عبد الملك نوري : فطّومة (ملف/12)

abdulmalik noori 2إشارة : قصّة “فطّومة” للراحل الرائد عبد الملك نوري تحتل أهمّية كبيرة في المسار القصصي العراقي ، ننشرها هنا للتوثيق . وقد أرسلها الروائي الاستاذ ناطق خلوصي .. فشكرا له .

القصّة : 
( القصة الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة الاقصوصة العربية التاي أجرتها
مجلة ” الأديب البيروتية سنة 1948 )

وتوقف أنين الرحى برهة، وأخذت فطومة تمسح يدها الندية بثوبها الأزرق الراهل ، وتطلق نظراتها الساهمة في عطاف الليل الحادب فوق الخرائب .
كان القمر الأسود يرمق الدنيا بعين جامدة ، ويلقي ظلاله الخاملة على الأرض السكرى بأبخرة الصيف .. والهواء الراكد يتململ أحيانا ً ، فيفوح في القفر أريج القيصوم ، وتتهامس النسم العابرة بين أعقاب السنابل والأشواك البرية حاملة من الأرجاء صهيل الخيل وحنينها ولوعتها ، ناشرة حول الأكواخ همهمة الشياه الرابضة ونخيرها . وبين آن وآن يمتد في جوف السكون عواء طويل كئيب تطلقه ثلة من بنات آوى ، وترد عليه عاصفة من نباح الكلاب . ثم ما تلبث العاصفة أن تنجلي ويعود إلى القفر هدوءه ، فيتعالى نقيق الضفادع وصرير الجنادب من ضفاف السواقي المرتعشة تحت لمسات القمر .. في انسيابها البطيء نحو الخرائب .
وكانت النسمة العابرة تحمل أحيانا ً أنين الجواريش وأصوات النساء وشجارهن ومغازلة القطط ولغط الرجال وقرقعة فناجين القهوة وأوامر شيخ القرية ، وكانت تحمل أحيانا ً همسات الدوحة الحانية فوق سقيفة فطومة ، وخرير المياه المرتطمة بأحجار الساقية وزفرات فطومة وأحاديث قلبها وأحلام ابنتها العمياء الراقدة في زاوية من الكوخ .
عادت الرحى تئن تحت قبضة فطومة ، وعادت فطومة إلى أحلام قلبها تنشرها في الظلام فتتشكل قصصا ً نابضة بالحياة ، تمازج ذكريات الماضي فيها آمال الحاضر ، وتنساب بينها نغمة متصلة حبيبة إلى قلبها ، ما ينفك ينشدها ويكرر انشادها .. فتخفق كل ذرة في جسدها العامر المكين ,يخالجها شعور الفتاة الولهى الموجسة في الظلام لقاء الحبيب . ويغمرها فيض من الأحاسيس اللذيذة المتنوعة ، وتنتشر ابتسامة هادئة في غضون وجهها ، ويلفظ قلبها آهاته الحبيسة ، ويردد بالحاح نغمته الأثيرة المحببة اليه : ” غدا ً مع شروق الشمس ، غدا ً … ” ثم تحس بدنو ما يشبه الغمامة البضاء ، وتروح في نشوة من خيال تحدق في العينين الخافيتين تحت حاجبين أشهبين ، وفي الوجه المكدود المتغضن تحيطه هالة من الشعر بيضاء ، وفي الجبين الضيق المخدود والقامة الحانية الملتائة بعباءة بيضاء .. ثم ترهف السمع بحرص شديد للصوت الشائخ العميق ينبثق رويدا ً كالدوي الخارج من أغوار كهف مظلم .
ـ سيأتي غدا ً مع شروق الشمس، سيأتي منصور ومعه خير كثير .
ــ وهل رأيته بالذات ، عماه ،؟
ــ بعيني هاتين . فليغلقهما الله إن كنت كاذبا ً
ــ وماذا قال لك .
ــ أوصاني أن أقول لك انه آت مع شروق الشمس غدا ً . ” آه .. غدا ً .. مع شروق الشمس غدا ً .. ” وتتبدد الغمامة اليبضاء في الظلام ، ويتوقف أنين الرحى ، فتنهض فطومة بقلب طروب عامر بالأمل إلى الفراش البالي المنبسط على الدكة القائمة في صدر الكوخ ، الفراش الذي شهد ليلة زواجها بمنصور منذ خمسة وعشرين عاما ً .
• * *
وينبو عن فطومة الكرى ، وتتقلب في مضجعها آونة ظويلة . ثم تهدأ حركتها وتضغي للسكون المرفرف فوق القفر ، فيتوارد اليها مزيج من نقيق الضفادع وعواء الكلاب وخرير الساقية وشخير ابنتها .. وتحين منها التفاتة إلى المنخل المعلق على الحائط تتر اقص فوقه أشعة القمر ، وتذكر فجأة حمار جارها ا لذي نفق صباحا ً، والشيخ الذي حمل اليها نبأ عودة منصور ، ومستقبل ابنتها العمياء ، وحديث جارتها عن ” القارىء ” الذي يفتح عيون العميان في المدينة وقناتها التي ترقد تحت التراب غير بعيد عن الكوخ وابنتها المتزوجة .. وزوجها الذي يعبث بشاربيه ، وحديث السمن والأرز والحنطة والشعير ، وارتفاع الأسعار ، وصعوبة العيش فيما يقبل من الأيام .. وبين كل ذلك تتدخل نغمة قلبها اليه طاغية ، جارفة .. فتخفق كل ذرة في جسدها العامر المكين وتغمض عينيها وتردد في سرها بارتخاء لذيذ : ” غدا ً مع شروق الشمس .. غدا ً .. ” وتنتشر ابتسامة عريضة في غضون وجهها .
ويمضي الليل وئيدا ً وآنيا ً ، يسحب وشاحه القضي فوق القفر ، وتحس فطومة باطمئنان عميق ، وتستغرقها نشوة حالمة ، ويسترخي جسدها في سكرة من سكرات اللذة الحبيسة الجامحة ، وتهتاجها الذكريات ، فتشبك يديها فوق ثدييها ، وتهصرهما بشدة ، بشدة ، وتمر على وجهها الندي نسمة لاهفة ، وتهمس الدوحة لحانية فوق السقيفة همسات متصلة ، وترتعش الحياة في السواقي، ويصيح ديك من بعيد أخطأ تقدير المواعيد . .
وتستنيم فطومة برهة للذة المتسربة في الحلمتين النابضتين تحت يديها ، وتنشق حبيبات العرق من مسام جسدها المضطرم ، تعقد حوله الأرض والجدران زفراتها الشائظة ، ويروعها فجأة احساس بالفراغ .. الفراغ الهائل في صدرها وفي حياتها وفي كل شيء ، وتنفلت متأوهة إلى مكان زوجها من الفراش ، وتذكر الليالي التي أمضتها ناحبة مستوحدة ، فترتخي ذراعاها ، وتهبطان إلى جانبيها ويعود ثدياها طليقين، وتعود الحلمتان للتخاذل والانكماش . وتحس بجفاف ريقها ، ويلوعها ظمأ شديد ، ويتمثل لها الكوز مرارا ً يرشح من جوانبه الماء ، ولكنها ترجىء النهوض في غمرة من أحاديث تفسها الطاغية ، وتضطرب شفتاها بهمس لاغط : ” خمسة عسشر عاما ً.. آه يا ظالم .. لا مكتوب .. لا كلمة.. ولا رسول .. حي ، ميت ؟لا أحد يدري ! أين قضيت كل هذه السنوات . لم تسأل عن حرمتك ، عن أطفالك ، عن بكرك التي ماتت .. تغربت هكذا وحيدا ً مشردا ً في البلدان تركت كوخك ، تركت أهلك وعشيرتك ، أين يا خائب ، أين قضيت كل هذه السنوات .. في أي قرية .. في أي دارة ، في أي مكان ؟آه .. نسيتنا يا منصور .. نسيت كل هذا العمر الطويل ، ولم ننسك أبدا ً . ” وتذكر خطاباً أقبلوا عليها بعد هجرة زوجها ، وكدها المتصل في سبيل العيش وآلام الفاقة والعوز وموت ابنتها بدرية ، ومذلتها بين قومها .. وتحار في عينيها دمعتان ، وتنهض منتفضة ، مسرعة إلى الكوز الصغير المسند إلى الحائط ، ترفعه بيدين مضطربتين ، وتنهال على فمه الندي بشفتيها الظامئتين ، فينساب الماء في جوفها عذبا ً رقراقا ً ، ويسيل بعضه فوق خدها ونحرها ، ويقطر بعضها على ثوبها الأزرق الراهل ، وتعود إلى الدكة وقد أحست بشيء من الراحة ، وتجلس على حافة الفراش ، وتطلق نظرتها الساهمة في عطاف الليل الحادب فوق الخرائب وتعروها فجأة رعدة باردة ، فتنقبض ملامح وجهها ، وتمد أصابعها المترددة في فتحة ثوبها ، تتلمس موضع البلل وتهيم بين ثدييها المقرورين وتتعاقب أمام ناظريها صور من مآسي حياتها في الأعوام الماضية :
ــ انتهى اليوم موسم الحصاد ، فطومة !
ــ الله كريم .
ــ أقول لك انتهى كل شيء . لم يعد لي رزق هنا !
ــ ربنا كريم ..
آه ، أنت يا امرأة .
ويلقي منجله بحنق في زاوية من الكوخ ، ويضطرب هيكله الضخم في غبش المساء ، منسحقا ً تحت وفر الألم : تعالي اغسلي رجلي ، هات الماء !
وتمضي فطومة بالقفدر الفارغة إلى الساقية ، وتشارك في مؤتمر النسوة المنعقد حولها .
وتمر برهة طويلة أ فينفد صبر منصور ، ويصرخ هائجا ً :
ــ أين أنت فطومة ؟ فطست ؟
ــ أوه اصبر قليلا ً ، لقد صبرت تسعة أشهر في بطن أمك .
وتتلكأ في مشيتها عمدا ً ، ثم تربض عند قدميه بتراخ ، فيتناول القدر من الأرض بعنف ، ويقذف الماء في وجهها وترتعش النسائم فوق صدرها المبتل ، وتعروها رعدة باردة .
ــ أصبر ؟ هكذا أصبر يا ابنة الكلب ؟
ويركلها ركلة قوية . تسيل الشمس ضفائرها الذهبية فيما وراء القفر ، وتغيم الدنيا في عين فطومة ، ويعصف الألم في أحشائها عصفا ً شديدا ً موجعا ً ، ويتعالى من حولها لغط لا يكاد يبين :
ــ دنت ساعتها .
ــ نعم … نعم …
ــ ان شاء الله يكون ذكرا ً ..
ــ الله كريم .
ــ واذا كانت بنتا ً ؟
ــ صه .. صه !
ــ ارفق يا ربي بهذه المسكينة .
ــ فليحفظها الله من بطش منصور .. أستغفر الله ربي .
وتمزق لغط النسوة صرخة حادة ، وتغيب فطومة عن الوعي برهة ، ثم تفيق لتسأل بصوت هامس :
ــ ماذا ؟
وتشهد الوجوم حولها ، فتفهم وتغمض عينيها … وتدوي في رأسها صيحة منصور زمنا ً طويلا ً :
ــ لعنة ثالثة .. يا أم اللعان ! هه .. هذا بطنك القذر لايحمل غير الاناث .
وتذهب ( أم اللعان ) في القرية مثلا ً سائرا ً ..
* * *
ــ أين بدرية يا امرأة ؟
ــ ذهبت إلى عرس صفية ..
ــ وتركتها تذهب وحدها ؟ تسع سنين عمرها .. أهل للزواج وتتركينها تذهب وحدها ،لم تسيبين عرضنا في الدروب ؟
ــ أوه منصور لا تجعل الحبة قبة !
ــ بل أترك قوادة لها .
وتنظر اليه نظرة كره ونقمة :
ــ اذا تكلمت أكثر ، فسأشق ثوبي وأخرج عارية بين الناس .
ــ تقدرين ، تقدرين .. يا ابنة الـ …
وتتدفق الشتائم البذيئة من فمه اندفاق السيل ، وتنهال على جسدها قبضتاه وقدماه ، وينزف أنفها دما ..
القمر يسكب ضوءه على وجه منصور الغاضب ، وفطومة تتمدد إلى جانبه على الفراش ، وجلة منتظرة هبوب العاصفة .
ــ أقول يا أم اللعان ، ماذا كنت تفعلين حتى الساعة مع الفحل ؟
وتدهش فطومة لهدوئه :
ــ كنت أحدثه ، أحرام علي أن أحدث أخي ، ابن أمي وابي ؟
ــ آه .. كنت تحدثينه .. أنا لا أريد هذا العاطل أن يدخل بيتي بعد الآن . أنا عندي بنات .
ــ اسكت لئلا يسمعك الناس .
ــ ألعن أباك وأبا الناس ، أنا لا أريد هذا الكلب يدخل بيتي ..
ــ أف لذاك اليوم الأسود .
ــ أخوك ، ابن أمك وأبيك ، ماذا يفعل هنا كل ليلة ؟ هل أبقى عندك درهما ً يا مسكينة ؟ عميت عينك من غزل الصوف .
* * *
ــ أستغفر الله ربي ..
ــ هه .. أم اللعان . تعالي اسألك سؤالا ً ..
ويشدها من ردنها بعنف :
ــ دعني .. دعني !
ــ أخبريني ، اذا بليت النعل ماذا يصنع بها صاحبها ؟
ــ لا أعلم .
ــ بل تعلمين جيدا ً . ، انه يجب انتعال أخرى جديدة .
ــ أتريد أن تتزوج يا خائب ؟
ــ ولم لا ؟
ــ والمهر كيف تدبره ؟ انك عاطل .
ــ آه .. يا بنت الكلب .
ويقذف في وجهها بصقة كبيرة .
* * *
دخان التنور يكتنف فطومة ، وألسنة اللهب تضطرب بين يديها ، وتلقي على وجهها ضوءا ً أحمر ساطعا ً ، ومن فوق الدكة يصيح منصور بحدة :
ــ بدرية .. يا بدرية !
ــ ماذا تريد منها ؟ دعها تعجن .
،، أريد كأس السمن .
ــ لا يوجد عندنا سمن ، افطر بشيء آخر !
ــ عجيب .
ــ السمن غال هذه الأيام . افتح أنت كيسك واشتر !
آه يا أم اللعان ، لقد أذللتني في بيتي .لأخيك كل شيء حلال ، وعليّ كل شيء حرام . انتظري أريك النجوم في وضح النهار ..
ويقفز من الفراش مسرعا ً ليضربها ، فتهرب منه منطلقة ً إلى خارج الكوخ .
* * *
الشيخ الهرم جالس في كوخه، يعبث بعثنونه ويتأمل ابنته فطومة بعينين دامعتين :
ــ كم مرة قلنا لك يا ابنتي ، اقنعي بما كتب لك الله ، وابقي عندنا .. !
ــ لا .. يا أبي .. لا أستطيع .
ويثور أخوها راعدا ً :
لا تستطيع ، لا تستطيع انظر إلى ذراعيها ، إلى فخذيها . انها تحب الضرب . انها تحب منصور . انها لا تقدر أن تفارقه لحظة واحدة .
وتدخل جارة عجوز :
ــ ولم لا تحبه ؟ زوجها ، رجل صباها وأبو بناتها . حرام يا ناس ، حرام أن تفرقوهما . ان الله سبحانه وتعالى يودع قلب المرأة حب رجلها ويودع قلب الرجل حب امرأته في أول ليلة لهما . .
وتعود فطومة إلى كوخها ، وتتذكر في الطريق ليلة زواجها ..
* * *
ها هي في الثامنة عشرة ،موردة الخدين ، ناهدة الصدر ، فارعة القامة ، قوية الجسم ، تجلس في زاوية من الكوخ ، ومنصور يحوم حولها تحويما ً . انها لا تكاد تعي شيئا ً ، وانما تحس بما يشبه الدوار . قلبها يخفق بشدة . ان شعلة الشمعة الغليظة الصفراء ما تزال تضطرب أمام عينيها ، ورائحة ماء الورد تفغم خياشيمها ، والضجيج يتوارد اليها من وراء الكوخ ، وأصوات المزامير والطبل ترسل رعدة في جسمها ، ووجوه النسوة المطلية تتخاطف في ذهتها المضطرب بسرعة عجيبة : ها هي ذي خضيرة تريها طعنة خنجر في ذراعها وتلقي في أذنيها نصائح سافرة .. وها هي ذي نورية تخطر بين الحشد الهائل بردفيها الثقيلين وثدييها المنتفختين ، وتهمس عفيفة في أذنها : انظري إلى هذه التي تتبختر كالطاووس ، لقد ملأت الدنيا صياحا ً ليلة زواجها ، ولم يجد زوجها مناصا ً من ربطها بالحبال . يا للهول ، وتذكر فجأة وجها ً شاحبا ًوحزينا ًوعينين دعجاوين وشعرا ً أسود سبطا ً ، وصاحبة هذا الوجه التي ألقت بنفسها في النهر مؤثرة الموت على الزواج .
ويقترب منها منصور ، فتجفل .. ويزداد خفقان قلبها . ان كلماته تطن في ذهنهاطنينا ً مشوشا ً مزعجا ً . انه يداعبها ، فلا تفهم ما يريد ، وتحاول الكلام أحيانا ً ، فلا يسعفها لسانها . لقد أحست به قطعة جافة من الجلد لاصقة في قاع فمها ، ولم يعد لديها قطرة من ريق . ان منصور يتحدث اليهاوهو يخلع ثيابه ، فتضطرب أقواله في ظلال وعيها ، ويشتد الدوار في رأسها :
ــ أتدرين كم كلفتني يا فطومة ؟ وكم معركة خضت لأجلك ؟ لقد انتظرتك خمس سنوات . ما لك تنظرين دائما ً إلى الأرض ؟ ألا يروقك شكلي ؟ ها ها هاه . انظري إلي مرة واحدة على الأقل . ارفعي رأسك قليلا .. آه . كأنك الليلة جالسة في مأتم . أنا حليلك يا فطومة . أنظري اليّ !
وتنظر اليه بعد محاولات عديدة ، فتلمح ابتسامة فتية حلوة تحت شاربين صغيرين وديعين ، وتلفظ أهة طويلة .. وتقضي الليلة فيما يشبه السحر ، فلا طعنة خنجر ولا ربط بالحبال ولا عنف ولا اكراه، وانما هو نعيم مقيم ولجت اليه رويدا ً رويدا ً بفضل منصور ..
وتنتقل فطومة من ذكرى إلى ذكرى ، وقد نال منها التعب ، وأثقل جفنيها النعاس ، فتتمدد على الفراش الذي أضحى ،، لشدة ما نالت منه الليالي ــ رقيقا لاصقا ً بالدكة ، تطل من شقوقه خصل القطن الكدراء .. ثم يبدو لها لحظة وجه منصور العابس وكتفاه العريضتان ، وترقبه بألم وهو يتولى عنها مع الظهيرة إلى حيث لا تدري : ” أنا ذاهب .. لا تنتظري عودتي ! ” وتظل خمسة عشر عاما ً تسائله بقلب ناحب : ” إلى أين ذاهب ؟ ” فتجيبها الدوحة الحانية فوقة السقيفة بهمساتها الحزينة أثناء الصيف ، ويجيبها القفر الواسع بهدوئه الموحش في ليالي الشتاء العاصفة .
وتظل خمسة عشر عاما ً وفية لذكراه ، تنتظر عودته في كل لحظة، وتحلم فيه ليل نهار .. وهو .. وهو .. ؟ ” آه يا كافر .. لا بأس . لقد عدت أخيرا ً .. ! ” وتنتشرابتسامة في غضون وجهها ، ويعود قلبها يردد أغنيته المحببة : ” غدا ً . مع شروق الشمس غدا ً .. ” وتغمض عينيها .
وتعود الحياة تتثاءب في القفر بعد غفوة ليلة محمومة ، وتنشط النسم العابرة بين أعقاب السنابل والأشواك البرية ، وترنق الشمس في كبد السماء ، تصلي الرعيان بشواظها اللاهب . وترقد الكلاب جائعة لاغبة في ظلال الأكواخ ، وتضج العصافير الناشطة للحب والطعام في رأس الدوحة الحانية فوق سقيفة فطومة . وتتلفت فطومة في كوخها مرتبكة مضطربة ، تسائل نفسها بين هنيهة وأخرى : ” كل شيء جاهز ، ولكن أين منصور ؟ ” وتكاد الدموع تطفر من عينيها كلما سألتها ابنتها العمياء :
ــ أماه ، الم تري أبي حتى الآن ؟
ــ لا ، يابنتي .
وتظلل عينيها بيدها، وترسل نظراتها الباحثة الحيرى في جميع الجهات ، وتند عن صدرها أنة : ” قال مع شروق الشمس . آه يا ظالم . ألا يكفي انتظار خمسة عشر عاما ً ؟ ” ويظل بصرها الممتد لحظة في ارجاء المرزة الخضراء المترامية عند الأفق ، ثم يرتد خائبا ً ،محزونا ً يتعثر بين الخرائب المجاورة : هذا بيت محسن اذي أنجلت امرأته ولدا ً قبل بضعة أيام ، وهذا جحش صغير يرضع ثدي امه بتهم ، وهذا سرب من الدجاج يتثر الروث بين أرجل فرس ربطت إلى معلفها ، والفرس تنش الضباب بذيلها ةتضرب الأرض بحوافرها .. وذاك الرجل يزيح عرق جبينه بابهامه ويعمق الساقية بمسحاته ، وتلك امرأة تتحدث اليه وتملأ جرتها ، وهناك شرذمة من الرجال يغادرون القرية على ظهور الخيل .
وتتساءل فتاتها مرة أخرى :
ــ أماه ، ألم يأت أبي ؟
ــ أوه ، كفى .. لا تسألي .
وتنصت الفتاة ، وتغص الأم بألمها ، وتلتمع الدموع في موقها ، وتنقلب إلى شؤون الكوخ في محاولة للتسرية عن نفسها ، فتحكم وضع القدر فوق أحجار الموقد ، وتنقل الرحى من زاوية إلى زاوية ، وتنضح الأرض بالماء للمرة الثالثة ، وتلقي نظرة هنا ونظرة هناك ، وتعدل أطراف البساط الذي تقتعده ابنتها .. ولكنها تتوقف فجأة وتصيخ السمع بامعان ..
ــ أماه … جاء جاء ابي ..
ــ آه .. لعل.
وتشتدالجلبة الصادرة من وراء الكوخ ، وتقترب رويدا ً رويدا ً ، فتتضح أصو ات أناس كثيرين لا تعرفهم ، ويرتفع لغطهم المختلط .. بل هذه سعلة منصور المقتضبة الحازمة هي هي لم تتغير . وهذه رؤوس الخراف تطل عليها من الباب تعلن مقدمه . ويشتد وجيب قلبها وتتحامل على ساقيها حتى تصل الباب . ثم .. ثم ترى نفسها وجها ً لوجه مع منصور ، ذلك الجبار العنيد الذي لم تنل منه السنون .
ــ ايه فطومة . كيف حالك ؟
ــ يا عين فطومة . أهلا ً وسهلا ً . أهلا ً ومرحبا ً .
وتحاول أن تطلق زغاريدها في الفضاء قبل أن ترتمي على صدره ، ولكنها تتسمر في مكانها واجمة ، قانطة ، ويشرع منصور لتقديم أفراد عائلته الجديدة :
ــ هذه أختك ناصرية أم الولد ، وهذا خادمك جسام ، وهذا ياسين وهذه سعدية وهذا الشيطان الصغير محمود .. اذهبوا .. اذهبوا .. سلموا على فطومة !
وبينما يتهافت الولد على يديها لتقبيلها ، ترفع عينيها المخضلتين وتنظر إلى السماء .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

2 تعليقان

  1. ناطق خلوصي

    صديقي العزيز الدكتور حسين
    ألا ترى معي ان نقطة الضعف في قصة ” فطومة ” تكمن في حوارها ؟ أكثر الظن ان عبد الملك نوري كان قد كتب الحوار بالعامية في الأصل جريا ً علىعادته في توظيف العامية في اعماله القصصية ، وحين أراد أن يرسل القصة الى مجلة ” الأديب ” البيروتية للمشركة بها في مساقة أحسن قصة عربية التي نظمتها المجلة ، قام بتحويل الحوار العامي الى القصحى ومن هنا جاء الفارق الواضح بيت لغة الحوار ولغة السرد .

  2. أستاذنا الفاضل ناطق خلوصي
    رأيك صحيح تماماً .. مع ملاحظة أن الحوار لم يكن “عالياً” بحيث يتناشز مع مستوى الشخصيات وخلفياتهم الإجتماعية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *