(الرهان الأخير) رواية حول انتهاكات حقوق الانسان في السجون المغربية
مقالة/ سوزانا طربوش
ترجمة / علي عبد الأمير صالح

إشارة : تُرى من يستطيع أن يخلع من ذاكرته ترجمات المبدع المقتدر ( علي عبد الأمير صالح ) مثل : طبل من صفيح وقط وفأر لغونتر غراس ، حفلة القنبلة لغراهام غرين ، جبل السحر بأجزائها الثلاثة لتوماس مان ، دلتا فينوس لأناييس نن وغيرها الكثير التي أغنى بها المكتبة العربية ؟ . ببالغ الاعتزاز تلقت هيئة إدارة موقع الناقد العراقي مقالات الأستاذ المبدع التي تستهلها بنشر هذه المقالة الهامة عن رواية ( الرهان الأخير ) للمغربي ( عبد الإله حمدوشي ) التي قد تمضي سنوات ولا تصل إلى القاريء العرقي المتعطش للمعرفة .

تُعد (الرهان الأخير) أول رواية بوليسية عربية تُترجم إلى الانجليزية وتؤشر الظهور الأول لمؤلفها عبد الاله حمدوشي، الحائز على جائزة السيناريو من التلفاز والسينما المغربية، في المشهد الأدبي العالمي.
حمدوشي، الذي يقيم في الرباط، وُصف بكونه احد الكتاب الأوائل للرواية البوليسية بالعربية. كتب حمدوشي ثمان روايات ونال جائزة السيناريو من التلفاز والسينما المغربية. رواياته البوليسية كلها أُخرجت للتلفاز المغربي.
صدرتْ (الرهان الأخير) منذ عهد قريب بغلاف سميك عن مطبعة الجامعة الأمريكية في كاليفورنيا.
تبدأ القصة بطعن حتى الموت لعجوز فرنسية ثرية تُدعى صوفيا، تسكن في منطقةٍ أنيقةٍ من الدار البيضاء (كازابلانكا) مع زوجها المغربي عثمان الذي يصغرها بسنوات كثيرة. هي في سن الثالثة والسبعين، وعثمان لم يبلغ الثالثة والثلاثين، أصغر عمراً من إبنها من زواجها الأول. كانت صوفيا تملك مطعماً على الساحل يديره عثمان الذي، شكراً لثروتها، يرتدي ثياباً ايطالية غالية الثمن ويقود آخر طراز من سيارات BMW.
تزوج عثمان من صوفيا للمنافع المادية التي يمكن أن تجلبها له ولأسرته، لكنه يشعر بأنه أوقع في شرك بهذه الزيجة من امرأة تكبره بسنوات كثيرة والتي تخذله جسدياً. إنه يقيم علاقة غرامية مشبوبة العاطفة مع معلمة صوفيا في رياضة (الايروبيك)، الشابة المغربية الجميلة المدعوة نعيمة، التي تشعر باليأس، لأنه لن يهجر صوفيا أبداً. عثمان هو المشتبه به الرئيس في قضية مقتل صوفيا، بخاصةٍ بعد أن تبين أن صوفيا غيّرت مشيئتها في أن تجعل منه مستفيدها الوحيد.

على مستوى واحد (الرهان الأخير) هي رواية إجرائية بوليسية تقليدية وليستْ معقدةً بصورةٍ خاصة. ومما يزيد من تشويق الرواية هو الضوء الذي تلقيه على التغيرات في المجتمع المغربي الأوسع وتأثيراتها على ما يتعلق بشؤون ضبط الأمن.
نحن في مغرب الهواتف النقالة وصفوف ألعاب (الايروبيك)، مجتمع هو بشكل من الأشكال يتبنى الطرائق العصرية الا انه يخفق في توفير الفرص لشبيبته، هذه الشريحة الواسعة من السكان التي كانت في أمس الحاجة إلى فرص كهذه. كان عثمان خريجاً لامعاً من كلية القانون، وجد نفسه على غرار مغاربة متعلمين كثيرين، يلتحق بصفوف العاطلين عن العمل. فكر عميقاً في الهجرة اللاشرعية إلى أوربا عبر مضيق (جبل طارق)، لكنه لم يستطع أن يدفع أجرة التهريب بالزورق، وحتى خطر بباله أن ينتحر.
زوج صوفيا الأول، فرنسي الجنسية، قُتل في حادثة اصطدام سيارة، وزوجها الثاني، الذي طلّقته أخيراً، كان مهاجراً مغربياً في مقتبل العمر صادفته في فرنسا فأقنعها بأن تفتح مطعماً في مراكش.
عارفاً بميول صوفيا نحو الشبان المغاربة، بدأ عثمان يتودد اليها، وبدا له أن زواجه منها هو فرصته الأخيرة في تحقيق طموحاته. “حين التقى صوفيا فكر عثمان بأن أوربا هاجرت إليه عبر المضيق.”
رسم الكاتب شخصيات الشرطة بلمسات من المزاح والدعابة. فهناك (علال بن علوان)، المعروف وسط أولئك الذين تحت إمرته باسم (الوعر) أو “الرجل الفظ”. هذا الرجل والشرطة الذين على شاكلته عارضوا الاصلاحات الحديثة التي تكبح العنف البوليسي.
تجري وقائع القصة في زمن كانت الحكومة تدعو فيه إلى وضع حد للوفيات الناجمة عن التعذيب في سجن الشرطة، وهي عبارة عن تحقيقات جريئة في سوء سلوك جهاز الشرطة وفي اعتقال رجال شرطة متورطين في انتهاكات لحقوق الانسان. يجد (الوعر) انه يصعب عليه أن يؤدي وظيفته من دون استخدام الوحشية، وقد أمسى مدمناً على المراهنة على سباقات الخيل.
في نقطة ما من الرواية يطلق (الوعر) سراح عثمان بعد استجوابه. حين يعترض (بوقريشة)، يطلب (الوعر) منه ما يريد منه أن يفعله في هذا العصر، عصر الديمقراطية وحقوق الانسان حيث “لا وجود للفلقة بعد الآن، ولا وجود للمعالجة بالصدمة الكهربائية، ولا وجود للجَلد أو التعذيب.”
صديق (الوعر) الحميم هو المفتش المتهور الأصغر منه سناً المدعو (بوقريشة)، وفريقهما يضم (أصيلة) اليائس الذي يغلبه النعاس في سيارته القديمة في حين من المفروض أن يُبقي (عثمان) تحت المراقبة.
دور الرجل الطيب في الرواية يؤديه المحامي (احمد حولومي) الذي درس القانون مع (عثمان) والذي اتخذ موقفاً شعبياً في دفاعه عن حقوق الانسان. يلتقط نقاط ضعف في تحقيق الشرطة في قضية مقتل صوفيا، ويكتشف بعض المفاتيح الحيوية للدفاع عن عثمان.    
مترجم الكتاب جوناثان سمولين هو أستاذ مساعد في اللغة العربية بكلية دارتموث، نيو همشاير. في كلمته الختامية يضع المترجم الرواية في سياقها السياسي. كانت ما اصطلح على تسميتها بـ (سنوات الرصاص) في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، حقبة زمنية تميزت بالانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان في المغرب. وقتذاك كانت الاشارة إلى كلمة (شرطة) محرمّاً من الناحية العملية، وان رجال الشرطة تقريباً لا يظهرون في الرواية المغربية. إن التحرّر المتنامي في أعوام عقد التسعينات من القرن الماضي أنتج أشكالاً جديدةً من الرواية، وبدأت تظهر أجناس أدبية تُعنى بالهجرة اللاقانونية وبالمعتقلات.
في منتصف تسعينات القرن المنصرم ولدتْ أول رواية بوليسية عربية حديثة. (الرهان الأخير) نُشرتْ في البداية بالعربية في سنة 2001 ، وتناولت موضوعات الاصلاحات في سلك الشرطة والحقوق القانونية. كل الشواهد المتعلقة بمقتل صوفيا تبدو ظاهرةً على السطح كي تشير إلى (عثمان) بوصفه الشخص المذنب، ويكشف (حمدوشي) كيف أن الشرطة لا يبذلون أي مجهود كي يبحثوا عن أدلة جديدة. فضلاً عن ذلك، ينتقد هو الطريقة التي يُعتقل بها الفرد في المغرب والذي ليس بوسعه أن يحصل على محامٍ يكون حاضراً خلال استجواب البوليس الأولي للمتهم.
إن إفشاء قصة الجريمة تلك هو منطقة مزدهرة لسوق الكتاب البريطاني، (الرهان الأخير) وبصورة مؤكدة سوف تنتزع الولع من هواة النوع الأدبي البوليسي، ناهيك عن أولئك الذين لهم ولع بالرواية المغربية والعربية.
من ذا الذي يعرف، فربما تتحول هذه الرواية إلى دراما ينتجها التلفاز البريطاني: حتى إذا لم يكن ثمة دور لـ كينيث براناغ فثمة كثير من الممثلين الشرقأوسطيين في بريطانيا الذين بوسعهم أن يؤدوا دور عثمان، الوعر، وشخصيات الرواية الأخرى.

clip_image002clip_image004

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حيدر حسين سويري : الرؤى والاحلام من وجهة نظر اجتماعية .

   ينتقد الناس ظاهراً الشخص الذي يتصرف وفق ما يراه في أحلام المنام او اليقظة، …

| مهند النابلسي : **نكزات فيسبوكية طريفة .

*ليست ارضية” وفي الصميم/2019/2020/2021: كتابة ساخرة شيقة بلا أسماء وشخصيات أرضية بل كوكبية كونية! **واحد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.