شوقي يوسف بهنام* : هذا هو أنا أيها الآخر أو ادونيس والحاجة إلى تحقيق الذات ؛ قراءة نفسية لعينة من قصائده

shawki  5*مدرّس مادة علم النفس /كلّية التربية/جامعة الموصل
ثمة ما يلفت النظر في المجاميع الشعرية التي يتضمنها المجلد الأول (1) من الآثار الكاملة للشاعر (أدونيس ) هو تكرار بعض القصائد بذات الاسم ، أعني أنها تحمل نفس العنوان . وبعضها في المجموعة الواحدة نفسها . وحتى نقف عند الدوافع التي تكمن وراء هذه الظاهرة ، عند شاعرنا ، لابد من تحديد هذه القصائد والمجاميع التي تنتمي إليها . وهي على النحو الأتي
اسم القصيدة المجموعة الصفحة
1- صورة وصفية حدود اليأس 12
= = = = 20
= = قصائد لا تنتهي 74
صورة وصفية = = 77
2- صوت أغاني مهيار الدمشقي 333
= = = 338
= أرم ذات العماد 442
= = = 445
صوت آخر أغاني مهيار الدمشقي 334

*********************
بهذا التقسيم نصل الى الملاحظة التي استوقفتنا في بداية هذه السطور . ويمكن تحديد تلك الملاحظة على ضوء ذلك التقسيم ، الى أن (4) قصائد تحمل نفس الاسم ، وهو( صورة وصفية) والأربعة الاخرى ، تحمل عنوان (صوت) . أما القصيدة التاسعة فهي تحمل صوت آخر ، وهذا له دلالة ، بحد ذاته ، كما سنرى فيما بعد .
وحتى نصل الى الهدف الذي نصبو إليه ، أي الى استكناه الدلالات النفسية لهذه القصائد التي يمكن صياغة المعادلة التالية على ضوئها :-
4 صور وصفية ـــــــــ> 4 أصوات ـــــــــــــــ> صوت آخر ( الصوت الأكبر)
adonis 5وعلى ضوء هذه المعادلة يمكننا أن نلج الى جانب من الجوانب النفسية للشاعر . وقبل هذا الولوج ، لابد من أن نتساءل ، لماذا اختار الشاعر هذا اللقب ، أعني أدونيس ، والذي يعني ( السيد ) وهو لقب احترام ، وهي كلمة سامية اطلقت على الاله تموز (2) ؟ والجواب على هكذا سؤال يمكن أن يكون مفتاحا لذلك الولوج . أذن لدى الشاعر دافع ورغبة وراء اختياره لهذا اللقب ، أعني (أدونيس) . وهذه الرغبة وهذا الدافع يتمثلان بالتوحد والتماهي بالإله أدونيس ، ذلك الإله المعبود من قبل الشعوب السامية في الشرق الأوسط . وطالما كانت نقطة انطلاقنا في هذه المحاولة ، هي علم النفس ، فأننا سننطلق من مفهوم ( ماسلو) للحاجات الذي طرحه على شكل هرم لترتيب تلك الحاجات وهي من الأسفل الى الأعلى على النحو الأتي :-
1- الحاجات الفسيولوجية وتشمل :-
الجوع – العطش- الهواء – الجنس ، ألخ
2- حاجات الأمن وتشمل :-
الطمأنينة – الأمان – غياب الأخطار
3- حاجات الحب وتشمل :-
الانتساب – التقبل – الانتماء
4- حاجات الاحترام وتشمل :-
الإنجاز – القبول والاستحسان – الكفاءة – التقدير والاعتراف
5- حاجات تحقيق الذات وتشمل :-
إنجاز تحقيق الذات – تحقيق الفرد لامكنياته .
********************
هذا هو أذن ترتيب الحاجات وفق مفهوم ( ماسلو) ولنلاحظ أن هذا العالم يبدأ من الحاجات الأساسية والأولية والتي لابد منها لبقاء الكائن الحي واستمرار وجوده وينتهي الى حاجة تحقيق الذات ، أي تحقيق الذات لإمكانياتها وفق الصورة التي تجعلها متوازنة ومتكيفة وناضجة وتتمتع باتساق وظائفها وعلى مختلف الأصعدة .
ومن هنا يمكننا أن نضع الشاعر ( علي أحمد سعيد ) أو ( أدونيس ) في هذا الترتيب وذلك على اعتبار أن شاعرنا ، عاش رحلة كفاح طويل ، لا من أجل البحث عن معنى الذات فقط وإنما من اجل تحقيق طاقات تلك الذات وإبرازها بالصورة التي تجعلها تشعر بالفخر والاعتزاز أمام الآخر . وما محاولة الشاعر بالاختفاء وراء قناع أسم له مغزاه في عالم الأسطورة والأديان الشرقية ، إلا دليل على أن الشاعر كان يتمنى أن يكون ( أدونيس ) القرن العشرين ، ولا نريد أن نقول أن شاعرنا قد شعر بهذه النشوة وأحس بها من خلال طروحاته في ما يخص الشعر العربي ، أو على صعيد منجزه الشعري على وجه الخصوص . ولا نريد أن نقف طويلا عند هذا المنعطف أو ذاك من المنعطفات الحياتية التي عاشها الشاعر ، لان هذا سوف يأخذ وقتا طويلا ، لنرى أو نلمس كم المعاناة الذاتية والمكابدات النفسية التي كابدها لكي يحقق حلمه ، بأن يصبح أدونيسا تبكي لموته وتنتظر انبعاثه قوافي الشعر العربي وأوزانه .
هناك مسألة لابد أن نشير إليها ، ونحن بصدد تحديد الدوافع النفسية التي كانت وراء اختيار شاعرنا لهذه التسمية ،على وجه التحديد ، والمسألة هي أن هناك فرقا بين البحث عن الذات وبين تحقيق الذات . ويبدو أن شاعرنا لم يمكث في مرحلة البحث عن الذات ، الوقت الذي جعله عاجزا عن التفكير في تحقيق ما وجده في تلك الذات . بعبارة أدق ففي مرحلة البحث عن الذات ، أو كما تسمى بلغة علم النفس ؛ أزمة البحث عن الهوية (3) حيث أن الفرد في هذه المرحلة ، والتي تبدأ في مرحلة المراهقة ، حيث أن الكثير من جوانب تطور الانا Ego ، كما يرى Erikson ، يعيش خلالها أزمة الضياع ، وهذا ما نراه عند الشاردين أو عند مرضى الفصام ، فالمريض هنا ، يستعيض من انعدام الشخصية بأوهام العظمة . بينما نرى في مرحلة تحقيق الذات Self-actualiztion (4) والذي يقول عنه Goldstein أنه الدافع الوحيد لدى الكائن الحي ، أن الفرد يحاول أن يجد سبلا مختلفة تساعده على تحقيق إمكانياته وقدراته . معنى هذا أن الفرد في هذه المرحلة ، قد حدد صورته عن ذاته ، بمعنى آخر أنه قد تجاوز مرحلة الضياع . ولم يبق أمامه إلا أن يحدد السبل الكفيلة لذلك التحقيق . وهذا هو الذي نراه عند شاعرنا . فمسيرة حياته ؛ زاخرة بالبحث عن المعنى والمضمون والقصد ! ! أعني أن الشاعر ، لا يكتفي ، أو لا يود الاكتفاء بالوقوف عند القشرة الخارجية للظاهرة ، أعني الظاهرة التي يوليها الشاعر جل اهتمامه . ونحن لا نريد أن نقف عند هذه المرحلة أو تلك من حياة الشاعر ، على الرغم من أهمية ذلك ، لكي تكون شاهدا لما نذهب إليه ، وإنما نكتفي عند النصوص الشعرية التي اخترناها لكي تكون كذلك .
وإذا كان الشاعر قد تماهى بشخص( أدونيس) فأنه قد تماهى أيضا بشخص آخر هو ( مهيار الدمشقي ) ونحن سوف نرى أن الشاعر قد وجد خيوطا مشتركة بين سمات شخصيته وبين سمات شخصية ( مهيار) ولا نريد المبالغة في القول أن شاعرنا عاش أزمة التوفيق بين ( أدونيس ) و(مهيار) . نعود الى النصوص ، لكي نتسائل بدورنا ، لماذا أختار الشاعر ، عنوان الصوت والصورة الوصفية على وجه التحديد عنوانا لهذه المجموعة من قصائده ؟ والجواب ليس بتلك الصعوبة على ما يبدو ؛ لان الصورة ، هي صورة الشاعر ، والصوت هو صوته أيضا . لنقف عند صورته الأولى حيث يقول :-

ماش على أجفانه سادرا
تلطمه الحيرة أنى مشى
كأنها سكنى لخطواته
علق بالغيب فأجفانه
رملية الأفق
كأنما ، من يأسه ، شمسه
تغيب في الشرق
يكاد في مثقل أنائه
تعثر بالموت شرايينه
ويولد اللاشيء في ذاته
( حدود اليأس ، ص12 )

***********************
تلك هي الصورة الاولى التي يقدمها لنا الشاعر ( علي أحمد سعيد ) عن نفسه إذن . وهي صورة مفعمة ، على ما يبدو، من خلال اختيار الشاعر لمفردات واضحة الدلالة ، مثل ؛ الحيرة ، اليأس ، اللاشئ ، الضياع ، الإحباط ، واللاجدوى . لنتذكر أن للشاعر أهتماما بشخصية ( سيزيف) ، البطل الأسطوري الذي أتخذه ( ألبير كامو ) رمزا ومحورا لفلسفة العبث عنده . هل هذا يعني أن شاعرنا عاش ، على المستوى اليومي ، أبعاد هذه الفلسفة ، أعني الفلسفة العبثية ؟ نميل الى الاعتقاد الى أن الشاعر عاش كذلك . اليس عنوان المجموعة هو ( حدود اليأس) دليلا على ما نقول ؟! أن الشاعر هنا لا يعيش أزمة هوية وفق Erikson فحسب بل يعيش قلقا وجوديا شاملا ، خصوصا عندما يقول :-

تلطمه الحيرة أنى مشى
كأنها سكنى لخطواته .
********************
هذا يعني أن الشاعر لم يعرف الامان والسكينة على مستوى حياته الجوانية ، هذا ينعكس على مستوى حياته البرانية ، لان الحياة البرانية ما هي إلا انعكاس لتلك الحياة ، أعني الحياة الجوانية . أن الشاعر ينظر دائما الى السماء ! لأنه يعتقد إن الحقيقة هناك ! . وتستمر هذه الحيرة في حياة الشاعر الجوانية مستبدة به حتى تصبح أشبه بحالة ذهول كتاتوني (تخشبي) (5) مصحوبة بأعراض التوجه ( التوهه ) Fugue ، حيث يقول :-

جف على خطواته قلبه
وجف شيء في شرايينه
كان على عينيه نور كفاح
ينشر عينيه ويطويهما
حيران لا يغفو أو لا يستفيق
كأنما يفر من نفسه
خلف صباح مات قبل صباح
كأنما تجفل منه الطريق
( حدود اليأس ، ص20 )

**********************
هذه الصورة هي صورة مكملة للصورة الاولى التي قدمها الشاعر (علي أحمد سعيد ) عن ذاته ومسيرة تلك الذات . ويمضي الشاعر بذات الاتجاه ، أعني الاتجاه المتشائم في النظر الى الذات ، ففي القصيدة الثالثة والتي تحمل العنوان ذاته أيضا ، حيث نجد أن الشاعر يجر جرحه معه حيث الغرق والمتاهة والضياع . إلا أن حالة الضياع هذه لن تمنع الشاعر من أن يرى بصيصا من النور والأمل في ما حوله . والشاعر يخاطب نفسه بضمير الغائب ، وهذه دلالة على لا مرغوبية صورته كما هي في بعدها الواقعي لديه ومن ثم عدم قناعته بها والرغبة في تجاوزها والوصول الى المستوى أو الصورة التي يحلم للوصول إليها بتعبير أدق . هاهو يقول :-
يمضي ويجر جرحه
وحوله مؤمل
وقمة ومفترق ، } أشارة الى درجة الطموح لديه
رأيته وجرحه
في زحمة وفي سبق } أشارة الى صراع الإحجام والإقدام التي يعيشها الشاعر في
يحضنه ، يمسح عن جفونه غد القلق دواخله
أن عاقه وحده عن السنى ، عن الالق
جاوزه ولفه
بقطعة من الشفق
( قصائد لا تنتهي ، ص74 )

*******************
أما الصورة الأخيرة من الصورة التي يصورها ( أدونيس ) عن نفسه وفي نفس المجموعة ، فهي تحمل دلالة الانكسار النفسي والإخفاق في تحقيق ما يصبو إليه . الشاعر حالم كبير ، وحلمه هو أن يدرك الحقيقة ويستجلي خفايا المجهول ، ألا أن القدر ، على ما يبدو ، لم يكن مساندا للشاعر في تحقيق أحلامه تلك . ولذلك نراه ، يلقي باللوم ، ولو بصورة رمزية هنا ، وبصورة واضحة في مكان آخر وكما سنرى ذلك فيما بعد ، على ذلك القدر ، حي يقول :-
كان في مثل طلعة الصبح
عيناه اكتشاف ووجهه تسبيح
حلمت صدفة يداه فمدت
غيمة وامحت مع الغيم ريح
(قصائد لا تنتهي ، ص 77 )

*******************

إذن إشكالية الشاعر هي مع القدر . والصورة التي يقدمها الشاعر عن نفسه ، هي صورة ايجابية ، حيث مشاعر الإعجاب بها واضحة هنا . ونستطيع أن نتلمس بسهولة على مشاعر الأسف والندم لدى الشاعر ، لان صورته تلك التي كونها عن ذاته لم تحظ بالقبول من قبل الآخر ، ولم يتمكن من تحقيقها لديه ، أعني لدى ذلك الآخر . تلك أذن هي أزمته التي أودعها في هذه القصيدة وفي القصائد السابقة لها . الشاعر لم يتهم أحدا ، بل وجه الاتهام كله الى القدر . بهذا المعنى أصبح القدر هم الشاعر الأكبر!! .
يمكن القول على ضوء ما تقدم ، و من خلال القصيدة الأخيرة خصوصا ، أن أدونيس مارس أسلوب السيطرة الخارجي ، وفق نظرية ( Rotter ) لتبرير الإخفاق الذي مر به في محنته ، أعني الحاجة الى تحقيق الذات وتقديمها الى الآخر. تلك أذن هي صورة الشاعر عن نفسه ، أنها صورة ، كما قلنا ، مفرطة في التقدير ، وهو معجب بها أيما أعجاب . وإذا كانت تلك الصورة ، لم تحظى ذلك التقدير والتقييم الذي كان الشاعر يتوقعه من الآخر ، فان الشاعر لجأ الى لغة الرفض وأسلوب الاحتجاج على ذلك الآخر الذي همشه وأقصاه من الحضور ، مما جعل من الشاعر أن يعيش حالة العزلة والانكسار والاغتراب . وعلى الرغم من حالة العزلة والاغتراب تلك ، فأن الشاعر حاول أن يتمرد على ذلك التهميش ولذلك قدم لنا عددا من الأصوات على لسان ( مهيار الدمشقي) . هذه الأصوات بمثابة احتجاج لهذا الواقع الذي يعيش فيه . قلنا أن ( علي أحمد سعيد ) قد تماهى مع أدونيس الأسطورة ومع مهيار الديلمي الذي عاش أزمة توافق مع الواقع ، كما يصوره لنا الشاعر . ولذلك فأن الشاعر قد عد نفسه مهيارا لكي يكون في النهاية أودنيسا . وإذا كان الشاعر ، قد قدم لنا أربعة أصوات ، حاولنا تحديد ملامحها النفسية ، فأننا سنمضي في ذات المنهج لتحديد الملامح النفسية للأصوات الخمسة التي قدمها إلينا الشاعر . ولنحاول الدخول في فضاءات الصوت الأول ، حيث يقول :-

مهيار وجه خانه عاشقوه
مهيار أجراس بلا رنين
مهيار مكتوب على الوجوه
أغنية تزورنا خلسة
في طرق بيضاء منفية
مهيار ناقوس من التائهين
في هذه الأرض الجليلة
( أغاني مهيار الدمشقي ، ص333 )

**********************

يصور لنا الشاعر ؛ شخصية ( مهيار ) وهو شاعر فارسي أعتنق الإسلام فيما بعد ، وقد أخذه الشاعر رمزا لما يعانيه الشاعر في حياته اليومية ، فهو إذن وبهذا المعنى قد تقمصه أو تماهى به ، يصوره على أن يحيا حياة مليئة بالاغتراب والضياع . ألا أن هناك شعورا بالخيانة والمؤامرة على مهيار . ف (مهيار ) بهذا المعنى متآمر عليه . والنتيجة أنه أصبح مهمشا ، تائها ، على حد تعبير الشاعر نفسه ، وقد حكم عليه بالنفي والإقصاء . لا شك ، وكما يبدو لنا ، من خلال هذه الصورة التي يحاول الشاعر (علي أحمد سعيد) أن يرسمها لمعشوقه !! أي ل( مهيار) . أن الشاعر قد درس تفاصيل وحيثيات حياة ( مهيار) . لان هذه الصورة ، كما نجدها في هذا المقطع والمقاطع اللاحقة ، قائمة على هذا الأساس، أعني أن الشاعر كان ملما بتلك التفاصيل من حياة ( مهيار) . لماذا أختار الشاعر ( علي أحمد سعيد ) هذا الجانب من الشعر عند ( مهيار) ؟ أعني شعوره بأنه متآمر عليه من قبل الآخر . ونحن لا ندري ، هل كان الشاعر مدركا أن هذا الإحساس كان عرضا من أعراض الفصام الاضطهادي . بمعنى أدق ، هل قدم شاعرنا تشخيصا سريرا لإحساس ( مهيار ) بالخيانة والمؤامرة ؟ وآيا كان الأمر الذي دفع بالشاعر الى أن يهتم بهذا الجانب من أحاسيس ومشاعر ( مهيار ) فان الذي يهمنا هو أن هذا الاهتمام أنما هو نتيجة قناعة الشاعر بأن هذه الأحاسيس وتلك المشاعر التي مر بها ( مهيار) تتشابه أن لم تكن متطابقة مع أحاسيس الشاعر ومشاعره . الا أن هذه الصورة التي قدمها لنا الشاعر من خلال هذا الصوت ، لم تكن الصورة النهائية ل( مهيار ) على ما يبدو ، فأن الصوت الثاني كان أكثر إشراقا وأكثر أملا . ويبدو أن هذا الإشراق وهذا الأمل ، هما الأساس الذي تقوم عليه شخصية ( مهيار) ، ومن ثم شخصية الشاعر نفسه . . هاهي الصورة الثانية التي يتضمنها الصوت الثاني من أصوات ( مهيار ) … حيث يقول الشاعر فيه :-

يهبط بين المجاديف بين الصخور
يتلاقى مع التائهين
في جرار العرائس
في وشوشات المحار ؛
يعلن بعث الجذور
بعث أعراسنا والمرافئ والمنشدين
يعلن بعث البحار
( أغاني مهيار الدمشقي ، ص338 )

**********************

إذا كان ( مهيار) أو بتعبير أدق ؛ أدونيس ، في الصوت الأول ، فريسة المؤامرة والمكيدة ، فأن الصوت الثاني يظهر لنا ( مهيار) على أنه صاحب رسالة وصاحب خطاب . وليس من المبالغة ، في القول أن الشاعر أسند الى مهيار أو الى ذاته ، أعني ذات الشاعر نفسه ، مهمة خلاص الأمة ، على الأقل ، في مستوى التفكير والنظرة الى العالم . وقد جسد الشاعر ، بالفعل ، جانبا من جوانب هذه الرسالة ، من خلال طروحاته وتنظيراته حول التراث الشعري العربي ومقومات بنائه .
أن هذا التناغم بين هذين الصوتين ، في بنائه النفسي يعود الى أن الإحساس بالمؤامرة قائم على الشعور بالغيرة Jealousy ، أعني أن هذا الآخر يغار مني لاني أمتلك ما لا يمتلكه ، وبالتالي فأنه يحاول مراقبتي واضطهادي وإيقاع الأذى بي لأنه لا يمتلك ما أمتلك . ولذلك فأن هذا الإحساس بالتفاوت هو الذي يؤدي الى ظهور مشاعر الغيرة والحسد Envy لدى هذا الآخر . فلا عجب من ثم ، إذا وجدنا أن الصوت الأول مشحون بمشاعر الاضطهاد Persecution ، فان الصوت الثاني جاء مشحونا بمشاعر العظمة Grandiose بصورة جلية وواضحة . وإذا كان الشاعر في هذين الصوتين قد عاش تحت تأثير مشاعر الاضطهاد والعظمة ، بأعتبارهما فعل ورد فعل ، فأننا سنجد الشاعر في الصوت الثالث يعلن صرخة الاحتجاج والاتهام والتمرد بوجه هذا الآخر . ولا يقتصر هذا الآخر على شخص محدد أو بطبقة معينة ، على ما يبدو ، بل يمتد هذا التمرد ليشمل العالم المنظور واللامنظور على حد سواء ؛ بمعنى أدق فهو تمرد ميتافيزيقي ، هذا التمرد قاد الشاعر ، أو جعله ، أن يعيش علامات الاغتراب الكافكاوي أو العدم النيتشاوي أو الضياع الكاماوي . أنه ألان يوجه أهتمامه الى الآخر إذن ، وكأن هذا الآخر ، هو السبب في متاعبه وأحزانه ، حيث يقول :-

أتهم الأشباح
أتهم الرخ الذي يبيض
أتهم الرياح
والشمع والدجاجة الخرساء ؛
أتهم الثعبان ذا الجناح
( يا للجناح الأبرص المهيض )
أتهم الأشجار والمياه
فأنت يا سماءنا المضيئة
يا زوجة السلطان والإله
بريئة من دمنا بريئة
( أرم ذات العماد ، ص 442 )

********************

يمكننا ، بسهولة ، أن نلاحظ أن الشاعر ، في هذا الصوت ، قد توجه بحقده نحو الطبيعة وظواهرها ؛ كالرياح أو كائنات متخيلة كالأشباح ، أو حيوانات كالثعبان ، والذي يرمز في منظورات التحليل النفسي الى القضيب ، أو أشجار أو مياه . ولم يتوجه الى فئة أو طبقة محددة مثلما يفعل البياتي أو قباني أو غيرهم ، عندما يوجهون حقدهم إزاء طبقة أو فئة ، أو أيديولوجيا ، أو عقيدة معينة … بل توجه الى عالم أصم أو متخيل … وفي هذا التوجه – في تقديرنا – نوعا من الفشل ، أن لم يكن الفشل في حد ذاته ، في مواجهة الآخر ، وتحويل هذا التوجه الى آخر لا يقاوم أو لا يجابه . وهذه الحالة هي بحد ذاتها ، عملية إزاحة Displacement للعدوان من موضوعه الى موضوعات أخرى … وهي شبية أيضا ، بتفريغ الشحنات الجنسية الى شريك غير ناضج ؛ مثل جماع الأطفال Pedophilia أو الحيوانات Zoophilia أو جماع الموتى Necrophilia وما الى ذلك . فهي بهذا المعنى نشاط سادي Sadism منحرف . وليس في نيتنا ، وضع شاعرنا في دائرة هذا الاتهام .. المهم هو صورة الانكسار التي يبديها الشاعر إزاء صمت السماء !! فهو قد استبدت به الحيرة Bewilderment ، لا يدري الى من يوجه اللوم Blame ، فيعود الى الذات ليجترto ruminate ما فيها من أوجاع و أحزان ، ولكن هذه المرة ، ومن خلال الصوت الرابع ، لا يعيش الشاعر اجترار Rumination الأحزان هذا وحده فقط ، بمعنى انه لا يعيش بمعزل عن جذوره المتمثلة بالوطن خصوصا ، فأحزان هذا الوطن هي أحزان الشاعر نفسها . إلا أننا ، مع ذلك ، نلمس شعورا بالتمايز والتفوق ، رغم هذا التماهي Identification ، وكأن الشاعر قد عد نفسه الند الأكبر لذلك الوطن . فهو يقول في هذا الصوت :-

أغنى من الرعب
أغنى من التمرد المقهور
أنت ، ومن رعد على الصحراء

يا وطنا مصمغا مكسور
يسير مشلول الخطى قربي .

( أرم ذات العماد ، ص 455 )

******************

إذن هنا رثاء للوطن … للأمة ، بالمفهوم الواسع للمفردة . وهذا الرثاء ليس إلا احتجاجا لهذا الجمود الذي يعيشه الوطن … بل قل الأمة ، لاحظ أن الشاعر استخدم مفردة لها دلالتها العميقة لوصف واقع الأمة هذا ، فقد وصفه ب( المصموغ ) وكأنه بناء مرمم ترميما هشا لا يستطيع المقاومة والتحدي ، ولذلك فأنه من المنطقي أن تكون نهايته هي الانكسار . هكذا هو منكسر ؛ حاله حال الوطن المنكسر . تلك إذن هي الأصوات الأربعة السابقة التي أطلقها الشاعر بوجه الآخر . ويبقى صوت آخر ، غير تلك الأصوات ، يمكن أن نسميه الصوت الأكبر . هذا الصوت جاء في مجموعة ( أغاني مهيار الدمشقي ) ، ويمكن القول ، أنه مفارقة … لأنه عودة .. بل نكوص وتقهقر الى مأساة الشاعر الأولية التي عبر عنها من خلال استعراض مأساة الشاعر ( مهيار الدمشقي ) . ولنرى ملامح ذلك النكوص الذي عاشه الشاعر من جديد ، حيث يقول :-

ضيع خيط الأشياء وأنطفت
نجمة إحساسه وما عثرا
حتى إذا صار خطوه حجرا
وقورت وجنتاه من ملل
جمع أشلاءه على مهل
جمعها للحياة ، وأنتثرا

( أغاني مهيار الدمشقي ، ص 334 )
******************
على الرغم من الصورة المتشائمة التي يطالعنا بها الشاعر في صوته الآخر هذا ، حيث يصف لنا محصلة ذلك الكفاح الشاق والمعذب ، ويبدو أن تلك المحصلة لم تكن وفق المستوى المطلوب الذي كان يطمح الشاعر الى أن يصل إليه . نعم كانت تلك هي المحصلة ، كما تبدو لنا على الأقل . ولكن ما تزال روح الكفاح كما هي وما زالت صورة الإصرار والعزيمة وقوة الإرادة ، بل قل قوة الأنا، كما هي لم تنقص ولم تفتر ، على الرغم من انطفاء نجمة الشاعر وضياع خيط الأشياء لديه . أن هذا الضياع ليس ضياع الذات ، قدر ما هو ضياع التصورات والرؤى ، أعني أن الشاعر يعيش حالة من التمزق ، تمزق على مستوى المعتقدات والأيديولوجيات … وحتى الأديان ، وفي النهاية ، النظرة الشاملة الى العالم Weltanschauung (6) . إلا أن هذه البلبلة والتمزق الذي يهيمن على مستويات التفكير لدى الشاعر ، لم تمنعه من ممارسة ما يمكن تسميته بعملية ضبط الذات Self-control . بمعنى آخر ، فالشاعر يعيش حالة انفصال وتفكك Dissosiation في الشخصية لكن مع وجود حالة الاستبصارInsight بذلك لديه . أعني أن الشاعر كان يعلم بمعالم أوجه الصراع لديه ، فهو على المستوى المعرفي ؛ يعيش بشخصية تختلف عن الشخصية التي يعيشها في واقعه اليومي . ولذلك فهو منقسم أو منشطر ولكنه انشطار واعي ومعروف الأبعاد . هنا يزج الشاعر نفسه في مصافي العباقرة والمبدعين عبر التاريخ ، حيث كانوا يحيون بهذه الازدواجية Dualism المربكة ، فأن العقل الجمعي Collective Mind أدخلهم ضمن دائرة اللاسواء Abnormal وبالتالي في دائرة الرفض والإقصاء . ولشاعرنا هذا الشعور ذاته ؛ فهو (أدونيس) المغترب ، و(مهيار) التائه الحائر وليس ( علي أحمد سعيد ) .
الهوامش
——– :-
01 راجع ، أدونيس ، الأعمال الكاملة ، المجلد الأول ، ط1 ، 1971 ، دار العودة ، بيروت ، لبنان .
2- للتفاصيل ؛ راجع ، فريزر، جيمس ، أدونيس أو تموز ، ترجمة ، جبرا إبراهيم جبرا ، 1979 ، ط2 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، لبنان ، ص ، 18 . كما يود أن ينوه الباحث بصدد هذه النقطة ، أي لماذا أتخذ الشاعر (علي أحمد سعيد ) اسما مستعارا له ، أن هناك عددا من الباحثين لمسوا هذه المسألة لمسا خفيفا ولم يبرزوا الدافع النفسي الكامن وراء تلك العملية مثلما حاولت هذه الدراسة المتواضعة والقائمة أساسا على وجهة نظر نفسية بحتة ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فأن أغلب الباحثين الذين تناولوا هذه المسألة إن لم يكن جميعهم كانوا أدباء أو شعراء أو نقاد أدب وليسوا باحثين في علم النفس ، ولذلك ، فهناك في نظر الباحث ما يبرر القيام بهكذا محاولة . راجع العدد الخاص من مجلة ( فصول ) والمكرس عن ( أدونيس ) مجلد ،16 ، ع ،2 ، سنة 1997 ، أنظر الصفحات ؛ 24 ، 56 ، 79 ،103،182،394 .
3- د. الحفني ، عبد المنعم ، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ،1978 ، ج1 ،ص379 ،دار العودة ، بيروت ، لبنان .
4- الحفني ، المصدر السابق ،ج 2،ص 275
5- الذهول التخشبي ( الكتاتوني) حالة من الذهول هي أكثر الأعراض ظهورا في مرضى الكتاتونيا والفصام الكتاتوني ، ويبدي مرضى هذا الاضطراب سلبية متطرفة ، وسلوكا نمطيا ، وعدم تأثر بالمثيرات الخارجية ، راجع الحفني ، المصدر السابق ،ج1 ، ص124 .
6- النظرة الى العالم أو الرؤيا الشاملة للعالم ، يعرفها ( فرويد ) بأنها بناء فكري يحل كل مشاكل الوجود بفلسفة واحدة شاملة لديها جواب لكل سؤال ، كالدين مثلا ، فهو يتحدث في أصل الخلق ، وينظم علاقتنا الدنيوية ببعضنا ، وبالعالم ، وبالله ويحاسبنا ، ويعدنا بالجنة أو النار طبقا لأعمالنا . ولنلاحظ أن الرؤيا العلمية ليست رؤيا شاملة لأنها رؤيا تجريبية لا تقدم حلولا ولا بناءا قبليا عكس الدين تماما . راجع ، الحفني ، المصدر السابق ، ج2 ، ص 465 .

شاهد أيضاً

قيس كاظم الجنابي: مقالة السيرة والموضوع.. قراءة في كتاب (مقالات في الأدب والثقافة)

-1- المقالة الأدبية فن نثري ، محدود الطول والموضوع ، تكتب بطريقة عفوية سريعة خالية …

شوقي كريم حسن: ولام العطار.. السرد المقهور؟

*منذ صباها، وجدت مدرسة فكرية تغذيها، وتجيب عن اسئلة الصبا التي كانت تحيرها، يمنحها المعلم …

العربي الحميدي: ما موقع شعر د. محمد حلمي الريشة وسط الحداثة الشعرية؟

صفة التفرد يقول الدكتور قاسم البرسيم عن التفرد في الصورة الصوتية في شعر السياب؛ يعد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *