الرئيسية » ادب عامي » ريسان الخزعلي : الثورة النوابية أكثر من إشادة.. أكثر من إشارة

ريسان الخزعلي : الثورة النوابية أكثر من إشادة.. أكثر من إشارة

reysan alkhazali 3الشاعر مظفر النواب الثورة النوابية/- دراسة اسلوبية في الشعر العامي للمبدع /مظفر النواب/.. كتاب الناقد /حسين سرمك حسن/- دار الينابيع- سوريا 2010 يحمل قوة الدخول الى عوالم مظفر النواب المسحورة بمهارة /العارف/ في كشف المستور الجمالي والفني والروحي في شعر شاعر كبير
ورائد للتحديث في الشعر الشعبي العراقي عبر محاور متدافعة ومتداخلة (اشارات تمهيدية، بين الثورة النوابية وحركة السياب الثورية، مظفر النواب رائد الثورة العامية الحديثة، الحداثة الشعبية، النواب وحالة (ما بعد الحب)، الشعر عيد كوني.. القصيدة غبطة كونية، الخيميائي، حزن النواب العجيب: (مو حزن لكن حزين!!)، الجرس العاشق: أنسنة النحاس، نصوص
وبعيداً عن منهجه المعروف (في علم نفس الابداع) نهج الناقد اسلوباً اضافياً هو الاقرب الى التفكيكية والكشف الاسلوبي، ورغم الآلتماعات في التحليل النفسي وعلى قلتها، الا ان التوصيف الاول هو الأقرب في منهجية هذه الدراسة الرائدة.
(1)
*.. أجرى الناقد مقارنة بين ما أسماه بالثورة النوابية وحركة السياب الثورية في اشارة ضمنية الى حركة التجديد في الشعر العراقي منذ نهاية اربعينيات القرن الماضي، وكان الاستنتاج يشير الى أن /النواب/ هو الأب الروحي (لثورته الشعرية) في حين ان عراباً واباً روحياً للحركة الشعرية الثورية الجديدة التي قادها السياب، وان اليقين الاستناجي الذي وضعه الناقد في هذا الفصل هو ان /النواب/ قد تشكل وعيه التجديدي دون مقدمات وجذور!
وقد تم تأكيد استنتاجه في فصل لاحق (مظفر النواب رائد الثورة العامية الحديثة).. وان حداثة النواب هي الحداثة الشعبية بمركبها العجيب..، وقد ساد هذا الفصل توصيف (العنف).. وان /النواب/ نقل (العنف الدموي) الى (العنف المحبب او العنف الآسر) وله في ذلك بحث واستنتاج ينم عن قدرة تحليلية في الشعر وفكرة الشعر رغم ان هذا الكتاب هو الاول في سلسلة اصدارات الناقد عن الشعر حيث تركزت بحوثه السابقة في السرد العراقي ضمن منهاجه النقدي (في علم نفس الابداع).
*.. في فصل (مظفر النواب وحالة ما بعد الحب).. حلل الناقد قصيدة (حچام البريّس) اسلوبياً وادائياً سردياً معتبراً هذه القصيدة ملحمة (بشكل غير مسبوق قبله ولم يعرف بعده حتى اليوم). وقد أفاض معرفياً وذوقياً في مسكه دال ومدلول هذه القصيدة مؤشراً.. أن تعدد الأصوات في النص الطويل يفضي الى الملحمية.
*.. اما في فصل /الشعر عيد كوني/ فقد حلل الناقد وبدراية تحليلية البناء والتشكيل الصوري للعديد من قصائد النواب (عشاير سعود، سفن غيلان ازيرج، للريل وحمد، حصاد، ولا أزود، نگضني، زرازير البراري، زفة شناشيل، جنح غنيدة، ديچ ابو العرفين).
*.. وفي فصل (الخيمائي).. كان الاستنتاج بان الخيمائي هو المبدع المعلم /مظفر النواب/ الذي حوّل تراب اللغة والثقافة العاميتين الى ذهب ولآلئ حيث ان العامية قبل النواب كانت اداة ثانوية لدى شعراء العامية.. ومثل هذا التشخيص أراه يصطدم بحجر المعرفة الطويلة.
* وجاء في فصل (حزن النواب العجيب: مو حزن.. لكن حزين)- الذي يحلل فيه الناقد قصيدة بنفس العنوان وصولاً الى الاستنتاج بان حزن النواب هو الفرح، (فالشعر يحوي فرحه الخاص).. وكذلك ان النواب في قصيدة (جرس عطلة) قد (أنسن النحاس)…، وهذا توصل جمالي/ فني كان الناقد على وعي بطول مجساته.kh hussein sarmak 9
(2)
*.. /الثورة النوابية/.. دراسة اسلوبية أولى في صفها لم يتوافر عليها الشعر الشعبي العراقي رغم المحاولات السابقة لها، وحين تكون هذه الدراسة مختصرة على شعر الشاعر الكبير /مظفر النواب/.. فان رنينها سينعكس في كشف المساحة الابداعية /اللاحقة أو الموازية/ في غابة الشعر الشعبي العراقي الحديث /مرحلة ما بعد النوابية/..، ومثل هذه المساحة آهلة بحالات /التجاوز والتخطي والمغايرة/ والناقد على علم بغابات اخرى وله في ذلك قراءات جمالية وفنية معروفة… ويبقى هذا الكتاب صورة للتأسي في الكشف البنائي والاسلوبي والصوري، ومعرفة عالية في كيفية تذوق القصيدة الشعبية الحديثة، القصيدة التي يمكن ان تضم الى ديوان الشعر العراقي الحديث بعيداً عن (مفارقة) اللهجة / اللغة..، من هنا نكون قد أوصلنا العديد من الاشادات../ اكثر من اشادة.. انها اشادات معرفية عالية وليست إطراء في المناخ التجاملي، لأن قامة الدراسة لها اكثر من ظلال.
(3)
*.. الاشادات اللاحقة/ لا تعكس المعنى التعارضي مع خطوط الدراسة، بالقدر الذي تهمس فيه التوضيح والاستدراك التاريخي والجمالي تضامناً مع منهج الدراسة في محاولة لسحب/ القول المطلق/ الى جرف اكثر علواً واخضراراً واستقراراً في صد الموجة الغريبة:
1 – /الثورة النوابية/.. ربما كان البديل العنواني المقترح (ثورة النواب الشعرية) لتأصيل ما هو الاصل.
2 – نصوص تنشر لأول مرة/… “قصيدة حچام البريّس”.. صدرت في كتاب في سبعينيات القرن الماضي، والقصائد الاخرى نشرت في صحف عراقية وعربية، والناقد يؤكد ذلك ص259 .
3 – لم يتم تجاوز عطايا تلك الثورة حتى يومنا هذا/ ص7… ان مثل هذا الحصر يحتاج الى كثير من الاستغراق، والشاعر النواب قد أشاد بالمنجز في تصريحات صحفية واذاعية في وقت مبكر وحتى قبل صدور /للريل وحمد/..، وبوثوقية قدم مجموعة /صياد الهموم/ للشاعر الكبير /عريان السيد خلف/، وله رأي منشور بالشاعرين (شاكر السماوي، وعلي الشباني).
4 – إن المؤثر لا يكون بالتشابه مع قصيدة سابقة فقط، وقد يأتي من تراكم لاشعوري، والنواب شاعر مثقف وعلى سعة اطلاع بالمنجز الشعري العربي والعالمي… (الاشعار الحسينية وتطويعاتها اللحنية) وان مواكب العزاء كانت تمر في دار النواب، الغناء العراقي- الريفي تحديداً (ذبني السريع بليل)..، والنواب فنان تشكيلي ومغنٍ جيد ومن جذور عائلية مثقفة، واعصاب اشتبكت بالنضال الثوري (الحزب الشيوعي العراقي) ومعايشة الفلاحين في الاهوار، اضافة الى موهبة خارقة وتجربة عميقة في الحياة.. (الاشارة عن ص 17)..، كما ان تجربة السجن وغناء /سعدي الحديثي/ تشكل خزيناً في اللاوعي.
5 – ان الكتابة بصوت الانثى تعود جذورها الى الهايكوات العراقية (الدرامي، الابوذية).. وهي طريقة اسلوبية في الشعر العالمي، والنواب على وعي بذلك، وكم كان التحليل النفسي ملائماً لهذه الموضوعة لو بذل الناقد جهداً اضافياً وهو القادر؟
6 – صويحب بطل قصيدة (مضايف هيل) وليس /مامش مايل/.. ولعيبي بطل قصيدة /مامش مايل/ وليس قصيدة (جد إزيرج).. ص48.
7 – ان استخدام مفردة /ولك/ كثيراً ما نجدها في /نعي النساء/ وهي ليست جديدة الاستخدام.. ص74.
8 – شكل الملحمة (غير مسبوق قبله ولم يعرف بعده حتى اليوم)…، يمكن الاشارة الى قصيدة (حلب من غريبة) للشاعر طارق ياسين، وقصيدة (گبل ليلة) للشاعر عريان السيد خلف، وقصيدة (العشگ والموت وابنادم) للشاعر شاكر السماوي، وقصيدة (أغاني الدرويش رقم1) للشاعر عزيز السماوي، و”الطوفان” قصيدة الشاعر كريم محمد وغيرها.. ص130، 143.
9 – (لم يكن النواب قد كتب عن الهم الاممي) ص138.. يمكن الاشارة الى قصيدة عن الثائر /جيفارا/.
10 – ان مفردة (تعيش) مستخدمة في الكثير من القصائد، والاناشيد- غناء داود القيسي مثلاً.
11 – ان تكرار الحروف او المفردة.. هي اسلوب متداول في الشعر العربي الحديث منذ نشأته وكذلك تقطيع المفردة.. وفي الشعر الشعبي العراقي يمتد جذور تقطيع المفردة الى صوت المطرب الريفي (أون… أوووووون)..، لَلَـ لالَه (لَلَـ.. آآآآآ له).
12 – المفردات متاحة للجميع وكذلك المعاني..، وريادة النواب لم تكن في تفجير اللغة تحديداً..، وانما تكمن في براعة تشكيل وتوليد الصور والبناء المتوالي والانتباه الى الطاقة الكامنة في المفردة ومدى توليفها مع دالة المعنى، وما تحتويه المفردة من طاقة ايحائية.
13 – مفردة /گزاز/.. مستخدمة في الشعر الشعبي العراقي.. ولنوثق ذلك بالدارمي التالي الذي عثرت عليه ستينيات القرن الماضي (تگدر تحط بالروح ورده انت طراز.. أبرتك ما تمشيش لن روحي إگزاز)، وكذلك مفردة (زرزور) هي الاخرى مستخدمة استخداماً موفقاً (زرزور او تعله اعليك واندل كل مچامينك).. ص247.
14 – ان موضوعة /العنف الآسر او العنف المحبب/.. هي رؤيا تأويلية نافرة بعيداً عن الدلالة.. والا ماذا نقول عن (خلي الدم يجي طوفان كلّنه انخوض عبريّه) أو (نشاگيهه ابخناجرنه انتعلاعبلك لعب بيهه) وغيرها الكثير.
15 – غابت قصائد (صلاح، شباچ، شمالية، باگوك، چذاب، جايتنه مزنة، عودتني، فوگ التبرزل، ياريحان) عن الدراسة والتحليل، ومثل هذه القصائد هي الأقرب لمنهج الدراسة رغم الاشارة المقتضبة للبعض منها، لاسيما وان الناقد قد تناول قصائد “للريل وحمد” في التحديد الاساسي.
16 – ان التداخلات مع الموحيات السياسية الاعتراضية عن وضع قائم قد تشيء (للاخر) بغير اهدافها وتثلم شيئاً من المتعة التذوقية وقد حصل هذا في اكثر من وقفة. وأرى ان الناقد يعرف اكثر من غيره مَنْ دمر البلاد الحبيبة اساساً.
17 – ان التحولات في استخدام الضمائر هو اسلوب متداول في الخطاب والشعر ويُعرف بالالتفات، والنواب والناقد سرمك على معرفة اكيدة بذلك ولا يوجد ما هو مبتكر ومضاف اضافة نوعية من خارج هذا التوصيف مع ملاحقة مهارة النواب في الاشباع والتلوين.
(4)
*.. ان كتاب (الثورة النوابية- دراسة اسلوبية في الشعر العامي للمبدع (مظفر النواب) تتقدم فيه الاشادة على الاشارة التي لا تشكل الا الهامش العارض كغصة الماء.
تحية للمبدع حسين سرمك حسن الذي نبش ما هو تحت السطح وكشف البئر للواردين،.. ورغم ان البئر ممتلئة بالكنوز، الا ان الناقد قد رأى غير ما يراه الواردون.

* عن جريدة الحقيقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *