عباس لطيف : (المماحي) تراجيديا التشيؤ والاستعارة الاوديبية

abbas latifتثير رواية (المماحي) للروائي الفرنسي آلان روب غرييه – التي صدرت مؤخرا ترجمة سعيد احمد الحكيم اشكاليات متعددة ومتباينة وعلى اكثر من مستوى سواء في بنيتها الملتبسة باطار استعاري لعقدة اوديب ام على مستوى طبيعة شخصيتها وميلها الى الاشتغال على تقنيات التشيؤ الذي يمثل المحور المركزي في اتجاهات الرواية الجديدة، ويمثل غرييه بلا شك أبرز أقطاب هذا التيار الى جانب ناتالي ساروت وميشيل بوتور وكلود سيمون وكلود اولييه ومارغريت دوراس وكلودمورياك وغيرهم.

ولعل نماذج الرواية الجديدة بشكل عام تثير اشكاليات مماثلة فالتحول في النوع الروائي الجديد يهدف اساسا الى خلخلة الهيكلية البلزاكية او ماهو تقليدي في الرواية على مستوى السرد ونمط الشخصية والوصف الموضوعي والتوظيف الزمكاني، وتستغرق الرواية الجديدة في رسم منحنيات الفراغ المأساوي الذي يفصل بين ذاتية الفرد وبين هيمنة (موضوعية )العالم عليه ويبدو الفرد مستلبا وضئيلا في ظل آلية شمولية تعمل خارج ارادته وتجسد أنماط الرواية الجديدة تنويعا من تنويعات الكابوس الكافكوي، لاسيما ان اكثر ممثلي هذا الاتجاه وفي مقدمتهم الان روب غرييه لايخفون اعجابهم وتعلقهم بفرانز كافكا ويكمن الافتراق في ان شخصيات غرييه غير ممسوخة على طريقة غريغوري سامسا بطل المسخ بل انها تعاني مسخا (على المستوى السايكلوجي )لانها تمثل جزءا متشيئا وسط عالم مكتظ بالموضوعات والاشياء.
ان رواية (المماحي) نص استعار قناع اسطورة اوديب الملك ليسبر غور واقع الانسان في المجتمع الغربي المعاصر وازمته ازاء كينونته الانسانية وحريته ومصيره في عالم تقمصته الالة وتتمحور الرواية حول موضوعة الموت كما تمحورت المرجعية الاسطورية حول ذلك، واذا كانت (المماحي) عبارة عن تحقيق تفصيلي في جريمة اغتيال سياسي فان موسوعة لاروس الفرنسية الكبرى تصف الملك اوديب على انها:عبارة عن تحقيق يتناول جريمة وقعت.
alan rob ghriahkh alan robومن الاراء التي تثير الاستغراب بشان توظيف الاسطورة في هذه الرواية مايقوله لوسيان غولدمان في ان عقدة اوديب تظل (حلية خارجية وتبدو الصلة بينهما ضئيلة بل محل اعتراض) ومن يتأمل الرواية بمعاينة فكرية وجمالية يتوصل الى رأي يخالف الرأي الذي توصل اليه غولدمان: فكم ستبدو الرواية باهتة ومفرغة من المعنى الكلي لو حذفت تلك الايماءات الصريحة الى الاسطورة وعموما فان غرييه لم يعول كثيرا على التبني او التماثل التام بين عمله وبين المرجعية الاسطورية ويصف غرييه نفسه عمله في المماحي انه سعى الى (خلق بطل مضاد لاوديب كما جاء في مقدمة الرواية) فالرواية لم تستثمر عقدة اوديب استثمارا مباشرا او تنطلق في قراءة (متبنية) للموقف التراجيدي عند صوفوكليس بقدر ماعمدت الى احتواء وتوظيف كينونة المعنى الشمولي والمجاز الاسطوري للتعبير عن التأزم وصولا الى شكل تناصي متقدم وبمجرد ان يتساءل المتلقي عن شفرة التعالق تتحول عملية التلقي الى بحث في جوهر الاحالة التي قد تبدو غامضة وملغزة على طريقة الرواية الجديدة في اثرة الغموض والاجواء البوليسية وفضاء الاسرار والترقب لتوكيد سمة العمل التجريبي الذي يتكون امام القارئ فعمل الروائي – على حد تعبير ناتالي ساروت( يقوم على البحث وهذا البحث ينزع الى ان يكشف والى ان يعمل على ايجاد واقع مجهول).
وبغية معاينة التناصات والاحالات يمكننا المقارنة بين المتن الميثولوجي وبين المدونة النصية الروائية فاذا كانت اوديب عبارة عن تحقيق في جريمة وقعت فان والاس بطل (المماحي) يأتي الى شارع اربنتور للتحقيق في جريمة قتل تقوم بها منظمة سرية ويكون الضحية في هذه المرة دانييل دوبون الاستاذ في كلية القانون -واغتيال رجل القانون – له اكثر من دلالة وربما يبدو كالمفارقة.
وحين يقرر غاريناتي القيام بجريمة (الكاملة) يقع مالم يكن في الحسبان بمجرد ان يفتح دوبون مصباح مكتبه قبل دقائق عن موعده المعتاد الامر الذي باغت غاريتاني وجعله يسيء التصويب ويسبب لدوبون مجرد جرح طفيف ويقرر دوبون بذكاء ايهام المنظمة ويختفي عن الانظار ليجعل من جريمة الاغتيال تبدو ناجحة بينما يستغرق المخبر السري والاس في البحث والتحري في جريمة – لم تقع في حقيقة الامر- وحين يدخل والاس بيت دوبون لاغراض التحري يحدث امر اخر يزيد الوضع تعقيدا ويكسر كل الاحتمالات حين يسدد والاس اطلاقته ليقتل دوبون ليتحول من مخبر الى قاتل حقيقي!.
ومعنى ذلك ان هناك آلية لاتسمح حتى بوقوع الاخطاء العابرة هذه، الآلية الحتمية للمجتمع الغربي المعاصر تتحكم فيه تماما كما كانت الاقدار العليا تتحكم في مصائر الشخصيات التراجيدية الاغريقية على النمط الاوديبي ويثير العنوان على المستوى التاويلي الكثير من الدلالات فالممحاة توكيد للتشيؤ فهي تملك القدرة على محو فعل سابق وهي ترمز للشيئية المتحكمة، ويمكن القول اجمالا ان رواية (المماحي) بتقنيتها العالية قد حققت الكثير مما ارادت ان تتمثله بموضوعاتها المركزية الى جانب براعتها في استعارة المحمول التراجيدي من الميثولوجيا ودمجه في نسق وتجليات اللامعقول.
ولايفوتنا التنويه بقدرة وتمكن المترجم سعيد احمد الحكيم في التعامل مع نص روائي صعب المراس والتركيب على كل المستويات اللغوية والتقنية.

* عن موقع صوت الآخر

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *