حسين سرمك حسن: (الساموراي العراقي الأخير)
تحليل مسرحية ” أمادو” للكاتب ” ناهض الرمضاني “

(( التجربة تمُتحن …
عندما دخلت القوات الأمريكية بغداد ، كان الربيع يتهيأ لحصاد القمح بمنجل دموزي ، ووقفت فلاحة عراقية ترقب دبابة أمريكية حرنت قرب مزرعة جنوبي بغداد ، بعين التجربة المكلومة . إنها واحدة من قافلة دبابات ستعبر جسرا على نهر دجلة وقت الفجر في عين بائع متجول . قافلة تضاف إلى قافلة خيول الجنرال ” مود ” وقت دخولها بغداد عام 1917 من باب المعظم . تقلّب التجربة الصور في الألبوم العراقي وترمش بحياد حزين ، من ينظر ؟ ، ما المنظور ؟ ، ولماذا تشحب صور التجربة في صيف تموز بعد أن يصدها منجل الربيع في رمشة خاطفة ؟
يأتي زمن التأملات عندما ينقضي الحصاد بعد كل ثورة وانقلاب واحتلال . تذري الرياح قشور التجربة وتسقط الرقاب من سنابل القمح في موسم التجربة القصير . التاريخ يحاكم التجربة ، فتترك هذه بين يديه صورها وكناياتها وإيقوناتها ، ثم تنزوي مثل طائر مروع في شجرة مورقة ، وفيما يذهب التاريخ زاعقا بأسلابه ، تحوم التجربة حول عشها نائحة مزقزقة على سرقة فراخها ( التجربة أكثر حكمة من أن تُختبر ، أوسع ذاكرة من أن تتذكر ، أكثر صبرا منى أن تتألم ، أبعد نظرا فسيحا ) لن يفلح السرد في تضمين مشاهدها العنيفة وصورها الفاضحة وكتاباتها المنزلقة . البلاد ذات التجارب الكبيرة – تتمدد مثل امرأة حامل بجنين رسولي سيولد يوما في وادي السلام ، ولادة مريمية ) .

المبدع الكبير
( محمد خضير )
– رسالة من ثقب السرطان –
الخميس – 1/4/2004

مسرحية «أمادو»، هي أول نصّ نقرأه للكاتب «ناهض الرمضاني»، فلم نقرأ له من قبل، شيئاً، وإذا صحّ أنّ هذا أول نصّ له، فستنطبق عليه القاعدة التراثية التي تقول: «إنّ الديك الفصيح من البيضة يصيح»، فهو نصّ متميّز ورائع، وقد يكون من النصوص القليلة والمبادرة في معالجة جانب هام من جوانب الشدائد الفاجعة «ما بعد المحنة أو فوقها» التي عصفت بالواقع العراقي، ومزّقت روحية المواطن العراقي – الممزقة أصلاً -.
وقد كان مدخل الكاتب وثيمته المركزية إلى معالجة المحنة العراقية حادثة إنسانية حصلت قبل سنين وكان لها صدىً هائلاً على المستوى العالمي آنذاك. تلك الحادثة تدور حول ذلك المقاتل الياباني الذي لم يعلم بنهاية الحرب العالمية الثانية وانكسار بلاده واستسلام إمبراطوره وشعبه فيها، ولم تصله أوامر محددّة وقاطعة من قيادته العسكرية بوقف إطلاق النار والانسحاب، فبقي ممسكاً بسلاحه ومتمسكاً بموقعه ولم ينسحب لعدّة عقود، معتقداً أنّ الحرب مازالت مستمرة وأنّ عليه أن يؤدي واجبه المكلّف به كما هو متوقع منه كمحارب عليه أن يقاتل ويدافع عن بلاده ويحافظ على شرف الجنديّة؛ على أساس هذه الحادثة المثيرة والقابلة للتأويل والتوظيف في أشكال مختلفة وبالغة الثراء، أقام الكاتب «ناهض الرمضاني» بناء مسرحيته «أمادو»، التي يبدأ مشهدها الأول بممثل يرتدي ملابس يابانية تقليدية طويلة ليخبر الجمهور بتسمية المسرحية المركزية:
«أمادو، جندي ياباني شارك في الحرب العالمية الثانية، بقي وحيداً مدة ثلاثين عاماً فوق جزيرة صغيرة، ترى لماذا بقي «أمادو» وحيداً؟ قد تكون هذه قصته». وهذا هو المشهد/ المفتاح الذي يتكرّر أربع مرّات، ليقدّم لنا الكاتب، في كلّ مرّة من المرات الثلاث الأولى، يدخل إلى المسرح رجل ستيني، منتصب القامة، يرتدي بذلة بيضاء، وتتبعه مجموعة من الصحفيين، بعضهم يحمل آلات تصوير. هذه المجموعة الثابتة في الفصول الثلاثة هي الممثلة للطغمة العسكرية والسياسية والإعلامية التي قادت «أمادو» إلى الحرب فحطمت مستقبله فيها ثم نسيته بعد انتهائها مخربة حياته إلى الأبد. ومثلما استغلته خلال سنوات الحرب أبشع استغلال، ها هي تعود الآن، وبعد ثلاثين عاماً ، لا لتنقذه من رتابة المصير الأسود المفتوح على اللا نهاية، وترمّم ما تبقى من كيانه الإنساني الذي دمرته مخالبها الباشطة التي لا ترحم، ولكن لتواصل فعلها الاستغلالي الكريه وتعيد استغلاله من جديد لمصالحها النفعية، والطبقية، هذه الطغمة هي ممثلة دوافع الموت في الحياة البشرية، تلك الدوافع التي لا همّ لها سوى أن تنهش جسد الحياة الطري وتولغ في دمه الطهور ولحمه الحي المقدّس. لقد جاءت هذه المجموعة لتبحث عن مقاتليها الذين أهملتهم شرّ إهمال.
في الفصل الأول، نشاهد جزيرة فيها قليل من نخيل جوز الهند والكثير من الأدغال، في وسط المسرح بوابة ملجأ عسكري مدفون تحت الأرض، أمام رجل كثّ الشعر ملابسه بالية، بنطلونه مرقع، يرتدي حذاءً ضخماً مصنوعاً من القش المربوط بالأسلاك. الرجل جالس وأمامه نار صغيرة يتدفأ بها، وعندما يشاهد المجموعة مقبلة نحوه، يحمل بندقيته القديمة ويصرخ:
– أنتم الأعداء، توقفوا، سأطلق النار.
لكن الرجل الأنيق يعرّف نفسه إلى الجندي:
«مهلاً.. أنا النقيب يوشي، قائد السرية الثانية، قدّمْ نفسك أيّها الجندي».
لكن مفارقة مريرة تحصل، مفارقة تثير الألم والدهشة معاً، من سلوك هذا الجندي، مقارنة بالنقيب، آمره السابق. فالضابط قد تحوّل إلى الحياة المدنية، منعماً مرفّهاً، وألقى بسلاحه جانباً وهو الذي كان يصدر الأوامر لهذا الجندي بإطلاق النار، وحتى الموت، في حين ظلّ الجندي يلبس «ملابس» المحارب المهلهلة المرقعة، بل بالعكس، لقد تراجع ناكصا إلى زي محاربي العصور البدائية ، جائعا منفيا ووحيدا ، وكل ذلك لكي يبقى ممسكا بسلاحه دفاعاً عن وطنه كما أفهموه. الرجل المرفّه جاء ومعه الكاميرات، بينما وقف الجندي شبه العاري حاملاً بندقيته القديمة التي سلّمت له كأمانة شرف قبل ثلاثين عاماً، ويصرّ، ويا للغرابة على أن يذكر له الرجل المديني/ الضابط السابق كلمة السر /كلمة المرور:
«الجندي: أنت النقيب يوشي قائد السرية؟ إذا كنت حقاً قائد السرية، فردّد كلمة المرور.
الرجل: (بدهشة): ماذا؟ كلمة المرور! بعد ثلاثين سنة؟
الجندي: ولو بعد ألف سنة. إنها الأوامر.
الرجل: (وقد تمالك نفسه): حسناً.. حسناً. الشمس.
الجندي: مشرقة.
الرجل: دائماً.
الجندي: تقدّم، يا.. سيدي..».
ومثلما هو التناقض الفادح بين مفردات الحياة هذه، التي استخدمت ككلمات مرور في ساحة موت وخراب، سيتكشف تناقض أكثر فداحة مع تصاعد الحوار بين الرجل والجندي، وهو ليس تعارضاً بين شخصين بل بين عالمين كاملين: عالم الحرب وعالم السلام، عالم الموت، وعالم الحياة.. الرجل يخبر الجندي بأنّ الحرب انتهت، فيعتقد الجندي فوراً ً، بأنها قد انتهت قبل لحظات، وأنّ الضابط السابق جاء يحمل معه هذه البشارة، فيفرح في البداية:
«ماذا.. الحرب انتهت؟ لا أصدّق. هل تعني ما تقول يا سيدي؟ انتهت الحرب، وأنا ما أزال على قيد الحياة.. تحققت أمنية أمّي أخيراً.. أخيراً، توقفت تلك الحرب المجنونة»…
ولكن، عندما يعلّق الرجل بحرج ويخبره أنّ الحرب قد وضعت أوزارها بعد أن تركوا الجزيرة ببضعة أيام.. أي.. منذ.. ثلاثين عاماً.. وأنها قد ختمت بهزيمة أمّته، هنا، تأتي الضربة القاصمة لتهزّ كيانه وتوقظه من غمرة فرحته الوجيزة..
«الجندي: (جاثياً على ركبته).. مستحيل.. خسرنا الحرب؟ لا.. نحن، لن نخسر الجرب أبداً، بعد كل ذلك الجحيم، أولئك الضحايا. بعد ثلاثين سنة من الانتظار، تأتي لتخبرني بكل بساطة، أنّ الحرب قد انتهت. وأننا قد هزمنا.. يا ليتني متّ قبل أن أسمع هذا الخبر.
الرجل: تماسك.. تماسك يا بني.. حدث هذا منذ زمن بعيد، وانتهى.. نسيناه.
الجندي: أتماسك؟ أتريدني أن أتماسك؟ كيف يتماسك جندي مهزوم؟
الرجل: لم تعد جندياً مهزوماً. لقد حدث هذا منذ زمن بعيد يا ولدي. حدث وانتهى. أطلقوا علينا أسلحة فتاكة. أسلحة جديدة. اضطررنا للاستسلام، فانتهت الحرب، ثم تغيرت الأمور بعد ذلك تغيراً كاملاً. وقد بنينا لأنفسنا عالماً جديداً، عالماً مدهشاً.. عالماً لن تعرفه».
بعد لحظات من الدهشة الوجيزة، كان السؤال الممض الذي يطرق أبواب ذاكرة الجندي ووجدانه، وهنا مفارقة أخرى موجعة، هو ليس ما الذي جعلهم ينسونه كلّ هذه السنين، بل ما الذين جعلهم يتذكرونه بعد كلّ هذه السنين. وكل سؤال هو أكثر تعقيداً وتعذيباً من الثاني.
لقد كان هذا الجندي إنساناً محبّاً للحياة مثل باقي خلق الله، كان يعمل معلماً لشهور قصيرة. حصل على كنـز من الذكريات مع دهشة وفرح وشيطنة التلاميذ الصغار وأناشيدهم وقصصهم.. لقد زرع في أذهانهم أفكاراً عن الحبّ والخير وظلّ يراقب نموّها برعماً فبرعماً. ثم سحبته السلطة الجائرة وسلّمته بندقية وأوصته بأن يرمي ليقتل، ويقتل فقط، وألقته وسط الجحيم.. جحيم الدمار والمجازر الشرسة. وكان كأي إنسان يكره الموت، يشعر بالخوف ويحاول مغالبة هذا الإحساس، بل يشعر بالعار من خوفه.. ثم سيطر على خوفه وبدأ يقتل الأعداء، وكل ذلك من أجل هؤلاء الذين أقنعوه بأنه إنّما يقتل ليدافع عن وطنه، هؤلاء الذين ركبوا زوارقهم وتركوه – مع رفاقه – في الجزيرة دون قارب. لقد أمروه بأن يقاتل حتى آخر لقطة، بل حتى الموت، وها هم «يتذكرونه» بعد ثلاثين عاماً. جاؤوا ليأخذوه ويعرضوه في «المتحف» كما يقول. ولأنهم قتلة وأنانيون وتهمهم «العيّنات» التي تخدم أهدافهم في حركة استغلالية جديدة، فإنهم لم يسألوا عن رفاقه الآخرين الذين لم يروهم. رفاقه: «لو» و«هاشو» الذين ماتوا بعد توقف الحرب بسبب لدغات العقارب السامّة التي اجتاحت الجزيرة بأسرابها:
«أدركت في لحظة ما، أنّ العقارب ليست مؤذية إطلاقاً، لا، إنّها رسول رحمة من السماء، لقد أرسلتها السماء لإنقاذنا بعد أن تخليتم عنّا.. إنها أقل أذى بكثير من شخص لا يلتفت للخلف لينظر إلى من تركهم وراءه…».
لكن هذه الطغمة القاتلة لم تقم باغتيال «أمادو» وأحلامه من خلال «نسيانه» في هذه الجزيرة المقفرة، ولكنها تسببت في تحطيم عائلته أيضاً.. فقد ثابر أبوه على مراجعة مكتب المفقودين لأكثر من عشرين عاماً ثم مات كمداً.
في ختام المشهد، ورغم أن «أمادو» يعرف أنهم سيأخذونه إلى وطنه لتحقيق أهدافهم الاستغلالية الخاصة، وعرضه على الناس تحت غطاء حديعة أنه «بطل قومي» ورغم رفضه الابتدائي لعرض الرجل المديني الأنيق إلاّ أنه يقرّر العودة معهم:
«نعم، سأسكن في متحف.. ولكنني لن أكون تمثالاً أخرس. سأعيش هناك، وسأروي للجميع ما حدث. سأروي لهم الحقيقة؛ الحقيقة، ولن أترككم تخدعونهم ثانية».
في الفصل الثاني، وهو مشهد تنويعي آخر على نفس الثيمة، ولكن بتفصيلات وأبعاد إنسانية أكبر تكشف التداعيات المأساوية لحالة الجندي «أمادو»، في هذا الفصل يدخل الممثل نفسه مرتدياً الملابس اليابانية ليحدّث الجمهور عن «أمادو»: «أمادو جندي ياباني.. بقي وحيداً…إلخ»، ويدخل الرجل نفسه /الضابط السابق ومعه جوقة الصحفيين بملابسهم الصيفية الملوّنة وآلات التصوير، ولكننا نشاهد الآن شخصاً يقف على تلّة صغيرة.. ويرتدي ملابس راهب مصنوعة من بقايا بدلات عسكرية، وقد تمنطق بحبل، وهو يقرأ صلاته بصوت عميق:
«قسماً لن أنسى، لن أنسى، وسأتذكر كلّ ما حدث
سأتذكر.. كلما ألقت الشمس شعاعاً على هذا العالم..
سأتذكر.. كلما…إلخ».
ينـزل الراهب عندما يسمع أصوات أقدام الرجل وجماعته ويتعرف الرجل/ النقيب السابق على هوّية الراهب، فهو الجندي الباسل «أمادو»:
«الرجل: أنت أمادو.. آمر حضيرة الاستطلاع، كنت رجلاً مميزاً، باسلاً، منضبطاً، وصارماً حتى مع نفسك.. لقد كنت نموذجاً للعسكري المحترف».
ومن هنا ستفتح صفة «المحترف» أبوب جهنم، فالفرق بين الهواية والاحتراف هو أنّ المهنة في الحالة الثانية تصبح سيرة حياة ونافذة نظر إلى العالم ومفتاح تعامل مع الآخرين، في حين أنّ الحالة الأولى هي مجرد «نشاط» من أنشطة حياة الفرد التي يسعى من خلالها إلى المتعة وقتل الفائض من وقته. أن تكون عسكرياً محترفاً، وهنا تكمن خطورة أن يتصدّى العسكريون لقيادة الحياة، معناه أن تنظر إلى المجتمع وإلى الصلات مع البشر من حولك من خلال فوهة البندقية ومستلزمات عملها بأدق طريقة. كلّ هم العسكري المحترف هو أن يقتل قبل أن يُقتل (بضم الياء). الذكاء والعواطف والانفعالات، كلّها توضع في خدمة هدف واحد هو «صنع» مقاتل يحترف مواجهة الموت، وما العسكرية إلاّ احتراف فن مواجهة الموت والتخلّص منه، أو احتضانه إن أمكن وهو ما نسميه بـ«الشهادة».
وقفة ذات صلة:
ذات مرّة، وقبل سنوات، قرأت قصّة قصيرة لكاتب ألماني لا أتذكر اسمه الآن، قام بترجمتها الشاعر«حسين حسن» ونشرها في صحيفة «العرب» الصادرة في لندن. خلاصة هذه القصّة هي أن مجموعة من الأطفال يقرّرون القيام بلعبة «عسكرية» في حديقة عامّة، فيوزعون الأدوار فيما بينهم ويكون دور أحد الأطفال هو أن يكون جندياً يحرس باب الحديقة.
يقف الطفل منتصب القامة متوتراً وممسكاً بسلاحه «بصورة تمثيلية طبعاً». عند المساء يتعب الأطفال ويخرجون من الحديقة وينسون رفيقهم الذي يبقى في مكانه مؤدياً واجبه حتى بعد حلول الظلام، وعبثاً يحاول حارس الحديقة إقناعه بترك مكانه لغلق الأبواب.
الطفل يقول إنّ صديقه الذي كان يلعب دور الضابط لم يأمره بترك المكان والتخلّي عن الواجب، ولا يغادر الطفل مكانه إلاّ بعد أن يستعين حارس الحديقة بضابط حقيقي برتبة عقيد لإقناعه بذلك!!..
… وقد صُنع الجندي «أمادو» (الراهب الآن)، وفق هذه الطريقة، ولكن المشكلة الآن هي أنّ الرجل/ الضابط السابق قد نسي كل شيء له علاقة بالاحتراف والصمود، رغم أنه هو الذي «صنع» النموذج الاحترافي في شخصية «أمادو»:
«الراهب: (يضحك ثانية).. ولكن قل لي: هل انتهت الحرب أخيراً، أراك ترتدي ثياباً مدنية أيّها الضابط؟
الرجل: الحرب.. آه.. لقد حدث ذلك منذ زمن بعيد.
الراهب: إذن، فهل سيُسمح لنا بمغادرة مواقعنا الآن؟
الرجل: مواقعكم؟ طبعاً، طبعاً يا «أمادو».. كان عليك أن تفعل ذلك منذ وقت بعيد.
الراهب: دون أوامر؟ كيف أترك موقعي قبل أن يصدر لي الأمر بذلك؟ هل نسيت أيها الضابط أنّ الانسحاب دون أمر خيانة؟ خيانة عظمى… عقوبتها.. أتذكر عقوبة تلك الجريمة أيّها الضابط؟
الرجل: (مندهشاً).. عقوبتها؟.. الإعدام طبعاً.. الإعدام رمياً بالرصاص..».
وهنا تأتي الواقعة الأكثر فجعاً، فعقوبة الإعدام رمياً بالرصاص التي أقرت في قانون المحترفين العسكريين، والضابط و«أمادو» منهم – هي التي نفذها «أمادو» برفاقه الثلاثة: «ليو»، «وهاتو»، «ويوشي» ذي الوجه الطفولي وبسنّه الأمامي المكسورة والذي كان يحبه لأنّ أمّه أوصته برعاية ابنها الوحيد. لقد حاولوا إقناعه بأنّ كل شيء انتهى وأنهم سينسحبون، لكنه رفض بصفته آمرهم بدعوى أنه لم يصدر له أمر بذلك.
انسحبوا مع ضحكة الحياة بعد يوم ممطر، مع إشراقة الشمس، وتغريد الطيور، ورفرفة أجنحة الفراشات، وبعد أن ألقوا ببنادقهم وساروا متشابكي الأيدي فوق العشب المبلل.. ساروا ولم يقفوا تنفيذاً لأوامره فأطلق النار على مؤخرة رؤوسهم. إنّه محق، فقد نفّذ أمراً عسكرياً.
إن المفارقة الدامية في هذا الموقف التنويعي الثاني هو أن رفاق «أمادو» الثلاثة لم ينفذوا الأمر العسكري فقتلهم (أعدمهم)، أمّا هو فقد نفّذ الأمر العسكري فظهر أنّه كان مغفلاً وأحمقاً، فقد أهدر حياة رفاقه لأنه كان يقدّس نصوصاً مقدّسة لم يحترمها واضعوها أنفسهم/ منـزلوها الذين تركوه وحيداً (وملتزماً بالأوامر) لمدّة ثلاثين عاماً. فوق الوحدة والحرمان والخديعة، جاء الآن عذاب لا شفاء له هو عذاب الضمير؛ لقد ركبه الشعور الشديد بالذنب وما يترتب عليه من حاجة حارقة للتكفير وتحقيق التوبة. ها هو يعلّق أقراص الهوية المعدنية العائدة لرفاقه في رقبته ليل نهار.
إنّ خطيئة هدر حياتهم معلّقة في رقبته الآثمة إلى الأبد، وكي يكفّر تحوّل إلى راهب يناجي السماء ويقسم في صلواته أنه سيتذكر دائماً، ولن ينسى ما حدث. وهو يدرك بقوّة أنه لن يستطيع النسيان، ولا التكيّف مع وطنه الذي تخلّى عنه، ولا التأقلم النفسي في بلاده التي باعت دماء أبنائها. ولهذا نجده يرفض وبعنف اللعبة المستهلكة التي يطرحها عليه الرجل: لعبة استقباله كبطل قومي في بلاده:
«الراهب: (ضاحكاً بمرارة).. أنا.. أنا بطل قومي!! ما الذي فعلته لأستحق هذا اللقب؟ وهؤلاء – يشير إلى أقراص الهوية- هل هم مجرمون.. أم هم مثلي أبطال قوميون؟ وهل أنا بطل حقاً أم مجرم؟ أم لعلني مجرد أحمق؟ هل ستحاكمونني لأنني نفذّت أوامركم، أم ستعلقون وساماً في رقبتي لأنني قتلت أبناءكم؟».
لقد فهم «أمادو» الآن، ولكن بعد فوات الأوان، إنّه سيصبح ضحية متجدّدة للعبة جديدة سيشرف عليها الرجل الأنيق/ آمره السابق والصحفيون الذين دنّسوا جزيرته بحثاً عن فضيحة أو كذبة جديدة يحركون بها ماكنتهم، لذلك نجده ينفلت من بينهم، ويمسك قنبلتين يدويتين ويزيل عنهما مسماري الأمان بسرعة ويهدّد المجموعة بأنه سوف يفجرهم جميعاً ويفجّر نفسه إن لم يتركوه وشأنه:
«أرجوكم، اكذبوا من أجلي، من أجل محارب لا يملك شيئاً إلاّ روحاً تثقلها الخطايا. اكذبوا وقولوا إننا لم نجد أحداً على هذه الجزيرة.. أرجوكم انسوني سيدي الضابط؛ لأجل من ماتوا ببطولة وشرف.. لأجل من ماتوا بحماقة.. لأجل من أعدموا رمياً بالرصاص أو أطاحت برؤوسهم شظايا القنابل.. لأجل كل الحمقى الذين خاضوا الحروب؛ أرجوك.. أرجوك.. ابتعد عن جزيرتنا.. يلوّح – بالقنبلتين فيتراكض الصحفيون ثانية-، هذه قبورهم، وهذا قبري، وسأدفن معهم.. أتظنون أنّ الأرض ستقبل جسدي قرب أجسادهم؟ القاتل قرب ضحاياه؟».
في اللقطة الأخيرة: يسير «إمادو»/ الراهب محني الرأس ويصعد التلّة الصغيرة حيث القبر المفتوح، يفتح ذراعيه وهو يمسك بالقنبلتين، تخفت الأنوار ويبدأ الإنشاد: «قسماً لن أنسى وسأتذكر دائماً…إلخ».
في الفصل الثالث، نواجه المشهد (الافتتاحي) نفسه؛ الممثل الذي يرتدي الملابس اليابانية التقليدية، بقناعه الخشبي يحدثنا عن «أمادو»: «أمادو جندي ياباني، بقي وحيداً…إلخ»، ويتعرف الرجل الأنيق ومجموعته على الجندي «أمادو»، ولكنه الآن بكامل هندامه العسكري، بذقن حليق ممسكاً ببندقيته بيمينه وواقفاً قرب خندق عسكري. ومن الحوار نفهم أن «أمادو» كان، قبل اشتعال الحرب، فلاّحاً بسيطاً يعيش في أرضه بمنتهى السعادة. كان قلبه مملوءاً بالمحبة للناس والطبيعة، ثم قادوه إلى الحرب حيث علمه الضابط السابق/ الرجل الأنيق حالياً الحقد، علمه «الحقد المقدّس» كما كانوا يسمّونه، ومجد الوطن الذي نعبر إليه فوق جسر البندقية. لكن في هذا التنويع المأساوي الثالث ستتكشف جوانب أخرى خطيرة من تجربة المحارب الياباني البسيط في الحرب الثانية. فقد علم «أمادو» ورفاقه الثلاثون الباقون على قيد الحياة أنّ بلادهم استسلمت فشعروا بحزن كبير وألقوا السلاح، وانتظروا أوامر قيادتهم. لكن طائرات الأعداء فاجأتهم بجحيم ينهمر عليهم من السماء…
آلاف القنابل أُسقطت فوق رؤوسهم وهم يلوّحون بالأعلام البيضاء. بعد مدّة توقف القصف الجوي، وانشغل الجرحى من رفاق «أمادو» بتضميد جراحهم، لكن قصفاً عنيفاً آخر بدأ، هو القصف المدفعي، الذي أباد من تبقى على الجزيرة عدا ثلاثة، حاولوا دفن الموتى، لكن زوارق العدو اقتربت وترجل منها جنود مشطوا الجزيرة وأطلقوا النار على كل شيء يتحرك، بل حتى على الجثث المقطعة الأوصال، لم يبقَ حياً سوى «أمادو» الذي أصابته رصاصة شلّت يده اليسرى. أقسم «أمادو» على الانتقام وبقي ينتظر لحظة الانتقام سنوات طويلة دون أن يأتي الأعداء، فأصلح أحد الزوارق وتسلل إلى الشاطئ القريب وحصل على ملابس مدنية وصندوقاً صغيراً من صباغي الأحذية:
«أمادو: بيد واحدة، كنت ألمح أحذيتهم دون أن أتكلم. كانوا يرتدون ملابس السيّاح الملونة هذه المرّة، وكثيراً ما نظرت إلى عيونهم الزرقاء وضحكت في داخلي. كنت أعد لهم انتقاماً بشعاً، لابدّ أن يدفعوا الثمن. انتهت جولة بانتصارهم لكن الحرب لم تنته.. سنقتلهم.. وسننتصر.. وكنت آتي بين فترة وأخرى إلى جزيرتي هذه.. أتحدث لأصحابي عن ساعة الانتقام. الدم.. الموت.. النار».
إنّ ما شهده «أمادو» وانطبع في وجدانه وعلى صفحات ذاكرته ببصمات شيطانية سوداء هو الصراع الحرّ لغريزة الموت نفسها، لعبها المنفلت، المدّمر، المعقلن تحت أغطية براقة، تدور حول الأمجاد والكرامة والبقاء.
إنّ الحقيقة المفزعة التي خلعت كل القواعد الإنسانية من جذورها، والتي كان «أمادو» شاهداً عليها هي أنّ الإنسان هو حيوان شرير وخبيث، حيوان معادي، وأنّ غريزة الموت هي الأساس والأصل في النفس البشرية، أمّا غريزة الحياة التي يتشدق بها الفلاسفة وعلماء النفس فما هي إلاّ فرع، اشتقاق، مظهر من مظاهر تلك الغريزة العدوانية المسنّنة. وتأتي الحرب دائماً لتطوّح بكل محاولات التجميل الفلسفية وتثبت بؤس غريزة الحياة وهوانها أمام جبروت وتسلّط غريزة الموت. قام «أمادو» بقتل من اعتبرهم أعداءه، ثم قام أعداؤه بقتله رغم أنه قد رفع الراية البيضاء، وكرّد فعل على ذلك يخطط للانتقام منهم.. وهكذا دم ونار وثأر حتى مطلع الفناء، لقد قاتل المحاربون اليابانيون أعداءهم بالبنادق والمدافع والطائرات ومن بينها هجمات «الكاميكاز» الانتحارية التي كان الطياريون اليابانيون فيها يفجرون أنفسهم وطائراتهم بالاصطدام بسفينة حربية معادية.. لكن بعد تراجع دول المحور ردّ الحلفاء باجتثاث الأهداف المدنية والصناعية للعدو.. في إحدى غارات الحلفاء على ألمانيا قتل (30) ألف مواطن ألماني في هامبورغ وحدها.. وفي اليابان.. وفي الوقت الضائع من الحرب.. وبعد الهزيمة.. ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنبلتين ذريتين على «هيروشيما» و«ناغازاكي» لتقتل (250)ألف مواطن وتشوّه عشرات الألوف.. أمّا الأحياء الناجون فممنوعون من الزواج ( حتى الآن ) لأن ذريتهم جاءت مشوهة..
المشكلة أنّ الطيار الأمريكي الذي ألقى القنبلة كان – كما أعلن للصحافة وبعد أن عرف الخسائر المرّوعة التي سببها – في غاية السعادة لإنجازه واجبه؟!.. وبعد الحرب الثانية، استمرت جهود الإنسان في تطوير أسلحة الإبادة من كل صنف محرّم حتى هذا اليوم. لماذا؟ لأن الإنسان يريد أن يحمي نفسه، ولكن ممن؟ من أخيه الإنسان، شكوك وتحسّبات مُسقطة من الداخل بسبب نجاسة الدوافع المتقابلة والشعور بالإثم حتى من الحفزات المتخيلة والمكبوتة. وبعد عقدين من الحضارة تذبح الولايات المتحدة مئات الألوف من أبناء الشعب الفيتنامي بالأسلحة المحرّمة «ومنها العامل البرتقالي».. وبعد ربع قرن من الحضارة يذبح الإسرائيليون (400)طفل من أحبة الله في مدرسة حر البقر المصرية الابتدائية بلا وازع ولا رادع… وبعد… وبعد… وبعد… نعيق بوم.. نعيق بوم مديد وموحش ومتواصل ومفزع يطلق من الأرحام والنفوس والغابات من بومة نحس اسمها الإنسان.. والضحية، وهذه هي المفارقة الكارثية، هو الإنسان نفسه، هذا ما أدركه «أمادو» الشاهد على ضمير عصره الملوّث. وهذا هو مضمون الرسالة الأساسي (أو الجانب الأكبر منه) الذي أراد «ناهض الرمضاني» توصيله إلينا، بهوله وشناعته، التي تبلغ أقصى مدياتها في الموقف الأخير من هذا الفصل الذي يعلن فيه «أمادو» أنه قد أدرك بأنهم – هو ورفاقه وقادته – لا يختلفون عن عدوهم بشيء.. وأنهم لم يكونوا أقل حيوانية منهم بل أقل قدرة فحسب.. وأنهم لو ظفروا بهم لمزقوهم شرّ ممزق: «مجرد حيوانات يفتك بعضها ببعض»، ولهذا عاد إلى الجزيرة ففكك الفخاخ وأبطل الألغام، ودفن الأعتدة، ولكنه شعر بأن عمله/ رسالته لن يكتمل إلاّ إذا وصل الرجل الأنيق/ قائده السابق ومجموعته ليعلن أمامهم:
«أنا الجندي المشلول «أمادو»، أنا من خاض الحرب وقاتل كحيوان مفترس، أنا من حمل الراية البيضاء وأطلقت عليه النيران من الخلف.. أنا من تُرك مذبوحاً وسط الجثث.. أعلن باسمي وباسم ما تبقى من هذه الأشلاء، أعلن احتجاجي على نصر تصنعه الوحشية.. أحتج.. أحتج.. أحتج.. وها أنذا أمامكم.. وأمام أشلاء رفاقي.. أسجل هذا الاحتجاج..».
فكيف جاء اجتجاج «أمادو» الذي سجلته كاميرات الصحفيين؟
لقد جاء هذا الاحتجاج في صورة انتحار على طريقة «الساموراي»، فقد مزّق بطنه بحربة البندقية.. ولفظ أنفاسه.
وقفة ثانية ذات صلة؛ انتحار «أمادو» من وجهه الثاني:
في صباح اليوم الخامس والعشرين من تشرين الثاني من عام/1970/دخل الروائي الشهير «يوكيو ميشيما» مبنى وزارة الدفاع اليابانية «مقر قيادة قوات الدفاع الذاتي حسب معاهدات الاستسلام التي فرضت على اليابان بعد الحرب العالمية الثانية» مع مجموعة من أتباعه بدعوى عرض سيف ياباني أثري على الوزير. أسرت المجموعة الوزير، وطلبت حضور طلبة الكلية العسكرية والشباب والصحفيين.
خرج «ميشما» إلى الشرفة مرتدياً «الكيمونو» – لباس اليابان التقليدي – ورأسه معصوبة، وألقى خطاباً مؤثراً عن عصمة الإمبراطور وعظمة اليابان وضرورة الموت في سبيلها ومقاومة المخطط الأمريكي الخطير لتغريبها وتحطيم روحها التي هي روح الساموراي، ثم انسحب من الشرفة وعاد إلى غرفة الوزير وجلس بطريقة انتحار الهيراكيري، ومزّق أحشاءه بالسيف، وقام مساعده ورئيس أركان جيشه الصغير واسمه «موريتا» بقطع رأس «ميشيما» بسبع ضربات من سيفه، ثم جلس «موريتا» ليقوم بالانتحار بالطريقة نفسها وغرس السيف في بطنه بقوة، ثم أطاح المساعد الثاني برأسه بطعنات سيفه. قام «ميشيما» بالعملية الأسطورية مع أربعة فقط من أتباعه. وقد أعدّ العدّة لكل شيء، حتى فتائل القطن التي ستستخدم لمنع اندلاق الأحشاء بسبب تقلصات الاحتضار. ترك ورقة كتب عليها: «حياة البشر قصيرة، لكني أودّ أن أحيا إلى الأبد»…(2).
… هكذا أوصل «أمادو» بعد طول انتهاك لوجوده وإرادته، رسالته عن طريق الانتحار، صيحة فاجعة تشجب عدوان الإنسان على أخيه الإنسان، فهل انتهت رسالة الكاتب «ناهض  الرمضاني»؟ وهل يصح أن تقف حدود رسالة كاتب عراقي- وهي من مسؤوليته أصلاً – أن تقف رسالته عند استعادة وتوظيف تجربة المحارب الياباني فحسب؟ في الوقت الذي تتوفر بين يديه ومن حوله أكثر تجارب المحاربين بشاعة في العالم؟ بل، لن نجانب الصواب إذا قلنا إن «ناهض» قد لا يحتاج إلى البحث عن «مادته»، حتى خارج ذاته، فقد يكون هو نفسه واحداً من المحاربين العراقيين أصحاب التجارب التي تجعل الولدان شيبا. محاربون لم يخذلوا أحداً يوماً لكن خذلهم الجميع. والكاتب العراقي يدرك عظم الهمّ الملقى على كتفي إبداعه، والحجم الهائل لالتزامه تجاه قضايا شعبه. ولذلك نجد «هاني» ينهي نصه المسرحي بفصل ختامي هو آية في الإعجاز الفني والفكري.
يبدأ هذا الفصل الختامي بنفس المشهد الافتتاحي الذي تكرّر على مدى الفصول الثلاثة السابقة، حيث يدخل المممثل/الراوي إلى المسرح مرتدياً الزي الياباني التقليدي وواضعاً القناع على وجهه ليحدثنا بصوت حزين عن «أمادو»:
«أمادو جندي ياباني، أُهدرت ثلاثون سنة من حياته فوق سطح جزيرة صغيرة، هل تعلمون، يريدنا البعض أن نصدّق أنّ هذا الجندي، قضى ثلاثين سنة من عمره، دون أن يعرف بأنّ الحرب قد انتهت!».
وهي حركة ماكرة قام بها المؤلف عندما جعل المؤلف يلتفت يمنة ويسرة، ثم يشكّك في اللازمة التي كان يردّدها في بدايات ثلاثة فصول عن «أمادو». وهذا الموقف المشكك يعني ضمناً أنّ في جعبة هذا الممثل أمراً يهزّ أركان المسلّمة التي كان يطرحها سابقاً، أو أنه يفوق بمراحل التصوّر التعجيزي الذي خلق هالة خارقة حول حادثة «أمادو» يعود جانب كبير منها إلى فعل الرجل الأنيق وجوقته الدعائية التي خلقت تمظهرات إنسانية جاذبة لمحنة «أمادو»، كان لها تأثيرها العميق في نفوس المشاهدين، تلك التمظهرات التي جسدتها الفصول الثلاثة لتعبرّ عن محنة الإنسان الوجودية بين دوافع الموت ودوافع الحياة، ومأزقها الإجرائي المعبر المتمثل في موقف الفرد/ المواطن بين واجبه في الذود عن ثرى وطنه وعدم السماح باحتلاله مهما كانت الظروف والمبررات وبين شعوره بأنه يُستغل بشراسة في حرب صممتها طغمة استغلالية وعدوانية. هل يوجد أي دستور أو فلسفة أو أيديولوجيا، ينص على أن على المواطن الذي تشن دولته حرباً غير عادلة على دولة أخرى أن يتعاون مع جيش الدولة المعادية لإسقاط دولته واحتلال بلاده؟ هل هناك نص قانوني، في أي مكان من الأرض، يفرض على المواطن الهروب من الجيش وعدم أداء الخدمة العسكرية عندما تكون الحرب غير عادلة؟ لقد حمل «أمادو» (المعلّم في الفصل الأول) و(الفلاّح في الفصل الثالث) سلاحه وسار في دروب الهلاك ملتزماً صابراً لتكون النتيجة نسيانه ثلاثين عاماً في جزيرة منعزلة. وقبل الحرب العالمية الثانية نفسها، كان «هتلر» يعلق في مكتبه لوحة زيتية تصوّر الانسحاب المدّمر والمهين «لنابليون» وجيشه بعد فشل حملته على روسيا وقد كتب تحت تلك اللوحة جملة: «تبعوه.. متذمرين»، والمصيبة أنّ «هتلر» الذي ينظر إلى هذه اللوحة يومياً قام بحملته لاحتلال روسيا، تلك الحملة التي كان لها المصير البشع نفسه الذي انتهت إليه حملة «نابليون».. والشيء المذهل هو أنّه شنّ هجومه في اليوم نفسه الذي هجم فيه «نابليون» على روسيا وهو الثاني والعشرين من تموز!! وفي الوقت الحاضر يتكرر جوهر المأزق بالنسبة للمحارب الأمريكي الذي أرسل من أقاصي الأرض ليؤدي (واجباً) هو في كل المقاييس، عدوان صارخ على شعب دمّر شرّ تدمير وبروح وحشية وحيوانية وهو شعب العراق. وفي كل تلك الحروب، وغيرها المئات من الحروب في تاريخ البشرية وبشكل خاص الحروب الكارثية، الدفاعي منها أو الهجومي، أو غير العادل – ولا أدري كيف تكون عملية فيها قتل وذبح للإنسان عملية عادلة!!.. – في كل تلك الحروب، يكون الضحية هو الإنسان/ المحارب البسيط، هذا الإنسان الذي عرض لنا (ناهض الرمضاني) ثلاثة جوانب من مأزقه المرعب:
– الالتزام المطلق بالأوامر العسكرية الذي ينجم عنه الخراب الفردي – ضياع ثلاثين عاماً من عمره (الفصل الأول).
– الالتزام المطلق بالأوامر العسكرية التي تؤدي إلى تدمير الذات والجماعة – ضياع ثلاثين عاماً من عمره +الشعور بالذنب + قتل رفاقه بسلاحه الشخصي (الفصل الثاني).
– الخروج على الأوامر العسكرية واستخدام هامش نسبي من الحرية الفردّية ولكنه يؤدي إلى الدمار الفردي والجماعي بفعل غريزة العدوان المقابل، (الفصل الثالث).
لكن هل توجد أشكال أخرى لهذا المأزق توازي أو تفوق جوانب المحن التي وقع فيها «أمادو»؟ هل هناك أنموذجاً للإنسان المحارب البسيط، من غير اليابانيين، تلخص محنته كل الجوانب التي عانى منها «أمادو» أو تفوقها؟.
يبدو أن في ذهن المؤلف مثل هذا الأمر من خلال الموقف المشكّك الذي أعلنه الممثل الذي يحمل في أحشائه إيحاءً بأنّ «أمادو» لا يمكن أن يكون غير عالم بنهاية الحرب خلال السنة الأولى أو الثانية.. أو.. إلخ. وإذا كانت تلك الحرب، مجازاً، هي حرب الثلاثين، فأين صليل سيوفها، ودوي انفجاراتها… بعد سنة.. سنتين.. عشرين؟ هل يريد الممثل القول بأنّ «أمادو» كان (مرفّهاً) في الواقع لأنه عاشر (فنطازياً) استمرار الحرب ثلاثين عاماً و(واقع) خلاصه منها لنفس المدة؟
تتصاعد وتائر الحركة الماكرة التي صممها المؤلف عندما يجعل الراوي:
«يقطع كلامه.. يلتفت ثانية إلى الكواليس متحدثا باستعطاف: لم أعد أحتمل.. أرجوكم.. لا أستطيع.. أن.. حسناً.. سأحاول»..
وفي هذه الالتفاتة المباغتة إلى الكواليس يحدث الكاتب ارتباكاً شديداً في مسار التلقي، ويهزّ أركان الاستجابة النفسية التي أسسها في داخل المشاهد. إنّ هذه الحركة هي، في الحقيقة، خروج، على سلسلة النص المحكمة حتى الآن. فحتى هذه اللحظة كان الراوي (يمثّل)، أمّا الآن، فقد أعادنا إلى الواقع، في الظاهر إلى (واقع) خشبة المسرح، ولكن في المغازي اللاحقة التي ستكشفها الحركة التالية ، إلى أتون الواقع الفعلي، الذي غيبتنا عنه معضلة «أمادو» وقتياً.. في هذه الحركة:
«يلتفت ثانية إلى الجمهور محاولاً التحدّث بطريقته الأولى لكنه يتلعثم وهو يقول: أمادو.. أمادو.. لا.. يا إلهي.. لم أعد أحتمل.. جراحي مازالت تنـزف…».
هنا تأتي اللطمة الساحقة لوعينا المغيّب كي نصحو من هذا الانغمار البارد في موجات تمظهرات معضلة «أمادو» الفنطازية، ناسين، وبتقصير فاجع وخذلان ظالم أنموذج الشدائد الفاجعة في هذا العصر، هذا الأنموذج الحي المحطّم النازف، الإله الذي أُلقي من السماء ولم تحتضنه الأرض:
«يلقي الممثل بالقناع، وينـزع الكيمونو الياباني، فيظهر أمام الجمهور جندي عراقي معصوب الرأس، عاري الجذع، تغطي بطنه الضمادات. جسده نصف محترق يرتدي بنطلوناً ونطاقاً وحذاءً عسكرياً، ينظر إلى الجمهور مباشرة وهو يقول بحدّة:
-نعم.. هذا أنا.. لم أعد أحتمل.. الجراح.. جراحي مازالت تنـزف، وأنا.. وأنا مازلت أتألم.. لم أعد أستطيع احتمال كل هذا الألم.. نعم.. إنه أنا..».
إنّ الجماعة التي تقف وراء الكواليس، والتي حدثها الرواي باستعطاف أولاً، ثم ثار عليها ثانياً، هي جماعة تفوق في تواطؤها مجموعة الرجل الأنيق الذي جاء ليستثمر معضلة «أمادو» لأهداف نفعية، إنها جماعة متآمرة وبلا ضمير. إنّ استغلالها لآلام وعذابات الجندي العراقي، فاقت بأشواط استغلال جماعة الرجل الأنيق لمعاناة «أمادو». لقد غلّفوا الجرح العراقي الرهيب بورق ياباني ملّون، وألبسوا الجسد الطهور الكيمونو البرّاق، وذلك لأنّ هناك مجموعة استغلالية أكثر سوءاً وتواطئاً وبشاعةً، وتتمثل في جماعة المتفرجين، كرمز للضمير العام، الضمير العالمي المهادن الذي لا يستطيع مواجهة حقيقة الجسد العراقي العارية ، لأنه المساهم الرئيس في تمزيق هذا الجسد المقدّس من خلال الفعل المباشر أو التهاون، والأهم الصمت المدنّس، وهذا ما يعلنه الجندي في وجوههم بلا تردد:
«هل أزعجكم منظري؟ لا تلتفوا ولا تديروا رؤوسكم. انظروا اليّ جيّداً واسمعوني. هل كان لابدّ لي أن أذهب إلى حافات الدنيا وأرتدي كل تلك الأشياء لأحدثكم بقصتي التي تعرفون جيداً كلّ تفاصيلها؟ لأريكم هذه الجراح؛ هذه الجراح التي تسبب الكثير منكم فيها».
وإذا كان «أمادو» المحارب الياباني المنسي قد حظي أخيراً باهتمام وبحث الرجل الأنيق ومجموعة المصورين، فإن المحارب العراقي يُغيّب عمداً وتُقصى عذاباته، بكل الوسائل، عن الأنظار. مشكلات «أمادو» في تجلياتها الثلاثة حظيت بالتغطية الإعلامية وقد أقسم الرجل الأنيق في النهاية، وهو يشاهد انتحار «أمادو»، بأن ينقل كلماته إلى العالم كلّه، في حين نجد أنّ هذا العالم، كلّه، لا يشعر بالاشمئزاز من منظر حرائق الجسد العراقي فحسب، بل يحاول وأدها وإخفاءها بأي طريقة. وإذا كان «أمادو»، وباعترافه الصريح، كان أكثر وحشية من أعدائه، فإن الجندي العراقي قد استغل تاريخياً أبشع استغلال: «هل تشعرون بالاشمئزاز؟ أعرف هذا جيداً، فقد انتهت حاجتكم إليّ. أعلم أنكم تودون لو أنني أختفي الآن.. وإلى الأبد..».
والفارق الهائل الآخر بين معضلة «أمادو» وشدّة المحارب العراقي الفاجعة هو أنّ الأول، في المسافة الزمنية الفاصلة بين نهاية الحرب الفعلية ونهايتها (المتصوّرة) التي أُشرت بالعثور عليه، عاش في جزيرته المنعزلة منعماً وفي رفاه نفسي مقارنة بالمحارب العراقي الذي يلبس خوذته منذ فجر التاريخ، ووصية الفقراء فوق نطاقه كما يقول الشاعر العراقي بحق، ومن هول فاجعات هذه الأرض أوشك البعض على القول: إن الله عندما خلق العراقي كان يبكي. وإذا كان «الرمضاني» قد قدّم معضلة «أمادو» في ثلاثة فصول تعبيرا عن تجسداتها المأساوية المختلفة فإن فصول محنة المحارب العراقي لها بداية وليس لها نهاية ، وإذا كانت جماعة الرجل الأنيق قد بحثت عن أمادو اعتزازاً منها بجلده وبطولاته في الظاهر على الأقل، فإنّ الضمير المشوه الجديد جعل المحاربين العراقيين لا يعلمون هل أنّ ميتهم شهيد أم قتيل، شهيد في سبيل الوطن، أم قتيل في سبيل الطاغوت، وهل على بطلهم أن يتخفّى أم أنّ على هاربهم أن يظهر ويفخر، وليس أدهى من ذلك أن يرى أيّ منهم أنواط الشجاعة وهي تباع على الأرصفة مع الأحذية وقناني المشروبات الروحية: «افتحوا أعينكم جيداً لتروا أنني أموت.. أموت ولا أحد منكم يرغب حتى في النظر إليّ.. ما زالت الحرائق تشتعل في جسدي.. مازال الألم يفتك بي…».
… أمّا لحظة الذروة في تسجيل التمايز الشاسع بين أنموذجين وبناءين نفسيين، وبين «أمادو» الياباني والجندي العراقي، فإنها تأتي في مشهد الختام المحكم الذي يعزّ على الشرح والتحليل، حيث يكشف الكاتب اتجاهين مختلفين، بل متناقضين في النظرة إلى سبيل الخروج من مصيدة المحنة التي لا خلاص منها، لقد مزّق «أمادو» أحشاؤه كطريق مشرّف للخلاص من العذاب والهوان.. والنظرة المجحفة، أما الجندي العراقي – ويمكن أن نسميه «عماد» مادام الأول الذي نكرّ من خلاله هو «أمادو» – فإنه يطلقها صرخة مدويّة:
«أنا هنا، أحمل كلّ هذه  الجراح، ولكني مازلت واقفاً هنا، أصبحت أعرف أكثر، ومازلت مستعداً لمواصلة الطريق. لم أعد أنتظر كفاً تمسح الدم عن جراحي، لم أعد بحاجة إلى كلمة مواساة، لم أعد بحاجة إلى نظرة عطف، لم أعد بحاجة إليكم».
يلتفت الجندي مديراً ظهره إلى الجمهور ويسير نحو عمق المسرح، يتحدث وظهره إلى الجمهور: «حسناً، بإمكانكم أن ترتاحوا الآن.. اخرجوا.. عودوا إلى بيوتكم.. واستمتعوا بحياتكم التافهة..
اخرجوا جميعاً.. الآن..
هيا.. لقد انتهى العرض..
أمّا أنا.. أمّا أنا فسوف أحمل جراحي وأواصل طريقي حتى النهاية..
وحيداً..
وحيداً..
وحيداً..»

تُطفأ الأنوار بالتدريج بمصاحبة الكلمات الأخيرة

•    هوامش:
(1)    أمادو: مسرحيّة تأليف ناهض الرمضاني – مجلة الأقلام العدد (5-6) (أيار وحزيران/2005 -بغداد).
(2)    رؤيا الفراغ: مرغريت ستار – ترجمة بسام حجار – المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت- بلا تأريخ.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

تعليق واحد

  1. ناهض الرمضاني

    البدع حسين سرمك . شكرا لهذا التحليل العميق الذي نفذ الى الجوهر .. كم اسعدني اهتمامكم به . وأود اعلامكم بان هذه المسرحية هي واحدة من سبع مسرحيات منشورة لي . وقد تم عرضها في العراق اكثر من مرة وقدمت في السعودية والمغرب وسورية كما وعرضت باللغة الانكليزية في احد المهرجانات في الهند . ورغم هذا فان الناقد العراقي لم يلتفت لها لاسباب شتى لعل ابرزها الفوضى الكبيرة التي تسود عالم النشر في العراق الان .
    شكرا ثانية واتمنى ان استمع لرأيك في نص اخر من نصوصي
    ناهض الرمضاني / الموصل : العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *