الرئيسية » نقد » ادب » شوقي يوسف بهنام : انفجار الذات ؛ قراءة نفسية لأبيات احمد الفضل بن هاشم بن حدير البصري

شوقي يوسف بهنام : انفجار الذات ؛ قراءة نفسية لأبيات احمد الفضل بن هاشم بن حدير البصري

shawki  5* مدرّس مادة علم النفس / كلّية التربية / جامعة الموصل

في الفقرة (ح) من التعليق الذي اثبته استاذنا كامل الشيبي على نص الحلاج ذي الرقم 15 (1)اورد ابياتا للشاعر الخليع أحمد بن هاشم بن حدير البصري اعتقادا منه بان مضمون الابيات تتطابق مع نص الحلاج المذكور . وقبل التعليق على رأي استاذنا الشيبي ، لنقف عند الابيات المنسوبة الى هذا الشاعر الخليع بتعبير محققنا الفاضل :-
انا المخبل صرفا
حماقتي ليست تخفى
انا الذي كل يوم
يزيدني الخبل حرفا
فعاجلوني بلطم
وشججوا الرأس نقفا
ثم اقصفوا الظهر مني
بالبشتبانات قصفا
وحرّقوني بنار
لهيبها ليس يطفا
يا ويحكم ، مثّلوا بي
من قبل ان اتوفى
فإنني مستحق
مذ كنت طفلا أن انفى
يا قوم ، إني حتف
فعجلوا لي حتفا
****************
ويبدو ان استاذنا الشيبي قد اخذ بالمعنى العام للنصين عندما قارن بين نص هذا الشاعر الخليع وصوفينا الكبير الحلاج . لا نجد ، على الاقل ، في هذا النص اي اشارة الى الخلاعة التي وصف استاذنا الشيبي هذا الشاعر الذي يبث في نصه هذا خلاصة ومحصلة تجربته الحياتية وعشرته مع الوجود إن صح التعبير . في هذا النص تتجلى لنا حالة انفجار الذات وتقيحها إن صح التعبير . القطعة الشعرية التي بين ايدينا هي قيح نفسي . انفجار المكبوت اذا استخدمنا تعابير التحليل النفسي . ما اخطر وصمة يواجهها الانسان في حياته حتى تستحيل هذه الحياة الى عبث خالص؟؟ . انها وصمة الجنون . تلك الوصمة التي لا حقت كل الذين ارادوا تغيير مسارات حياتهم او مسارات الاخرين . الانبياء .. العباقرة .. الابطال .. والشعراء ايضا لحقت بهم هذه الوصمة . انهم في كل واد ٍ يهيمون … جاءوا من وادي عبقر . يقولون ما لا يفعلون . الرسالة .. اعني نص القصيدة موجهة الى الخليفة .. قل انها موجهة الى السلطة في رمزيتها .. رمز القمع الجمعي المطلق . الضمير الجمعي الذي لا يعرف غير مفردة ” لا ” واخواتها . وما على المتلقي الا ان يجيب ب ” نعم ” على هذه ” اللا ” هي التي تحدد سلوك ومسار الجميع . اذن فالشاعر قد وصل الى نهاية المطاف .. خاتمة الطريق . لا يستطيع حتى السلطان ان يضعه تحت معايير الحساب .. لقد اصبح خارج دائرة الحساب لأنه ” المخبل ” !! . وهل على ” المخبل ” حرج حتى يعقل ؟ ومتى يعقل ؟ هذا سؤال مفتوح الى ما لا نهاية . في حسابات العقل العربي ثلاثة لا يقعون تحت طائلة المسؤولية او الحساب وهم :-
1- الطفل حتى يكبر .
2- النائم حتى يصحو .
3- المجنون حتى يعقل .
*************
بالنسبة الى الطفل والنائم فاحتمال وقوعهما تحت طائلة المسؤولية وارد جدا . بل وحتمي ايضا .. اللهم الا اذا وقعوا تحت طائلة الموت قبل الكبر او الصحو . يبقى مخبلنا او مجنوننا . هو وحده المسكين الذي يبقى تحت طائلة الانفلات والعبث والفوضى السلوكية لأنه لم يتناول مضادات الذهان مثلا !! . اذن لا فرصه لشاعرنا البتة من مواجهة مصيره القاتم الازلي . نعلم مثلا قصص وروايات بهلول الذي كان يتصنع الجنون لدرء بطش الخليفة . انه كان على مذهب غير مذهب الخليفة وحتى ينجو من طائلة الملاحقة تصنع الجنون ليقول ما يشاء ويتصرف كما يشاء وهو الخبير بقضايا الفقه . ومن في المجتمع يتمكن من مواجهة الخليفة غير الفقيه الذي يستطيع كشف فساد الخليفة ولا شرعيته ؟ . (2) .لا علاقة بين هذا النص ونص الحلاج الذي اتكأ عليه استاذنا الشيبي لعقد المقارنة بينهما اذن . صحيح ان النصين تعبير عن خبرة صراع مع السلطة ولكن نصنا الراهن لا يتشابه ، مضمونا ، مع نص الحلاج . في تقديرنا على الاقل نصنا الراهن هو محصلة النبذ والاقصاء من قبل الجميع بمن فيهم الخليفة بل و على رأسهم لأنه يعد رمزا للجماعة وبيده مفاتيح المقدرات ان صح التعبير . والا لماذا تهاجم السلطة ورموزها المختلفة ؛ الخليفة او الملك او السلطان او اي رمز من رموز السلطة التي تتنشر في المجتمع . في نصنا هذا اشارات الى خبرات الفشل النفسية والتوافقية وتراكمية الاحباطات التي واجهت الشاعر . في حين لا نجد لدى الحلاج هذا اليأس او الاحباط او الفشل . بل على العكس تماما نراه يقبل على الموت بفرح شديد . هذا يعنى انه لا توجد عند الحلاج ميولا انتحارية او ميولا مازوخية نحو الذات مثلما نجدها لدي شاعرنا الراهن . في نصوص الحلاج الم وغربة لأنه متروك من الحبيب الاكبر . بينما نجد ان لشاعرنا حيدر البصري ميولا انتحارية واضحة المعالم . يمكن مقارنة الحلاج بمأساة قيس بن الملوح مع حبيبته ليلى . بينما لا يمكننا اقامة مثل هذا التشبيه مع شاعرنا حيدر البصري . في نص البصري مشاعر لوم الذات وايذائها وهتكها واحتقارها . ان هذه الميول عند البصري هي ارث طفولي امتد حتى مواجهته لقمع الخليفة وبطشه . بمعنى ادق ان بطش الخليفة عند البصري ما هو الا امتداد لبطش الاب الجافي والقاسي في طفولة البصري . نرى العكس تماما ان لدى الحلاج مشاعر بأنه الطفل الكوني المدلل .. بل الطفل الكوني الوحيد على الاطلاق !! . ان رغبة البصري في التمثيل بجثته وحرقه إنما هي تعبير عن كراهية الذات . انه جبل من الاحباطات والفشل والخيبة . وقد اختصر لنا البصري تلك المسيرة الطويلة له مع الفشل حتى انه وصف نفسه بالحتف , وبهذه المفردة وحدها يمكننا القول ان حيدر البصري يضع ذاته في دائرة الاتهام والشك علاوة على ما اضفى عليها من الخصائص السلبية واللامقبولية من قبل الذوق او الحس العام السوي . انها صورة من صور تقليل الشأن والحط من قيمتها وهي كلها ابعاد لما يطلق عليه ادلر عقدة الشعور بالدونية وهي بمجموعها مظاهر لصورة تختلف تماما عن ما يقدمه الحلاج من تصورات ومفاهيم عن ذاته المتخمة بالنرجسية …

الهوامش :-
1- د. الشيبي ، كامل ، 2007 ، شرح ديوان الحلاج ، منشورات الجمل ، بغداد ، المانيا ، ط2 ، ص 210 .
2- يشعر كاتب هذه السطور بالاسى الشديد لأنه كان يخطط لمشروع تحليلي نفسي لشخصية هذا الفقيه من خلال اشعاره وحواراته عندما عثر ، صدفة على كتاب منشور حديثا عنه الا ان الكتاب ضاع من بين ما ضاع من مكتبته خلال الاحداث التي اعقبت عملية تهجير كاتب هذه السطور من بلدته الصغيرة في جنوب شرقي الموصل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *