د. زكي الجابر : أيها السياسي… لغتك ! (ملف/12)

Zeki aljaberإشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيله حيث غادر عالمنا في الغربة يوم 29/كانون الثاني/2201 . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة . ومساهمة من الأستاذ الدكتور “صالح جواد الطعمة ” في هذا الملف، أرسل ثلاث مقالات مهمة كان صديقه الراحل قد نشرها في عام 1998 ولها صلة وثيقة بأحداث وطننا الجريح والوطن العربي بعامة ، سوف ننشرها متسلسلة اعتباراً من هذا العدد.

المقالة :
أيها السياسي… لغتك:
بقلم- د. زكي الجابر
التاريخ: 21 سبتمبر 1998

ما تعريفك للانسان؟ سؤال اشتغل به الانسان طويلا وكان شأنا من مسؤولية الفلسفة والفلاسفة, لقد قيل ذات مرة بأن الانسان مستخدم ادوات , وانه حيوان ناطق, وانه اجتماعي, وكان ان علق آخرون قائلين بأن القردة تتخذ جوز الهند صواريخ حين تخوض معركة من معاركها, وان الضفادع تجعل من نقيقها على الشاطئين بريد الهوى, وان الطيور اجتماعية تقع على اشكالها واخيرا تم الاهتداء الى ان الانسان صانع رموز ومستعملها وله من الادراك ما يستطيع ان يميز بين الرمز وما يمثل هذا الرمز, والقول بأنه صانع رموز ومستعملها يعني تجاوزه العلامات التي يستطيع الحيوان استخدامها متجاوبا مع ابناء عشيرته. وهنا ادخل بك الى عالم اللغة… وما تعنيه… وما ينجم عن سوء استعمالها, واذا ماكنت مثلي محبا لنكهة القديم فلنعد سوية الى كونفوشيوس حكيم الصين حين سئل عما يدعوه الى اعتبار استعمال المصطلح الصحيح اعظم واجب منوط بالحكام, يقول الحكيم: اذا ما كان المصطلح غير صحيح, فان اسلوب المتكلم ينحرف عن شكله واذا كان الكلام خارجا عن الشكل, فان تنفيذ الاوامر يغدو غير ممكن, واذا لم تنفذ الاوامر فليس في الامكان الاحتفاظ بالاشكال المناسبة للسيادة والتعامل الاجتماعي, واذا لم يحتفظ بالاشكال المناسبة للسيادة والتعامل فسوف تسقط العدالة القانونية, واذا ما سقطت العدالة القانونية فان الناس يصبحون في ضياع لا يعرفون ماذا عليهم الا يفعلوا وماذا عليهم الا يفعلوه, وحين يؤسس السيد النبيل شيئا, فانه متأكد من المصطلح الذي يجب ان يطلق عليه, واذا ما أصدر امرا, فانه يعلم بأن امره ينفذ من غير تساؤل, ان السيد النبيل لا يستعمل المصطلح من غير تمييز. ان كونفوشيوس يربط بوضوح جاد بين توظيف اللغة والاخلاق والنظام الاجتماعي. وفي بيت جميل للشاعر العالمي سعدي (1258م) في كلستان الاشارة الى ان الانسان يتفوق على البهيمة حتى اذا ما نطق بغير المناسب فان البهيمة هي التي تتفوق! لقد رأى اللغويون المنظرون في اللغة الاداة الكبرى لنقل تجارب الفرد الى الآخرين, وهي الوسيلة التي تمكنه من تصور المستقبل وتوقع الاحداث, ولعلي ولعلك على اتفاق معهم في كل ما ذهبوا اليه, ولكننا نستطيع سوية ان نقرر انطلاقا من أهمية اللغة ودورها, السوء المضمر وراء ما يقوله (الابعدون) بأن العرب عاجزون عن اطلاق التسمية المناسبة على المسمى المناسب لانهم خاضعون الى لغة تتصف بالمبالغة وتعدد المترادفات التي تضيع معها المسميات, ونفهم كذلك الخطأ الكامن وراء الدعوة الى استعمال المصطلح الاجنبي الذي هو, كما يرون, ادق وصفا وتعبيرا يترافق كل ذلك مع العجز المشهود في توظيف محترفي الدبلوماسية وصناع السياسة العرب للمصطلح العربي المناسب, كما يترافق مع الانحدارات المتوالية في منزلقات الشك بالنفس, واهانة الذات, والقول بالتخلف! واذا كان لي ان اقف هنا موقف المنذر المحذر, فإنني لأجد نفسي مسوقا الى القول بما هو الزام للسياسي العربي: ان يتقن فن الكلام, ويجيد صياغة المصطلح, ويبدع في بلاغة العبارة, انه مطالب وهو في معترك سياسي عالمي لا يرحم ولا يهادن ان يدقق طويلا في توظيفه المصطلح, وان يدير لسانه في فمه اكثر من سبع مرات قبل ان يطلق عبارته, وبعد ذلك فهو مطالب ان يرى كيف يصوغ الآخرون عباراتهم محملين سطورها وما بين سطورها معان ان لم تظهر اثارها في حينها فسوف تظهر بعد حين, وعند اعتراك الخطوب. ان جوهر الاهتمام بنص المصطلح السياسي يكمن فيما كان يراه ضليع علم السياسة (هارولد دي لاسويل) من ان علم السياسة هو علم القوة, ومن هنا فان لغة السياسة هي لغة القوة, لغة القرار, هي التي تسجله وتكيفه وهي الرأي والحكم, والنظام والامر, والقانون, واليمين عند تولي المسؤولية, والاخبار المثيرة للخلاف والتعليق والمناقشة! واذا ما رغبت في الاستطراد كما استطرد (لاسول) فان من اهم ما ينبغي الوقوف عليه, وهو يتحدث عن لغة السياسة, ما سطره عن الاسطورة السياسية. انه يراها, كما رآها غيره من قبل, ذلك الجمع من المعتقدات المستندة على مفترضات اساسية تتصل بالشأن السياسي في حقبة من الحقب. ليس مهما ان تكون هذه الافتراضات خاطئة او صحيحة بل المهم كونها رموزا قائمة تحتل اذهان الناس وتشغلهم وتثيرهم وتبرر توظيف القوة عند اقتضاء الامر ولزوم الحال, ولك ان تطلق عليها تسميتك الخاصة: لتسمها (الاكذوبة النبيلة) تبعا للمنطلق الافلاطوني او (الايديولوجية) جريا وراء ماركس, او (صيغة سياسية) مواكبة لاجتهاد ثالث! او (مصطلحا سياسيا) كما يحلو لي ان اسميها. وللاسطورة السياسية مجالاتها الرحبة هذه الايام: شبكات اثير, وقنوات فضاء, وشاشات تلفزة وانهار صحف ومجلات, ولها عمقها من التأثير من خلال التكرار والالوان والمانشيتات والغناء والموسيقى! واليك, ان رغبت, امثلة لهذه الاسطورة ابسطها امام عينيك آملا عدم ازعاجك لكثرة ما طرقت اذنيك وترددت امام عينيك, من اشهر الامثلة شيوعا اساطير (الحرية) , والديمقراطية) و(المساواة بين الرجل والمرأة) و(العدالة الاجتماعية, و(المواطنة) و(التنمية) و(العولمة) و(كرامة المواطن) والهوية وحقوق الانسان, و(حرية التعبير) و(الشفافية) . انها اساطير عرضت للتوظيف والاستثمار والمتاجرة, وهي اشد تأثيرا حين تركب في جمل وفقرات يتلقاها المتلقي, دون ان يجهر بتساؤل او يستفسر عن معنى, ومن بعد ذلك تنفتح الفجوات, وتتعمق المزالق, وربما تحل المهالك! وامة العرب, عبر تاريخها, عاشقة لغة, مفتونة بسحر العبارة, وروعة البلاغة, وليس في ذلك من ضير او ضرر فجمال اللغة نعمة, ولكن شاعرك العربي القديم قال: وان احسن بيت ان قائله بيت يقال اذا انشدته صدقا ومن حقك وحقي ان نسأل عن المعنى المحدد في كل ما نسمع من اساطير/ مصطلحات سياسية, انها تهون لو انها اساطير اولين ولكنها اساطير ممتدة في نسغ الواقع, تحييه وتكيفه وتميته! من حقك وحقي ان نسأل عن معنى (ازالة آثار العدوان) ومدلول (الممثل الشرعي الوحيد) , والمعنى المتضمن في مصطلحات (النكبة) و(النكسة) , و(الانتكاسة) , و(الاراضي المحتلة) واللاجئين والعائدين, و(النازحين) وحدود ما قبل 67) , واذا كانت لغة السياسة هي لغة القوة, فاين فعل السياسة وراء هذه الاساطير والمصطلحات؟ اية قوة يمكن ان تقف وراءها فكرا وتوظيفا وخدمة لمصالح الامة؟ و اذا لم يكن الامر كذلك, فهل تكون مجرد ضوضاء, واننا مازلنا على عهد ذلك القبيل من الاجداد:
اجمعوا أمرهم عشاءا فلما اصبحوا اصبحت لهم ضوضاء!

خبير اعلامي عربي*

http://www.albayan.ae/opinions/1998-09-21-1.1023229

شاهد أيضاً

ا. د. قاسم حسين صالح: في مثل هذا اليوم غادرنا الوردي ليكون منسيا!
تعريف لشباب وثبة تشرين و آخرين (ملف/23)

إشارة : احتفاءً ومراجعة ونقدا للأفكار الجريئة والريادية للمفكر العراقي الدكتور (علي الوردي) الذي وصفه …

الأستاذ الدكتور وليد المرّاني: التوقعات الوراثية لمصير كوفيد-19

Genetic Expectations for COVID-19 الأستاذ الدكتور وليد المرّاني أستاذ شرف جامعة بلمث في بريطانيا 11 …

بعد مرور 48 عاما على اغتيال غسان كنفاني
الرجال ما زالوا في الشمس
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/25)

تحيل رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” إلى مأساة شعب بكامله، بدأت عام 1948، ولم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *