شوقي يوسف بهنام : أدونيس وأشكالية الحلم والجنون (رؤية نفسية)

shawki-yuosif-4-

اذا كان ( ادونيس ) وفق الصورة التي انتهينا اليها في حلقتين سابقتين عنه ، فانه ليس من العبث أو المصادفة أن يقتحم ميداني الحلم والجنون ، وأن يحاول أن يتلمس من خلال تجربة شخصية خاض غمارها ( أدونيس ) في فترة من فترات حياته وأن يعبر عنها بخطاب شعري سوف نحاول أن نتلمس من خلاله عن تلك الخبرة . وسواء اكان هذا الاقتحام له اسباب معرفية ، أعني أن ( أدونيس ) أراد أن يعرف أسرار ظاهرة الحنون كظاهرة أنسانية معروفة أو كان الدافع له هو شعوره بأنه من الممكن أن يكون على حافة الجنون Lyssophobia !! وثمة قصيدة يمكمن أن تؤول بهذا الاتجاه . أعني أن ( أدونيس ) كان متهما بأن يكون كذلك ، سنقف عندها بعد قليل . وما محاولته بأن يعيش أو يحاكي بعض المرضى الا دليلا على وجود هذه الرغبة الجامحة لديه يأن يغوص في اسرار الجنون وخفاياه ، لكي يكشف عن هذا الجانب المظلم من شخصيته ، ولكي يبرهن للآخر أن له القدرة ، ويا لها من قدرة ، على المرور من العقل الى الجنون أو بالعكس ايضا . وبهذه القدرة يبرهن ( أدونيس ) على أنه ليس مجرد ( علي أحمد سعيد ) بل ادونيس مطلقا . تلك هي الرغبة ، كما تبدو لنا ، القابعة في أعماق أدونيس والتي دفعته الى أن يقوم بممارسة هذه التجربة القاسية والمؤلمة ايضا . كما أراد ( أدونيس ) أيضا أن يبرهن للآخر ، ان المرضى العقليين ، ليسوا سوى اناسا غدر بهم القدر مثلما غدر به القدر هو الآخر أيضا . لقد أراد أن يشمل خطابه ليس فقط عالم العقلاء بل وعالم المجانين أيضا . لقد أراد ( أدونيس ) أيضا أن يدافع عن نفسه ضد صورة وأنطباع الآخر عنه ، وأنه ليس كما يظن . وما خوضه لهذه التجربة وخروجه منها ظافرا الا دليلا ومؤشرا على سلامة قدراته العقلية والنفسية . وان هذه الثرثرات ليست الا شبهات لا تقوم على أساس وانما هي غيرة وحسد منه فقط . وثمة قصيده سوف ننطلق منها لتكون بمثابه مدخل لهذه الاشكاليه .. اوقل هذه التجربه عند ادونيس. ففي قصيدته المعنونه (يقولون اني انتهيت ) حيت يقول:-
يقولون اني انتهيت
ولم يبق في مهجتي
سراج . ولم يبق زيت.
امر على الورد, ماهمه
ضحكت له او بكيت ؟
وللورد في ناضري
وفي خاطري
صباح محوت به وامحيت.
*************
احب انا ، كم احب جمالي{ مظاهر الشعور بالاعجاب بالذات
واعبد فيه ضلالي {التمركز على الذات ونرجسية الخطاب
فيا ما هديت به واهتديت
ظمئت، متى يا دمي ، يا شبابي
تقول ارتويت ؟
ظمئت الى موعد
وقفت عليه غدي
ظمئت لقلب فسيح عميق
انتفه شعلا في طريقي
واخزنه في عروقي
واتركه بين حي وميت ،
ظمئت ، متى يا دمي ياشبابي
تقول لي ارتويت؟

يقولون اني انتهيت
ولي الارض، لي زهوها ، ولي كبرها
تجرحني راحتاها ويعبدني صدرها
اذا شوكها عافني تخطفني زهرها

يقولون اني انتهيت
ولي الاعصر
اذا جئت في بالها تسكر

يقولون اني انتهيت
وفي كل الدرب
يصفق لي الف قلب
ويضحك ظل وبيت

غدا كل ثغر يتمتم عني،
انا ليتني مررت عليها
وافرغت بين يديها
شبابي وفني ،
وياليتني لم اغن
سواها ويا الف ليت.

شربت انا كل قلب ،
شربت ، كاني انتهيت
وقلت ، انجبل
يا وجودي ، وكأني أنتشيت
وقلت ، وقلت أنجبل
يا وجودي ، وكن ما أشتهيت .
( المجموعة الكاملة ، المجلد الاول ، ص140-142) .

********************

القصيدة مهداة الى ( ع . خ ) ماذا تشكل هذه الحروف عند الشاعر ؟ صديق حميم معجب بأدونيس .. أمرأة مولعة به .. أمه التي تراقب ، عن صمت ، عذاباته … أباه الذي يحرسه بأدعيته … الهه الذي يرعاه بعنايته ؟؟؟ أيا يكن المخاطب الذي أهدى له ( أدونيس ) هذه القصيدة ، فأنه يشكو له ويهمس بأذنيه ، أنه ليس كما يقولون … وكل الذي قالوه وما سيقولوه ما هو الا زورا وبهتانا وكذبا !! أنه ( علي احمد سعيد ) العصامي … الباحث عن المعنى … صاحب النظرة الانقلابية الى العالم . انه الثائر على كل ماهو عتيق وقديم وبالي ، عن كل ما لا يمت الى المعقول بصلة . أدونيس اذن لم ينته .. لم يفن … لم يبل … لم ولن بكون وفق ما يقولون !! . اذن هذه هي البداية عند ( أدونيس ) مع الجنون أو الذهان psychosis أو المرض العقلي .. أليس هو بحالم أوليس الجنون حلم طويل .. بل حلم أزلي !! .
لقد درس بعض الباحثين العلاقة بين الحلم والذهان .. وعلى رأس هؤلاء ؛ مؤسس التحليل النفسي ( فرويد ) الذي أشار الى مثل تلك العلاقة (1) . ونحن لا نعني بالحلم .. حلم اليقظة بل الحلم الليلي الذي يضغط على صاحبه بمحتوياته ورموزه وقسريته . حلم اليقظةDay dream هو الآخر كالاحلام يحقق رغبات تنهض على ذكريات الطفولة ، وتتسم كالاحلام بأن الرقيب قد خفف من حظره عليها .. وكل الاسوياء يحلمون أحلام يقظة ، وهي تمنح الاشباع وتعوض عن الحرمان أو الفشل الذي يصيب المرء من البيئة الخارجية . ولاحلام اليقظة نفس الدلالات التي للاحلام سواء عند العصابين أو الاسوياء ( 2) . المهم ، نحن هنا ، لن نناقش ، كما قلنا ، طبيعة الاحلام الليلية او أحلام اليقظة وعلاقتها بالامراض الذهانية أو العصابية على حد سواء ، لان هذا موضوع له شأن آخر . الا ان ما يهمنا ، هنا ، من شأن هذه الاشكالية هو أن ( أدونيس ) كان حالما ، وأنه عاش تحت طائلة أو ضغط هذا الحلم ، أعني بأنه المختلف الاكبر مع الآخر ، فترة من الزمن ، أن لم تكن كل الفترة .. ! ان ( أدونيس ) يشعر من خلال هذه القصيدة بأنه متهم بالانتهاء والفشل والاخفاق والانكسار . .. وأيا كان نوع هذا الانتهاء ، فأنه يثير مشاعر عميقة من الاحباط في فترة عصيبة من فترات حياته . وسنقف عند هذه الفترة ، وذلك من خلال أعتراف الشاعر نفسه ، بوجود هذه الفترة في حياته ، لاحقا . ونحن لا نريد أن نحلل أحلام الشاعر ( أدونيس ) الليلية لان ذلك ، على الرغم من أهميته البالغة ، يتطلب اخضاعه ، أعني أخضاع ( أدونيس ) الى عدد من الجلسات التحليلية لتحقيق هذا الغرض . ونحن لا نستبعد أن ( أدونيس ) قد مارس عملية تحليل أحلامه الليلية التي علقت بذاكرته !! ونحن نفترض أيضا ، أن أحلاما محددة المحتوى قد ضغطت على لا شعور ( أدونيس ) . ولكن يمكن رسم معالم الرغبات التي الحت على أدونيس من خلال أحلام يقظته .. وكما أشار هو الى ذلك . نقرأ قصيدته المعنونة ( الحلم ) . حيث يقول :-
في مهجتي تحيا معي قصة
أولها أبعد من يبين { اشارة الى الطموح المفرط وغير معروف الابعاد
اشم فيها من ربى موطني
رائحة التفاح والياسمين
كأنما حروفها فجرت
من جبل صخر وماء معين

يا قصة تسير بي دربها
الى دروب الزمن الاول
ما أنت الا حلم مبدع
غيم في جفني ولم ينجل
تهدر في صدري أسراره
يبين لي فيه الذي لا يبين
( المجموعة الكاملة ، المجلد الاول ، ص 34 )

**************

ان الذي نستطيع ان نلمسه في حلم اليقظة هذا ، هو هاجس الكشف عن المعنى في أنتماءات ( أدونيس ) ومرجعياته . بعبارة أدق وأوضح فان هاجس الفحص عن الموروث المفاهيمي الذي ينتمي إليه ( أدونيس ) هو الذي يحتل مكان الصدارة في أحلام ( أدونيس ) وطموحاته . إذن هو هاجس التغيير ، أو إذا استخدمنا تعبير ( أدونيس ) نفسه :-
كأنما حروفها فجرت
من جبل صخر وماء معين
***************

وهذا يعني إن قصة ( أدونيس ) ، قصة التحدي و خلخلة الأفكار وتفجير الكوامن …. يقول ( أدونيس ) في قصيدة ( في عتمة الأشياء ) :-
في عتمة الأشياء في سرها
أحب أن أبقى
أحب أن أستبطن الخلقا
أحب أن أشرد كالظل
كغربة الفن
كالمبهم الغفل وغير الأكيد _
أولد في كل غد من جديد
( المجموعة الكاملة ، المجلد الأول ، ص 43)

****************

تلك هي الأمنية الكبرى لادونيس وذلك هو الطموح الأكبر لديه . ونحن نميل الى الظن إن هذه الطموحات جعلت من ( أدونيس ) أن يدخل في بوابة الاختلاف ، سواء أكان هذا الاختلاف ايجابيا … أعني نحو العبقرية ، أو سلبا ، أعني نحو الجنون !! لا نريد أن ندخل في متاهة الجنون أو المرض العقلي ، لأنه ليس هناك اتفاقا حول ماهية وطبيعة هذه الأمراض . كل ما هنالك هو أن الطب النفسي ، وبفضل الثورة الدوائية ، أستطاع أن يسيطر على مجمل أعراض المرض العقلي ، لاسيما الوظيفي منه ، هذا من جهة ، أما من جهة أخرى فأن الطب النفسي هو عمل وصفي في اغلب الأحيان . أما مسألة تحليل أو تفسير هذه الأمراض أو مسبباتها ، فهي مسألة يدخل الجدل فيها الى حد كبير . وهو غالبا ما يتبنى النظريات التي ظهرت في ميدان علم النفس المرضي . وما دمنا في هذا المجال ، فلا ضير الى أن نشير الى أن بدايات مرض الفصام تبدأ بالاهتمام الفلسفي والسؤال عن ماهية الكون الى أن يدب المرض في الشخصية وتنتهي الى ما تنهي إليه من أشكال عيادية معروفة . و لا نريد أن نضع ( أدونيس ) في دائرة هذا الاتهام ، قدر ما نريد الإشارة الى أن ( أدونيس ) ، كنتيجة لهذا الطموح ، اتهم بالجنون ولو على سبيل الإشارة أو الهمس عنه على أقل تقدير . وهذا في تقديرنا ، معنى عبارته ( يقولون اني انتهيت ) . هذا السبب دفع ( أدونيس )الى أن يهتم بإشكالية الجنون … وهذه الإشكالية نجدها في كثير من قصائده ، بشكل أو بآخر ، ولكن هناك مجموعتين صغيرتين عالج ( أدونيس ) من خلالهما هذه الإشكالية . أولهما بعنوان ( مجنون بين الموتى ) والأخرى بعنوان ( السديم ) .
يتناول ( أدونيس ) في مأساة ( مجنون بين الموتى ) قصة جندي خرج من الحرب وقد أصيب بخلل عقلي بسيط وتشوه في آن معا . فهو يتخيل نفسه دائما أنه يتحدث مع أصوات الذين رآهم ، بملء عينه ، يقتلون حوله : ذلك انفلقت جبهته ، وهذا تفرزت أحشاؤه ، والآخر يحشرج ، وغيره فتت نثرة نثرة .
( المجموعة الكاملة ، المجلد الأول ، ص274)
***************

ذلك هو التقديم الذي استهل به ( أدونيس ) لمأساته هذه . ومن السهولة للدارس النفسي أن يضع هذه الحالة ضمن ما يسمى بعصاب الحرب الناتجة عن أثار المعركة أو صدمة القنابل ، وهي حالة غالبا ما تندرج ضمن الاضطرابات الرحامية ( الهستيرية ) . وقد تكون حالة ذهان كامن انفجر خلال أعباء المعركة . وما يهمنا في هذه المأساة هو أن تقديم ( أدونيس ) لم يذكر أنه شاهد الجندي المصاب ، أو أنه لم يحدد لنا هويته . فان الجندي ليس إلا ( أدونيس ) نفسه أي أنها قصة من نسيج خياله فقط ! لان خطاب النصوص يتفق مع المضمون العام لقصائد ( أدونيس ) الأخرى ، فهو يحس بالضياع والحيرة وقلق السؤال ، والرغبة في تجاوز الزمان وما الى ذلك من الرغبات التي لا تتحقق إلا في مخيلة المرضى !!! ومن المؤكد إن هذا لا يمنع من أن يكون ( أدونيس ) قد عانى ، في وقت من الأوقات ، بعضا من هذه الضغوط ، فكانت النتيجة هي انتكاسة مؤقتة سرعان ما اختفت ويسترد ( أدونيس ) عافيته النفسية . وما يمكن قوله هنا ، هو قدرة الشاعر على فحص النفس وتأملها وأستبطانها و من ثم استنطاقها . وفي هذا وحده يكفيه كل الفخر . و لا بأس من أن نقتطع مقطعا صغيرا من يوميات هذا الجندي الادونيسي المختل ، لنرى أوجه التشابه بينه وبين ( أدونيس ) الشاعر !! وهذه اليوميات هي أشبه بالشطحات الذهانية أو نوبات الذهان الهذائي . يقول ( أدونيس ) :-
من أنا … أي عصافة
وسخ الفراغ
وسخ التأفك والرواغ
وسخ السديم
والموت والعبث الصميم
والمستحيل ،
كتل من القدر المجلد في شراييني تسيل .

( المجموعة الكاملة ، المجلد الأول ، 284)

*****************

من المؤكد أن مقارنة هذا النص ، بنص من نتاج مريض بالفصام الهذائي ، أمر لا يخلو من صعوبة . لان هناك فرقا بين مريض لا يدري انه كذلك … أي انه فاقد الاستبصار Insight بحالته ولذلك فان نتاجه ، هو بالضرورة ، انفجار لمحتويات اللاشعور . أما بالنسبة لادونيس فأنه ليس بالشخص المريض المشخص من الناحية السريرية على كونه فصاميا . ولذلك فان نتاجه لا يعدو أن يكون عملا إبداعيا محضا ، خاضعا للرقابة الشعورية ، إن أراد ( أدونيس ) ذلك أم لم يرد ! كل ما هنالك هو أن ( أدونيس ) تقمص شخصية المريض لا أكثر و لا أقل . ومن هذه النقطة يكمن الفرق الأساسي بين هذين النتاجين . ليس ( أدونيس ) إذن مجنونا . بل هو تقمص الجنون فحسب ، لكي يدرك ماهية الجنون وان يغوص في أعماقه وكوامنه ويلج إلى أسراره . وهذا ما نجده واضحا في مجموعته اللاحقة والمعنونة ( السديم ) وهي مهداة الى مجانين العالم . وقد ذكر ( أدونيس ) في مستهل المجموعة عبارة تفيد بأن هذه المجموعة كان الدافع لكتابتها تجربة نفسية قاسية مر بها الشاعر . ولنصغ إليه بنص عبارته هو حيث يقول (( تعبر هذه المأساة عن مرحلة نفسية عشتها . حين كتبتها كنت أجلس ، فعلا ، في غرفة صغيرة مع ثلاثة مجانين ، وكنت أشعر أن العالم يبدو لي من خلالهم )) . ( المجموعة الكاملة ، المجلد الأول ، ص 297) .
ذلك إذن هو اعتراف الشاعر نفسه . وليس استنتاجا مقحما على ( أدونيس ) . معنى هذا أن ( أدونيس ) مر بالفعل بتجربة … أو قل بخبرة مؤقتة ، كان من الممكن ، أن ينزلق فيها إلى متاهة الجنون . إلا انه ، ولاعتبارات لا نستطيع تحديدها ما لم نخضع ( أدونيس ) الى محاكمة عيادية ، حتى نتبين ، كيف نجى ( أدونيس ) من وطأة الجنون . ومن حقنا أن نتساءل على هامش عبارته ، عن ماهية التجربة النفسية التي عاشها الشاعر أنذاك ، أعني أثناء تلك الفترة من المحنة . أدونيس يلتزم الصمت إزاء ذلك . ولذلك فهو يعتبر تلك الفترة سر من أسراره الخاصة . ومن ثم فله الحق بأن يعلن عنها أو لا .. المهم في المسألة ، أنه خرج منتصرا من تلك المحنة . وهذا الانتصار يتمثل بهذه المأساة الإبداعية التي سطرها يراعه . من الممكن أن نلاحظ عند بعض المرضى الذين أخضعوا الى العلاج وبالتالي أمكن السيطرة والتحكم بأمزجتهم أو بنوعية الأعراض أو الأنماط السلوكية التي أظهروها أثناء فترة المرض والتي كانت مؤشرا على المرض ، أنهم يتمكنون من وصف بعض الخبرات التي عاشوها أثناء فترة ذلك المرض . لكن يبقى فارق مهم بن هذا الوصف وبين الإنجاز الادونيسي هذا . هذا الفرق يتجلى في نقطتين مهمتين :-
1- الإيقاع السليم وجمالية الصورة الشعرية في القصيدة
2- التناسق والترابط في عرض المحتوى المعرفي لتلك الصورة .

*************
وهاتان النقطتان تعدان دليلا على سلامة ( أدونيس ) العقلية واتزان جهازه الانفعالي !! ويعتقد العاملون في مجال الطب النفسي ، أن الضغوط النفسية يمكن أن تكون عاملا مهما من العوامل المؤدية الى الذهان ، ولكنها ليست الشرط الأساسي لذلك . فالذهان مازال أمرا متنازع بشأنه ، إن من حيث الأسباب أو النشأة أو المآل أو النتائج . وحل هذا النزاع مرهون بالكشوفات التي توفرها الدراسات والبحوث التي لازالت تجرى على مرضى الذهان . أن هذه المسألة لا تهمنا إلا على سبيل الإشارة فقط . ومن المؤكد فأنه ليس من حقنا أن نقدم تقويما للبناء الفني لهذه المقاطع التي تتكون منها هذه المأساة ، لان هذا خارج دائرة اهتمامنا أصلا . ولذلك فان هذه الإشارة قد تعطي بعض الفائدة الى أولئك الذين سيهتمون بالخطاب الشعري لأدونيس من هذه الناحية . ولكن ما يهمنا في هذا الصدد هو معقولية المحتوى من لا معقوليته . ولنحاول تلمس هذه الظاهرة ، أعني ظاهرة اللامعقولية من عدمها في مأساة ( أدونيس ) والتي حاول إقناع القارئ بها بشكل أو بآخر.. أنها ليست إلا وصف ووصف فحسب للغير … و لا علاقة أو وشائج تربطه بينه وبين ذلك الآخر . وتكمن هذه المحاولة في اقتطاع بعض النصوص من تلك المأساة . ولنبدأ بخطاب المجنون الأول . حيث يقول :-

في داخلي تتكون
أشياء هذا العالم
وبأضلعي تتلون
وبخاتمي :
هي كالمآسي ، بالخديعة والضلال تهون .

( المجموعة الكاملة ، المجلد الأول ، ص300)

****************
في هذا النص محاولة لإلغاء واقعية العالم الخارجي والنزوع الى التمركز حول الانا ، والانطلاق منها ، حيث صورة العالم والأشياء … هي صورة مبنية وفقا لرغبات الأنا . وصحيح ، أن في هذه الفكرة ، صورا نجدها مبثوثة في محتويات المرضى الوهمية .. ولكن ليس بهذا الإطار أو هذا التنسيق . ومعلوم إننا نجد في الاضطرابات الذهانية تفكك وتبعثر في العلاقة ما بين المعنى وأسلوب التعبير عن ذلك المعنى . إلا أن ما نجده في خطاب ( أدونيس ) المتماهي مع المجنون الأول هو نظرة تكاملية عن العالم تقوم على نزعة نرجسية من شأنها إضفاء التكاملية على تصورات وقناعات الأنا وإلغاء الموضوعية من العالم واتهامه بالخديعة والضلال . أيستطيع مريض بالفصام الحاد أو المزمن أن يقدم لنا صورة دقيقة لمحتوى هذه الفكرة ؟ !! أدونيس أستطاع القيام بذلك . إذن فهو قد نفذ الى جانب من جوانب الجنون .. ولكن بهيمنة العقل وقيادته . أليس من حق ( أدونيس ) إذن أن يفخر بذلك الإنجاز المذهل ..؟ وإذا كان المجنون الأول قد صور أو بنى صورة للعالم من خلال الأنا .. فأنه في نفس الوقت تهيمن عليه مشاعر الاضطهاد والسلبية وإلغاء الإرادة إزاء العالم … حيث يقول :-
ماذا ؟ أليس عن القدر
نسخ البشر
سفر الوقائع والمصير
وتفكروا
وتبصروا :
فهنا الحقيقة كالنفاضة لوثت طرف الحصير
وهنا الضحى يتحلزن
فوضى :. صباح لا يرى وألوهة تتوثن .
( المجموعة الكاملة ، المجلد الأول ، ص300)

****************

هنا نجد ( أدونيس ) يعبر عن أحزانه و يوجزها في فلسفة العبث واللامعنى .. وعل الرغم من أن مفهوم القدر ، مفهوم له أبعاده في مرجعيات ( أدونيس ) ، إلا أنه هنا ، هو خارج هذه المرجعيات .. وهنا إحساس تام بالفوضى الكونية . وقد أوجزها ( أدونيس ) في العبارة الأخيرة من المقطع :-
فوضى :. صباح لا يرى وألوهة تتوثن .

**************

هو هنا يعبر عن تشاؤمه المعرفي … الحقيقة عنده كالنفاضة !!!…والضحى متحلزن . نحن هنا لا نريد الوقوف عند الصيغ الأسلوبية والنحت اللغوي للمفردات . هذه مسألة تخص الباحثين في اللغة والأدب . لكن هنا مسألة لا بد من الإشارة إليها ولو على سبيل الإيجاز. يعاني الفصامي عددا من الأشكال من اضطراب التفكير ، معروفة لدى العاملين في ميدان الطب العقلي . ولعل واحدة من هذه الاضطرابات هي لجوء المريض الى التلاعب في المفردة اللغوية ونحتها بما يتلاءم ومحتويات التفكير لديه . وفي الحالات المزمنة ، يحاول المريض اللجوء الى استخدام لغة خاصة به لها نحوها وقاموسها وما الى ذلك .. أو ما يطلق عليه Neologism (3) . وبلا شك فهذه اللغة لا يفك ألغازها إلا المريض وحده . ولجوء ( أدونيس ) الى هذا الأسلوب في النحت اللغوي ، هو من باب الاصالة والإبداع من جهة ومحاولة لوضع لغة شعرية خاصة به من جهة أخرى . فما معنى : الحقيقة كالنفاضة ؟ أو الضحى متحلزن ؟ أنها أشكال تعبيرية توضح من خلال أنساقها فكر ( أدونيس ) وأرائه بشكل عام … وما يريد أن يقوله ( أدونيس ) في هذا المقطع هو أن البشر لا يملكون سوى الخضوع لذلك القانون … الذي يسير بموجبه هذا العالم . البشر وفق منظور ( أدونيس ) … حيارى … هائمون … بلا هدف ، وليس لهم إلا المسير . هذا هو المحور الذي يدور أو يتمركز عليه خطاب ( أدونيس ) على لسان مجنونه الثاني . ومقاطع المأساة الأخرى تمتاز بهذه الفذلكة اللغوية الغريبة . هذه هي سمة الخطاب الشعري عند ( أدونيس ) . ويمكن تأويل هذا الميل عند ( أدونيس ) بتحديد الدافع وراءه ، وهو الإيحاء الى القارئ الى أن ( أدونيس ) له القدرة الفريدة والعجيبة والهيمنة السحرية على لوي اللغة وفق المفهوم الذي يريد أن يعبر عنه كما يشاء . يستمر ( أدونيس ) من خلال هذه التراجيديا في وصف هموم المرضى ومتاعبهم … بل همومه ومتاعبه . هذا الوصف هو إشارة الى أن ( أدونيس ) أستطاع أن يدخل الى لب التفاصيل اليومية لحياة هؤلاء المرضى !! فاللغة تتعطل عندهم لتصبح لغة اشارية إيمائية بدائية وتحمل دلالات خاصة لديهم والسلوك يفقد ترابطه وتماسكه وتظهر علامات البلاهة وفقدان المعنى ! . و( أدونيس ) استطاع أن يعبر عن هذه الصورة التي تتجلى لدى المرضى . ويستطيع الدارس أن يعود الى نصوص المقاطع نفسها ليرى ذلك بوضوح . ومع ذلك فهذا المقطع الصغير هو دليل واضح لذلك :-
ينطق
في مقلتيه زئبق
يتلو صحائف قلبه ويعيدها ويمزق
حدق ، أراه يحدق .
( المجموعة الكاملة ، المجلد الأول ، ص 301)

*****************

هذا المقطع تصوير رائع لحالة مريض في حالة اجترار وذهول .. قد يكون تخشبيا وانسحابي تام عن العالم الخارجي . ترى هل مر ( أدونيس ) بهكذا مرحلة أثناء أزمته النفسية تلك ؟! هنا أنعدام الخطاب .. المريض في غاية اللامعنى ، بالطبع من منظور الأسوياء . والوقوف عند التفاصيل التي نسج خيوطها ( أدونيس ) تحتاج الى توسع قد يبعث على الملل والضجر . ألا أنه مع ذلك فهو عمل أصيل قام به الشاعر . سنقف عند مقطعين ، نعتقد ، أنهما لب الخطاب الاودنيسي . أولهما يقول :-
من محال الكون أن تمحو
في الكون الخطيئة
فهي للخلق بناء
ورداء
وهي بالحق مليئة .
( المجموعة الكاملة ، المجلد الأول ، ص 307 )

****************

العالم … بل الكون بجملته مبني وقائم على الشر والخطيئة و… و… ! . و ( أدونيس ) يبدو ، هنا ، متشائما . وهو لا يرى في العالم إلا شكله السلبي . و نحن نتساءل ، هنا ، لماذا أستمر ( أدونيس ) في متابعة مسيره الشعرية ، إذا لم يكن هناك من أمل في الوجود ؟ وأن هذا الوجود ه بالضرورة خطيئة . هنا ينظم ( أدونيس ) الى فريق تشائمي النظرة إلى العالم ، مثل شوبنهور … المعري … الخيام وغيرهم (4) ونحن نميل الى الاعتقاد ، الى أن هذه الاستمرارية ، أنما هي نتيجة لاعتقاد ( أدونيس ) بأن خطابه الشعري أو المعرفي على حد سواء ، يمكن أن يكون رسالة خلاص أو نافذة من نوافذ الأمل لهذا العالم . وبالتالي فأن هذا الاعتقاد كاف لأن يكون سببا من أسباب الرضا عن الذات عند ( أدونيس) بل والاعتزاز والفخر لديه . ولكن مع ذلك ، فان مأساة مجانين ( أدونيس ) هي ذاتها مأساة ( أدونيس ) . ولذلك فهو يبقى في ذات الإطار الذي لمسناه في المقطع السابق … أعني البعد التشاؤمي لديه . وهذه هي خاتمة المأساة لديه .. وهي خاتمة توصل إليها أبطال المسرحية جميعهم . يقول ( أدونيس) :-
[ تسيطر على الثلاثة بالعدوى أو بغيرها ، نوبة كبيرة من الضحك ، فيرقصون ويغنون ] :-
ليس في العالم امكان للغز
أو لرمز
فلقد يختبئ العالم في كسرة خبز .
( المجموعة الكاملة ،المجلد الأول ، ص308)

*****************

تلك هي الحقيقة إذن في نظر ( أدونيس ) . لقد أدركها المجانين قبل العقلاء . ولأنهم أدركوها فقد أصيبوا بالجنون . وكأني به يقول : ان من أراد أدراك الحقيقة فلابد أن يكون مجنونا أو يصير كذلك !!! . معنى هذا أن العالم لم يعد في نظر ( أدونيس ) إشكالية تحتاج الى بحث واستقصاء … أو فك رموز أو طلاسم . العالم جلي وواضح في ذاته . ويجب أن لا يفوتنا تلك التفرقة التي أقامها ( كانط ) بين الأشياء والأشياء في ذاتها . لا وجود للشيء في ذاته عند ( أدونيس ) . لا نريد أن نناقش مشكلة المعرفة لديه . هذا شان آخر . العالم إذن قد يختبئ في كسر خبز !! هذا ما توصل إليه مجانين ( أدونيس ) بل قل ( أدونيس ) نفسه .
من الناحية النفسية فان نهاية المأساة هي ملهاة .. الغناء والرقص .. ودلالة هذه النهاية هي العبثية والعدمية الصرفة اللتان سادتا الفكر الأوربي في بداية القرن العشرين . وممثلو هذا التيار.. نيتشه ، هيدجر ، كامو ، سارتر وغيرهم . ناهيك عن البعد المادي في هذه النظرة … أعني المنظور المادي للتاريخ . و لا نريد الدخول في متاهة التفاصيل لذلك . لقد أنطلق ( أدونيس) من الحلم وحلم كبير ليدرك الحقيقة .. وها هو قد أدرك أن الحقيقة يمكن أن تكون من خلال أحزان الجنون ومتاعبه !! .

الهوامش :-
1- راجع تفاصيل هذه المسألة في : د. الخولي ، وليم ، 1976 ، الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، مصر ، ص 365-368 .
2- د . الحفني ، عبد المنعم ، 1987 ، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، دار الطليعة ، بيروت ، ج1 ، ص193 .
3- د. الخولي ، وليم ، المرجع السابق ، ص 313 .
4- د. بدوي ، عبد الرحمن ، 1965 ، شوبنهور، دار النهضة العربية ، ط3 ، ص 257-297 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

| كريم عبدالله : القناع في القصيدة السرديّة التعبيريّة قراءة في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – العراق ( بلقيسٌ أنا ) .

تبقى القصيدة هي المرآة التي من خلالها نتمكن من رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *