ، وتتوقف شاهرة عجزها عن عكس ما هية القاص في التعبير عما يريد هو لا عما تريد هي ، أو لتشكل ثانيةَ وفق رغبات الألوان نفسها ، وفق نقطة الميلان أو بؤرة الارتكاز .
فالكاتب عن الحرب داخل اللوحة ، أو داخل النص السردي تتحرك بشكل كبير ، ولكن بإيجاز شديد ، الحرب وما تلقيه على قارعة الطريق من جثث وملامح . وهموم وخوف تحاول الاختباء خلف الأشخاص والسلالم ، خلف المركب وحركة الكائنات ، تحاول الوقوف خلف السلطة سلطة الدولة – خلف عملية قتل أو اغتيال أو تنفيذ حكم اعدام .
القارئ في طريدون يجد الحرب على هيأة نتج وليس على هيأة حدث عقيم أو قل على شكل معارك تنزف . وهزائم وانتصارات مشوهة . وأكثر ما تنتجه الحروب قوةً ولن يكون امامه من فعل لمواجهة سوى الخديعة ، ومحاولة الضحك عليه ، من خلال المواجهة والغاء الحروب . أي خلق فعل الإبداع .
ففعل السارد بمواجهة الحرب لم تكن حال انسحاب / تراجع . بل كان مواجهة / قتال ولكن في الصميم كما يقال .
هذا الرد / المواجهة كان على هيأة سرد / ابداع ، نص إبداعي ، أو محاولة الاشتغال على نص تشكيلي شيده صديق له / مبدع محاذٍ له . قد يكون للحرب دورٌ كبيرٌ في تغييبه . فعمليه نقل الواقع المعيش من فضاء سلطة الدولة الى فضاء سلطة الفنان والكاتب ، هذا الانتقال هو عملية سلب لقدرات هواة الحرب وصناع العوق البشري . في هذه اللحظة لا تجد المرجعيات العسكرية نفسها إلا وحيدةً ، عاريةً غير قادرة على تفعيل السلاح والعبوات الناسفة . وعلى هذا الأساس / المجال السنتمتري المتماهي ما بين الواقع و – طريدون – ما بين الواقع والفعل التشكيلي وليحمل كل منهم وزره ، لا وزر الآخرين .

(11)

إن العناوين لدى الكاتب . وكذلك لدى العديد من الاستشهادات الشعرية ، وإن كانت تحاذي النص الكتابي ، أو تتداخل معه ، إلا أنها ليست سوى دلالات للوصول الى النص ، ولم تكن كما أراد القاص لها أن تكون مرجعيات إبداعية النص من فضاءاتها بعض ما يحتاج إليه من حالات فكرية وشعرية أو حالات تناص فقد كانت النصوص من القدرة بحيث تكون قادرةً ، واقفةً على قدميها هي لا على أقدام وعكازات الآخرين .
ولم تكن هذه النصوص حالةً من حالات العتبة أو البوابة . إذ إن القارئ ما إن يدخل النص حتى يلغي ما قبله من جدران ونوافذ ، ولذلك استطاع القاص أن يتلاعب بالعناوين ، يقدمها ويؤخرها . يجمع دواخلها مع أواخرها . ووسطها مع ما سبقه وما يلحقه كما في اقتراحه لقراءاته المقترحة . ولأن النصوص متحركةٌ ، رغم اكتفائها بنفسها فهي تكون مع سواها . بالتشابك والتداخل فضاءات تُحسُ لصالح النص أكثر مما تحسب على الضدَّ منه .
إن النصوص / الاقتباسات الافتتاحية قد لا تمنح القادم اليها توجيهات قراءاتيةِ فلا مسابير كاشفة . بعد ما تمنحه حالة اطمئنان لما سيقرأ أو سيجوس . حتى إن القارئ يحسُّ بأن الكاتب يسرد ما لا يُخطط له أي إن الصناعة الآنية لا البرمجة لها القدح المعلا . بعيداً عن التخطيط ، وتغذية المختبر الخاص بالكتابة . قد يقول قائل أو قد يسأل سائل عن دور الكاتب في كتابة النص . إن هذا يحدث خارج مسار البرمجة ؟
إن إحساس القارئ بما ينتج القاص قد لا يتطابق . لاختلاف القواعد التي ينطلق منها كل منهما. مما يفسح المجال للقارئ في أن يعيد الصياغات لانتاج نص آخر قد يختلف قليلاً أو كثيرا، ولكن يظل ضمن عملية تناص ما بين الكتابة والقراءة والقارئ في هذه اللحظة هو منتج وسيط ما بين نص تشكيلي ونص سردي . أو قد يكون الكاتب / السارد فناناً تشكيلياً ، استطاع أن يصنع جغرافيةً مضطراً ليحتفظ بها لنفسه . ولمخلوقاته ، وليجيء من ثم الفنان الكاتب ليكسب ((اللوحة)) التي كانت مغروسة على قماش أبيض ، ليسكبها على ورق أبيضَ قادر على امتلاك تضاريس المدينة / الحلم ، التي تقف في نقطة التقاء البحر بالصحراء ، القاء الواقع بالخيال ، المتوقع والمتخيل بالقائم الثابت ، حيث تتوفر حالةٌ من الفنطازيا التي توفر عالماً يتواجد متماهياً خلف غلاله اللاواقع – الميتاواقع – هذه الفنطازيا التي تضع القارئ وسط الحرب .

(12)

((طريدون)) مدينة / جغرافية تعيش في مخيال الكاتب / الفنان . ولكن ليست ((يوتوبيا)) ليست مدينة فاضلة . مدينة من الممكن أن تتعرض للحروب حالها حال سواها من المدن التي تعيس في الواقع خارج ذهنيات / تصورات مخيلات المبدعين مدينة يسكنها العسكر والقتلة والمجرمون والجند والبحارة والسرّاق وصانعو الفخّار ، والقصاصون ، والفنانون التشيكليون .
***
لقد بدأ الكاتب نصوصه / كتابه بالمسلة . هذه الجغرافية / الاصطلاح هي من حصة الكتّاب وجوباً ، يملؤنها بما ينسجون ، والشخصية الأساسية في هذا الفضاء الراوي / السارد وتلذي سيكون مركز الأحداث ، لأن المسلة بدورها ستكون مركزاً للجغرافية . الحلم / المدينة الخضراء –طريدون– ولتكون المسلة والمنظار قراءته المتأخرة حسب توجيهات الكاتب . وليتحول الرسام كنص الى أول القراءة وفوق نفس التوجه.
يبدو إن القراءة بهذا المنظور ستكون بحاجة الى دماغ وفكر صافيين مهيأيين لبعض التغييرات التي ستحدث حتماً ما دام القاص ممتلكاً لدفة الكلام / النسيج القصصي . وليمنح نهايات النصوص للفنان التشكيلي . فما بين النص المسلة والمنظار والرسام هناك
1.    الكابتن شهاب البحر ، وبعناوين ثلاثة تابعة
2.    ومن ثم – أحد – البحارة وكذلك بثلاثة عناوين تابعة
3.    وأخيراً لا آخراً طباخ الباخرة وبعناوينه الثلاثة المتبقية
ومن أجل أن يحصن الكاتب هذه الشعب الثلاثة بالمسلة والمنظار في البداية وبالرسام في النهاية .
في نص الرسام الذي يفتتح القاص بقبس شعري للشاعر حيدر الكعبي . نص فيه من التحذير شيء ومن التبشير شيء أكثر . ولكن القاص يهدي نصه هذا (( مختلفاً عن بقية النصوص )) الى يديو لم يز وجهه ((أحدٌ)) و ((أحدٌ)) هذا ليس أي احد من العامة . بل هو ((أحدٌ ، ذلك البحار – وليس البدوي لما يحب أن يسميه القاص )) الذي يمسك بزمام السرد . ذلك الذي يأتي على لسان السارد : على هيأة أحد ابحارة والبحار ((أحدٌ)) مرة يأتي نكرة من غير ملامح ، وأخرى علماً على هيأة أسم أو كنية أو صفة .
إن القاص قد يلغز القول ليمتحن القارئ . وهذه لعبة يحسنها الكثيرون من المبدعين – دافعاً إياه الى مناطق الحذر ، وآفاق التنقيب ، ومنازل البحث . ليضع يده على حالة ترابط ، أو حالة تفكيك. تشد من لحمة هذا النسيج أو تعيد هذا القول لذاك القول . وليكون الإهداء على هذه الصيغة
الى الصحراء / محمود البريكان ، التي لم ترَ وجه البحر / احد
لتتصل الصحراء بالبحر ، ومحمود البريكان بـ (( احد ))
في هذا النص (( الرسام )) الذي هو آخر النصوص ، يبدأ القاص فعلاً آخر . قد يقلب الموازين أو  قد يزيد في يقينهافبين طيات الكتابة هذه وثنيات قماشته تتغير المواقع / مواضيع السرد والتشكيلي . إذ يبدآن تبادل المراكز . إذ يبدأ السارد بالكتابة ليدخلنا الفنان في تناص مع السارد .
هنا تعتمد الفرشاة على القلم في إنشاء وإقامة عالم متخيل ، معتمداً في الاساس على مخيلة السارد / القاص . عند هذه النقطة تتكشف اغراض القاص في خلق منهج قراءاتي مقترح هدفه . أن يبدأ القارئ قراءته ، بنص الرسام صاحب اللوحة التي يعتمد عليها القاص كليا في خلق نصوصه .
إذ يبدو هذا النص الأخير مركز توجيه وارشاد  وصولاً الى قراءة ذات دلالات إبداعية
إذ أن هذا النص يمنح القارئ الكثير من الكشوفات . فاضحاً الايهام .
إن اسطرلاب البحار / القارئ فعبره نستدل على السارد ، وعبره نستدل على الفنان . هنا يضع القارئ أصبعه على أول وآخر أسمين في جميع الصفحات .
السارد – مهدي
التشكيلي –
أما ما تبقى من أبطال وأحداث ، وجغرافيات لن يكون سوى حالات ايهام ابتدعها الفنان والقاص سوية وبالاتفاق على الاختلاف . ومن غير علم أي (( أحد )) ليمكنا بالتناوب من خلق عالم متخيل يستطيع عبره القاص الأول من أن يترك عوالمه تجوس البر والبحر .
من ذا كان ينشئ مدينته وحلمه على الورق ؟
ومن ذا كان يلم بعضها لبعضها الآخر ليضعها على القماش ؟
واذا بالفنان هو ((باك)) كما يحلو للسارد أن يطلق عليه اسمياً اباه واذا بشهاب البحر لم يكن سوى توأم التشكيلي يحبى مخلوقه الرائع . واذا بالسارد مهدي الذي قتلوه بين جدران بيته وأمام أنظار البرحيتين ،
وتلك الرصاصات ما والت آثارها على طين الجدران .
واذا بمهدي لم يكن سوى صانع الفخار / الخالق الأرضي
يقول يحيى – بعد أن تمت عملية الاغتيال / اغتيال مهدي ، القاص / باك
[ هل أحرقوا قصته ؟ ربما لم يتح لي أن أقرأها ، لكني تشربت بها كما لو كنتُ أنا كاتبها . ولم ير مهدي لوحتي إلا أنه هو رسامها الحقيقي ] ص114

(13)

في المقترح القراءاتي الذي يضعه القاص كدليل عمل للقارئ ، تتخلى النصوص عن مفاتيحها / عن التناص / الاقتباسات التي وضعها الكاتب في بداية كل فصل / مجموعة النصوص .
إذ أن القراءة هذه تبدأ من النصوص نفسها لا من خارجها / من العتبة التي تشكل بدء خارطة القراءة وفق المناهج الحديثة في القراءة والكتابة والنقد . إن القاص يلغي بعض يفيد التوجيه ، ليطلق قدرات القارئ في اقتناص مفهوم النص ، وصولاً الى نهاية الرحلة من غير أن يعتمد على توجيه ، أو إيحاء . مستفيداً مما يمنحه النص نفسه في استغوار سواه من النصوص . وذلك بسبب تداخل النصوص ، أحداثاً وشخصيات ، جغرافية ، وواقعاً ، مخيلةً ومعاشيةً .
إن تساؤلاً ما قد يطرحه أو طرحه قارئ ما قبل الاتجاه نحو طموح الكاتب بتغيير الوصع القراءاتي ، قد يكون هذا التساؤل على هيأة
ماذا يريد الكاتب من القارئ ؟
ولماذا يتدخل كاتب ما في استقبال القارئ لما يبث ؟
وما مبرهكذا مقترحٌ ؟
وربما تكون الاجابات بعدد القراء ، أو بعدد المتلقين ؟
إن مقترح الكاتب لا يمكن الوصول الى حدوده القصوى ! وهذا ما يجب أن يحدث . ما لم تتم عملية الاستقبال المقترحة . قد يستخف قارئ ما باسطرلاب / توجيهات المؤلف . رغم اعتباره تدخلاً في شؤون القارئ . ولكن يبدو إن مقترحاً كهذا الذي نحن أمامه ، له ما يبرره .
فأذا كان الفهرست الأول مخصصاً للسرد ، حين يكون السارد هو البطل وهو الداينمو وهو القادر الوحيد على الانشاء ونهوض معمارية النص .
فأن الفهرست المقترح ق أنشء من أجل ن يكون الفنان التشكيلي هو الممول لحركة اللوحة . وهو الذي سوف يأخذ بيد القارئ ليوصله الى المعرض الذي سيكون آخر مخطات الباخرة / اللوحة . إذ إن هناك تبادل في المواقع . تبادل بالمهام . تبادل بالسلطةِ .
سلطتان تتحركان لتحركا سكونية مسكونية المحابر و سبات الألوان ولتسبح الألوان حتى تتجاوز الأطرَ . ولينسكبَ الحبر حتى تقف السلطةُ القامعة / سلطة البندقية عاجزة عن مواجهته .
إن القاص في مقترحه هذا يمنح الهيمنة للخطاب التشكيلي فهو السارد وهو العالم ببواطن الأمور أو القائد للعملية الابداعية التي يقوم بها الكاتب . حيث ينسحب السارد في الفهرست الأول ، متخلياً عن قيادته للعملية الابداعية ، فاتحاً أمام زميله التشكيلي – رسّام اللوحة – فضاءً للكتابة بالالوان . فضاء استطاع هذا الزميل من أن يملأ سطح اللوحة بمراكب ومدنٍ وجنودٍ وزمرٍ استطاعت أن تضع بصماتها ، ومرجعياتها وسط ضربات الفرشاة . وسيولة الألوان . بعيداً عن اعتراض أيٍ من الكاتب / السارد ليتحول الكلام المكتوب الى حياة تتحرك . قد تتجاوز في الكثير من الأحيان أبعاد اللوحة ، واطار القماش ، وفيزيائية الألوان .
إذ إن القارئ الثاني وفق برمجة الكاتب واسطرلابه في تتبعينه القراءة الأخرى المقترحة سيجد نفسه في فضاء مغاير للذي كان فيه القارئ الأول على الرغم من كلا القارئين هما المتلقي نفسه .
من هذا يبدو الاقتراح لم يكن حالة اعتباطية بل هو بوابة لفضاء متحرك تتغير وظائف وحداته.
وبذلك يتغير المنتج المكتوب . وفق مكانه من الصور / اللوحة . وفق مكانة من أوليات القراءة .
فالقارئ هنا يتحول الى فعل ابداعي كما هي حال الكتابة .

(14)

شجرة التناص
شجرة النص

شجرة اللوحة                  شجرة النص                   شجرة اللوحة ثانية

واقع ثابت                      نص تشكيلي                       واقع متخيل
(متخيل)

تناص مع تشكيلي              نص قصصي                     نص قصصي
( متخيل )

لوحة تشكيلية

طريدون                         طريدون
عالم متخيل                         حلم                                 حلم

1.    واقع           لوحة          نص
2.    واقع           نص           لوحة
3.    نص            لوحة           حلم
4.    حلم            واقع            طريدون

*طريدون – كتاب قصصي إصدارات جيم
المؤلف : جابر خليفة جابر
الناشر : إصدارات جيم – 1427 هـ / 2006 م
البصرة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.