حيدر علي سلامة* : ماوراء أسلوبيات النص الفلسفي العراقي قراءة ابستمولوجية للملحق الثقافي لصحيفة “المدى” حول الراحل “مدني صالح” (ملف/1)

haidar ali salama 2إشارة :
احتفاء بتراث المفكّر الراحل الدكتور “مدني صالح” ، وبمساهماته الفذّة في الثقافة العراقية والعربية ، تبدأ اسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف الخاص عنه ، والذي تدعو الأخوة الكتّاب الأحبّة إلى المساهمة فيه . وسيكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية على عادة أسرة الموقع حيث لا يتحدّد الإحتفاء بالفكر بمساحة زمنية معينة .

المقالة : 
استأثرت الإشكالية الأسلوبية لبنية النص الفلسفي العراقي بأهتمام كبير من قبل الفيلسوف الراحل مدني صالح، وتعددت صور ذلك الأهتمام على اختلاف مؤلفاته ومقالاته، التي انشغلت بقضايا الكتابة الفلسفية وطرق وأشكال إنتاجها، من مرحلة تدوين الكتب الفلسفية، وانتهاء بأنتاج المقال “الفلسفي/الصحفي” الذي طالما استحوذ على اهتمام الراحل، لما لهذا الجنس الأدبي المتميز من علاقة وثيقة الصلة بواقعه السايكولوجي والثقافي والأنطولوجي، حتى بات يشكل انموذجا يعكس طبيعة تفكيره النظري من جهة؛ وطبيعة مقاله الفلسفي المكتوب/والمنشور من جهة أخرى. من هنا، تبدو قضية الأنهماك بالمورث الفلسفي للراحل مدني صالح، قضية تأويلية/وابستمولوجية بأمتياز، وذلك لغزارة النظام الدلالي والميتافوري من جانب؛ ولفرادة الأسلوب اللغوي من جانب آخر.
madani 5ربما هذا ما دعانا إلى فتح باب المتابعة والقراءة النقدية للمحلق الثقافي لجريدة المدى العراقية المخصص عن الراحل مدني صالح، الذي نُشر في الخامس من فبراير/شباط. اشتمل ذلك الملحق على مجموعة من المقالات الموزعة بين كاتب مختص في الفلسفة؛ ومختص في الصحافة ومختص في الشعر، وترك هذا التنوع أثرا واضحا على تشكيل بنية وشكل الملحق الثقافي. إلا أن أهم ما لفت أنظارنا خلال مطالعتنا لتلك المقالات، هو أن اغلبها منشور سابقا وغير مخصص لصحيفة المدى، فمنها ما تم نشره في مواقع الكترونية منذ أعوام كمقال الأستاذة “أفراح لطفي” الذي نُشر عام 2013 على موقع الحوار المتمدن. والغريب أن “محرر الملحق الثقافي” لم يأتِ على ذكر سنة نشر المقال، مكتفيا بألاحالة فقط على الموقع الأصلي المقتَبس منه، فهل كان ذلك خطئا مقصودا أم لا ؟ أم إنها محاولة لجعل النصوص المنشورة أكثر معاصرة لتاريخ الملحق الثقافي ؟ والسؤال الأهم الذي نود طرحه هنا هو: لماذا لجأ محرر الصفحة إلى مقالات قديمة عن الراحل مدني صالح لنشرها في ملحقه الثقافي الجديد ؟ ألا نتوفّر على أساتذة أكفاء وباحثين مميزين في الشأن الفلسفي العراقي؟ ثم لماذا لم تشهد تلك المقالات طبعات جديدة مزيّدة ومنقحة، حيث لاحظنا أن: تكرار الأخطاء؛ وغياب الإحالة إلى ارقام الصفحات المقتَبس عنها، هو أهم ما ميّز تلك المقالات ؟ فهل لا يزال باب الأجتهاد/والتأويل مغلق في مؤسساتنا الفلسفية ؟ ثم ألا يستحق الراحل مدني صالح، دراسات فلسفية جديدة من العيار الثقيل، لاستبدالها بمقالات خجولة جدا ؟ هل الملحق الثقافي كُتِب عن مدني صالح، أم لصالح جريدة المدى ؟ واللافت في الموضوع، هو أن هذا الملحق الثقافي – وهو الأول من نوعه – لم يلقَ أي اهتمام أو عناية أو مراجعة من قبل ألاساتذة والباحثين والمختصين في تدريس الفلسفة، وكأننا لا نُخرِّج سنويا حملة لشهادات الماجستير والدكتوراه في الدراسات الفلسفية والإنسانية ؟ في الوقت الذي نجد حملات الترويج والإشهار للكتب الفلسفية الصادرة حديثا مستمرة على قدم وساق، ناهيك عن الترويج لمناقشات الماجستير والدكتوراه، التي شهدت ارتفاعا ملحوظا في الآونة الأخيرة، فأين ذهب كل هؤلاء أمام نص أستاذهم الراحل مدني صالح ؟ ولماذا نجدهم يلهثون ويتسابقون لضم أسمائهم مع أخر صرعات الفلسفات الغربية الجديدة ؟

مدني صالح: من التمركز الميتافيزيقي إلى الانفتاح الأسلوبي
إن المتتبع لبنية المقالات المنشورة في الملحق الثقافي الآنف الذكر، يلحظ أنها التزمت “منطق الحياد الوصفي التقليدي”، سيما وهي لم تخرج عن لغة السرد الصحفي المقتضبة والمكثفة إلى حد ذوبان وتلاشي “منطق تحليل” بنية نصوص وعبارات مقالات الراحل مدني صالح. الأمر الذي أدى إلى عدم تسليط الضوء على “لغة الكتابة الفلسفية/الميتافورية” للراحل مدني، وهذا بدوره قد انعكس سلبا على تغييب تحليل الخطاب الأسلوبي/والتواصلي لمنشور الراحل، لبيان مدى تواصله/وانقطاعه واختلافه عن طبيعة الأساليب السائدة والمتوارثة في كتابة النص الفلسفي العراقي. وبمعنى اسلوبي أكثر دقة، ان الملحق الثقافي لم يعمل على تشريح وتحليل ما يُعرف بنظام إنتاج لغة وأفكار الكاتب تجاه المتلقي/أو القارئ “tone “. لهذا بدا وصف “الأسلوب اللغوي” للراحل مدني، اشبه بالوصف الوضعي”positivism” الذي ينطلق مما هو ثابت ومقرر مسبقا على مستوى اللغة/والمنطق/ونظرية المعرفة الثقافية/ التقليدية. من هنا، وجدنا أن الجميع كانوا متفقين على اختلاف مدني صالح، لكن لا نجد هناك من يؤول ويحلل اسلوبيات هذا الأختلاف ويكشف عن اسبابه الدفينة. بل ووجدناهم متفقون في تمرده على مجمل الأشكال السائدة في الكتابة، دون أن نجد تحليلا ابستمولوجيا ولغويا لهذه الكتابة فيكتفون بالوصف، كون مدني صالح: ((..كان متمرداً على أساليب الكتابة التقليدية، سواء في مؤلفاته المبكِّرة أم المتأخرة. ولذلك اصطفى الأسلوب الحواري لكتابة مقالاته الفلسفية في الصحافة، كانت كل مقالة مما كتب عبارة عن محاورة على غرار ما كتبه أفلاطون في محاوراته الشهيرة ليغلب عليها السؤال والجواب، ولكن بروح إبداعية خلاقة بدت منسجمة مع مضامينها وهي تخاطب الإنسان في المجتمع، الإنسان في العالم، الإنسان كما يعيش حياته اليومية.
في محاضراته داخل الدرس الجامعي لم يكن الأمر يختلف؛ فقد كان (الحوار) سيد الأساليب ذاك الذي كان يلجأ إليه مدني صالح معنا نحن طلاب الحكمة الفلسفية، كان أسلوبه مثمراً ومعطاءً ناهيك عن لذَّته المعرفية والأسلوبية والجمالية التي تتناهى إلى عقولنا وأذهاننا وذواتنا ونفوسنا.
ليس التمرُّد الأسلوبي هو الوحيد في خطاب مدني صالح الفلسفي؛ فقد كان التمرُّد سمة وجودية في فكره، كان ضد الظلم المجتمعي المتفشي بين الناس، وضد غش السياسيين والمصلحين الاجتماعيين، ناهيك عن موقفه النقدي الجذري من الدعاة )) (رسول محمد رسول) .
من النص أعلاه، نلحظ أن الكاتب تعامل مع “اسلوبيات” الراحل مدني صالح بوصفها تمثل مرحلة واحدة غير قابلة للانقطاع، دون ان يترك لنا إمكانية لاكتشاف مراحل مبكرة ومتأخرة لكتابات مدني. فهناك انقطاعات تاريخية ومعرفية حصلت في اسلوبيات/ولغة الراحل مدني صالح، بدء من كتابه “الوجود” الصادر في عام 1955، انتهاء بأخر مؤلفاته الفلسفية “بعد خراب الفلسفة” الصادر في عام 2007. فأسلوبيات مرحلة كتاب “الوجود” تختلف عن أسلوبيات الكتاب الأنف الذكر، إلى جانب أسلوبيات المقالات الصحفية/الفلسفية المتميزة بالتحول إلى استعمال “لغة التواصل الطبيعية والعادية”. في حين أن كتاب “الوجود” كُتِب “بلغة ميتافيزيقية/متمركزة” على نظام “الثنائيات Dulism” الماورائية المطلقة. لذا، حفل كتاب الوجود بأستعمال “مفردات ميتافيزيقية metaphysical phrase” وهذا بدوره سوف يقود إلى “أسلوبيات المطلق absolute style”
See; J. MIDDLETON MURRY: THE PROBLEM OF STYLE.OXFORD SEVENTH IMPRESTION, 1967,P.6

يتضح من طبيعة تحولات اسلوبيات كتابة النص الفلسفي عند الراحل مدني صالح، كيف أن جينالوجيا الأسلوب الفلسفي، اتسمت بما يعرف بسيطرة “الأسلوب الوضعي positive style “، حيث كانت اللغة الوثوقية/التقنية/المنطقية المستعملة هي المسيطِرة آنذاك. في حين أن كاتب النص أعلاه، تعامل مع “فلسفة الأسلوب”عند الراحل مدني صالح، بطريقة بدت اقرب إلى البيوغرافيا والسيرة الذاتية لتجربة فلسفية عاشها الكاتب مع الراحل مدني صالح. لكن ما يُؤسف له حقا، أن الكاتب لم يميز بين كل من: “أسلوب الكتابة الفلسفي”؛ و”أسلوب الكلام اليومي”؛ وبين كل من: بلاغة النص؛ وبلاغة التواصل بين المرسِل والمتلقي وشفرات الرسالة المراد تأويلها من لدن المتلقي. وقد غاب عن الكاتب أيضا التمييز بين “الأسلوب الشكلاني” في كتابة النص الفلسفي؛ واستعمال “اللغة العادية” في ايصال المعلومة الفلسفية. لذلك، نلاحظ أن الكاتب انشغل بسرد الوقائع التاريخية التي شكلت الأساس الأنطولوجي والفلسفي لأسلوبيات الراحل مدني صالح، دون ان يكلف نفسه العناء – وهو الكاتب الضليع في المؤلفات اللسانية والسردية – في تحليل وشرح أهم المقولات التي تشكل بنية النثر الفلسفي وهي: ))الجدلية والحجاجية argumentative ؛النقدية Critical ؛الوصفية Descriptive ؛ الدرامية Dramatic ؛التفسيرية Expository؛ السردية Narrative ؛البلاغية Oratorical؛ الفلسفية Philosophical؛السخرية (( Satirical .
See; S. H. BURTON: THE CRITICISM OF PROSE, LONGMAN, sixth published, 1973, p10
فمن خلال هذه المقولات الأساسية، يمكننا أن نرصد مراحل تحول الأسلوب عند مدني صالح، في انتقالاته من مرحلة النص بوصفه كلي/شامل “as a whole” خاصة مع كتابه “الوجود”، إلى مرحلة النص بوصفه لغة مستعملة و “بلاغة تواصلية” مع الأنا/والأنت/والعالم، فمع هذه القطيعة اللسانية والأسلوبية، يمكننا أن نؤول ونفهم “فلسفة التمرد” عند مدني صالح. حيث كانت لغة “التمرد” محدودة ومحصورة بين كل من: اللغة الميتافيزيقية (الثنائية) واللغة الواحدية (الأيديولوجية)، اللتان تمثلان البرادايم الموحد للغات المسيطِرة على تاريخية الخطاب الفلسفي العراقي. فالتمرد عند مدني صالح هو جزء لا يتجزأ عن تمرده على “معايير وسساتيم/واسلوبيات” كتابة النص الفلسفي. وبالتالي، لا يمكننا أن نقرأ مدني صالح بطريقة ارتجالية مجردة من الأبعاد “التأويلية”، بوصفه – أي مدني صالح – يمثل علامة هامة لإشكالية تاريخ أسلوبيات الفلسفة العراقية، وهذا ما غاب عن “الملحق الثقافي” الذي بدا وكأنه “مقهى فلسفي” لاستذكار حكايات وطرائف الراحل مدني صالح. أبهذه الطريقة نستذكر فلاسفتنا ؟

مدني صالح: بين الأسلوب الرمزي والأسلوب الصحفي
ذكرنا سابقا، أن “لحظة الأنعراج” اللساني الحاصل في أسلوبيات الراحل مدني صالح، جعلته يتجاوز أيديولوجيا اللغة الوثوقية/الواحدية/الثنائية. الأمر الذي جعل من نصوصه المتأخرة – خاصة كتابه: بعد خراب الفلسفة – تحفل بالاستعارات اليومية التي تحاول أن تفضح بنية الوجود المغطى بشفرات لغوية/سياسية مرمّزة ومطلقة
((being coded in a certain language)).
Geoffrey N. Leech, Michael H. Short: Style in fiction, Longman, fifth impression, 1986, p.209

وعند وقوفنا على نصوص الراحل مدني صالح، نلاحظ كيف أن اللغة الميتافورية شغلت حيزا كبيرا من اهتمامات الراحل مدني، سيما مع طروحاته المتعلقة حول “ابن طفيل: قضايا ومواقف”، حيث نجد كيف ان تلك القصة اختصرت قصة الفلسفة الأسلامية – من الناحية الحرفية للقصة – وقصة ضياع الأنسان في عوالم وتقنيات “التواصل الزائف “mass communication ” ذلك التواصل الذي تشكل في ظل المراحل الثلاث التالية: التواصل الشفاهي orality ؛ والتواصل الأمي literacy ثم التواصل التأويلي hermeneutic. وعندما نطالع قصة حي بن يقضان، نلمح كيف انها تمثل جينالوجيا انبثاق وتشكل الأطر الثقافية والأجتماعية والحضارية، إلى جانب الأطر القيّمية والأخلاقية. بمعنى آخر، انها لا تنصرف فقط إلى توصيف عوالم الأنسان من اللحظة الميتافيزيقية؛ إلى اللحظة الحضورية في العالم؛ ثم إلى لحظة الوجد والإلهام الصوفي، فقد تكون هذه المراحل الحرفية للقصة. لكن هناك أيضا مراحل ميتافورية/ورمزية تتمثل في كيفية نسيان الإنسان للنظام الميتافيزيقي/الكوزمولوجي/الهرموني المطلق، الذي يشكل النظام المعرفي؛ والأنطولوجي؛ واللغوي لكينونته في العالم، لتتحول هذه “الهرمونية ” إلى “مجتمع شفاهي تداولي” يمثل : ((العالم الشفاهي مهبط الأنسان الأول في الحقب الزمنية القديمة وهو “مجتمع مغلق” لأعلى مراحل من الترابط أو التلاحم وتذويب للفردية. ففي ظل الثقافة الشفاهية يتوفر الناس على نظام ميثي/اسطوري في “عمق التجربة” حيث جميع المعاني والأحاسيس تحيا في هرمونية)).
Joshua Meyrowitz: No Sense of Place, Oxford, 1985, p. 17
من هنا، نرى ان الخطاب الشفاهي oral discourse يمثل الأساس الأنطو-ثقافي للمرحلة الحسية – المابعد الميتافيزيقية – لحي بن يقظان، الذي سوف يواجهه بعد مغادرة الجزيرة، حيث يصبح وجها لوجه ازاء ما يُعرف بـ((شكل التواصل الثقافي المطلق/أو القار communication wholly shape culture)). (Ibid.p.18). حيث سيشكل هذا التواصل صدمة ميتافيزيقية جديدة، تجعله يحن لمكبوت الجزيرة الأولى – عالم ماقبل التواصل/والتمأسس-. فعندما التقى حي بن يقظان بصديقه ابسال: ((… فطلب الى صاحبه ابسال اصطحابه الى جزيرته الضالة والالتقاء بشعبها المنحرف عن الفطرة فوافق ابسال بعد طول تفكير وتنقير وهكذا غادر ابن يقظان للمرة الأولى بعد ان بلغ الخمسين ووصلاها وتجمع الناس حول ابن يقظان وهو يدعوهم الى الفطرة ونبذ الطمع والجشع فهما يبعدان الموبوء بهما عن فطرته وايمانه بالله الخالق العزيز! لكن الناس زهدوا بحكمة ابن يقظان ومواعظه وتعصبوا على ابن يقظان فشعر بأن اصلاح هؤلاء مستحيل فقرر العودة الى جزيرته الوادعة التي لم تتلوث بالنقود وطلب الى صاحبه ابسال هجر جزيرته الضالة والعيش معه في جزيرته الطاهرة ففعل وعادا الى الجزيرة وعاشا معا يتعبدان لله ويتبتلان بنعمائه حتى ادركهما أجلاهما .))(عبد الآله الصائغ).
لهذا، نحن لا نتفق مع ما جاء به الأستاذ الصائغ، فيما يتعلق بعدم حضور الجانب اللغوي/الشفاهي في قصة حي بن يقضان، بل نرى على العكس من ذلك تماما. فقد شكلّ “الأطار المؤسساتي/الشفاهي” صدمة الفلسفة ازاء المطلق والمفارق/المتعالي، ولا نبالغ إذا ما قلنا أن قصة حي بن يقظان تكاد تمثل “دراما الوجود وتحولاته” لسيرة الراحل مدني صالح القادم من عالم “الطبيعة الحي” والنابض بكل ماهو مرآوي يعكس تجليات الجمال الميتافيزيقي والصفاء الأنطولوجي. فعندما ترك موطن رأسه مدينة هيت، بعدما وصل إلى اعلى مراحل الأدراك المعرفي والكشف الفلسفي، مستقرا في موطن عمله، عالم “أبسال” المخادع؛ عالم المؤسسات الأكاديمية ومنظوماتها الأيديولوجية المنغلقة على نفسها وعلى خطابها الواحدي، شعر حينها مدني صالح بغربة وغرابة مع هؤلاء القوم، وادرك انه ذلك الكائن المتوحد مع عالمه والمتفرد بأفكاره، فآثر العزلة والاعتزال، فلم تكن له القدرة الكافية على التواصل مع انظمة هذا العالم الزائفة، ولم يوفق في الأنخراط في عوالمه المادية والاستمتاع بملذاته، والأستغراق في خطاباته والتكالب على ما تيسر له من فتات علية القوم القابضين على صيرورة الوجود والعدم.
ربما لهذا السبب، كانت قصة “حي بن يقظان” هي الأقرب إلى ذاتية وكيان الراحل مدني صالح، حيث رأى فيها خلاصة الفلسفة الأسلامية من جهة؛ وخلاصة التواصل الإنساني الزائف والزائل من جهة أخرى. لكن هل لجأ مدني صالح إلى الحل اللاهوتي وا لعرفاني والصوفي للخلاص من هذا العالم ؟ بالطبع لا، فلم يُسلِم نفسه للحلول المتعالية، كما هو الحال عليه في رمزية حي بن يقظان، بل عمل على مواجهة “سلطة الخطاب/وخطاب السلطة”، فقد حاول ان يؤسس “لحي بن يقظان جديد”. لكن هذه المرة ليست على طريقة الفلسفة الميتافيزيقية واللاهوتية، بل على طريقة التفلسف الصحفي/والصحافة المتفلسفة، وقد بدا هذا التحول واضحا من خلال “أسلوبيات نظرية الثقافة الصحفية” التي دشنها الراحل، في الوقت الذي كانت فيه الصحافة العراقية تعج بأدبيات المعركة والحرب باعتبارهما فوهة واحدة. من هنا، يمثل مشروع “الكتابة الصحفية journalism”عند الراحل مدني صالح، بمثابة إعادة اكتشاف لمشروع “النظرية السياسية” الذي أُجهض مع قصة “حي بن يقظان الفلسفية”. بعبارة اخرى، ان الراحل مدني صالح لم يعد يتعامل مع الفلسفة بوصفها تمثل ما ينبغي عليه ان يكون “ought to be” بل بما هو كائن/ويكون “is “. لهذا، نلاحظ كيف أن لغة الخطاب الصحفي عند مدني صالح كانت في صيرورة من التغير والتحول حسب أغراض الكاتب التي يود ايصالها إلى المتلقي. فلم تعد اللغة الميتافيزيقية والوضعية هي الطريق الامثل التي يعيد من خلالها مساءلة إشكالات الفلسفة عامة، والواقع السوسيو-ثقافي خاصة. فالكتابة الصحفية التي عمل على إرساء دعائمها الراحل مدني صالح، هي كتابة ضد مجمل أشكال الكتابة السائدة، بل هي كتابة تأسست على “أسس المواطنة والنظرية السياسية الجديدة/مابعد حي بن يقظان” وتتلخص بما يلي: ((أولا: تلتزم “الكتابة الصحفية” بالحقيقة. ثانيا: وهي تميل إلى احترام حق المواطنة. ثالثا: جوهرها قائم على أساس مبدأ الفحص والاختبار. رابعا: يجب ان تكون أيضا بمثابة نظام رصد مستقل عن السلطة. خامسا: يجب عليها أيضا ان توفر صيغة اجتماعية للنقد والاتفاق العام)). Bill Kovach, Tom Rosentiel: the elements of journalism,Atlantic Books,2001,p12
فمن خلال هذه المبادئ، يُعاد قراءة مفهوم “الطبيعة الأنسانية” التي لم تعد تحيا منفصلة في “جزيرة ميتافيزيقية مطلقة”، بل اصبحت تاريخية وفي صيرورة مستمرة، وهذا ما نجد له مصداقا في مقال ” لائحة حقوق الحمار” الذي يمثل ((….حقيقة كبيرة أوجزها مدني صالح بجملة واحدة هي أن الحمار يجد جميع مفردات لائحة حقوقه في مؤسسة النظام والتقدم وشيئا من مفردات لائحة حقوق الإنسان، ولا يجد الإنسان شيئا من مفردات لائحة حقوقه في مؤسسة الفوضى والتخلف ولا شيء من مفردات لائحة حقوق الحمار!
كان من الواضح إن مدني قد لجأ في مقاله ذاك إلى اللغة الرمزية المبطنة، وأستخدم الحمار لغايات أبعد، هذا الحمار (الذي لا يزني ولا يسرق ولا يعبث ولا يرابي ولا يضارب ولا يحتكر ولا يقامر ولا يحارب ولا يتاجر ولا يخون ولا يكذب ولا يغش ولا ينافق ولا يتدافع على التغالب ولا يتغالب على الجمع والادخار وليس بذاخر لغد طعاما مخافة غد لكل غد طعام). ثم يدعو إلى مراعاته وحسن معاملته (وخفف عنه آلام الإذلال المبرح وآلام الاستنزاف والاستغلال والأغلال، وان له عليك تهيئة أسباب العافية والأمان وتحريره من ربقة المخاوف كلها بلا استثناء وألا فقد أسأت الإدارة والتدبير، ومن أول أسباب حسن الإدارة أن يكون أول اهتمامك بقوى الإنتاج في المؤسسة وتهيئة أسباب الراحة للعاملين الذين منهم هذا الباسل الحكيم الصابر الذي يرضى منك بالقشور ويشكر لك عليها النعمة حتى حين يكون هو أحق منك باللب وحتى حين تكون أنت أولى منه بالقشور! وتحولت قضية لائحة حقوق الحمار منذ ذلك المقال التاريخي الساخر، إلى صرخة وفلسفة ودعوة للدفاع عن لائحة حقوق الإنسان تحت ذريعة الدفاع عن حقوق الحمار في كل زمان ومكان يهان فيه الإنسان قبل الحمار))(طه جزاع).
من الواضح، أن النص أعلاه، يكاد أن يلخص لنا الفلسفة السياسية للراحل مدني صالح. فلم تعد الفلسفة عنده، مجرد عملية فهرسة روتينية لأعلامها ومدارسها وتياراتها، تلك العملية التي لا زالت مزدهرة في مؤسساتنا حتى اليوم، بل اصبحت الفلسفة عنده سؤال السياسة/وسياسة السؤال، خاصة في سنوات المحن التراجيدية التي مرّ بها العراق: ((…. كانت الحياة تحت الحصار قد حطمت كل شيء، وقبلها كانت حرب 1991 الخاطفة قد فعلت في البلاد والعباد ما لم تفعله حرب الثماني السنوات، ولم تكن كتابة مدني صالح بمنأى عن التغيير. كان حقيقةً هذا هو ما أثار إعجابي في قدرته في الكتابة على الاستجابة لعواصف الأيام، زادت ثقتي بحرية مدني وشجاعته، وهو ينزل بالفلسفة إلى السوق والبقالين والشحاذين والجوع والألم ومرارة العيش وتغير الطباع وتردي القيم اليومية المباشرة لينتج مقالين، هما من أجمل ما قرأت من كتابة لعراقي عن حياتنا في تلك السنوات القاسية))(عبد الزهرة زكي).
لا يصح بعد ذلك القول إذن، أن الراحل مدني صالح، لم يكن مهتما بالسياسة، أو أن فلسفته مستقلة عن السياسة. فهناك من يذكر حقائق تؤكد على موقف مدني صالح من “الأيديولوجيا السائدة”، سيما تلك المتمثل منها في عزوفه المطلق عن الحضور إلى المهرجانات والكرنفالات وتوزيع الجوائز الشكلية والمُعدة سلفا، فمثل هذه المواقف وغيرها الكثير، هي في حقيقة الأمر “موقف من مواقف مدني صالح” ازاء ما يحصل من عمليات تخريب وتدمير للبنية التحتية للمؤسسات الأكاديمية التي أصبحت تمثل مؤسسة للتوجيه السياسي، ألا تمثل تلك المواقف صرخة ضد جدل السلطة/والمعرفة وصناعة الأيديولوجيا ؟ لهذا، نحن لا نتفق مع هذا النص المتناقض في وصف علاقة مدني صالح بالخطاب السياسي: ((…لم يكن يحب الشهرة فلم يحضر المهرجانات ولا النــدوات ولا المؤتمرات ولم يظهر في يوم مــن الأيام علــى شــاشة التلفاز،ولم يلبس إلا مــا يلبسه (الكبار). لــم يكن مدني صالح ســـياسيا ولم يكن يحب السلطة كعنصر من عناصر الدولة)).(قحطان محمد صالح الهيتي). فكيف لشخص وضع مسافة فاصلة بينه وبين الشهرة المؤدلجة سياسيا، دون أن يكون له موقفا سياسيا ؟
مما سبق، يتضح أن إشكالية إنتاج “منطق أسلوبيات فلسفية جديدة” لإعادة كتابة وتأويل النص الفلسفي العراقي، تعد واحدة من اخطر المهام الأبستمولوجية التي اضطلع بها الراحل، خاصة مع “لغة الكتابة الصحفية” التي جعلته يقف وجها لوجه ضد منطق السلطة والمعرفة: ((…فيما يتعلق بمصائر مشاريعنا الثقافية المستقبلية بكل أنواعها، إن المعالجة الفلسفية التي يسوقها مدني صالح في طرح أفكاره تحمل الكثير من الملاحظات على منطق تجاوز البحث الفلسفي، بصورة عامة، وعلى فهم طبيعة التحولات الفكرية الجديدة التي أصبحت تتحكم بمصائر العالم وبالمفتاح الأساسي لحركية المعرفة، ذاتها، التي تحمل موقفاً ما من هذه التحولات وعليه يخلص، في أغلب كتاباته، للتعبير عن أن المهمة الملقاة على عاتق الكاتب صعبة وهي مهمة بناء الحاضر والمستقبل مثلما هي مهمة بناء ثقافة صارمة متطورة، والحديث هنا عن إرهاصات الكتابة التي تعتبر من مهمات الفكر الفاعل فدائماً نجد في كتاباته ما نطمح لانجازه مستقبلاً وكم تمنينا ذلك لكن الأماني لا تعفي من الانتظار باعتبار أن المستقبل المسدود الآفاق حالياً والقابع في منطقة الحلم قد يُدخلنا حيز المتاهة أو حيز الضبابية وعدم الوضوح قد يبدو للوهلة الأولى أن منطق الفكر الفلسفي لديه وعلى مجرى فعلي له يختلف اختلافاً كبيراً عن مجراه النظري، فهو منطق فكري فلسفي يقيس الواقع الحياتي الملموس على الواقع النظري ويحكم على الأول في ضوء الثاني))(عبد الكريم كاظم).
ختاما، أن أسلوبيات كتابة “الملحق الثقافي” لصحيفة المدى، عكست ،في واقع الأمر، محنة تأويل النص العراقي من جهة، والنص الثقافي العراقي من جهة اخرى، وذلك يعود لسيادة أسلوبيات تقليدية تكتفي بوصف ماهو مقرر مسبقا وقار في لغة وثوقية واحدية. لهذا، نلاحظ ان اسلوبياتنا في طرح الأفكار الفلسفية والثقافية، لم ترقَ بعد لتكون أسلوبيات نقدية/وتحليلية تتجاوز منطق اللغة القارة/والثابتة والمتحولة إلى “نسق وضعي مطلق”. وهذا ما لاحظناه من خلال النصوص التي جئنا على تحليلها وإعادة قراءتها،بالطبع لا ندعي إننا جانبنا الصواب في كل شيء، لكن يبقى لنا شرف المحاولة فيما طرحناه… رحم الله اساتذتنا الأفاضل وتغمدهم فسيح جناته…

*باحث من العراق- مختص في فلسفة الدراسات الثقافية/ومابعدها

شاهد أيضاً

سيدي قنصل بابل.. مأساة الرواية ورواية المأساة
عبد الكريم السامر
قاص ومترجم عراقي (ملف/3)

رواية (سيدي قنصل بابل) للكاتب العراقي الشاب نبيل نوري لكَزاز موحان من الروايات القليلة التي …

ياسين شامل: قراءة في “سيدي قُنصل بابل”1 للكاتب نبيل نوري لكزار موحان (ملف/2)

يقومُ السردُ في “سيدي قُنصل بابل” الذي لم يعطهِ الكاتبُ نبيل نوري تجنيساً، على سردِ …

الراوِيةُ الذي يكشفُ المسكوتُ عنه
قراءةٌ في قصّةِ قُصي الشيخ عسكر الطويلة الكورونا
أ. د. عبد الرضـا عليّ (ملف/19)

إشارة: للشاعر والقاص والروائي والباحث المبدع الكبير د. قصي الشيخ عسكر بصمة مميزة في أغلب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *