هل سطا د. عبد الله ابراهيم على مصطلح “التخيّل التاريخي” أم ابتكره؟ (6)

hussein 5حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – 4/4/2014

5-وبنفس الطريقة “الذكيّة” هذه ، يتلاعب د. عبد الله بالمقبوس الثاني بعد سطرين ينسبهما إلى نفسه .
6-وبنفس الطريقة أيضاً ، وأيضاً ، يتلاعب بالمقبوس الثالث الذي يتطلب وقفة لأن د. عبد الله يُخبرنا في الهامش أن الجملة التي اقتبسها ووضعها بين قوسين مأخوذة من نفس المصدر لكن من الصفحتين 289 و370 !!
كيف ؟ والمسافة بين الصفحتين تقارب الثمانين صفحة ؟
يقول د. عبد الله :
يتقاطع التاريخ مع السرد في إعادة تصوير الزمان ، فيتّحد تمثيل الماضي في التاريخ بالتنويعات الخيالية للسرد وتتشكل منطقة التداخل فيما بينهما من – الآن سوف يأتي القوس والإقتباس من ريكور – (العمليات المتقاطعة لإضفاء الخيال على التاريخ ، والتاريخ على القصص) (4) .
فكيف تكون هذه الجملة – في الواقع شبه جملة لأن معناها داخل القوسين غير مكتمل – الواحدة من صفحتين تفصل بينهما ثمانون صفحة ؟!!
في البداية لا بدّ لي من أن أقول – من جديد – أن المقبوس من ريكور وضعه عبد الله بين قوسين أي أن كل ما قبله هو من د. عبد الله ومن بنات أفكاره ، ولكن – من جديد – الحقيقة ليست كما يريد د. عبد الله .
قد يقول أحد السادة القرّاء بأن السبب قد يكون خطأ مطبعياً . فنجيبه : كلا . لأن الأمر لو كان خطأ مطبعياً لجاء الإقتباس بكلمات ريكور نفسها ، وفي هذه الحالة نستطيع التخمين أن عامل المطبعة نسي ووضع القوسين في غير محلهما . لكن د. عبد الله ابراهيم يقوم بتغيير كلمات ريكور وتعبيراته بكلمات وتعبيرات أخرى بقصد مسبق ومبيّت ليخفي أصلها وبالتالي فهو ، نفسه ، الذي تعمّد وضع القوسين في هذا الموضع . وإلّا لجاء المقبوس نصّاً عن الأصل . ونعود لتفسير هذا التصرف : كيف أخذ د. عبد الله جملة أو شبه جملة واحدة من صفحتين تفصل بينهما ثمانون صفحة ؛ 289 و370 ؟؟!!
abdullah in faisal prizeأقول أنها سقطة ” لاشعورية ” . عندما تغفل انتباهتنا الشعورية لأي سبب مثل : الحماسة ، ضمان التخطيط المفرط ، الزهو النرجسي ، التعب ، التشتّت ، وغيرها ، تنفلت “الحقيقة” من اللاشعور . شبه الجملة هذه موجودة في الصفحة 390 ، لكن ضمن سياق يذكّر فيه ريكور – كما يقول – بالإستراتيجية التي اتبعها لاستكشاف الزمان الثالث الذي تبتكره فعالية المحاكاة في السرد في الفصلين الأخيرين . لاحظ كم يختلف السياق والتعبير والهدف بين ريكور وعبد الله . وللإجابة على سؤال متسلسل طرحه ريكور من الموقف السابق وهو :
(إلى أي حد يشكل تقاطع الإستهدافات الأنطولوجية الخاصة للتاريخ والقصص إجابة مناسبة على الإحتجاب المتبادل للمنظورين الظاهراتي والكوني عن الزمان ؟) (ص 370) (30) .
للإجابة على هذا التساؤل وهو تساؤل خطير وواسع يأتي الإقتباس السابق ضمن السياق التالي :
(بغية تهيئة المسرح لإجابتنا ، دعونا نوجز الإستراتيجية التي كنا نتبعها . لقد بدأنا بفكرة أن هذا الزمان الثالث ينطوي على جدله الخاص (…) ثم توقفنا عند مرحلة التطابق بين وظيفة تمثيل الماضي التاريخي (بمعنى النيابة – عن) وآثار المعنى التي تولدها المواجهة بين عالم النص وعالم القارىء . وأخيرا انتقلنا إلى صعيد التداخل بين التاريخ والقصص، النابع من العمليات المتقاطعة لإضفاء الخيال على التاريخ والتاريخ على القصص) (ص 370) (31) .
وقد كشفت لنا هذه المراجعة الآن ، وبشكل مؤكّد ، أن الأسطر التي قبل الإقتباس لم تكن لدكتور عبد الله ايضاً .
أمّا الصفحة 289 فقد أخذ منها د. عبد الله جملة البداية (يتقاطع التاريخ مع السرد في إعادة تصوير الزمان) ، ولم يضعها – كعادته – بين قوسين .
إن كون مصدر الإقتباسات الأكبر للدكتور عبد الله ابراهيم في تأصيل “مشروعه” هذا هو مؤلفات “بول ريكور” ، تترتب عليه مسألة خطيرة أخرى تشرخ هذا المشروع وتؤكد كونه مأخوذا ، بل مسطوّاً عليه كما قال الأستاذ (حيدر علي سلامة) . فمن يتصدّى لنحت مصطلح جديد يريد أن يغيّر به مفهوما آخر استمر – خطأً – لمدّة مئة سنة كما يقول د. عبد الله عن “مشروعه” ، عليه حين ينقل جملا وفقرات ومقاطع وتعبيرات من ناحية ، وأفكاراً وطروحات جوهرية من ناحية ثانية مكملة ، أن يقوم بقراءة المصدر المعني كلّه ، أو – على الأقل – الأقسام والفصول الأكبر التي لها علاقة بمشروعه .
ألم يشاهد د. عبد الله ابراهيم هذا المصطلح ؛ مصطلح “التخيّل التاريخي” ، في مؤلفات بول ريكور إذا كان قد قرأها فعلاً ؟
—————————————————————————————————————————————
kh abdullah ibrahim 68-وهنا أتساءل :
ألم تصادف د. عبد الله ابراهيم ، وهو يقرأ مؤلفات بول ريكور التي كانت لها عشرة هوامش (عشرة اقتباسات) من تسعة عشر هامشاً في مقدمته القصيرة (9 صفحات) لكتابه هذا ، الإشارات الكثيرة ، والكثيرة جدا ، إلى مصطلح “الخيال التاريخي” أو “التخيل التاريخي” التي قدّمها بول ريكور ، وبهذا يقتنع أن هذا المصطلح قد سكّه باحثون قبله بعقود طويلة ، وأنّه ليس من ابتكاره ؟
ألم يقرأ الصفحات الكثيرة ، والكثيرة جدا التي يتعرض فيها بول ريكور لأهم باحِثَيْن وفيلسوفَيْن : أحدهما ابتكر المصطلح ، والآخر أثراه ونقله إلى حقل الرواية التاريخية ، وهما : كولنغوود ، وهايدن وايت ؟
لنأخذ الجزء الثالث من كتاب بول ريكور : الزمان والسرد ، وهو أكثر مصدر اقتبس منه د. عبد الله ابراهيم . لقد ذكر بول ريكور فيه إسم كولنغوود وجهوده في ابتكار وتحديد معنى مصطلح التخيّل التاريخي في الصفحات الآتية :
135، 214، 215، 216، 218، 219، 257 و336.
ومن بين العديد من المقولات والتحليلات التي قدمها ريكور عن كولنغوود ومصطلحه في الخيال التاريخي ، أقتبسُ قوله ، وهو يعلق على فكرة كولنغوود حول مفهوم التاريخ بوصفه “إعادة تفعيل” للماضي :
(ويستأنف [= كولنغوود] القول : “إن التاريخ كلّه هو إعادة تفعيل الفكر الماضي في عقل المؤرخ نفسه” و”تتضمن إعادة التفكير أصلا لحظة نقدية تتطلب منا أن ننعطف عن طريق الخيال التاريخي” . والوثيقة في حقيقة الأمر هي طريقة صالحة لطرح سؤال علاقة التفكير التاريخي بالماضي بما هو ماض ، لكنها تستطيع فقط طرح هذا السؤال. ويكمن الجواب عنه في دور الخيال التاريخي، الذي يشير إلى خصوصية التاريخ في علاقته برصد أي شيء حاضر أو معطى في الخيال كما هو. والمقطع الخاص بالخيال التاريخي عند كولنغوود مذهل لفرط جرأته) (ص 216) (32).
ثم يبدأ ببناء أفكار سريعة وشروحات عن أقوال لكولنغوود – سوف أحصرها بين قوسين – حيث يقول :
للخيال التاريخي وحده (مهمته الخاصة بتخيل الماضي) . بل يجب أن نمضي أبعد من ذلك إلى شبه – المماهاة بين عمل المؤرخ وعمل الروائي لإنصاف مفهوم التفعيل : (فكل من الرواية والتاريخ يفسّر ذاته ، ويسوّغ ذاته، وهو نتاج فعالية مستقلة توثق ذاتها ، إذ تتمثل هذه الفعالية في كلتا الحالتين في خيال قبلي) (الهوامش 13 ص 449 و450) (33).
أمّا هايدن وايت فقد ذكره ريكور وناقش أفكاره في الصفحات :
220، 227، 228، 229، 230، 272، 278، 452 و453 .
ويهمني جدا أن أنقل مقتطفات من آراء ريكور حول أفكار هايدن وايت عن التخيّل التاريخي وصلته بالرواية وفن السرد :
(يقول وايت (…) باختصار ، قد تندمج نظرية المجازات من خلال طبيعتها اللغوية المتأنية بجدول من طرز الخيال التاريخي دون أن تندمج بأنماطها التفسيرية المناسبة ، وبهذا المعنى تشكل البنية العميقة للخيال التاريخي) (ص 228) (34).
(سوف أتأمل في العمل التاريخي كما يكشف عن نفسه بجلاء، أعني بوصفه بنية لفظية على شكل خطاب نثر سردي يوهم بأنه نموذج ، أو أيقونة، للبنى والعمليات الماضية من أجل تفسير ما كانت تعنيه بتمثيله إياها “كتاب ما وراء التاريخ) . أضف إلى ذلك أن وايت يكرّر القول إن (الروايات التاريخية توهم بأنها نماذج لفظية أو أيقونات من أجزاء محددة لعمليات تاريخية) أو (بنية الحبكة التي يعدها أكثر تناسبا لتنظيم أحداث من ذلك النوع بغية إدراجها في قصة شاملة) (كتاب مدارات الخطاب) … وتكمن براعة المؤرخ في (إقران بنية حبكة معينة بشبكة من الأحداث التي يودّ أن يهبها معنى من نوع معين) . في هاتين الصورتين – الأكثر تناسبا ، والمقترنة – تُطرح مشكلة استحضار الماضي برمتها إلى جوار عملية حبك) (وهذا هو السبب في أن هايدن وايت ، يقدم مقاله “النص التاريخي بوصفه صنعة أدبية” ) (يعني هذا التصور أن تواريخنا محدودة (بمجرد أحكام استعارية توحي بوجود علاقة مشابهة بين مثل هذه الأحداث والعمليات وأنماط القصة التي تستخدمها عادة لإضفاء معنى مقبول ثقافيا على أحداث حياتنا) (ليس وايت بغافل عن هذه الخطورة . ولهذا السبب فهو يريد (فهم ما هو قصصي في كل تمثيل واقعي مزعوم للعالم وكل ما هو واقعي في كل تمثيل قصصي على نحو جلي) وتدلي فقرة أخرى بالملاحظة نفسها : (في تقديري أننا نجرّب إضفاء القصصية على التاريخ كتفسير للسبب نفسه الذي نجرب فيه القص الكبير كإضاءة لعالم نسكنه مع المؤلف. ونتعرف في كليهما على الصور التي يشكل بها الشعور ويستعمر العالم الذي يريد أن يستوطنه مرتاحاً) (الهوامش 31و 37 و38 و39 و40 – ص 453 و454) (35).

وقفة : في أصول مشروع بول ريكور في “الزمان والسرد” :
—————————————————————–
هنا تثور ملاحظة اعتراضية مهمة جدا من وحي مداخلتنا “التفكيكية” هذه لـ “مشروع” د. عبد الله ابراهيم ، وهي طريقة بول ريكور الغريبة في وضع أخطر الإقتباسات من كولنغوود ووايت في الهوامش في نهاية الكتاب . مشكلة هذه الهوامش هي أنها تكشف أن مشروع بول ريكور نفسه ما هو – في جانب كبير منه – إلّا شروحات مستفيضة ومداورات لفظية للمقولات الأساسية لهذين الفيلسوفين . لنستمع لريكور وهو يقول في نهاية الهامش 39 معلّقا على قول وايت :
(في تقديري أننا نجرّب إضفاء القصصية على التاريخ كتفسير للسبب نفسه الذي نجرّب فيه القص الكبير كإضاءة لعالم نسكنه مع المؤلف) ، فيقول :
(بهذا التصريح ، لا يكون وايت بعيدا جدا عما سأتأمل فيه لاحقا بوصفه الإحالة المتقاطعة للقصص والتاريخ. ولكن مادام لا يكاد يبين لنا ما هو واقعي في القصص كله، فإن ما يتم التأكيد عليه هو الجانب القصصي وحده في التمثيل الواقعي) (ص 454) (36).
تُرى ماذا قال ريكور في كل موقفه من التخيل التاريخي ، وجانب كبير من تحليله لعلاقة الزمان بالسرد أكثر من مقولة هايدن وايت التي تقول :
(التاريخ صورة من صور القصص بقدر ما الرواية صورة من صور التمثيل التاريخي) .

شاهد أيضاً

تجلّيات اللغة في القصيدة السرديّة التعبيريّة
التعبيرية القاموسيّة
غافلة .. للشاعرة “عائشة أحمد بازامة”/ بنغازي–ليبيا
بقلم: كريم عبدالله

يقول سركون بولص : ونحن حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطىء , لأنّ قصيدة …

شوقي كريم حسن: نجاة عبد الله….قصة الشعر!!

*هل يولد الشعر من رحم القهر الاجتماعي الذي يرافق الانسان منذ لحظات الاكتشاف الاولى حيث …

بلقيس خالد: إنطباع أول : رواية (هذيان / أيام فرناندو بيسووا الثلاثة الأخيرة)

ربما مَن لم يقرأ بيسوا، سيكون عمل الروائي أنطونيو تابوكي في روايته (هذيان) عملا ً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *