الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » حامد سرمك حسن : الطقوس المتعالية

حامد سرمك حسن : الطقوس المتعالية

hamed sarmak 2((صاح شمر ولما تزل ذاكر الموت… فنسيانه ظلال مبين))

كنت أعلم أن المعترف بذنبه في حضرتها كمن لا ذنب له، فلم يشغلني حين رجعت إن كانت ستقبلني من جديد، لكن الذي يرهقني ويهز مضاجعي، ما علي أن افعله كي لا أعود لمثل تلك الحماقات مرة أخرى.
كانت ثيابي رثة ممزقة، تخللها التراب فحل بدل ألوانها المنسية. أما خصلات شعري المتناثرة فبدت كجزَّة صوف، بينما كان ثمة نهران بأمواجهما الحارة يبتدئان من مقلتي ليتبددا في صحراء قريبة.
قلت:ـ هذه مغامرة طائشة أخرى أنهيتها للتو وقفلت راجعا أجرجر الخطى إليك، ألتمس الدفء والخبز، أرفع راية الندم والانكسار، راجيا قبولي والعفو عن خطيئتي.
ـ لا باس؛ يتوب قلبي عليك.أيها الضائع العاصي؛ ألم ـجد مكانا تؤوب إليه في البرية الواسعة؟!.
كانت تنظر إلي باستعلاء يقاوم شوقا متحفزا للوثوب.انطلقت كلماتها كترتيلة مساء يصدح بها صوت رخيم، كان يصلني بهيئة كؤوس من خمرة علوية، ما إن ارتشفت أول كاس حتى طفت عوالم العشق السبعة.كان علي أن أبادر لاعترف بذنوبي، أتبرأ منها، فقط أتكلم…ولكن في هكذا طقوس أي عيون تمتلك الجرأة على العويل؟!!.
بقيت متسمرا في مكاني، ليس لي طاقة على التحرك.اقتربت مني. أخذت تمسد خصلات شعري بأنامل من حرير دافىء.
قالت:ـ أ هكذا أيها الحبيب؟!ما ان ترحل عنا حتى تنسانا لتسعى وراء عيون أخر تتيه فيها حبا وجنونا.وبعد ان تهجرك تلك العيون. يوم تجدها كالسراب لا تبل عطشك ولا تسد رمقك، فيهدك الصدى والجوع، ويذلك الفقر، إلينا تؤوب، ترجو العفو والقبول!…
ـ عيناك طقوسٌ أتحاشاها في أزمان لا تتملكني رغبة موت.
تجرأ صوتي على الظهور.بدا يعزف سمفونية حزينة أشبه بنواح ناي مستوحَد حزين في آخر الليل.تتطاول الآهات وكأنها أسراب غيوم تسبر الظلمة في ليلة مقمرة هادئة…تفطر قلبي من فيض الندم.
كانت دموعي تنسال حتى الأرض لتركع عند أعتابها معلنة البراءة مني ومن طيشي.انحنيت على ذلك العطر الملائكي. استجمعت حشاشتي المتبقية لتخرج كتل نار مع كل حرف عندما صرخت:ـ رحماك، لم يبق إلا الدموع المنكسرة وبعض حروف يقتلها الحياء.
أخذت بيدي، ولجت أيكتها المخملية.سقتني عسلا مصفى ولبنا، وكلمات بطعم السكر، وموسيقى عذبة تَمور بتجليات الصعود…حين نظرت في عينيها ازداد أوار النار في ساحتي.تساءلت:ـ كيف حق لي السهو عن هذه العيون لأربو إلى أخر تضيع في حضرتها ضياع عبد في حضرة سلطان…أخذتني عيناها في رحلة ملكوتية، كنت ارتشف في محطاتها ذاتي المبعثرة واستعيد شتات روحي المسلوب…رحلت في عوالم شتى…لم احتمل أن أجفو عنها مرة أخرى، فلعلي إن فعلت اقتل نفسي المجنونة.
بقيت وأنا في ذلك النعيم أتفكر في هذا الأمر.يقتلني ما كان مني أو سيكون من نكران وعد ونسيان معروف…عندما أشرقت الشمس كان علي العودة، اشتعلت الخشية في قلبي خناجر من نار:ـ ياويلتا، يالقلبي الضرير.هل سيقع في حفرة أخرى ليبقى دهورا قبل أن يخرج منها بضربة حظ.ليقدر الرجوع إلى تلك العيون، أيمكنني الصبر مرة أخرى على فراق ذلك العطر! أيتوجب على روحي أن تتحمل بعيدا عنه عذابات الموت في كل لحظة مرات ومرات؟!.
قالت ولحظة الفراق ترتسم في عينيها حزنا عميقا:ـ أخالك ستؤوب كعادتك إلى الهجران، لتدع قلبي يتفطر أسى من خوف عليك وأنت تنزلق في مسالك الظلام، حيث الموت والفناء، وربما الفراق الأبدي…
نهضت، شددت قبضتي على خنجري. وبضربة حملت معها أطنانا من الحزن، شققت صدري. خلعت قلبي من عروقه. رفعته على راحتي والدم يقطر صراخات ثكلى.وضعته على أعتاب حبيبتي. ومن بين حشرجات الموت الموصول كنت ابعث صوتي ضوءا خافتا في ليلة داجية:ـ إني أهبك هذا القلب الصابىء…
نزلت إلى الطرقات.كانت عيون وعيون تمر عليَّ،لم استطع أنْ أراها ،توسعت حدقتاي لأبعد ما يكون،حاولت مرارا لكن بلا جدوى…كانت عينا حبيبتي تملأ الآفاق، تسد كل منافذ الرؤيا. أحسست بجذب عظيم يقلقني.ترنحت ساقاي. وعلى بساط من ضياء، وجدتني أعرج سنينا في سماء من نشوة لا تضاهى، صوب تلك العيون…..إلى قلبي……

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *