وتبقى الكلمة* (8)
شعر: د. زكي الجابر
إعداد وتعليق: د. حياة جاسم محمد (ملف/2)

zeki aljaber 3إشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيله حيث غادر عالمنا في الغربة يوم 29/كانون الثاني/2012 . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة .

القصائد :
* يتزامن ظهور هذه المجموعة من القصائد مع حلول الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر، الدكتور زكي الجابر

عراقيات
من قتل الشاعر محمود البريكان؟!*
(1)
الهواء الشرقي يسحب الخطوة المثقلة
فوق السطوح الخفيضة
والطلع ينسج خيط رائحة باردة
على سعفات النخيل
والبصرة ملتفة برداء أساها القديم
على سرير قلقها القديم
ولم يبق في الشارع ’’الوطني‘‘ إلا المخمورون
ونابشو المزابل
والحوذيُّ الذي باع عربتَه وحصانه
مهراً لعروسٍ ماتت ليلة الزفاف
فمضى يحمل سوطه البالي
يمزّق حفيف الشجر
وطنين الهوام
والأنفاس المختنقة
والقدر الذي لا يحس الألمْ!
(2)
كان ’’محمود‘‘ مستلقياً في بجامته البيضاء
يحدّق ليبصر شيئاً وراء النجوم
اكتملت قصيدته الألف
ولم يبق إلا الختام!
الدَبَقُ يتسلّل في مسامات جلده
يتلمّس حنجرته اليابسة
يسعل
لعل في هذه الجرّة المعلّقة فوق السياج
قطرة ماء!
أترعِ الكفَّ
هذا نزيف الدماء،
يُروّي اشتياقك للمستحيل
أمن ظمأ الروح
جاء احتراق اللهاة!
(3)
أهذا صوت الريح
أم أنين السجين في الزنزانة؟
أهذي هي النخلُ أم أشباح المصلوبين؟
أهذا هو التَمر أم الحنظلُ؟
أهي القطرةُ الهاطلة
أم الدمعة النازلة؟
ومن قتل الشاعر ’’محمود داود البريكان‘‘؟
لم يكن الجائع اللصّ
ولا محترف القتل
ولم يكن البوليس السري
النعاس البرئ** هو الذي ارتدى عباءة الليل
واهتدى بالنجوم
وسكب السم في ختام القصيدة
واستلّ تفاحة الحنجرة!
(4)
في هذا الليل المشدود بخيط المجهول
هواجس مجهولة،
أصداء طبول،
صرخات الزنج،
حوارات المعتزلة،
هُتافات القرامطة
وأزيز النار المحتدمة
في أغوار ’’المختارة‘‘!
ينعقُ البوم في سدرة المقبرة
فينزع عن الوجوه المصفرّة
هدأةَ النوم
وخَلَجات الأحلام
(5)
بجامته راية حمراء
وعلى هشيم نظّارته
قطراتُ ندى
ورذاذ دماء!
(6)
’’إن موعدهم الصبح
أليس الصبح بقريب‘‘؟!
جسد نحيل يتحرك في الرملة الباردة
في صبحٍ بَصريٍّ مُثقلٍ بالرطوبة
والهمسات!

* نشرت في صحيفة ’’المغترب‘‘ الكندية في 3-4-2002
البريكان من شعراء البصرة ومن أصدقاء زكي، ولد 1931. كان منعزلاً وعازفاً عن النشر، له ديوان عنوانه ’’متاهة الفراشة‘‘، هو مختارات شعرية. في عام 2002 تم اغتياله داخل منزله وسط البصرة.
** إشارة إلى مسرحية ’’مكبث‘‘ لشكسبير، حين قتل مكبث الملك دنكان وهو ضيف في بيته، طمعاً في تحقق نبوءة الساحرات، ولم يعد يستطيع النوم بعد الجريمة، فقال:
خُيِّلَ إليّ أنني سمعتُ صوتاً يصرخ: ’’ألا حُرِّمَ النوم عليك!
مكبث يغتال النوم!‘‘ النوم البرئ
]وليم شكسبير، المآسي الكبرى، ترجمة جبرا ابراهيم جبرا. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1986[ ص 699.

سقوط إرَم*

ناديتُ عرّاف اليمامة
فامتطى رمحاً، وخطّ بسيفه فوق الرمادْ
’’لو جاء وادي الرمل محمولاً يخفّ به الجرادْ
لو أشرقت شمس الظهيرة
فوق حومل بالدماء
وبالمداد
لم يبقَ في أرض السواد سوى السواد!‘‘
تلك النبوءة مثل أُنثى
حمّلوها البغي في سوق الفسادْ
هرعت إليك مع الضحى
وزُناتها من خلفها
من كلّ فجٍّ يهرعون، ومن بلادْ
ركبوا حديدهمُ جيادْ
وتعلّقوا بطيورهم
طاروا كأسراب الجرادْ!
يا مسلمُ اللحدُ أصبِح كالوِسادْ
في كلِ بيتٍ مأتمٌ
في كل زاويةٍ حِدادْ
جِيَفٌ تموت على جِيَفٍ
نهشت حشاياها الكلابْ
فُتحت لك الأبواب
فادخلْ أيّ بابْ
أَقدِمْ وأَثقِلْها خطىً
فوقَ الترابِ أو القِبابْ
تلكَ السيوف من الخشبْ
كالشعر، أعذبُه الكذِبْ!
تبّ اللسان، وتبّ أصحاب الكِذابْ
خمسونَ قد فَرُّوا
وخمسون اختَفوا مثل الضِبابْ
والآخرون تلعثموا
بين المدائحِ والسبابْ
شطرٌ يفوحُ به الشذى
شطر يطنّ به الذبابْ
با مسلمٍ
بايعتُ، غلِّلْ أخمصَىَّ على الرِمَمْ
سقطتْ إِرَمْ
واندكّ بالسقف العِمادْ
با مسلمٍ
آلَتْ إليك، خُذِ القِيادْ
اليوم أينعت الرؤوس
وما عليك
سوى الحصادْ!
* إشارة إلى الآية 7 من سورة الفجر.
نشرت في صحيفة ’’المغترب‘‘ الكندية
30-10-2002

من أحلام ’’ع.س.ص‘‘*
(1)
’’ع.س.ص‘‘ يبيع ’’الروثمان‘‘
ما بين ’’اشميساني‘‘ وباب ’’الجامع‘‘
في عمان!
الدمعة خلف الجفن المثقل
وظلال رفيق ناء
يلتف بثوب الثلج
يرتشف الغيم الأول
من صبح يسقيه
كاسات نبيذ وكآبة
في حان ’’استوكهولم‘‘!
(2)
ما أحلى الكسل الدافئ في الأعراق
والثورة في المنفى
وسماع الأخبار اليومية!
والليل جميل مثلك يا ’’سوهو‘‘!
قنينة خمر مغشوش
خطوات نساء تسبقها
أشباح النخّاسين
وخيالات ’’الماريوانا‘‘
وكونغولي متعب
تلك حقيبته ما زالت ملأى زيفا:
أساور، أقلاما، ساعات ذهبية
(3)
زبد القهوة يطفو
فوق الأكواب الفضية
خلف النافذة الشرقية
من مقهى ’’برلين‘‘
والثلج غطاء فضي
يتلألأ فوق عروس فضية
تجار العملة والأيقونات
وفراء الدب القطبي
(4)
مبادئ غورباتشوف
تهدأ عند الرف العلوي
من الرأس النائم
عند العتبات السفلى
من باب ’’الجامع‘‘ في عمان

نشرت في صحيفة ’’المغترب‘‘ الكندية
22-1-2003

الجنائن المعلّقة
ارتحل عصر الجنائن المعلّقة
وحلّ عهد الزنازن المغلقة

أبو جهل
قال أبو جهل:
’’في زمن الجهل
صرتُ أبا المعرفة!‘‘

برج بابل
تهدّم برج بابل
تبلبلت ألسنة ساكنيه
وتشتتوا في بقاع الأرض
لم يبق إلا حارس البرج
كان أصمّ وأبكمْ!

هرب
هربت حمّالةُ الحطب
وفي جيدها حبل من ذهب!

قراءة
كان غبيّاً
يقرأ السطور
ولا يقرأ ما بينها!

السفينة
غرقت السفينة
وطوى الموج الملاحين والرُبّان
ولم يبقَ فوق ثَبَج الماء
غير ذروة الصاري
ترفرف عليه خرقة بالية
تعابثها الرياح!

المعرّي
قال المعرّي:
’’أصابني العمى
حين أبصرتُ الحقيقة‘‘

الرصافي
كان يبيع السجائر
وعلب الكبريت أيضاً!

عشتار
صارت عشتار آلهة الجفاف
حين منعوا تموز عن ورد الماء
وصلبوه عند ضفة الفرات

النخلة
تقبّل الشمس خدّيكِ
ويغسل النهر قدميكِ
أيتها العراقية الأولى

قصائد للحبّ
بعد عام
لم أزل أسكر والريح وراء الباب تعبى
تتحدّى كل باب غير بابي!
فأنا عندي الهوى والكأس فيض من رِغابِ
ودواوين من الشعر، وحلوة!
***************
لم أزل أحيا المواعيد التي تمنحني ألف قمرْ
وأزاهير وحباً وقصائد!
المواعيدَ التي أَنشُدها عند المطرْ
لم تزل بي قبلة سكرى، وكفاً ناعمة
وأناشيد غزلْ
وحديثاً وأملْ
ولقاءاتٍ كألوان الفراشات النديّة
وأحاسيس لعاشق
***************
وانتشت هيلانتي بين يديّا
المواعيد أحالتها يد الغيبِ لقاءً أبديا
والهوى طفلٌ لدينا
نجمة أرسلها الله لتموز ابتسامة
فهو نشوان يرش الخصب والعطر ليالينا الغنية!
***************
يعبر العام، وكل الليل أضواء وحبٌ
وغداً يحملني درب ودرب
ويدي بين يديكِ
والسماء المنعمة
تهب الأرض مطر!
وعلى وجهيَ آلاف القبلْ!

بغداد
1964

الزهرة البيضاء
قبل عشرين من الأعوام كنّا
نفتح الأبواب
باباً إثر بابْ
ونعيد الشمس للأرض
إذا ما غضبت يوماً
وأغراها عن الناس الغيابْ
كان في الروحين دفءٌ
وليالينا لقاء
وأحاديث عتابْ!
لا تقولي ولقد كنّا وكُنّا
ولقد كان الشبابْ!
***************
حلوةَ الكفين، ما زال يوافينا
وإن طال به الصمتُ نداءْ
ربما تعصف بالغصن أعاصير الشتاءْ
ربما لا تحمل الريح سوى رجع البكاءْ
ربما يمتلئ الكأس قذىً
وتغيم العين دمعاً
ونرى من خَلَلِ الدمع السماء!
حلوة الكفين، لو نفتح تلك النافذة
فعليها تركت كفُّ الربيعْ
زهرةً بيضاء نشوى
وعليها خفقاتٌ
من غناءٍ
وضياء!!
الرباط
1989

وثمة غزل يتجدّد
ضائعون في الوطن
ضائعون في المنفى
فأمسكي يدي بإحدى يديكِ
وبالأخرى
شدّي على هذا الضياعْ
لئلاّ يضيعْ!
***************
يتلاشى ضوء العين تحت ستار الضباب
ويهن العظم تحت ثقل الهموم
ويكاد الوطن يغيب حتى عن الذاكرة
ولكني أعرف
أن هناك امرأة ما زالت تحبّني
***************
لا تسأليني ولن أسألكِ:
’’كم تبقى من العمر؟!‘‘
الثمالة أشهى ما في الكأس!
***************
حين كتبتِ إليّ
كنتُ أمتلك الشعر
وتمتلكني السياسة!
خسرتُ الشعر
ولم تربحني السياسة!
يا حبيبة القلب
لستُ ذلك الأحمق لكي أسأل نفسي
كم أحبّكِ!
***************
هبي أننا لم نلتقِ
سيظل القمر يعيد دورته!
والشمس تشرق كل صباح!
والبشر يتوالدون ملتحفين أكفانهم!
والتقينا
رأينا الشمسَ تشرق ليلاً!
والقمرَ أربعة أقمار
تدور في فلك الأرض!
وأتعبْنا حتى التعبْ!
واللقاء الذي لا ينتهي
هو ذاك الذي
يكون فيه الغد
أحلى من اليوم
وما بعد الغدْ
أحلى من الغد!!
2009

إليكِ وحدكِ أغني
(1)
خمسون عاماً مضت!
وما زلتِ تحملين الكأسَ في يدْ
والإبريق في يدْ
وأنا ظَمِئْ!
(2)
خمسون عاماً مضت!
وثمة سرّ لم تبح به شفتاكِ
حلاوة السرّ أن يبقى سرّاً
يضيق بمن يمتلكه
ويسعد به من يمتلكه
(3)
أنتِ يا من علّمتِني كيف يشرق القمر نهاراً
وكيف تسطع الشمس في الظلمة
وأنّ كلّ طعام الأرض
لن يُشبع من لم يعرف الجوع يوماً
وأنّ كل الأنهار
لن تروي غُلّة من لم يرتشف قطرة
من ذلك النبع!!
(4)
تحترقين كالبراكينْ
وتبكين كالندى على جفون الورد
أيتها العارية كالحقيقة
أيتها الغامضة كاللذة
للملائكة غضبة الرعد
وثورة البحر
وهدوء اليقين!
(5)
رمى سيزيف الصخرة عن كاهله
أزاحَ الجبل بيديه عن مُستقرّه
ووشى السهل بالزهر وزنابق البرّ
ثار وعلّم الناس كيف تثور
ولكنه انتحر منحني الظهر على صخرته
أدركَ أخيراً أن النور هناك
عند قمة الجبل!
(6)
تقطعت أوتار عوده
شحب لونه
وجفّت شفتاه
ولكنّ المغني ظل يغني
تتسرّب آهاته في هدوء خافت
لتضيع في فَلَوات العمر الضائعة!
وهو إن لم يُغَنِّ
فماذا يكون؟!
غريب هذا المغني
أيتها الغريبة!
كوربس كريستي
1-10-2005

شاهد أيضاً

سعد جاسم وتحولاته النصّية
قراءة في قبلة بحجم العالم*
حسام كَصاي العاتي (ملف/35)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

سعد جاسم يُضيءُ ذاكرة وطن ..
قراءة نقدية في قصيدة “عراقُ الروح.. عراقُ الله”
نعمة يوسف* (ملف/34)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

د. زهير ياسين شليبه: قراءة في ثمار الزقوم لعدنان المبارك (ملف/12)

إن أهم شيء يشعر القارىء به، حين يستمتع بهذه النصوص السردية الجميلة هو إصرار صاحبها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *