الرئيسية » ملفات » د. حاتم الصكر : تأسيس الحداثة الفنية … جواد سليم (ملف/2)

د. حاتم الصكر : تأسيس الحداثة الفنية … جواد سليم (ملف/2)

إhatam alsakrشارة :
مرّت الذكرى الرابعة والخمسون لرحيل الفنان العراقي العظيم “جواد سليم” (توفي في المستشفى الجمهوري ببغداد إثر نوبة قلبية يوم 23/1/1961) عابرة وباستذكارات لا تليق بفنان أثبت أن الإبداع يمكن أن يكتب للإنسان الخلود ، وأن المبدع يمكن أن يحفر اسمه في صخرة الوجود حين يلتحم بتراثه وبتراب وطنه المقدّس ويعبّر عن آلام إنسانه المعذّب. تدعو أسرة الناقد العراقي الأخوة الكتاب جميعا إلى المساهمة في هذا الملف الذي سيكون مفتوحاً من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإحتفاء بالإبداع.

الدراسة : 
المقدمات:
ينسب مؤرخو الفن الحديث ودارسوه إلى جواد سليم (1919 – 1961) دور التأسيس للحداثة الفنية في التشكيل العراقي والعربي في الرسم والنحت على السواء. فهذا الفنان استطاع –بعمر قصير ودراسة دقيقة منظمة وتجارب مستمرة- أن يمنح الفن هوية معاصرة ، وأن ينقله إلى أسلوبية خاصة ، كان قد افتقدها مع جيل الرواد من الهواة الذين سبقوه ، ومهدوا له بالتنبيه والإشارة أو التربية المباشرة والمعايشة .
وأحسب أننا إذا نمنح جواد سليم دور ( التأسيس) لا (الريادة) نبتعد عن الوهم الذي أضاع جهود دارسي الأدب والفن الحديث ، في تصورهم لريادات أولى تعبر عن مركزية ذاتية، هي – في ظني- انعكاس لتمركز الشخص ودوره في تحول وجهة الأسلوب وهو ما يوقعنا في إيديولوجيا فنية وأدبية ، تفترض وجود (الرائد) رمزاً للواحد المؤثر ، أو المؤثر الواحد ، بمزايا قيادية أو بطولية ، لا يمكن أن نقبل بسهولة صلاحية منجزها لإحداث التغيير المطلوب.
فكأن الجهد الريادي المفترض يمتلك أثراً سحرياً فيمحو ما قبله ، ويخلق ما بعده ، بينما نعتقد أن تراكمات النوع وأفراد النصوص هي التي تخلق التحولات الكبرى. لذا نجد النصوص تتقدم بعيداً عن دوائر النقاش والخلاف حول ( الرائد) وريادته ، وتتهمش هذه المسألة لصالح ظهور المتون النصية وتبدلاتها الأسلوبية.
أما جهود التأسيس فنرى أنها تتكفل بالبذار التحديثي ، وتصب على النوع الأدبي أو الفني طاقة التحول ، وتفجر فيه إمكانية التبدل

جواد سليم بريشة الفنان الكبير فيصل لعيبي
جواد سليم بريشة الفنان الكبير فيصل لعيبي

، وترسي مزايا وخصائص تتكرس بالإنجاز المشترك الذي يرتبط بمركز التأسيس ، لكنه لا يرتهن به أو ينشد إليه بتبعية .
وهذا الاعتقاد يرسخه- ويؤكده- إسناد التحولات الكبرى- في الغرب خاصة -إلى الجماعات والتجمعات ، وما يصدر عنها من بيانات نظرية مدعمة بمنجز نصي ملموس يتشرب مؤثرات عديدة في لحظة حداثته وأفقها المفتوح. فالجماعات تحذف دور (الفرد الرائد) لصالح ظهور رغبة التبدل الجماعية فناً وتقبلاً . وتخلق الإحساس بالحاجة إلى تأسيس جديد ، له مبررات الوجود الفعلية ، وإمكان الاختلاف والتحول .
وتحمل فكرة ( التأسيس ) بمقابل (الريادة) إمكان الانفتاح الأسلوبي وتشخيص المؤثر الذي لا يظل له وجود في فكرة الريادة .
فالمؤسس يستلهم ، والرائد يجترح . والمؤسس يقترح ، بينما الرائد يقرر ، وهذا التقابل الفكري المستند إلى فكرة الجماعة يعضد قولتا بالتأسيس كاقتراح. بهذا المعيار نقرأ منجز جواد سليم ، لنقدمه كمبدع ضمن حركة الحداثة ، وامتداد في أفق فني واسع فسيح، ونقطة تحول وتبدل كبرى . لقد نشأ جواد سليم وسط محيط يزدحم بالرغبة الفوارة في تسويق الفن لهذا المجتمع الذي يجحده ويقصيه . وفي بيئة تقبّلٍ لا تراه ضرورياً أو أساسياً . لذا كانت استجابة الجيل الأول من الهواة لهذه البيئة ، تتمثل بالانتماء إليها دون وعي واضح بجمالياتها ، والاكتفاء بمزج الواقع بالفن بطريقة آلية ، تعتمد – أسلوبياً- نقل هذا الواقع على سطوح اللوحات بشكل فج ومباشر وعبر ثيمات تقريرية دون تمثلها ، أو التعيير عنها بأساليب متقدمة .
لقد كان عدد من ضباط الجيش الذين أتيحت لهم فرص السفر إلى تركيا- خاصة – أو التجوال في أنحاء العراق قد لجأوا إلى الرسم بطريقة مباشرة، تنحصر في رسم الشخصيات ( البورتريهات) أو المناظر الطبيعية ومأثورات الواقع وموضوعاته وانضم إليهم فريق من الهواة منهم والد جواد سليم نفسه (الحاج محمد سليم) الذي كان إلى جانب الضابط الكبير عبد القادر الرسام (1882-1952) ومحمد صالح زكي (1888-1973) وعاصم حافظ (1886) وغيرهم ممن نشط في أول جمعية فنية هي (جمعية أصدقاء الفن) التي تأسست عام 1941م ببغداد ، وأنضم إليها جواد وأخوه الأكبر سعاد (1) وقد نكون قساة على المحاولات الأولى هذه ، إذا ما نعتنا أصحابها بأنهم (هواة) فمنهم من سافر فعلاً لدراسة الفن ( عاصم حافظ مثلاُ في باريس ) حيث أتاحت سنوات الثلاثينيات، وقبل أن تستعر مقدمات الحرب الكونية الثانية ، لعدد من طلاب الفن أن يدرسوا في أوروبا التي لم تشغلها وتعطلها الحرب بعد ، فدرس أكرم شكري في إنكلترا من مواليد (1910) ودرس عطا صبري(1913) في روما ولندن ، ودرس فرج عبو (1921) في القاهرة ، وروما ، وحافظ الدروبي (1914) في لندن.
ولكن دراسة هؤلاء لم تؤت ثمارها بعد ، لعدة أسباب ، منها : عدم توفر الوعي بالصلة الأسلوبية الصحيحة مع الأخر .. والعودة إلى الوطن : إما بمحاولة إستيحاء الأساليب التكعيبية والسوريالية والانطباعية الجديدة خاصة ، أو الإنكفاء، بسبب محدودية المقدرة والموهبة والحرفة،إلى موضوعات الواقع وغنائياته المباشرة .
لهذا كان خريجو معهد الفنون الجميلة ( تأسس عام 1939) والعائدون من الخارج لا يحاولون خلق محيط فني أو ذائقة عامة تقبل الفن ضمن الحياة العصرية ، قدر اهتمامهم بالبحث عن هوية شخصية عبر الأسلوب والتقنيات ، أو التكتل ضمن نخبويات تتخذ من الجماعات مظهراً لها …
jawad2وهكذا تأسست جماعة الرواد عام (1950) بزعامة فائق حسن تجسيداً لهاجس الأسلوبيات الغربية دون استيعاب وتمثل . فنعتت نفسها أولاً بالجماعة البدائية وبتسمية فرنسية صريحة (societe primitve) أو(P.S.) إختصاراً ، وكان أتباعها انطباعيين أو واقعيين بأساليب متباينة ، يظهر نشاطهم برسم المناظر الطبيعية وموتيفات البيئة التي ينقلونها عبر رحلات ميدانية ينظمها الرسامون في الهواء الطلق أو مجالي الطبيعة الحية .. هروباً من أجواء الأستديو(2) ولم يستطع ( البدائيون ) أن يجيبوا على سؤال الفن في لحظتهم الراهنة ، ولم يوازنوا بين الضغوط المعرفية والأسلوبية والمحيطية التي تحاصرهم :
– فأعمالهم تعكس حيرة أسلوبية إزاء إختيار مدرسة أو تيار فني محدد.. وهذا يشخص خلل صلتهم بأساليب الفن الغربي وضعف توفرهم على الثقافة الفنية المعمقة .
– ونفتقد في أعمالهم أية إحالة مرجعية إلى التراث الحضاري الهائل للفنون الرافدينية ونتاج الفن الموروث في الحضارات السومرية والبابلية والآشورية التي كانت غائبة كمؤثر في أعمالهم كمفردات ( واقعية ) دون إستيعاب الخصوصية المحلية أو سمات المكان المتجذرة عبر تاريخه وحاضره، أي النزعة البغدادية خاصة.
أنضم جواد سليم عند عودته من الدراسة في لندن إلى جماعة الرواد لكنه أنفصل عنهم بعد معرضهم الأول ليؤسس جماعة بغداد للفن الحديث التي تقف نقيضاً ضرورياً لجماعتي أصدقاء الفن من الجيل الأول ، ومن الحلقة الوسطى من متعلمي الفن ممثلين بجماعة الرواد وكأنه يجيب بتأسيسه ( جماعة بغداد ) عام 1951م على الأسئلة المؤجلة التي لم تجد الطريق إليها جماعتا أصدقاء الفن والرواد ، رغم أن فائق حسن زعيم الجماعة الثانية تعرض للمؤثرات نفسها التي تعرض لها جواد سليم ، فقد عاش في بغداد – المدينة ذاتها ، وسافر شأن جواد لدراسة الفن في باريس ، كما التقى قبل ذلك بالرسامين والنحاتين الأجانب ( بولوينين وبريطانيين ) ممن جاءوا بصفة عسكريين في جيوش الحلفاء ، أو اشتغلوا دبلوماسيين في العراق.
لكن استيعاب فائق حسن – وجماعته بالضرورة- للمؤثر الغربي لم يكن بالوعي الذي مثله جواد . ولم يتوفر لفائق الوعي المطلوب للإحاطة بمؤثر البيئة والمحيط بالعمق الذي تنبه له جواد من خلال مدرسة الواسطي وعلامات المحيط البغدادي ، إضافة إلى انشغال فائق باللون والخط ومهارات اليد المباشرة ، عن تأمل أساليب الرسامين في الفترة التي عاشها بباريس وكانت السوريالية فيها ذات مؤثر قوي رغم إنحسارها التاريخي ، ورسوخ التجريد كأسلوب فني حديث ، ونشاط الانطباعية الجديدة وفاعليتها المؤثرة في الرسم الحديث.
ولعلنا بهذه المقدمات الأسلوبية – التاريخية قد وضعنا جواد سليم في سياق التشكيل الحديث ، ولنصل إلى مبرراتنا التي تقترح جواد مؤسسا للفن الحديث أو حداثة الفن بعبارة أدق، منبهاً في وقت مبكر إلى ما غاب عن برنامج سابقيه من سمات فكرية وأسلوبية تعززها مصادر الثقافة الأدبية التي لم ترد في تلك البرامج وأعني هنا تحديداً: الإفادة من الأسلوبية الحديثة المقترحة في التيارات السائدة وتكييفها محلياً ، والانتباه إلى معالم متخيلة لمدرسة بغدادية بالمعنى المعرفي والأسلوبي ، وقراءة المنجز الحضاري الرافديني في النحت خاصة ، وتعزيز ذلك بالمؤثر الإسلامي وتدعيمه بالثقافة الأدبية الضرورية.

• جماعة بغداد : المنطلق
لقد كتب الكثير حقاً عن الدور التأسيسي لجواد سليم ( وأشير هنا بخاصة إلى كتابات ذات طابع شهودي توثيقي ككتابات جبرا إبراهيم جبرا وشاكر حسن آل سعيد لكونهما مسهمين في الموجة التي قادها جواد وصديقين له ) وكتابات عباس الصراف وشوكت الربيعي(3) (كدارسين من وجهة تاريخية أو فنية ( أو تاريخ – فنية بالتحديد) ولكن ما ظل مفتقداً هو الدراسة النقدية التي تحلل الأسلوب وتؤشر السياق الثقافي والفني لرسم جواد ونحته ضمن كينونته التأسيسية وصيرورته من بعد.
لدينا الآن وثيقتان مهمتان يمكن الانطلاق منهما لتأشير بعض المشغّلات النظرية لعمل جواد سليم ، والمنجز التشكيلي المحدد له .. وهما : بيان جماعة بغداد للفن الحديث عند تأسيسها والذي وافق عليه جواد وتبناه وأوحى بأفكاره فيما تعهد بصياغتها اكثر أفراد الجماعة إنشغالاً بالكتابة والتنظير اعني شاكر حسن آل سعيد. وهناك صفحات من مذكرات الفنان ويومياته ودفاتره حررها ونشرها جبرا إبراهيم جبرا بعد وفاة الفنان .
وإذا عكفنا على هذه المستندات رجوعاً إلى أعماله المصاحبة أو انطلقنا من أعماله ذاتها بتعضيد تلك التفوهات والتلفظات والبيانات ، سنعثر على المنطلقات ، ونسمي بعض الملامح التي تندرج في تبرير سمة التأسيس لدى جواد. ففي بيان جماعة بغداد للفن الحديث الذي تلي لحظة افتتاح معرض الجماعة الأول عام 1951م والخطاب الذي ألقاه جواد نفسه قبل البيان ، سنجد أبرز الملامح والنيات على السواء. زمنياً تسبق اليوميات والمذكرات المكتوبة في أعوام 1941-1946 بيان الجماعة التأسيسي وقد أسماها (مرآة وجهي ) كناية عن مكانتها في التعبير عن ذاته الفنية .. وعند كتابتها كانت خبرته السابقة تتلخص في أثر محيط الأسرة الفنية ( الوالد والاخوة ) وفي سنة دراسية في باريس وأخرى في روما ، عاجلتهما بوادر الحرب الكونية الثانية وقطعت سبيلهما ليعود الفنان إلى العراق ويعمل غير بعيد عن الفن ، وفي جو بالغ التأثير هو المتحف العراقي للآثار القديمة ، حيث يتاح له التعمق في دراسة النحت السومري والآشوري خاصة ، ثم إعطاء دروس في النحت لصفوة من الطلاب في معهد الفنون الجميلة ببغداد، ومصاحبة الفنانين الأجانب الذين وجدوا أنفسهم في بغداد ، ووجدتهم بغداد بين ظهرانيها، لدواع ذكرناها آنفاً.
كان البولونيون خاصة ، وهم لاجئون هربوا من بلادهم بسبب الحرب والاحتلال النازي، قد تعلموا على يد أستاذ ( تتلمذ بدوره على الرسام الفرنسي بونار) (4) لذا كان تأكيدهم على الألوان واضحاً ومؤثراً . وحين التقى جواد هؤلاء الفنانين في شتاء 1942 في أحد المعارض البغدادية كان معه قرين نشأته الفنية فائق حسن وأمتد التعارف إلى المقاهي الراقية بالعاصمة ليغنى بالحوار إلى جانب المشاهدة المتبادلة ، فقد كان جواد يرى أعمالهم ويرون أعماله ولكنني هنا أريد مناقشة تأثير هؤلاء الفنانين الذي بولغ فيه نسبياً ، ربما بسبب حماسة جواد في الحديث عنهم في يومياته.
ولي بالتأكيد أسبابي في التهوين من أثرهم : وفي مقدمتها أمر يتصل بجواد الذي كان – حين تعرف عليهم قد عاد من دراسة فنية في أوروبا لمدة عامين (1938-1939 ) في باريس و (1939-1940 ) في روما فهل يعقل أنه لم يكتشف اللون في منابعه الانطباعية وما بعد الانطباعية بفرنسا ، وانتظر ليكتشف ذلك في رسوم المهاجرين البولونيين ؟ والسبب الأخر يتصل بالفنانين الأجانب أنفسهم إذ لم يكن أحد منهم فناناً معروفاً في أوروبا قبل مجيئه إلى العراق ، بل كانوا – كما يبدو – من الهواة ومحبي الفن .. إضافة إلى أن أحداً لم يكتب عنهم كفنانين في بلدانهم حتى بعد الحرب .
ربما كان جواد ينّشط صلته بالفن العالمي من خلالهم .. وربما كان يجد لديهم ما يسد فراغ التلقي الذي آلتهم الحركة الفنية الجديدة – والغريبة عن محيطها – وذلك ما تؤكده شكوى جواد نفسه من سوء فهم الجمهور لأعماله وأعمال زملائه .
نقطة أخرى تخص الفنانين الأجانب أيضاً فقد رأوا في جواد وفائق نموذجين (أوروبيين) يذكرناهم بالفن الأوروبي ، لكون جواد وفائق درسا في باريس لفترة من الزمن ، وثمة نقطة بالغة الأهمية وهي التعاطف الإنساني مع هؤلاء المنفيين . وهو أمر أوضحه جواد في إحدى يومياته المؤرخة في أواخر عام 1944م وقد هدأ عندها إعجابه الحماسي بهؤلاء الفنانين الأجانب ، وفكر بما أعطته بغداد نفسها لهم حيت توقف عملهم في بلدانهم.
” خلال هذه الأربع سنين التي وقفت بها باريس وأوروبا عن العمل الجميل ، لم تقف بغداد عن العمل …
جاء إلى بغداد في هذه الفترة المديدة من الزمن أناس كثيرون ، وإذا كانت أوروبا قد أوقفت حركة إنتاجهم ، فإن بغداد قد هيأتها للعمل . وفتحت للفنان منهم عالماً جديداً من المرئيات تحت ظلال قبابها الفنية . ولم يكن هؤلاء طلاب البوزار في باريس أو السليد سكول في لندن ، بل كانوا ذوي أفكار جديدة ومن الذين يمزجون في إنتاجهم الفني عصارة تأملاتهم ودراساتهم بدنيا إحساسهم وخيالهم .
كان هؤلاء الأجانب ذوي أثر على هذه الفئة من الأشخاص ، ولم يكن التأثير مجرد تبادل مدارس فنية جديدة للفن . لقد ارتبط هؤلاء مع بعضهم بميل فطري واحد هو إنساني محض : حب الحياة والكفاح في سبيل النظام الطبيعي ، حب الحياة والأشياء البسيطة التي تنسينا الموت . لقد كانوا رجالاً اكثر مما كانوا فنانين ..” (5).
وأعتقد أن هذه الفقرة من المذكرات ترينا قيمة هؤلاء الفنانين بحجم صحيح دون تهاويل. فهم (رجال) اكثر من كونهم ( فنانين) . وتلك إشارة إلي إنسانيتهم وحبهم للفن والحياة .. وما انطوت عليه أفكارهم من تجديد وتأمل وخيال بل نحس أن بغداد تبادلت معهم التأثير فأعطتهم ما لم تستطع بلدانهم أن تعطيه بسبب الحرب . وذلك لا يناقض إنبهار جواد بعنايتهم باللون مثلاً ، وتنبهه لذلك العنصر التشكيلي المهم ، فهو شعور يحسه أي فنان إزاء أي عمل جيد يعجبه ، ولا يعني انه كان خلواً من ذلك الإحساس . كما أن جواد إذ يذكر مرور أسماء بعض هؤلاء في ذاكرته حين كان يدرس في أوروبا، فإنه لا يشير إلى عمل محدد ، أو شهرة واسعة أو مدرسة فنية واضحة أو معرض. إن حديث جواد عن هؤلاء الفنانين ينصب في حواراتهم ومناقشاتهم المطولة حول الفن أكثر من الحديث عن أعمالهم التشكيلية ، وهذا يفسر ملاحظاته حول إنسانيتهم وحبهم للحياة اكثر من وجودهم كفنانين. لقد كان جواد في تلك المرحلة المجدبة في تاريخ الفن التشكيلي العربي ، وصلته البائسة بالجمهور المنصرف عن الفن وتذوقه ، مهموماً بترتيب تلك الصلة بحيث لا يخسر الفن شيئاً ، كما يكسب الجمهور الذي يصفه الفنان في إحدى يومياته بالسذاجة والانصراف عن التذوق الفني للجديد.
وعلى أساس ذلك يرى جواد أن مهمة ( النخبة) من الفنانين من زملائه ، مهمة عسيرة. هاهو يصف في يومياته موقف زملائه أبان الحرب:
” كانوا قلائل تحدق بهم المصاعب من كل جانب في عملهم الإبداعي وتهيئة الجمهور للفهم والتذوق . أما عملهم ، فبصفتهم البعث الأول منذ خمسة قرون ، كانت محاولتهم صعبة وهم يهيئون الأسس للأجيال الشابة القادمة . كان عملهم ينحصر في تأليف حلم هذا الإعرابي الملون غير المتناهي في كتب التاريخ وزخارف الريازة العربية . وحتى أبعد من ذلك : التأليف بين إنسان عاش بين أحضان النهرين منذ آلاف السنين وصنع من طين هذه التربة تماثيل صغيرة جميلة ، وبين تعبير أستمده من لندن وباريس وروما.. ” (6). ملخصاً بذلك مثلث المؤثرات في الفنان العراقي الحديث الخاضع لأثر فنون ما بين النهرين القديم ، والمدارس الفنية الغربية الحديثة ، وتحولات البيئة البغدادية وأثرها.
وتقودنا هذه الفقرة إلى منطلق أخر سيبلوره جواد عبر أعماله النحتية ولوحاته منتصف الأربعينيات ، ولا تثنيه عنه دراسته التالية ، في لندن ( 1946-1949). هذا المنطلق الذي سيشكل العمود الفقري لتميز ( جماعة بغداد للفن الحديث) هو الموازنة بين (التعبير) الأسلوبي الحديث المتمثل بالضخ الغربي عبر المدارس والاتجاهات السائدة في أوروبا ، والذي يغري بالتبني طمعاً في اللحاق بالعصر والعيش في متنه لا على حاشيته أو هامشه .. وبين ما يرد من جهة ( الجذر) التراثي الضارب في المحيط وثقافته التشكيلية التي واجهت جواد ، لاسيما وقد عمل مباشرة في متحف الآثار العراقية فترة من الزمن ، فتعرف على أساليب النحت الأشوري الضخم ، والمصغرات البابلية المدهشة ، والأختام ، والأفاريز ، والجداريات ، والنحت الناتيء ، وسواها من نتاج فني لحضارات العراق القديم : السومرية والأشورية والأكدية والبابلية حيث كانت مادة ( الطين ) أول ما لفت نظر جواد ، وهو صبي يكور من كتلتها عوالمه وأخيلته وشخوصه . وظلت الآثار واللقى والتماثيل هي الشغل الشاغل لجواد سليم الذي لم يضعف إزاء أي طرف فلا هو (حداثي) تلصيقي يستلف الأسلوب من مدرسة غربية أو اتجاه أوروبي خالص ، ولا هو (انعزالي) يدير ظهره للعالم وينغلق على مفردات حضارته أو محيطه دون إفادة من الأخر.
وكان ذلك أبرز سمات عمل جواد نحاتاً ورساماً ومفكراً.
إنه مهموم بالبحث عما يسميه جبرا إبراهيم جبرا ” طرازاً عراقياً في الإبداع مجذراً في تراث العراق وحضارته”(7) وكانت تلك ( محنة جواد سليم) بتعبير أحد النقاد الشبان وهي محنة معرفية لم تشغل زملاءه كثيراً ( باستثناء فريد لشاكر حسن آل سعيد ، وفائق حسن الذي تجاهل ذلك كما سنرى) .
إن مشكلة الأسلوب والتراث مشكلة معرفية لا تتعلق باختيار ذوقي أسلوبي لمدرسة ما ، رغم أن جواد يثني في مذكرات الأربعينيات على أسلوب رسامي ( ما بعد الانطباعية ) وعنايتهم الخاصة والجديدة باللون والضوء والخط ، لكنه يتوقف طويلاً إزاء الصلة بين رؤية الفنان الخاصة وزاوية نظره ، وبين جذوره الحضارية على مستوى الفن ، وهذه مفردات تتصل بمعضلة الهوية قبل كل شي .
في إحدى يومياته ينص جواد على أن الفنان مطالب ” بأن يهضم كل قديم ليأتي بالجديد وما هذا القديم إلا دنيا هائلة” (8) وسوف يتذكر أن المؤثرات كثيرة ولكن على الفنان أن يعرفها أولاً ” لكي يبقى على ما يريد وينبذ الباقي”(9) إنه يرى فن وادي الرافدين كشعب هذا الوادي ” كلاهما نتاج الأرض والمناخ كلاهما لم يبلغ قط الانحطاط ولم يبلغ قط الكمال كان عمل الفنانين العراقيين القدامى خشناً ولكنه غني بالابتكار . فيه حيوية وجرأة لا تتيسران للتقنية المرهفة . كان الفنان دائماً حراً في التعبير عن نفسه..” (10) ويضرب لذلك مثلاً باللبوة الجريحة التي جسدها الفنان الآشوري وقد أصابتها سهام الملك الصياد في كل جزء من جسمها لكنها تغلب الموت وتصرخ في وجهه.
إن هذه الإلتفاته المعمقة من جواد لا تتناقض مع انتباهه لخطورة حركة الفن التشكيلي الحديث وحيويته وفاعليته ، الأمر الذي يراه ضرورياً لقيام فن عربي حديث لا يخضع للتقاليد والأسلوبيات البالية.
وذلك الانتباه المتوازن سيقوده إلى العناية بالمأثورات الشعبية والأزياء والأقراط التي وضع تصاميمها الحديثة بإحياء أشكالها الموروثة وإظهار جمالياتها..
لقد حدت هذه العناية بالمحيط ببعض النقاد ليشخصوا في جواد وعياً جاداً يقصي المؤثر الخارجي (( فهو لم يكن يصغي إلى الخارج بالمعني الذي يسمح له بتخريب أو إرباك رسالته المعاصرة والوشائج السرية مع السطح والكتلة وما يسفر عن تبدلات ..)). (11)
فانغماسه بالمحيط لا يعني الاستسلام له ومحاولة نقله بانسحاق وتبعية واقعية بل كان جواد يحور مرجعه دائماً ويكسبه حضوراً فنياً أي أنه يجعل السطح التصويري مكاناً لوجود واقع جديد ، فني ، متفوق على نسخة المرجع أو الإحالة . وذلك أمر يتيسر لمن يمتلك – كجواد – وعياً بالمحيط من جهة وبالأسلوب من جهة ثانية .
وسوف يتجسد ذلك الامتصاص للمنجز الحضاري عبر توسيع المنجز وتعدده . فهو لم يبق عند حدود النحت العراقي القديم بل تنبه للتشكيل في الخط والحرف العربي كتنويع للخبرة البصرية بالمحيط . وهذا سيتضح في مرحلة العناية بالأشكال الهلالية المستوحاة من التراث الفني الإسلامي وترسيخ (( البناء الرؤيوي للحرف العربي داخل السطح التصويري وإعادة القيم الجمالية لما عرف بالأرابسيك )) (12) وسنرى أن ذلك يتعضد بآستيحاء الأجواء الحكائية التراثية عبر قراءة ( ألف ليلة وليلة ) ورسم عدد من موضوعاتها..
وسوف يقوده ذلك إلى عالم ( البغداديات ). وهي مرحلة استيحاء البيئة المحيطيه سواء بأشكال الشخوص ، أو التكوين العام للموضوع البغدادي ، وطقوسه الاجتماعية وعاداته وثقافته ، أو بالانتباه للمكان والعمارة الخاصة والمقاهي وألعاب الأطفال والملابس ..
وهنا لا يتوقف جواد عند مفردات بصرية تشكيلية بل يهرع إلى المعرفة أيضا ، فيجد ذلك في رسوم الواسطي ( القرن السابع الهجري ) ومنمنماته لمقامات الحريري.
يتحدث جواد في إحدى يومياته عن الواسطي الذي يبدو انه رأى له عدداً قليلاً من الرسوم لدى صديقه عطا صبري(13) فيقول : إن يحي الواسطي (( أعظم من ظهر من المصورين في العراق .. خلدها بصوره وألوانه .. لأنه كان يخلق صوره )) (14) وقد سرت عدوى عنايته بالواسطى إلى أصدقائه في ( جماعة بغداد ) فيصف جبرا مثلاً الواسطي بأنه ((كان حداثياً مبكراً في الفن العربي ، وذلك لتوحد الصورة والكلمة في وعيه باستمرار ، وعلى نحو مدهش غزير التوليد في رسومه)) (15) كما تسلل ذلك إلى بيان الجماعة الذي كتبه شاكر حسن تركيزاً لأفكار الجماعة التي يتزعمها جواد نفسه . فقد أشار البيان إلى ((يقظة عصرية تقطع نفس الطريق التي قطع المراحل الأولى منها فنان القرن الثالث عشر الميلادي )) (16) كما تسللت أيضاً قناعة جواد بالموازنة الضرورية بين التعبير الأسلوبي الأوربي وخصوصية المحيط المحلي . فوصف البيان فناني الجماعة بأنهم ((لا يغفلون عن ارتباطهم الفكري والأسلوبي بالتطور الفني السائد في العالم . ولكنهم في الوقت نفسه يبغون خلق أشكال تضفي على الفن العراقي طابعاً خاصاً وشخصية متميزة)). (17)
ونستطيع أن نسمي الآن مؤشراً رؤيوياً آخر في شخصية جواد، هو مؤشر ثقافته. فبالرغم من نشأته في حاضنه فنية أسرية تتميز بالهواية والعفوية والاعتماد على قوة الرسم والمقدرة الحرفية ، يعطي جواد للثقافة مركزاً مهماً في تجربته . فهو ينطلق من رؤية ثقافية واضحة لا نجدها فقط في القراءات المكثفة بلغات عديدة ( عربية – فرنسية – إنجليزية ) وفي حقول مختلفة ( فكر – قصص – أشعار )، بل نجدها في التأمل والتحليل بمقابل نظرة زميله فائق حسن الذي انصاع للمقدرة الفائقة في تنفيذ رسومه وإتقان حرفيتها وتقنياتها وموادها ، تعويضاً عن غياب المولد الفكري أو الثقافي . فكثيراً ما كان – وظل – فائق يردد على أسماع طلابه (( إن الفن حس وحسب )) (18) كما غاب عنصر الرؤية الثقافية والمعرفية عن أعماله لصالح إتقان عناصر اللوحة لا سيما اللون والخط وعوامل الضوء والظل وإتقان الخلفيات والتفاصيل . وتمثل كذلك في الدعوة للرسم في الهواء الطلق وخارج الأستديو(19) قرباً من الموضوع وتفاصيله ,
وهذا الجمع بين الرؤية والأسلوب هو جزء من ثنائيات كثيرة تحكمت في فن جواد ، عرفنا منها ثنائية القديم والجديد ، والحداثة والتراث ، والرؤية المعاصرة والجذور ، وسنرى منها ثنائية الرسم والنحت أيضاً إلى جانب الرؤية والأسلوب .. والموضوع والفن..
وقد تأكد اتجاهه الثقافي عبر صلاته بأدباء عصره وكتابه وشعرائه ، وقراءاته ومختاراته التي ضمتها دفاتر يومياته ومذكراته ” وكذلك في عدد لا بأس به من أغلفة الكتب التي صممها ورسمها .. (20) ويستكمل ذلك عامل أخر هو ثقافته الموسيقية الحديثة ، وانتباهه للحس الفني في الأعمال الموسيقية العالمية ، ورغبته في تعلم العزف على الجيتار ، وكذلك في انتباهه للموسيقي المحلية ، كما برزت في عدد من لوحاته التي صور فيها موسيقيين وعازفين ومؤدين شعبيين ..

الاختيار الصعب: الرسم أم النحت ؟
في إحدى يومياته (29/5/1944) يشير جواد سليم إلى توزع محير بين الرسم والنحت فيقول: “إني لا أريد أن أكون كروزيتي يبدد قدرته بين الشعر والتصوير لا يدري أيهما يجيد..أنا أعيش في القرن العشرين وتقسيم قواي بين الرسم والنحت من المؤكد سيوصلني إلى لا شيء. إني أفكر أن أتحرر من الرسم في يوم من الأيام، لأني أشعر شعوراً أكيداً أنه ليس بالشيء الذي أعيش من أجله. إنه لا يعبر عن نفسي تمام التعبير”(21).
إن حيرة جواد ليست انتقائية يحددها المزاج. كما أنها لا تتصل بتداولية الفن أو تسويقه، ولا تحتكم إلى تلقيه لدى الجمهور. بل هي حيرة اعمق من ذلك لأنها تتصل بقدرته على التعبير عن نفسه من خلال الفن المناسب، وقدرة الفن على استيعاب ما في نفس الفنان.
فالحيرة إذن في اختيار وسيلة التعبير أساساً، وقد خلق ذلك لجواد إشكالية حقيقية، لا يهمنا منها التوزع الحرفي وعامل الوقت أو الجهد، وحتى المستقبل بمقياس الإبداع والشهرة وأي المجالين يحقق ذلك. فالمسألة أكثر تعقيداً من ذلك كله. لقد أحس جواد بقابليته (وقدرته) لإنجاز مشروعه ورؤيته في النحت تحديداً، كما وجد في النحت ، بالمقابل، الوسيلة الممكنة لتوصيل ما في نفسه.. وهذا أمر يدعونا للحديث عن طبيعة المادة الخام في الرسم وفي النحت … وفي أدوات التعبير نفسها، فضلاً عن إمكان التعبير في المجالين.
لقد تحدث جواد مرة أخرى بعد عام ونصف عن الحيرة نفسها، وأضاف مبررات تفصيلية هذه المرة. فقال في إحدى يومياته (3/10/1945) بعد إنجاز صورة شخص (الفراش حسين): “استقر في رأسي شيء خطير، وهو أني لا أصلح أن أكون رساماً لأني أرى شيئاً وفرشتي تعمل شيئاً آخر. وقد استنتجت في كثير من المرات أني لا أرى الألوان بالقوة التي يتطلبها رسام بارع من الصنف الأول، وأنا لا أريد أن أكون مصوراً من الصنف المتوسط. إني أفكر بالشكل والحجم أكثر مما أفكر باللون… وأني اجتهد بكل طاقتي وأحرص أشد الحرص في إخراج حتى أبسط القطع في النحت، بينما يكون الرسم لي كلهوٍ بسيط لا يهمني إن كان حسب اتجاهي القديم أو الحديث، بالنسبة لصوري التي رسمتها قبلاً ..” (22)
لعل في كلام جواد هذا شيئاً من المبالغة، عبر تهوين قيمة رسومه لصالح تحقيق رغبته التعبيرية في مجال النحت…لكنه عملياً لم ينقطع عن الاثنين في مراحل حياته كلها… وحتى في فترة انصرافه لإنجاز نصب الحرية في أيامه الأخيرة، ظل يرسم بكثرة.. وحفظ لنا أرشيفه تخطيطات كثيرة بالغة الروعة لأفكار وخطاطات ودراسات لشخصيات النصب أو حركاتها وأبعادها، تتعدى بقوتها وتعبيرها كونها خطاطات أو دراسات أولية.
لكن مشكلته كما قلنا تعبيرية، ويبدو أنه لم يستطع الإفصاح عنها يسبب محدودية ثقافته في مجال الفنون وجمالياتها قياساً إلى حجم السؤال الذي عذب روحه.
نحن نقر مع جبرا إبراهيم جبرا أن جواد سليم”كان من تلك الفئة القليلة في تاريخ الفن التي استطاعت أن تجمع بين النحت والرسم. طبعاً على النحات أن يتقن الرسم. ولكن رسمه يظل من قبيل الدراسات الضرورية لنحته. فهو أمر ثانوي لديه، لا يبغيه لذاته. أما الرسم لدى جواد فهو الشق الآخر من حياته”(23) ولا ندري مدى دقة تحديد أولوية أو ثانوية الرسم للنحات، لكننا متيقنون من (استغراق) جواد في الرسم بنفس القوة التي كان ينصرف فيها للنحت ويفكر ويخطط ويعمل.
كتب في رسالة لأحد أصدقائه في نيسان 1944 إن أكثر ما يثقل عليه الآن هو تقسم قواه بين الرسم والنحت. وتوقع أن يترك أحدهما ذات يوم مبرراً ذلك بأنهما معاً سيكونان فوق طاقته وأن قابليته سوف تتجزأ بينهما. ثم توقع بأنه سيترك الرسم نهائياً(24) وهو أمر لم يتحقق طبعاً. وأحسب أن الاختيار الصعب بدأ منذ الطفولة، حيث توجه جواد يعمل ألعابه من الطين ثم ليرسم ،متأثراً في النحت بأمه، وفي الرسم بوالده. وتطور الأمر في شبابه لينغمس مع زملائه في رحلات الرسم أو الاشتراك في المعارض، بينما ظل هواه الخاص داخل مشغله يتبلور في النحت .. وحين بدأ يطلع على الرسم والمنحوتات الأوروبية، قابلته الحيرة نفسها، فتوزع إعجابه باللوحات، وبتماثيل عصر النهضة ومنحوتاتها معاً.
أما حين عاد ليدرس آثار العراق القديم ويقرأ فنونها، فقد توزع أيضاً بين رسوم جدارية ونحت ناتيء أو بارز ومصغرات أو كتل.. وكان عليه أن يختار أيضاً.
لكن رؤيته لم تجد تجسدها الحر في الرسم، بسبب نظرته للأشكال والأحجام وتقدمها على اللون والخط. كما أغرته السطوح الخشنة أو كما جذبته الكتل والأحجام.. وقد انتقلت عدوى النحت هذه إلى رسومه، فكان سطح اللوحة بالنسبة لجواد مكاناً خيالياً يستخرج منه كنوزه الشكلية، وأخذ يرسم بقلم الرصاص على سطح القماش الأبيض بعد أن يهيئ لهذا السطح قبل الرسم ملمساً خشناً(25) وهذه إشارة ذكية إلى تنافذ نوعي أسلوبي، أي أن الرسم يهرّب مزاياه للنحت، كما أن النحت يبادله المزايا. فالملمس الخشن والمفردات الكثيرة والتفاصيل، والعناية بالكتل وتوزيع الفراغ في اللوحات، يقابل رشاقة المنحوتات وجمال أعضاء شخوصها ورهافتها، وإغراقها في الشاعرية أو الغنائية. حيث نجد شيئاً من التعبيرية الرمزية في منحوتاته..
لكن جواد رغم ذلك السؤال العسير والحيرة الرؤيوية بين الرسم والنحت، لم يترك واحداً من الفنين بل مضى موغلاً في انشطاره الأسلوبي والتقني مغنياً تجربته برسوم ذات أهمية خاصة في التشكيل العراقي، بينما ينجز أعمالاً ستعد من أبرز الأعمال النحتية العربية وأهمها على الإطلاق.
إن تساؤلات جواد والأمثولات التي ضربها عن حيرة مشابهة لأحد الفنانين بين الشعر والتصوير، لم تكن موجودة إلا في الجانب النظري من رؤيته. فالقرب بين الرسم والنحت ليس كالبعد بين الشعر والرسم، على مستوى المادة والأدوات على الأقل. وهذا عامل آخر ظل يعتمل في داخله، ويزكي افتتانه باللون والخط، كما يلهب عشقه للطين والصخر وللكتلة والشكل والحجم بالضرورة. كما يعكس ذلك تعلمه من رسوم بيكاسو ومن تماثيل هنري مور(26) معاً .. إذن لم تتحقق نبوءة جواد بهجران الرسم. كما أن اندفاعه في الرسم لم يحرمنا من عبقريته في النحت كما سنرى…

أزمنة.. ورسوم:
تعود أقدم رسوم جواد سليم المتوفرة الآن إلى مطلع الأربعينيات ويمكن لأغراض الدراسة أن نقف عند الخمسينيات كحد زمني وأسلوبي. ففيها عاد جواد إلى بغداد، وأسس جماعة بغداد للفن الحديث، وانطلق في مشروعه التشكيلي المعتمد على الأسلوب الحديث واستلهام التراث. لكن رسومه الأربعينية وتلك التخطيطات والدراسات الأولية السريعة التي ضمها دفتر مذكراته المسمى (تأملات روحي) (27) المدونة في العقد نفسه، تتيح لنا التعرف بوضوح على رؤيته وأسلوبه.
وأول ما يطالعنا مجموعة تخطيطات سريعة (اسكتشهات) منفذة بالقلم وتتسم بالسرعة والرهافة والحركة. حيث يعتمد فيها على أبراز الخطوط الخارجية (Out lines) واختزال التفاصيل لصالح التكوين العام، والأجساد التي لا تبدو سماتها الخاصة بوضوح، أو تشربها، بينما تبهرنا الحركة الضاجة فيها، وهو أمر يعلله انشغاله النحتي واتجاهه لإبراز الحجم والكتلة وسنرى في تلك الرسوم التخطيطية، لاسيما التي نفذها بعد سفره للدراسة، اهتماماً بالمرتكز الثقافي للعمل. فثمة أكثر من تخطيط لقصة الحمال والبنات من (ألف ليلة وليلة)، وتخطيط لقصة يوسف من القرآن الكريم، يلفت نظرنا فيها ابتعاده عن المرجع لصالح الرؤية الخاصة. فهو لا يحيل مباشرة إلى مراجعه، ولا يرهن رسومه بها.
تلك مسألة مهمة سوف تتضح في الخمسينيات، وتعبر عنها رؤيته للصلة بين الفنان والواقع. لكننا سنتحدث الآن عن بعض لوحاته الأربعينية مثل (أطفال في الطريق 1944) حيث يبرز التركيز على الخطوط الخارجية أيضاً، وتظهر ملامح الوجوه بتعبيرية واضحة تتجسد عبر الألم في وجه الأم التي تحمل طفلاً. والبراءة الجميلة في وجوه الأطفال الذين يضمهم الشارع. إلا أن عمله الأقدم ( الملاريا 1941 ) محير حقاً. إذ أنه يعتمد على التجريد والخطوط الحرة المتشابكة لإنجاز انفعال عام بالملاريا، فحيث تتصل بعض المفردات بالموضوع، تظل بعض التكوينات حرة كالإشارات والعلامات، لتنجز الأثر النفسي بما تسببه الملاريا. بينما تحتل وسط العمل صورة وجه مخطط بحرية وشيء من التجريد، ويمتلئ السطح التصويري بالخطوط ليعكس الرعب والاحتدام. وهو أمر سيتكرر في دفتر مذكرات جواد عام 1944 حيث تحتشد اللوحة بالخطوط والتفاصيل (أبواب – أجسام – أشجار- أشباح – أشكال هندسية) وكأن العمل مشروع جدارية غير مكتملة.
وفي (الابن المقتول 1947) و(الطفل الميت) في العام نفسه، نجد نزعة تعبيرية واضحة في وجوه النسوة وصياحهن ووجود الابن والطفل ميتين وسط العمل، يوحي أحدهما بصلب المسيح.. كما تبرز نزعته الخطية الحرة واضحة في العملين.
يحاول جواد في هذه الفترة الاقتراب من الجسم العاري دون إشعار مشاهده بأية نزعة حسية أو جنسية، لصالح إبراز (جمالية) الجسم المرسوم كما يتضح في تخطيطات دفتر مذكراته المعنون (تأملات روحي) حيث يستعين بالتنقيط والخطوط الحرة لاستكمال أبعاد الجسم دون انصياع لأية نزعة أكاديمية، الأمر الذي سيطر على رسوم وتخطيطات زميله وصديقه فائق حسن. فجواد مشغول بالحركة والكتلة والخط أكثر من تفاصيل الموضوع التي تبرز المهارات التقنية، كما تتضح نزعته التجريدية في تخطيط أطلق عليه (الإنسان الخالق) 1945 وكأنه يعيد للذاكرة أجساداً نجدها لدى الرسامين العالميين وماتيس خاصة (لاحظ عمله في دفتر المقتبسات والمذكرات) وهو صورة امرأة تداعب شعرها بإغراء وأنوثة ، والنساء الراقصات في عمله (بلاد لافاد الجميلة) وبعض المشاهد الحسية (رجال ونساء). وتشدنا كذلك الحركة المتسمة بالعنف والتعبير الجسدي الصارخ في تخطيطاته المتسمة بالتكثيف والرهافة، جامعاً إلى جانب ذلك بداعة التكون وبراعة الخط، مما يستلزم تعويض اللون المفقود ويجلب الانتباه إلى الحرية في تشكيل أشكال الشخوص (figures) واختزالها بالخطوط الخارجية ذات الحدة والعمق مما يقرب تلك الشخوص من الوحشية.
إن ثنائية الرسم والنحت لا تتجلى في النزعة الكتلوية وإهمال اللون، وإنما في تجسيم التعبيرية بالحركة الشاملة، وإحاطة الموضوع بطاقة المخيلة التي تقصي المرجع دائماً. وهنا نستذكر رأي الفنان في الواقعية. فهو يرفض عام 1951، في كلمته في افتتاح معرض جماعة بغداد، ما يراد من فهم سطحي للواقعية القريبة من الفوتوغراف والسذاجة، ويؤكد على النسخة الفنية دائماً لا نسخة الواقع.
لكن نزعة التلوين ستظهر واضحة في رسوم الخمسينيات وإن تكن تباشيرها الأولى تعود إلى بعض أعمال الأربعينيات مثل لوحاته الزيتية (نساء في الانتظار1943) و(رجل في المقهى ) 1943م ولورنا ( زوجة الفنان بثياب عربية ) 1948م وبعض المناظر الطبيعية (Land Scape) حيث يدخل اللون هنا كعنصر أساسي من خلال تحديد المنظر وجزئياته أو جمالية الشخوص، وكذلك العناية بالخلفيات وبعض التفاصيل. أما عمله في الوجوه والأعضاء فيتسم بالجمالية الواضحة بتأثير من الانطباعية وما بعدها، مع إضفاء جو خيالي يؤطر مشاهد الواقع وأمكنته (المقهى-البيوت -الأزياء-الأثاث..).
أما رسوم الخمسينيات فتمثل طفرة واضحة على المستوى الأسلوبي فإذا كانت الثقافة والقراءات تعمق تخطيطات الأربعينيات لا سيما تلك المستوحاة من ألف ليلة وليلة، فإن رسوم الخمسينيات تمدنا بتنوع متعدد النواحي على مستوى الموضوع المستوحى من الطبيعة (شارع في مدينة بعقوبة) 1952 و(الجادرية 1953) ومن مفردات الواقع (عائلة) وسلسلة رسومه (بغداديات) و(زخارف هلالية). والموضوعات الإنشائية ذات السمة التجريدية مثل (الضحية 1951-1952) وبعض البورتريهات التي تجمع الدقة الأكاديمية إلى جانب التركيز على التعبيرية وجمال الوجوه ومكملاتها.
وبهذه الاتجاهات الفنية أبدع جواد سلسلة رسوم كان لها أثر في الفن العراقي عامة. فجواد يقدم أمثولة للكد الذاتي خارج أسوار المدارس والاتجاهات المغلقة. فالحرية تتضح الآن في الأسلوب وتنوع المعالجة وطبيعة المادة.
صحيح أن الزيت والقماش هما مواد اللوحات الأساسية، وأن اللون والتعبير فيها عنصران رئيسيان، ولكن الأسلوب المعزز بالرؤية الفنية يتراوح بين الاحتفاء باللون، وتناغمات الضوء والظل، وتوزيع مساحات الكتل والخلفيات بتأثير انطباعي محدد واضح، بينما تستسلم الصور الشخصية (كصورة الشاعرة لميعة عمارة) إلى تعبيرية شاعرية تحفظ جمال الوجوه النسائية وفتنتها السابحة في ألوان رصينة متناغمة مفعمة بالحيوية والشباب والجمال القريب بأبعاده من الرسم الأكاديمي، مع متعة حقيقية في رسوم الواقع ومفرداته، تلك التي لا تخضع له كمرجع أو نسخة أصلية، بل تبتكر وجودها الخاص داخل العمل.
ونرى من المؤثرات الأخرى شيئاً من التكعيبية والسوريالية وبدايات الاتجاه نحو المحيط البغدادي والمؤثر الإسلامي العميق.
فبغداد بالنسبة لجواد، وكما تعكس لنا سلسلة رسومه عن الزخارف والهلاليات والمناظر البغدادية، ليست مدينة مجردة من تاريخها بل تتحد فيها عناصر تاريخية: كونها عاصمة الدولة العباسية، ومسرح أغلب الموروث الحكائي في ألف ليلة وليلة، كما أنها الجغرافية الروحية للفنان، ومهد الصبا والشباب، وتجلي المشاهدة المباشرة في أحيائها وطرقها ومناظرها اليومية.
هنا برزت في رسوم جواد تطلعات جماعة بغداد التي كانت تلك الرسوم، تمثل الجانب التطبيقي لأطروحاتها النظرية، وطموحها لخلق مدرسة تستلهم الموروث الإسلامي، والرسم القديم الذي يمثله يحيى الواسطي، والإخلاص للبيئة بالمفهوم الرومانسي الثوري. ولكن أبرز ما ظل من رسوم تلك الفترة هو العناية بالشكل الهلالي سواء أجاء بشكل أيقوني يمثله رسم الأهلّة وزخارفها مباشرة في اللوحة، أم في تمثل الشكل الهلالي وهضمه، ليظهر في استدارات الوجوه عامة، والعيون بشكل خاص، عيون النسوة والأطفال.
في هذه الفترة يرسم جواد أهم لوحاته: زخارف وبغداديات 1955-1956 ولوحة (أطفال يلعبون) 1953 و(الزفة والموسيقيون في الشارع وليلة الحنة) 1956-1957 و(كيد النساء) 1957 و(صبيّان يأكلان الرقّي). و(السيدة والبستاني) و(الشجرة القتيلة) و(القيلولة) 1958. وهي أخصب سنوات فنه، ثم بداية قطيعته مع الرسم لانشغاله بدراسات عمله النحتي الخالد (نصب الحرية)، إلى جانب أغلفة الكتب والدواوين الشعرية التي رسمها في الخمسينيات.
وأية نظرة فاحصة على أعمال الخمسينيات الزيتية هذه، سترينا النضج الذي وصل إليه الفنان، سواء على مستوى الرؤية التي تتيح له الالتقاء بموضوعه في أفق الحداثة التي تفهم الموضوع فهماً فنياً متقدماً، أم على مستوى الأسلوب والتنفيذ الحر والدقيق الذي ينم عن شخصية تشكيلية متميزة أسلوبياً، تقف بمنأى عن المدارس المعلبة، وبمنجى من الفطرية أو الطبيعية الفجة.
أحياناً يكون الواقع محركاً أو دافعاً لإنجاز العمل، كما في لوحة (الشجرة القتيلة) التي رسمها بعد أن رأى بستانياً في حديقة منزلهم يهوي على شجرة متيبسة لكي يقتلعها، فكان ذلك دافعاً لموضوع لوحته التي كان أسمها يشي برؤية إنسانية تعطي النبات سمات بشرية فهي شجرة مقتولة نحس بآلامها، كما يحدث للبشر إذ يموتون.. وقد أمتد هذا المنظور إلى الشكل نفسه، حيث بدت الشجرة في غاية الجمال، قريبة الشبه من امرأة شابه بقوام جميل وشعر كثيف بينما تتضح القسوة في حركة الرجل الذي يهوي عليها بفأس كبيرة بينما تعلق رجل آخر فوق جذعها ليجز رأسها، وانحنت المرأة ذات الزي الفلاحي لتجمع أشلاء الشجرة من الأرض، بحركة جميلة فيها عناء وفتنة، وكأنها تحمل شيئاً يخص جسدها هي لا جسد الشجرة. أو لعلها الشجرة ذاتها التي انحنت بانكسار وتعاطف لتلم حطامها واشلاءها. وقد برز تنفيذ أجساد النساء في هذه المرحلة . بأسلوب خاص يحيل إلى البيئة والتراث لا سيما في الغلالات الشفيقة التي تغطي الأجساد (كما في كيد النساء المستوحاة من حكاية مشهورة في ألف ليلة وليلة) مما يزيد تلك الأجساد فتنة وغواية.. كما نرى بعض مفردات المأثور الشعبي سواء من طرف الموضوع: كالزفة والحنة والموسيقى الشعبية وألعاب الأطفال والأكلات والمقاهي والأزقة،أو من جهة تحديد الوجوه بأشكال هلالية وعيون واسعة بشكل لافت.
ويتحول الزيت دائماً من مادة كثيفة ذات ثقل ودلالات لونية، إلى إطار شاعري يحدد بحرية ودعة وتلقائية تزيد المناظر جمالاً.
والملفت حقاً إلى جانب الحرية الأسلوبية والحداثة، ذلك الفهم المعمق للواقع وطريقة تمثيله فنياً… وذلك يؤكد البرنامج النظري لرؤية جواد سليم الذي قال عام 1951: “إن الزمرة التي تتذوق الفن والتصوير من جمهورنا تفرض إرادتها بصورة عجيبة … هؤلاء يريدوننا أن نرسم تفاحة ونكتب تحتها ( تفاحة ) .. ومنظر الغروب على دجلة وتحتها (الغروب)… أو فتاة جميلة ويجب أن تكون جميلة لأن الفن جميل وتحتها نكتب بخط جميل : الانتظار … والفنان الحق يجب أن يعرف ماذا يرسم ولماذا هو يرسم.. فماذا تعني صورة نخيل رسمت كما يراها الفوتغراف؟…”(28)
ولعل هذا الفهم لصلة الفنان بالواقع وكيفية التعبير عنه ، لا يقل خطوة عن رؤية الفنان لمسألة الجميل، وإنجازه فنياً.
وهذا ما تجسد في رسوم جواد التي امتلكت، من هنا، حسب ظني، قابلية التأثير، بينما ظل أثر زملائه محدداً، بسبب فهمهم المحدود للطبيعة والموضوع، ونقصان رؤيتهم في الجانب التعبيري والأسلوبي.
وهذا بالضبط هو ما أهله للانتباه مبكراً إلى دور الخط والحرف في اللوحة، مما سيطوره لاحقاً وبشكل راق زملاؤه الفنانون وفي مقدمتهم شاكر حسن آل سعيد وجميل حمودي.

جواد النحات ونصب الحرية:
في قلب العاصمة بغداد، وأشهر ميادينها (ساحة التحرير) الشريان العضوي للمدينة، تطل كائنات (نصب الحرية) العمل الضخم لجواد، والذي كان يحلم به مزيناً مدينته التي لاحظ أنها خالية من التماثيل والمنحوتات (لم يكن هناك سوى ثلاثة تماثيل برونزية للجنرال مود، والملك فيصل الأول، وعبدالمحسن السعدون) وهي من عمل فنانين أجانب. وكأن هذه المدينة تؤكد قطيعتها عن حضاراتها المتعددة التي ورثتها عن سكان ما بين النهرين وموروث النحت السومري والبابلي الأشوري متعدد الرؤى والأساليب والأشكال.
هذه القطيعة بين الموروث الفني والحاضر، كانت سبباً في حماسة جواد لعمل خالد يعيد الصلة بالموروث، ويبرز كفاءة الفنان ورؤيته.
لقد كان لجواد بضعة أعمال نحتية، رفضت الجهات الرسمية بعضها بسبب تدني الوعي الفني للجمهور، وعرض بعضها في مناسبات متعددة. (29)
قبل ذلك لابد من تفحص المؤثرات الفاعلة في رؤية جواد النحتية. فهي تنهض بالدرجة الأولى على الثروة المتحفية الهائلة للنحت السومري والأشوري وبعض التماثيل والمجسمات والمصغرات البابلية، وما حفظته خزائن المتحف من لقى وتكوينات فخارية تنتمي لمادة الطين التي ألهبت خيال جواد سليم وهو صبي، ولفتت حاسته الفنية بغناها ولونها وطواعيتها.
وتتمثل كذلك في الأشكال الأيقونية الإسلامية مجسدة في عمارة المسجد كبيت عبادة ينطوي على جمالية الأزرق وروحانيته وفضائه .
ويكتمل مثلث المؤثرات النحتية في المشاهدة البصرية المباشرة التي اكتسبها الفنان كخبرة فنية عبر زياراته ودراسته في أوروبا، حيث تكتنز الساحات والمعابد والمتاحف، بالتماثيل والأيقونات والجداريات، لا سيما ما ورثته أوروبا من عصر النهضة وما قبله.
وفي دراسته للنحت يكتسب جواد فرصة أخرى لمعايشة فن النحت برؤية جديدة، كان يمثل قمتها هنري مور الذي يقوم بالتدريس في مدرسة سليد التي انتظم فيها جواد.. ذلك كله يتعزز برؤية شاملة للفنان وموقف فكري إزاء الصلة بالموروث والأساليب الحديثة من جهة، وبالمادة والأدوات من جهة أخرى إلى جانب الرؤية الثاقبة للتعبير عن الموضوع بكيفية متقدمة.
لقد قدم جواد منحوتة في المعرض الربيعي لجماعة أصدقاء الفن عام 1944 عبارة عن قطعة صغيرة من المرمر العراقي أسماها (النهر الأسود) لكن الفنان يشكو في يومياته أنه رغم عمله فيها بشكل متواصل طوال شهرين، لم يشترها أحد ولم تثر إلا إعجاب القليلين(30). وقد كانت تلك إحدى معضلات تلقي النحت، فالجمهور يعرض عن المنحوتات المعروضة دائماً في الأرضيات، بينما تتجه عيون المشاهدين إلى اللوحات. قبل ذلك كان جواد قد ساهم بمنحوتة يتجاوز طولها المترين بعنوان (موكب ملك أشوري) لكن عمله الأهم في الأربعينيات هو منحوتة (البَنّاء) التي تحدث عنها مطولاً في يومياته.
تعود دراسات المنحوتة وتخطيطاتها الأولية إلى عام 1944 وفي أواخر عام 1945م ينتهي منها تماماً. لقد كان عمل (الأسطة)-كبير البنّائين-هو الذي أوحى له بالعمل. لذا فقد ظهر في العمل النحتي كبيراً.. ونفذها بطريقة النحت النائيء جامعاً مؤثرات الحضارة الفرعونية والأشورية، وهي غنية بالتفاصيل. فثمة سبعة أشخاص إلى جانب البنّاء الأساسي يساعدونه في العمل وهناك تخطيط أولي منشور للمنحوتة ضمه دفتر مذكرات الفنان، لا علاقة له كثيراً بالعمل المنجز. نجد في المنحوتة تركيزاً على (الأسطة) ولا غرابة فجواد يقول أنه استوحى الشكل عند رؤيته أحد مزخرفي الجدران المشهورين في بغداد “وهو يعمل بكل دقة وهدوء في زقاق القصر العباسي وقد أعجبني شكله وما جاوره من الصور والحركة والحياة واهتمامه بعمله وتأكده منه ثم العظمة التاريخية في الشيء الذي يحاول إصلاحه بعد رؤيتي هذا المنظر ازدحمت في رأسي ذكريات وأفكار حفرها هذا المشهد في زوايا منسية من رأسي . وتلا ذلك اتصالي المباشر بأهل البناء والأسطوات والخلفات والصناع الصغار عند بناء بيتنا الحالي ….
وأضطررت وأنا أدرس هذا الموضوع إلى الاتكال على الماضي ، على القباب القديمة … وشيء آخر وهو الذي استمددت منه الاسم .. هو قراءتي لمسرحية إبسن عن ذلك الأسطة الذي مات لفنه… إني بلاشك قد آستعنت ، زيادة على نفسي والطبيعة والاتجاهات الحديثة بعدة اتجاهات فنية : مصرية وآشورية وغوطية وهذا شئ طبيعي)). (31)
وإذا كنا هنا ، نتعرف على مولدات الموضوع، وهي عبارة عن ملاحظات بصرية وانفعالات وجدانية وتفاعلات فنية مع العمال البنّائين، فإن معرفة المؤثرات ستكون بطاقات جيدة للتزود بإدراك جمالي مناسب لمنحوتة ( البنّاء) .. حيث نلاحظ الأشكال النحيفة والوجوه المستدقة والجو الحلمي الذي يعمل به الشخوص استيحاء من الفن الفرعوني إضافة إلى تحكمه بالنسب وفق أهمية الشخص داخل السرد الفني للمنحوتة التي ( تروي) حكمة العمل وجماله والألفة بين الصانع ومصنوعاته ، وبينه وبين مساعديه ، وهؤلاء مع موادهم .. فيأتي (الأسطة) اكبر من الجميع ، وبارز العضلات بينما يتضاءل الأخرون إلى جانبه .. وهذه إحدى اكتشافات جواد سليم لجماليات النحت الأشوري القديم، وملاحظة أن الملك يأخذ نسباً اكبر في التنفيذ.. وتسلل ذلك إلى تنفيذ جواد لأعضاء البنّاء الأكبر حيث ظهرت اليد اليمني التي تمسك بالفأس ضخمة قوية لكي ” تمثل القوة والشدة الجنسية – أي اليد التي تصنع وتحس وتلمس ، لا اليد التي تفكر “(32) وراح بعد ذلك يجمل وجوه الصناع الصغار الذين كان يراهم في الواقع وقد تبقعت وجوههم الحمراء الصغيرة الشابة برذاذ مادة الجص الأبيض .. وهكذا أنجز جواد في هذه المنحوتة المهمة – والمبكرة في تاريخه الفني – رؤيته المتلخصة في دراسة الموضوع ، ورفعه من سياق الواقع لدمجه في سياق الفن ، وإعطاء السرد أهمية خاصة وأساسية لا غنى عنها في فهم عمله ، وهي ميزة تعلمها من المنحوتات العراقية القديمة التي تحكي طقوساً وعادات وأحداثاً .. كما انه جسَّد وعيه بأن القطعة الفنية “يجب أن توجَّه حسب الموضوع”(33) وهذه إحدى ملاحظاته المهمة التي توضح رؤيته لعلاقة المادة الخام بالأسلوب لا سيما وهو نحات يتعامل مع سطوح صماء ، عليه أن يحفرها ليودعها جماليات التعبير الخالصة.. كما أنه يحدد العلاقة بين البساطة في الموضوع ، والعمق في التنفيذ بصدد الموضوع خاصة. حيث يرى أن المواضيع البسيطة ( كحفر تمثال بسيط على الخشب ) تكون أصعب من أي موضوع أخر .. ونختم حديثنا عن ( البنّاء ) بالقول إن له في نفس الفنان مكانة كبيرة كما يتضح ذلك في فرحه الشديد بإنجازه ، وتصريحه بتك الأهمية ..
في مسيرته النحتية سينجز جواد أعمالاً كثيرة ، لا يحالف الحظ أغلبها إما لأنها لا تحوز إعجاب طالبيها لقصور في وعيهم ، أو لأن مردودها غير مقنع .. وهكذا أجهض عدد من مشروعاته لسبب أو لأخر ، يذكر منها في يومياته : تمثالين لمحطة قطار مدينة بعقوبة القريبة من بغداد ، وتمثالاً لحصان لمضمار سباق الخيل في حي المنصور ببغداد لم يعجب الشركة القائمة على السباق .. وشعاراً لمصلحة نقل الركاب بالعاصمة، ومنحوتة برونزية للمصرف الزراعي جعل لها عنواناً ( الإنسان والأرض ) 1955م نفذها بأسلوب النحت الناتئ أيضاً ، تميزت بغناها الرمزي وتكاملها السردي ، حيث تظهر الأرض الولود بشكل امرأة خصبة ضخمة الأثداء على يمينها طفل وتحيط بها أغصان شجر وثمار وتعلوها قرون ثور ( كثيراً ماتكرر ذلك في منحوتات جواد تأثراً بثيران أشور الضخمة ) كما صمم عام 1956م جدارية عن الثروة النفطية لصالح شركة نفط العراق يتضح فيها الأثر الأشوري اكثر من سواها بتكرار الثيران أسفل العمل ، واستعارة شكل الأفاريز أو الأختام الأسطوانية والأشكال التي تذكر بالحضارة السومرية والبابلية إلى جانب عامل السرد الذي يربط بين ظهور النفط من باطن الأرض على شكل شعلة نارية ملتهبة اسفل المنحوتة، وبين تحورها على شكل أشجار ضخمة في أعلاها إلى جانب المصغرات المحددة في أنحاء المنحوتة وداخلها أشكال بشرية أو دوائر مرقوشة تستحق كل مها دراسة مفصلة لا يسعها المقام..
وفي مكان غير بعيد عن نصب الحرية نرى تمثال الأمومة . في الحقيقة سنجد عملين لجواد بالاسم نفسه وبمادة الخشب وبأسلوبين مختلفين . لقد كانت الأمومة مرتكزاً فكرياً مهماً وعاطفياً أيضاً في رؤية جواد ، يلاحظ نقاده أنها بالإضافة إلى ( الثور) رمز القوة والحضارة سيكونان أهم تمظهرات الرمز عنده . وهكذا فإن قراءة نحت جواد (ورسومه أيضاً) لا تستغني عن الثور والأمومة حيث جعلهما ” موضوعين هامين “(34) ولكن رؤية تمثالي الأم تعطينا منظوراً جمالياً مختلفاً . فالأول ( 1952م) منفذ بطريقة مباشرة مع شيء من الرمزية والشاعرية في حمل الفاكهة ( ربما إشارة إلى الخطيئة الأولى ) ، وضخامة الثديين إضافة إلى جمالهما ورقة الجسد ودقته ، والعينين الواسعتين بشكل هلالي واضح .. أما التمثال الثاني للأم ( عام 1954م ) فهو يعتمد التجريد . فثمة قوس أو هلال مفتوح إلى الأعلى ، يستند إلى قطعة مرمر مجوفة بدورها وكأن الشكل كله يوحي باكتناز الأم للعاطفة والولادة والجمال .. وسنرى أن ثمة كرة مدورة توحي بشكل فاكهة أيضاً ، وهي تتدلى من أعلى القوس من الجهة اليمني ، ربما تأكيداً لفكرة العقاب والنزول إلى الأرض بسبب المرأة ، أو بتفسير واقعي – لا ميثولوجي- فربما تشير إلى الولادة كثمرة لشجرة الأمومة ، والعطاء الذي يرتبط بها عبر الولادة واستمرار النوع .. وبمؤثرات الثور الأشوري سنجد تمثالاً من مادتي الخشب والحديد بعنوان ( ثور 1954) وفيه يصبح القرنان هلالين كبيرين ويستدق جسد الثور ويطول وكأنه يمثلك امتداده من الخيال والفكرة إلى الفن والتجسد بهذا الامتداد .. مع ملاحظة إتقان جواد لمادة النحت (الخشب والحديد)..وتمكنه من السيطرة عليها .
وهناك تمثال آخر وضع الفنان مصغراً له عام 1953 وعنوانه ( السجين السياسي المجهول ) وهو تمثال برونزي نال عنه جائزة في مسابقة عالمية لنصب خاص بالسجين المجهول ، نفذه جواد بأسلوب تجريدي خالص ، مستخدماً الهلال كشكل يشير إلى السجين الذي يشرق بحرية ويطل خارج القضبان التي تحيط به .. فالناظر لا يرى إلا هلالاً محوّراً مأسوراً وسط قضبان حديدية وأسلاك تنغرز في جسده ، لكنه بلا ملامح محددة كإشارة إلى هوية إنسانية لهذا السجين بسبب الفكر فهو ينتمي إلى العالم كله لا إلى جنس أو لون أو مبدأ محدد. (35)
نصل ألان إلى عمله الأخير والأكثر أهمية في تاريخه الشخصي وتاريخ النحت العراقي والعربي وهو ( نصب الحرية )الذي يشمخ الآن بجدارة في قلب بغداد كمعجزة فنية خالدة حلم بها الفنان طويلاً وفكر بما يليق بانتقال وطنه إلى نظام جديد (قيام الجمهورية في 14 / تموز –يوليو 1958) تآزر أفراد الجيش والشعب معاً لبنائها.
وفنان مثل جواد سوف يستحضر ماضي وطنه وحضارته دون شك. وهكذا ظهر الماضي بطريقتين: موضوعية : تضج بالمفردات المجسمة في النصب؛ وفنية نلاحظها في أسلوب تنفيذ النصب: فهو يجمع وحدات متعددة بشكل عرضي ذي مضمون سردي، وكأنه يربط الماضي الثري بمنجزاته ، بالحاضر المتجدد، ووصولاً إليه ليؤكد صلة الإنسان بتراثه. وماضيه بحاضره كما أنه يحاكي الروح السردية في أفاريز العراق القديم ووحدات الأعمال المتعددة والمكملة لبعضها سواء على الجداريات أو الأختام والأفاريز والمسلات.. كما يستفيد من المستقبل كذلك في التنبؤ بما سيؤول إليه تنوع الحياة وغناها (زراعة –صناعة –إنسان – محاربون – شهداء- كائنات حية ..) ولأول مرة يجد الفنان تقديراً لنحته بصورة استثنائية إذ جرى تكليفه بإنجاز عمله الخالد رسمياً ، وكانت له حرية التكوين والتصور معاً(36).
وفي آذار 1959 يسافر جواد إلى إيطاليا وسيقضي أشهراً طويلة في مصهر خاص بفلورنسا ، يصنع المصغرات بعد تخطيطها ثم يعمل مع مساعديه ( ومن أبرزهم النحات الشهير وتلميذه في المعهد محمد غني حكمت) لكن الفكرة الواضحة في ذهنه أنه سيصنع ملحمة بالمعنى السردي والفني (تحكي) تاريخاً وحاضراً لذا أراد لها أن تكون بهذه السعة وأراد لها أنه تكون بأسلوب النحت الناتئ– وليس المجسمات- متأثراً بالفن العراقي القديم وفكر في لوح عريض هو الأرضية التي تستقر عليه وحدات النصب التي يبلغ عددها أربع عشرة وحدة تضم خمسة وعشرين وجهاً عدا الحصان والثور .. ويمتد هذا اللوح المعلق خمسين متراً وبارتفاع أكثر من ثمانية أمتار . ووضع جواد منحوتاته على إفريز عرضي يجعلنا نتساءل أهو متأثر بالخط العربي فوق سطر طويل أم أنه يستوحي الأفاريز والجداريات العراقية القديمة ؟ أم استوحى ذلك من شكل (اللافتة)- أي القطعة البيضاء أو الملونة من القماش يرفعها المتظاهرون ويكتبون عليها الشعارات المؤيدة للجمهورية الوليدة ؟
يذهب جبرا إبراهيم جبرا إلى تفسير وحدات النصب على أنها مفردات “بيت من الشعر العربي يقرأ من اليمين إلى اليسار فكل وحدة هي فكرة قائمة بذاتها ولكنها تتصل بالأخرى في سياق يؤلف المعنى الذي يعبر عن النصب بأجمعه: توق العراق إلى الحرية منذ القدم، وتقديمه الضحايا في سبيلها”(37).
ولكن معاينة النصب من قريب، ستقوي اعتقاداً جمالياً قرائياً، يتطور من تفسير جبرا الشعري.فأنا أقترح قراءة النصب كجملة نثرية بليغة أشبه بتوقيع عباسي مختصر ووافِ وبليغ حقاً.أو حكاية قصيرة ، كالمقامة ذات غنى سردي متسلسل ذي طاقة رمزية. ويشجع على ذلك تأثر جواد سليم بالفن الأشوري الذي يرى الدارسون أنه يعتمد على السرد ويمثل” أطول مساحة قصصية عرفت في تاريخ الشرق الأوسط فقد جعل الأشوريون السرد القصصي سبيلهم لتسجيل تفاصيل الأحداث الحربية في شريط مصور تسهل متابعته”(38).ولعل هذه النزعة السردية انتقلت لجواد سليم بطريقة الدراسة المتأنية والمعاينة البصرية لمنحوتات العراق القديم، فضلاً عن طبيعة العراق المتأثرة بالزراعة كوسيلة إنتاج مما يجعله ميالاً للسرد وتجسيد الفكرة عبر حركات متسلسلة متواصلة تذكرنا بالفصول الأربعة وتواليها ونمو النباتات المتدرج من البذرة وصولاً إلى الثمرة.
لقد اقترن اسم جواد سليم بنصب الحرية الذي اقترن بدوره بمدينة بغداد تاريخاً وفناً، وقد كان ذلك إنصافاً حقيقياً للفنان وللفن نفسه الذي أخذ مكانة حية وفاعلة في قلب الحياة والمكان….
يتنوع أسلوب جواد في تنفيذ كائنات نصبه، فتتراوح بين نزعة واقعية وأخرى رمزية ، وثالثة تجريدية، لكن وحدتها السردية الخفية هي التي تلائم بينها، وتبرز جمال المنحوتات وقوتها معاً.
لقد بدأت جملة النصب السردية بالحصان كرمز عربي يشير إلى الجموح والقوة (39) ، فهو بدون فارس، وإذا كان الحصان يعج بالحركة والنفور فإن جسده مغطى بأجسام بشرية تقرن الثورة بالإنسان، ثم يندمج أحد هذه الأجساد بيد رجل ثائر ممتدة إلى اليسار بينما يرفع يمناه باتجاه مساحات فارغة لعلها لافتات أو بيانات الثوار ، مكتملة بوجود المرأة وجسد ثور مموه في الأسفل. ثم يأتي الطفل جميلاً وبريئاً وفرحاً، تليه المرأة الباكية أو الصارخة، وكأنها تحاول فك قيود تلف وجودها، بل كأنها تبكي الشهيد في الوحدة التالية، واحتضانها له بمحبة وجمال يركز على المرأة نفسها. أما السجين داخل قضبان مشرعة وكأنها تستعد للتكسر،فهو المفكر المقيد الذي سيساعده الجندي على التحرر من سجنه.
في الحركة التالية نصل إلى مركز النصب ومنتصفه. هنا يتلاءم البصر والفكرة حقاً فنحن نصل إلى نصف النصب، وكأن الجندي وهو يكسر القضبان يفتتح وحدة سردية جديده في جملة النصب، كما أنه –الجندي نفسه- يبدأ بثورته في عام 1958م تاريخاً جديداً لهذا الوطن، ويعلوه قرص مختزل يشير إلى سطوع شمس الحرية التي تمثلها مرة أخرى امرأة تحمل مشعلاً متقداً يرمز للثورة وهي بدون قدمين تعبيراً عن سموها أو تحليقها عالياً كما يقول الفنان(40).
هنا نصل إلى جو إيقاعي جديد. تنتصر الثورة ويستلم الشعب شعلتها فيسود السلام الذي برزت في أجوائه أغصان الأشجار والحمامة والوجوه الجميلة والأنهار. ثم تأتي النخلة والمرأة الحبلى رمزاً للخصب الخيرات التي تحملها بنت صغيرة في لقاء نهرين دجلة والفرات . وتبرز ايضاً معجزة الزارع الجديد بالمسحاة ( أداة الزراعة التقليدية في ريف العراق) مع ثبات وقوة أرجل الفلاحين، ثم العامل الصانع واقفاً بشموخ وبيده أداة (ورمز) العمل أي المعول. وبينهما – أي الزارع والعامل – ثمة ثور ضخم يطالع المشاهد، وكأنه يكمل صورة الحصان في أول النصب وهو استدعاء للمؤثر الأشوري لطاقة الثور رمزياً وفنياً.
لقد اكتملت موجودات النصب الذي لا يغني وصفه عن رؤيته كأي عمل ضخم خالد.. ولعلها مفارقة عجيبة أن يموت جواد سليم في 23/3/1961م عن إحدى وأربعين سنة من العمر ؛ وهو يعمل على وضع منحوتات النصب في مكانها في فضاء ساحة التحرير عندما داهمته نوبة قلبية توفي على أثرها .. .

خاتمة : فكرة الخلود
كثيراً ما تحدث جواد عن فكرة الخلود .. فالفن هو التعويذة التي يمتلكها الإنسان بإزاء الموت المحتم.
وإذا كان جلجامش قد أسدى لنا نحن البشر أمثولة عن البقاء الرمزي والخلود بالعمل فقط بعد أن يئس من العثور على عشبه الحياة التي تعيد الشيخ صبياً، وتمنع عنه الفناء ؛ فإن جواد يحس ذلك تماماً وهو يقول “أريد أن أعيش. أريد أن أشبع من الحياة . أريد الحياة على حلوها ومرها .. إنني وإن كنت سأعمل شيئاً في المستقبل أو أكون شيئاً ولكن سأموت بعد هذا الإجهاد الهائل والتعب المضني. أموت وأنا لا أعرف الحياة. لا أعتقد أي قيمة ستعطى لي … أهو الخلود أم الشهرة بعد ضياع العمر ؟ إنني سوف أموت ككل البشر… ولكني لن أعيش ككل البشر “(41).
وإذا كانت حيرة الفنان مشروعة وهو في سبيل إنجاز فنه، يخيفه المجهول والمستقبل وقيمة ما يعمل ، والحياة التي سيحياها عمله من بعده، فإن الشيء الوحيد واليقيني في حياة جواد سليم القصيرة أنه عمل ما سيترك أثراً في حياة كاملة بعده، تزكي حدسه بأنه لن يعيش ككل البشر .. بمعنى أن حياته ستمتد بعد موته الجسدي، من خلال الفن الذي كان العمل الأكثر جدوى لحياة جواد ومجتمعه والإنسانية. وهذا ما حصل .. فكل صباح إذ تستيقظ مخلوقات النصب، من الحصان النافر على اليمين ؛ حتى الثور المتحفز بين الفلاح والعامل على اليسار ، فإنما لتعلن أنها عادت للحياة مجدداً.. وعاد جواد معها حياً… وإن كان قد مات كسائر البشر…شيء من سحر الفن واستثنائية وجوده في حياة البشرية، وضرورته قبل ذلك كله.

*هوامش ومصادر دراسية
(1) عفيف بهنسي : رواد الفن الحديث في البلاد العربية ، دار الرائد العربي – بيروت 1985م، ص119..
(2) إسماعيل الشيخلي : الفنانون الرواد ، نشرة الواسطي ، دائرة الفنون- بغداد ، ع1–س4 كانون الثاني – 1996م ، ص3.
(3) تراجع قائمة المصادر والدراسات في نهاية هذه الهوامش.
(4) جبرا إبراهيم جبرا : الرحلة الثامنة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت ط2 – 1979م ، ص146. وتنظر شهادة زوجته لورنا حول الجماعات الفنية في كتاب: لورنا –سنواتها مع جواد سليم – إنعام كجه جي ، دار الجديد بيروت98،ص50.
(5) نفسه ، ص172- 173. مختارات من يوميات جواد سليم ، يذكر جواد كذلك الصداقة التي نشأت بينهم (( صداقة متينة استعدنا فيها تأثيرات باريس قدر طاقتنا وقدر ما تتمكن به بغداد)) نفسه ، ص 165.
(6) نفسه ، ص 172-173
(7) جبرا إبراهيم جبرا : جذور الفن العراقي ، دار واسط – بغداد ، 1986 ، ص20.
(8) الرحلة الثامنة ، ص 160.
(9) جبرا إبراهيم جبرا : جواد سليم ونصب الحرية ، وزارة الإعلام – بغداد ، 1974، ص73.
(10) نفسه ، ص 73.
(11) عاصم عبد الأمير: جواد سليم في محنته ، نشرة الواسطي ، ع 2، ت2 – 1996م،ص9.
(12) هناء مال الله : التأسيسات الجمالية وحركة التجييل والتحقيب ، نشرة الواسطي ، نفسه ، ص 13.
(13) الرحلة الثامنة ، ص 145. وشاكر حسن آل سعيد : جواد سليم الفنان والاخرون ، وزارة الثقافة – بغداد ، 1988، ص 172.
(14) الرحلة الثامنة ، ص 16.
(15) جبرا إبراهيم جبرا : الأدب والفنون الأخرى : شهادة ، مجلة الأقلام – بغداد ، ع 4-5 ، 1994م.
(16) جواد سليم ونصب الحرية ، ص 47.
(17) نفسه ، ص 48 .
(18) هناء مال الله ، جدل جماليات الحرفة والمعرفة ، نشرة الواسطي ، العدد2 ، 1995، ص9 هامش رقم 8.
(19) نفسه . هامش رقم 1.
(20) منها غلاف ديوان الشاعر حسين مردان : قصائد عاربة . ومجموعة أقاصيص لأخيه نزار سليم: أشياء تافهة .. و( عرق وقصص أخرى ) لجبرا ، وديوان الجواهري الذي رسم له جواد صورة شخصية مشهورة تتصدر الديوان.
(21) الرحلة الثامنة ، ص 169 ..
(22) نفسه ، ص 177.
(23) نفسه ، ص 142.
(24) نفسه ، ص 176.
(25) فاروق يوسف : رسوم الخمسينات ، نشرة الواسطي، ع 2- 1995م ، ص 7.
(26) كان هنري مور مدرساً في مدرسة سليد التي تعلم فيها جواد بلندن ..
(27) جواد سليم ونصب الحرية ، ص 166 وما بعدها ,.
(28) نفسه ، ص 194 . وتذكر لورنا سليم بعض احباطات جواد بسب عدم تفهم الوسط الاجتماعي لأسلوبه ورفض بعض أعماله مثل الحصان الحديدي لميدان السباق بالمنصور ، ومنحوتة – المصرف الزراعي التي صممها جواد للمبنى الجديد للمصرف وتمثل فلاحاً وزوجته وطفله يتوسطهم جذع نخلة، لكن حجة المشرفين عند رفضهم للعمل أنهم –كما تقول زوجة الفنان- كانوا يريدون تمثالاً مباشراً: فلاحاً يقف أمام شباك المحاسب وبيده رزمة أوراق نقدية! . يراجع : لورنا سنواتها مع جواد – سابق – ص 65.
(29) شوكت الربيعي ، الفن التشكيلي المعاصر في العراق ، وزارة الإعلام – بغداد ، 1972م ، ص 63.
(30) الرحلة الثامنة ، 169.
(31) نفسه ، ص 176.
(32) نفسه ، ص176.
(33) نفسه ، ص177.
(34) جواد سليم ونصب الحرية ، ص 49.
(35) نفسه ، ص 52.
(36) تذكر لورنا زوجة جواد تفاصيل كثيرة حول العرض الذي قدمته الحكومة العراقية لجواد ثم إجراءات سفره وإقامته في إيطاليا لتنفيذ المنحوتات . لورنا – سنواتها مع جواد – سابق – ص 71 – 78.
(37) جواد سليم ونصب الحرية، ص 78.
(38) نعمت إسماعيل علام : فنون العراق القديم ، دار المعارف ، القاهرة 1984، ص54.وفي الكتاب إشارات أخرى إلى الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في الفن الأشوري والعناية بالشخصيات والعناصر القصصية – ص 56وما بعدها .
(39) جواد سليم ونصب الحرية ، ص 152.
(40) الرحلة الثامنة ، ص 166.
(41) نفسه ، ص 152.
• بعض المصادر الدراسية
– يشير الكاتب إلى أنه أعتمد عدداً من الكتب بالمراجعة وبعضها بعيد عنه الان. لكنه يدين له بفضل التنبيه في قراءاته الأولى عن جواد سليم .. ومنها :
1- جبرا إبراهيم جبرا : الرحلة الثامنة ، وفيها يوميات ومذكرات جواد سليم ( مرآة وجهي ) .
2- جبرا إبراهيم جبرا : جذور الفن العراقي المعاصر .
3- جبرا إبراهيم جبرا : جواد سليم ونصب الحرية .. وفيها شرح مفصل وتفسير لنصب الحرية . ودفتر جواد سليم بعنوان _( تأملات روحي )
4- عباس الصراف : جواد سليم .
5- شوكت الربيعي : الفن التشكيلي المعاصر في العراق .
6- نوري الراوي : جواد سليم .
7- نزار سليم : الفن العراقي المعاصر – التصوير .
8- شاكر حسن آل سعيد : جواد سليم : الفنان والآخرون .
9- شاكر حسن آل سعيد : من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق .
10- محمد الجزائري : الفن والقضية …
11- إنعام كجه جي : لورنا – سنواتها مع جواد سليم .

تعليق واحد

  1. جمال عبود

    بعدالتحيه
    لدى الفنان جواد سليم عمل اسمه موكب ملك اشوري هل هذا العمل كان على شكل منحوته ام رسم وشكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *