الرئيسية » مقالات » أفول القمر.. أعادة قراءة

أفول القمر.. أعادة قراءة

أحمد خلف        
Ahmedkh@yahoo.com

    في عام 1962 كان لقائي بالشاعر الكبير مظفر النواب، حدثاً هاماً في حياتي الشخصية .. لا أريد الحديث هنا عن طبيعة علاقة لن تنسى بين عددٍ من طلبة متوسطة الفجر الجديد، في منطقة النواب في الكاظمية وبين صاحب ــ للريل وحمد ــ هذا اللقاء  سبق لي التحدث بهِ مراراً وكتبتُ عن النواب مقال مطول بثلاثة مقاطع هي الاخرى مطولة ولم أكتفي بذلك بل زدت في العديد من مقالاتي واحاديثي عنه خلال الكلام عن تجربتي الشخصية التي تمتد قرابة الأربعين عاماً وربما أكثر.
    لكن جوهر اللقاء أثمر (من خلال الحضور الخلاق للاستاذ بين طلبته) أنتج ثمرة ناضجة في تزجية القراءة وأكتشافها بل وأعتبارها جزءً مؤثراً من السلوك اليومي للطالب تجاه الكتاب،ونمتْ وتطورت العلاقة مع الكتاب حيث تولد حبها أول الأمر من خلال أكتشافها عبر الروايات المدهشة والرصينة التي قرأناها .  والكتاب الذي ولدَ الدهشة في قلوبنا وعقولنا هو أفول القمر ــ رواية جون شتاينبك، وكانت أول رواية يطالعها كاتب هذهِ السطور بل أول كتاب جاد تعلم منه الشيء الكثير في حينه .

كان ذلك بإيعاز من الاستاذ النواب (مدرس اللغة العربية) وبدا الأكتشاف الذي رسمته القراءة في ذهن الطالب، أكتشافاً مفاجئاً حيث لم يتوقع ثمة عالم آخر غير عالمنا هذا وغير حياتنا المتواضعة التي نعيشها، أذن توجد حياة أخرى بين دفتي كتاب، والقرية الدنماركية المقاومة للغزو النازي، جعل منها جون شتاينبك حقيقة ملموسة وليس واقعاً مفترضاً، من خلال الحوار أو تجسيد المشهد القصصي وكذلك مقدرته في التعبير  عن مكنون شخوص روايته ـــ أفول القمر ـــ والقرية  هي البطل المؤثر والفعال في الرواية، نراها تتحرك وتتحاور وتلجأ الى الصمت أو السلاح في مقاومة الغازي في الحرب العالمية الثانية، تقول أحدى فقرات الغلاف الاخير للرواية التي ترجمها ـــ منير بعلبكي ـــ : (( … أما أفول القمر، فمن أقوى ما كتبه هذا الاديب العظيم، وهي قصة جهاد الشعب النرويجي في سبيل الخلاص من الغزاة النازيين )) الى أن يقول : (( وقد كان للكتاب، عند صدوره، دوي عظيم في الأوساط الادبية في العالم كله، فنقم النازيون على مؤلفه، وحكموا عليه بالأعدام… )) لم نكن نعلم في حينه من هو المحتل أو لماذا يجتاح قرية مسالمة كالقرية الدنماركية الغافية على شاطيء البحر بل لم نكن نعرف أين تقع الدنمارك، فأذا كنا التقطنا أسم المانيا فمن الصعب أن تكون الصورة واضحة لماذا جاء الجنود الألمان لأحتلال القرية الطيبة ؟ مظفر النواب هو الذي تكفل بأعطائنا صورة كاملة عن معنى العدوان، ولماذا أندفعت الجيوش النازية تمثل أكثر من نصف العالم، وكان درساً أخلاقياً وسياسياً في الوقت نفسه.
لقد أعارني الاستاذ مظفر النواب ـــ رواية أفول القمر ـــ وكذلك رواية ـــ وتشرق الشمس أيضاً لهمنغواي ـــ لكني أعدت الرواية الأخيرة بعد قراءتها للأستاذ، لأن عقدتها أو موضوعها يتلخص في العجز الجنسي للبطل جاك، وما يتركه هذا العجز من اثار نفسية بليغة التحكم في مصيره، ولم نكن في حينه نعي ما الدافع النفسي لهذا العجز أذ ما هي العلاقة المشتركة بين لعبة الملاكمة (رمز الرجولة والفحولة) التي يمتهنها جاك بطل الرواية، وبين عجزه الجنسي (رمز الاحباط والفشل) في عدم مقدرته في تنفيذ رغبته في ممارسة وضعه الجنسي مع الأنثى ؟ … هذا العجز الذي أصبحنا نعرف أبعاده لاحقاً في معظم روايات همنغواي، تعبيراً عن عجز الحياة في أنقاذ الأنسان من محنته الوجودية الخانقة في الغرب .. هذا الذي نذكره الان، لم يكن واضحاً لعقل طري وبسيط لطالب المرحلة المتوسطة، لذا تمت أعادة رواية همنغواي وتشرق الشمس أيضاً، الى صاحبها الأستاذ مظفر النواب، … أما أفول القمر فقد أحتفظت بها ولم أعدها اليه مع سبق الأصرار، وقد واصلتُ الاحتفاظ بالرواية حتى بعد أعتقال الأستاذ مظفر في السنوات السود، حيث حلتْ علينا ظروف المحنة التي تطايرت فيها مئات الأوراق وعصفت الريح بعشرات السفن وغيبت العديد من الملاحين الماهرين، تلك هي السنوات العجاف، ضاعت مني فيها أول رواية فتحت عيني على عالم القراءة والكتابة والخيال والحياة الاخرى التي تحتويها الكتب، لقد ضاعت أفول القمر، مع ما ضاع مني من أشياء ثمينة وذكريات دفينة، … وقبل أسابيع من الان، كانت عيناي تبحثان في سوق المتنبي ـــ كعادتي حين أزور هذا السوق ـــ عن تلك الكنوز التي فقدناها وسط الفوضى العارمة .. وفجأة تصاعدت أمامي الرائحة العبقة للكتب القديمة حاملة معها صوت الماضي السعيد، وأمتدت أمام ناظري المراعي الشاسعة التي صنعتها المخيلة العظيمة للأسطوات الروائيين الكبار. لقد ألتقت عيناي بأول رواية قرأتها في بداية حياتي، يا الهي / أفول القمر / وتأملت صورة الضابط الالماني على صفحة الغلاف الاول ـــ كالربوت ـــ مصنوعاً من الحديد أو المطاط ، العينان الجاحظتان والفم المعوج والقبضة الفولاذية تلوح من بعيد، وجوه الموتى تبعث في الصورة، كل ملامح الموت والدمار الذي بدأنا نعرفهُ مع تقدم العمر وأتساع مديات التجربة الذاتية، وما أن فتحت غلاف الرواية على الصفحة الاولى : ((كان كل شيء قد قضي عند الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والأربعين، لقد أحتلت البلدة وهزم المدافعون عنها وأنتهت الحرب. والحق أن الغزاة أستعدوا لهذهِ الحملة بمثل العناية والأهتمام اللذين أصطنعوهما في الحملات الكبرى.)) وخلال يومٍ واحد  أنتهيت من أعادة قراءتها ثانية وقد تداعت في رأسي الكثير من مشاهدها، أحداثها، مناخها، شخصياتها الحميمية : ـــ الدكتور وينتر العجوز مؤرخ البلدة وطبيبها والسيد اوردين رئيس بلدية القرية الذي دافع بحكمته وحنكته عن كرامة القرية وعن اهلها المسالمين وكذلك شخصية موللي، المرأة الجميلة التي أعدم زوجها، عامل المنجم، الذي تلقي صفعة من الخلق من أحد جنود الاحتلال، فما كان منه الا أن قتل الجندي لأنه لم يحتمل الاهانة، كذلك شخصية زوجة رئيس البلدية، الزوجة المكافحة من أجل صيانة كرامة الزوج والحفاظ على قيمة وظيفته ومسؤوليته الجسيمة ـــ كل هذهِ الشخصيات تجسدت بعد القراءة الثانية للرواية التي لا تعتمد المتعة فقط بل نجد أنفسنا فيها أمام أحساس قوي بأهمية الوعي ومسؤولية القاريء، وتلمست عن قرب عظمة الروائي ودربته ودرايته في صياغة عالم بسيط ، لكنه عميق ومؤثر وقد أدركنا تماماً أهمية أعادة القراءة، حيث نستطيع من خلالها،أن نمتحن وعينا وحساسيتنا في تقبل الأشياء أو أدارة العملية الفنية نيابة عن المؤلف ما دمنا نعيد القراءة بعد مضي سنوات تتجاوز الربع قرن من الآن .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *