حامد سرمك حسن : الجمال الفني؛ سمة معنوية

hamed sarmak 2إن طبيعة العمل الفني توجب عرض الفكرة بصيغة محسوسة وفق شروط الفن وتقنياته؛ ففي مجال الفن لا بد أن تتجلى الحقيقة عن طريق الوسيط الحسي. فالفنان يعايش التجربة حتى تستحيل لديه إلى إحساسات وعواطف تتفاعل مـع وجدانه لتتمخض عن سمات ذاتية تمثل المغزى أو الروح التي يسعى الفنان لإظهارها في عمله الفني . وبحسب طبيعة الفن، فإنَّ الفنان – من أجـل التعبير عن إحساساته وماهيتها – يختار موضوعاً ما ثم يوظفه ليظهر من خلاله تلك الإحساسات والمفاهيم والمعاني إلى الوجود. ومن البديهي أن يُحوَّر ذلك الموضوع لخدمة هدف الفنان. ومن هذا الفهم يمكننا القول بأن الفن محاكاة الروح للهالة الشعورية التي يستبطنها الفنان في قرارة نفسه الناشئة عن اختباره لتجربة ما يتم فيها التوسل بموضوع خارجي كوسيط لتجسيد تلك الحالة الشعورية وإظهارها من الخفاء إلى العلن.
إن هذا التعبير عن الإحساسات والميول والمهايا والحقائق عن طريق الوسيط الحسي يعني أن تلك الأمور المعنوية ستُجلى من خلال هذه الأعراض الحسية لتكون سمات يستدل بها العقل “المتلقي” على الماهية والحقيقة التي يدعو لها العمل. إن الجمال هو تجلي نور الحقيقة في نزوعها إلى الخير؛ هذا النور الذي يبدد الظلمات، كما يرى “هيدجر”، هو ما يسعى العمل الفني إلى تحقيقه من خلال اضطلاعه بمهمة (تفتح الموجود) الذي تنبثق عنه تلك الحقيقة. وفي هذا تأكيد على إن الجمال الفني، في طبيعته، سمة معنوية وليس مادية سواء في حقيقته أم في طريقة إدراكه. وما المحاكاة إلا وسيلة لإظهار الصفات الروحية والمعنوية للأشياء. من هنا كان اهتمام “سقراط” بالجوانب التعبيرية للفنون خصوصا الرسم والنحت؛ فإلى جانب دعوته الفنانين لمراعاة النسب الفنية للصورة وتحقيق جماليتها، كان يحثهم لإظهار الجمال الخلقي من خلال تلمس السمات والانفعالات الجسدية المعبرة عن أطوار النفس وتجليات الروح كما تظهر بشكل أكثر جلاء على الوجه والعينين كونها تعبيرات إنسانية توحي بالفضيلة والأحاسيس الطاهرة.
والجمال الفني سمة علائقية لا تدرك إلا باندراج مفهوم العمل وماهيته ضمن السياق الكوني العام ومعرفة مدى مساهمته في ارتقاء النفس البشرية وزيادة الوعي بالذات أو الوجود أو تجلي الحقيقة، وبذلك يكون العمل قد أدى تمام وظيفته مـن جهة مطابقته لمفهومه. يشبه “أفلوطين” الجمال بالنور الباطن الذي تستضيء به النفس ثم تضيء به كل شيء. ومن هذا الفهم للجمال اتسعت فلسفته لنزعة رمزية في الفن تتلخص في تجاوز المحسوس إلى ما وراءه من مبادئ العالم العقلي، بحيث أن كل ما يخلو من آثار العقل أو العالم الروحاني لا يكون موجوداً ولا جميلاً لأنَّ الوجود كله إنما يدين بوجوده دائماً لقوانين عالم العقل( ). ويعزز رأيـه بكون الجمال سمة روحية معنوية وليس حسية بأنه إذا كان الوجه الواحد يبدو في بعض الأحيان جميلاً وفي بعضها قبيحاً دون أن يحدث أي تغيير في تناسقه فان هذا يدل على إن الجمال شيء آخر غير التناسق، وأن الشيء المتناسق جميل ولكن لسبب أخر غير تناسقه. ومن ثم ينتهي إلى أن الروح Isov هي مصدر الجمال، وهي التي تجعل للأشياء، حتى الأجسام، الحق في أن تسمى جميلة ( ).
والجمال عند “هيجل” هو التجلي المحسوس للفكرة. إذ مضمون الفن ليس شيئاً سوى الأفكار، أما الصورة التي يظهر عليها الأثر الفني فتستمد بنيتها من المحسوسات والخيالات . فالجمال، إذن، هو تجلي الحقيقة حسياً بعد أن كانت تدرك بوساطة العقل.
إن معنوية الجمال هي عين ما يؤكده” كروتشه” حين يذهب إلى أن الصورة الخارجية للعمل الفني ليست هي علة الجمال في الفنون بل العلة تكمن في الصورة الباطنة التي تجسدها تلك الصورة الخارجية. فالذي يدرك عن طريق الأثر الفني المحسوس ليس الجمال بل شيء يوحي بما وراءه من جمال يتوجب على العقل إدراكه مستعيناً بالرموز الحسية المنتظمة في العمل على وفق شروط الفن ومنطقه. فالإحساس بجمال الفنون ليس إحساسا ظاهريا إنما مرده مشاعر باطنية تتمخض عن إحساسنا بما يتجلى في أرواحنا من صور ذهنية ناجمة عما يحدثه الأثر الفني من وقع في قرارات أنفسنا .
يتدرج “أبو حامد الغزالي”( ) في استدلاله على معنوية الجمال، مبتدئاً من الكبير والجليل؛ قائلا: فكان الكبير يرجع إلى كمال الذات والجليل إلى كمال الصفات والعظيم يرجع إلى كمال الذات والصفات جميعاً منسوباً إلى إدراك البصيرة إذا كان بحيث يستغرق البصيرة ولا تستغرقه البصيرة؛ ثم صفات الجلال إذا نسبت إلى البصيرة المدركة لها سميت جمالاً ويسمى المتصف بها جميلاً . فالجمال لا يدرك إلا بالبصيرة الباطنة. ثم إن الجمال ذاته أيضا سمة للصورة الباطنة؛ فاسم الجميل في الأصل وضع للصورة الظاهرة المدركة بالبصر مهما كانت بحيث يلائم البصر ويوافقه ثم نُقِل إلى الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر حتى يقال سيرة حسنة جميلة، ويقال خلق جميل وذلك يدرك بالبصائر لا بالأبصار. والجليل والجميل من العباد من حسنت صفاته الباطنة التي تستلذها القلوب البصيرة، فأما جمال الظاهر فنازل القدر. فـالصورة الباطنة إذا كانت كاملة متناسبة جامعة جميع كمالاتها اللائقة بها كما ينبغي وعلى ما ينبغي فهي جميلة بالإضافة إلى البصيرة الباطنة المدركة لها وملائمة لها ملائمة يدرك صاحبها عند مطالعتها من اللذة والبهجة والاهتزاز أكثر مما يدركه الناظر بالبصر الظاهر إلى الصور الجميلة.. بل لا مناسبة بين جمال الصورة الظاهرة وبين جمال المعاني الباطنة المدركة بالبصائر. فإذا ثبت انه جليل وجميل فكل جميل فهو محبوب ومعشوق عند مدرك جماله فلذلك كان الله تعالى محبوباً ولكن عند العارفين كما تكون الصور الجميلة الظاهرة محبوبة ولكن عند المبصرين لا عند العميان.
إن مشكلة الجمال هي ذاتها مشكلة الحقيقة. فكما إن الحقيقة ليست مبسوطة في الطريق ليقتنيها كل طارق وإنما يتطلب إدراكها جهداً وصبراً وعدالة مع الوعي المستند إلى منهج قويم، فإن الجمال في حقيقته ممارسة واعية فاحصة يتم فيها اختبار حقيقة الظواهر والأشياء بتجنب الركون عند مداخلها الجميلة أو الاغترار بسطوحها الحسية المنمقة مع امتلاك القدرة على توليد الجرأة المعرفية الممنهجة لاختراق تلك السطوح والولوج إلى الأعماق لتمحيص الجواهر والحقائق باكتناه أبعادها المعرفية والارتداد من ثم إلى عالم الحقيقة ببصيرة ثاقبة وغنى في العقل والوجدان قادر على صقل الحكمة وجعلها أكثر لمعانا وهي تلج مسارب الحياة لتنير مواطن الشك واليقين.

هوامش : 

( )ينظر:فلسفة الجمال؛ نشأتها وتطورها : ص81.( ) ينظر:الأسس الجمالية: ص118.
( ) ينظر: شرح أسماء الله الحسنى- أبو حامد الغزالي – المكتبة الحديثة، بغداد – ط1، 1990. : ص-ص108-109.

شاهد أيضاً

صبري الفرحان: المثقف واستخدام المفردة (الحلقة الثانية)

اللغة التي يتعاطها المثقف غير اللغة العلمية لغة الاختصاص، وعليه قد لا نعيب على الطبيب …

جمعة عبدالله: قراءة في رواية (1958/ حياة محتملة لعارف البغدادي)
الكابوس الذي اصبح كارثة

يأخذنا الكاتب ( ضياء الخالدي ) الى المهارة الاسلوبية غير المسبوقة في الفن الروائي المتطور …

د. وليد العرفي: قصيدة الومضة في الشعر العراقي
خماسيات الشاعر زياد كامل السامرائي أنموذجاً

مصطلح الومضة تنتمي قصيدة الشاعر الخماسية إلى ما بات يُعرف في المصطلح النقدي المعاصر بالقصائد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *