الرئيسية » مقالات » ريسان الخزعلي:ما يقوله التاج للهدهد…للشاعر وديع شامخ

ريسان الخزعلي:ما يقوله التاج للهدهد…للشاعر وديع شامخ

حين يتذكر النول تأريخه شعراً

-1-
..لبلقيس التاج..
ولسليمان المعجزات..
ولنا سبأ والفيضان..
لا ذنبَ لنا ببعث الهدهد الجديد..
../ما يقوله التاج للهدهد/لا/ما قاله التاج للهدهد/.. انه المروي القادم بين قطيعة الماضي والحاضر، وتضاد الحاضر مع الماضي، حيث يكون التاج لبلقيس ولسليمان المعجزات، ولنا سبأ والفيصان. غير ان ثمة نفقاً يوازي الوعي والأتجاه، حيث الوجود في ظلمة النفق أساساً وما سيكون خارج النفق من لزوجة (وجود أم نفق) .. الا ان العلامة الاتية (نور في نهاية النفق) ومن ثم (لمن انتسب؟).. وهكذا تتوالد وتتكامل/ القطيعة / معرفياً وروحياً في مجموعة الشاعر المبدع/ وديع شامخ/…، تتوالد وتتحرك كحركة /النول/ في تشكيل النسيج:

.. حين تذكر النول تأريخه..
أحيل على التقاعد بتهمة خصخصة النسيج الوطني،
واخفاء الفضلات المحرّمة..
لابد للنول ان يتذكر!…
ان تتذكر.. يعني بالقياس ان تروي.. والشاعر يتذكر ويروي الأشارة الدالة (بلقيس، التاج، سليمان، الهدهد، سبأ، الفيضان، الهدهد الجديد)… وحين يكون بعث الهدهد الجديد ممكناً.. فإن التحول من (ما قاله التاج للهدهد) الى (ما يقوله التاج للهدهد) هو الدلالة التي تكشف قوة الاستمرار (استمرار الحكاية والدلالة معاً) في توليف الشعري بشكل /قصيدة نثر/ يرتكبها الشاعر بوعي الشعر والفكر والفلسفة في اختلاط يصح فيه من القول الكثير (كان بودي ان أكون علامة استفهام..؟ السيف علامة استفهام، الخنجر علامة استفهام، الرغيف الذي لا يستدير بيد الخباز علامة ايضاً)..، ان الاسئلة محنة الفكر والوجود، والسؤال الفلسفي محنة مضافة، وما هو فكري وفلسفي تعلق بقوة في قصائد المجموعة وازاح /الغنائية/ في سرية القول (ما يقوله)  الى منطقة /الذهن/ والتجريد وتعددت التأويلات التي هي ليست بمصلحة /الشعر/ في الفهم التداولي له، وبذلك مالَ القول الى ما هو خارج المركز في دائرة توليد القصيدة وكثُر /الاستيضاح/ في المحيط، محيط دورة القصيدة (لماذا ألح عالم النور بالصراخ والدم؟ لقد سرقوا مشيمتي).. والمشيمة مركز، والنور محيط المركز الا ان الشاعر يمسك بالمركز والمحيط..، هذا ما آلت إليه آليات البناء في المجموعة… وهذه مزية جمالية/ فنية قلما تتوافر عليها قصيدة النثر حينما يكون الأنفتاح باتجاه تشكيل /صورة نص/

-2-
../وديع شامخ/ لا يكتب عن الحياة كواقعة ومواجهة يومية، بمعنىً انه لا يتماس مع السطح مباشرة بل ينفذ الى العمق الكلي بوعي متشكل من صدمة الواقعة (الغناء لا صنو له.. ثمة حياة هنالك لابد من السير اليها بأقدام حافية من القرون والببغاوات)..، وان الذهاب الى العمق الكلي يستوجب التضحيات بالكثير من المسببات التي تبعث على المسرّة، المسرّة التي ينشدها التلقي الجاهز، من هنا يمكن ان نصف /وديع شامخ/ بأنه شاعر أعماق وبؤر روحية (لستُ سيفاً كي أقاضي العسل، انا الحصان الذي كبا فاتحهُ، في دائرة الحدوة وطلقة الرحمة أصابت ركبتي وانطلق اللجام لترتيق الحكاية).
في /ما يقوله التاج للهدهد/.. يشع السرد في تواشج مع التوصيف /ما يقوله/..ويتمكن الشاعر من هذه الخاصية البنائية /الصورّية في تشكيل القصيدة، لأيجاد نموذجه الشعرية/ السردي بدراية العارف بالضرورة الفنية..
.. وقبل التدوين وعصر السلالات
وخريف القول..
كان الكلام طلسماً..
وكان الهدهد ينتظر الأشارة
..،
انت ابن ماء السماء
تتسربل بأوحال ابراجك..
ماطراً، راعداً، مضيئاً، خابياً..
كطرفة عين.. والحلم بعيد..
وعندما يكون /الهدهد/ رمز الشاعر، فان الترميز هذا يكتسب الوقع الصوتي الدال (الأشارة) حيث التنازع بين الواقعتين /رؤية التاج/ وتوصيل الرؤية هذه صوتياً الى المرسل (كان الكلام طلسماً) وبذلك تحققت تعادلية وضوح الحكاية صوتاً واشارة في النص الشعري:
..الحكاية.. أحلك من طلسم
واعمق من هدهد..
وأجل بريقاً من كرسي..
وانت النازل والهابط من طين سيوف المهزلة!
تحارب مَنْ؟
الا ان الشاعر سرعان ما يُهدم أصول الحكاية، ويسقطها /رمزاً/ جديداً.. غير انه الرمز المثلوم.. (وفي كل هذا الغياب.. كنت مساءها الثقيل، ونهارها الهارب من طلاسمها ونصف هدهدها، ونصف تاجها، وحكايتها المثلومة وقمرها الغاطس في الوحل واصنامها التي فخرتها الشمس).. وبهذا يكون الشاعر قد نفذ من سطح الحكاية الى /بعدٍ/ آخر..، في تأويل فكري فلسفي يسعفهُ القول:
.. الفلاسفة الذين نزلوا من زرقة  الحجر الى زرقة الموت
ومن بخور الآلهة الى زعفران الحناجر
يتدلون على الأيام كتقويم مديد
فلاسفة وأسفلت وطريقة!
.. ان ما يربط /النول/ بالهدهد.. حكاية التكرار، الحكاية التي تكررت وتتكرر رمزياً في الحضور الحياتي/ الشعري.. مع فارق الدلالتين/ الأشارتين، وقد جعل الشاعر منهما مساحةً لقوله لكشف العمق الكلي الذي أشرت اليه وبسياق قصيدة النثر/ حيث الأيقاع القادم من دهشة المخيلة:
..يا أخي السوط..
أنام على فتوى، واصحو على طريقة..
منتظراً أقواماً تجيء أو تهبط،
هاربة من فزعها..
أين أعلق ملابسهم يا أخي!
والبيت مشجب للوصايا والبنادق والسياط..
.. في/ ما يقوله التاج للهدهد/.. براعات/ لغوية وصورية ورمزية وبنائية/.. تتقدم في مواجهة الخصوصية، خصوصية توليد قصيدة نثر منسوبة للشاعر.
………………………………………………………………………………….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *