حسين سرمك حسن : هل سطا د. عبد الله ابراهيم على مصطلح “التخيّل التاريخي” أم ابتكره؟ (5)

hussein 52- في الصفحتين (7 و8) يقول د. عبد الله :
على أن التاريخ والسرد يتقاطعان في أكثر من علاقة ، وهذا التقاطع يجهز على الثنائية القائلة باختلافهما الكلي . فقوة التاريخ وقوة السرد تجدان المعنى المشترك لهما في “إعادة تصوير الزمان” ، أي بـ “الإحالة المتقاطعة” للتاريخ والسرد ، فكثيرا ما يتبادلان الأدوار والوظائف ، لأن – لاحظ أين سيبدأ قوس الإقتباس – (القصدية التاريخية وحدها تصير ذات تأثير تمارسه من خلال اندماجها في موضوعها المقصود مصادر الصياغة القصصية النابعة من الشكل السردي للخيال ، في حين لا تُنتج قصدية القصص آثارها في التحري والفعل التحويلي والمعاناة ، إلّا من خلال (….) ليس سوى الزمان المروي) (1) .
انتهى كلام د. عبد الله ، وسنجد في الهامش أن المقبوس رقم (1) مأخوذ من الصفحة 149 من الجزء الثالث من كتاب (الزمان والسرد) لبول ريكور. وسنعيد القول إن من قواعد الإقتباسات هو أن المقبوس هو ما يُحصر بين قوسين ، أي أن الكلام الذي يسبق القوس الذي أشرت إليه – وهو كلام مهم ومتفرّد عن قوة التاريخ وقوة السرد – يعود كله إلى د. عبد الله . لكن الأمر على خلاف ذلك تماماً ، فالكلام ليس لدكتور عبد الله ، بل هو بتمامه لبول ريكور الذي قال قبل أسطر قليلة وعلى الصفحتين 148 و149 ما نصّه :
(وستفضي بنا الخطوة الأخيرة من بحثنا عن تقاطعات التاريخ والقصص إلى ما وراء الثنائية البسيطة ، بل حتى إلى ما وراء التداخل ، بين قوة التاريخ وقوة القصص على إعادة تصوير الزمان ، أي أنها ستنقلنا إلى قلب المشكلة التي وصفتها ، في الجزء الأول ، بعبارة “الإحالة المتقاطعة” للتاريخ والقصص) (23).
هكذا تمضي طريقة د. عبد الله : قطعة من هنا يعترف بها ويضعها بين قوسين بصورة صحيحة ، وقطع أطول وأكثر من هناك يحاول التلاعب بها وتمريرها على القارىء على أساس أنها من عندياته . وبذلك يصبح الكاتب الاستاذ “حيدرعلي سلامة” مُحقّاً في استنتاجه الذي ذكرناه في المقدّمة .

3- ولو واصلنا تتبع ما يقوله د. عبد الله على الصفحة 8 مازجاً “آراءه” بـ “اقتباساته” من بول ريكور لوجدنا أمراً عجباً آخر . والمقطع طويل لكن لا مفر من نقله كاملاً لأهميته في تأكيد آرائنا أمام السادة القرّاء الذين يتعاملون مع استنتاج ثقيل من النوع الذي طرحه حيدر علي سلامة وهو “السطو”. لكنني سأحاول تقديم هذا المقطع على مراحل . يقول د. عبد الله ابراهيم :
تصبح المشابهة المحتملة في الأفعال المرويّة هي المشترك الوظيفي بين السرد والتاريخ ، فيكون السرد شبه التاريخي مماثلا للتاريخ شبه السردي . يظهر الثاني حينما يرسم حضورا شاحباً للأحداث ، بواسطة “إضافات سردية حية” ، ويظهر الأول حينما تكون الأحداث المتخيلة المروية وقائع ماضية ، فيرتسم وجهٌ من وجوه التشابه بين السرد والتاريخ ، ولعل “التخيل التاريخي” هو – الآن يأتي القوس ويبدأ الإقتباس من بول ريكور – (الذي يضفي على الماضي صبغة الحيوية التي تجعل من كتاب عظيم تحفة ادبية) (2).
ومن الواضح أن ما اقتبسه د. عبد الله ابراهيم من بول ريكور ، وحسب إحالة عبد الله ، هو سطر واحد من كتاب “الزمان والسرد” محصور بين قوسين واضحين ، ومهّد له بأفكار مهمة جدا عن : “المشترك الوظيفي” وعن “السرد شبه التاريخي” و”التاريخ شبه السردي” .
abdullah ibrahim 5 (2)ولكن هل هذه التعبيرات وما تبقى من النص للدكتور عبد الله ابراهيم شكلا أو مضمونا ؟
كلا . إنها ليست له .
إنها لبول ريكور أيضاً شكلا ومضموناً .
لنستمع إلى بول ريكور :
(نستطيع القول إن القصص شبه – تاريخي ، تماماً كما أنّ التاريخ شبه – قصصي . ويكون التاريخ شبه – قصصي بمجرد أن يضع شبه – حضور الأحداث “أمام عيون” القارىء عن طريق إضافات سردية حيّة غير حدسيتها وحيويتها ، الصفة المتملصة لماضوية الماضي ، التي تضيؤها مفارقات التمثيل . ويكون السرد القصصي شبه – تاريخي بمقدار ما تكون الأحداث غير الواقعية المروية وقائع ماضية بالنسبة للصوت السردي الذي يخاطب القارىء . وبهذا تشبه الأحداث الماضية ويشبه القصص التاريخ) (ص 286 و287) (24).
هكذا يصادر د. عبد الله ابراهيم فقرات كاملة من بول ريكور ؛ يقدّم ويؤخر ويعيد اللعب بالكلمات ، ولكنه يعجز – أبداً – عن إخفاء الأصل على القارىء الناقد المتفحّص الدقيق لتراث بول ريكور . وهو يقوم بألعاب لغويّة وشكليّة صغيرة جدا في محاولة الإخفاء هذه . هنا استبدل د. عبد الله “شبه – حضور” الأحداث بتعبير (حضورا شاحباً) ووضع جملة “إضافات سردية حيّة” بين قوسين .. وغيرها مما لا يخفى على القارىء اللبيب . ثم وضع مصطلح “التخيل التاريخي” قبل جملة أخرى تلاعب بها بصورة أوقعته في ورطة لأنها أجبرته على أن يقوّل ريكور ما لم يقله ويقصده ، وقد عالجت هذا السلوك قبل قليل .
4- في الصفحة السابعة من كتابه (التخيل التاريخي) يقول د. عبد الله ابراهيم :
تؤدّي عملية الحبك دورا أساسيا في التوفيق بين الأحداث وسياقاتها المختلفة ، فتقوم بالتوسط بين طرفين متنازعين ، هما : الإنسجام من طرف ، والتنافر من طرف آخر ، ذلك أن أرسطو افترض وجود مبدأ تناسق عام يحكم الطبيعة ، ويقوم بتنظيم مكوّناتها ، ولكن تقلبات الدهر ومسارات التاريخ ، وارتداداته المؤقتة ، تدفع بأوضاع متناقضة ، فتظهر الحبكة للتوسّط بين الحالتين اللتين يمكن وصفهما بـ “التوافق المتنافر” فينتهي الأمر بنسيج من المتغايرات ؛ إذ تؤدي الحبكة دور الوساطة السردية بين تعدّد الأحداث والوحدات الزمنية للقصص ، وبين المكونات المتباينة لسير الأحداث ، وتسلسل القصّة وترابطها ، وأخيرا بين التتابع ووحدة الصيغة الزمنية (3) .
وعلامة الهامش رقم (3) من د. عبد الله ، وفي الهامش يذكر عبد الله أن المصدر هو الصفحتان (295 و296) من كتاب بول ريكور (الذات عينها كآخر) . ولكن المقطع بدون أقواس وهذا يعني أنه كلّه لبول ريكور . ومع ذلك لنعد إلى بول ريكور ، ونقرأ ما الذي كتبه . يقول ريكور في الصفحتين 295 و296:
(لنذكر أولا ما كنا نقصده في الزمان والسرد بهوية على صعيد صياغة الحبكة . إننا نميّزها بعبارات دينامية على أنها تَنافس بين مطلب توافق والتسليم بوجود تنافرات تعرّض هذه الهوية للخطر ، وذلك حتى نهاية القصة . بكلمة توافق أنا أقصد مبدأ النظام الذي يترأس ما يدعوه أرسطو (تنسيق الوقائع) ، وبكلمة تنافر فإني أعني تقلبات الدهر والحظ التي تجعل من الحبكة تغييرا مضبوطا انطلاقا من وضع أولي ووصولا إلى وضع نهائي . إني أطبّق تعبير تصوير أو رسم (configuration) على فن التأليف هذا الذي يقوم بعمل التوسّط بين التوافق والتنافر. ولكي أمدّ صلاحية هذا المفهوم للتصوير السردي إلى أبعد من المثل الأهم عند أرسطو ، وهو مثل التراجيديا اليونانية وبدرجة اقل الملحمة ، فإني أقترح بأن أعرّف التوافق المتنافر ، المميز لكل تأليف سردي بأفهوم توليفة المتغاير أو غير المتجانس. إني أحاول بهذا أن آخذ بعين الإعتبار التوسّطات المختلفة التي تقوم بها الحبكة . وذلك بين تعدّد الأحداث والوحدة الزمنية للقصة المحكية ؛ بين المكونات المتباينة لسير الأحداث (النيات والأسباب والصدف) ، وتسلسل القصة وترابطها ، وأخيرا بين التتابع المحض ووحدة الصيغة الزمنية) (25) (انتهى كلام ريكور).

kh abdullah 5من حق الباحث الذي يقتبس قولا لباحث آخر أن يتدخل في حذف بعض الجمل أو الأسطر لكي يقدّم للقاريء ما يريد أن يعبّر عنه هو مدعوما بأقوال وآراء الباحث الذي يقتبس منه . أي أن من حق عبد الله أن يتدخل في الصياغة (الشكلية) لأقوال ريكور لكي يقدّم ما يسند رأيه تاركاً أي آراء أو شروحات تتناول قضايا وأفكار ليست في مجال بحثه . أي أن من حق عبد الله أن يرفع عبارة ريكور : (لنذكر أولا ما كنا نقصده في الزمان والسرد بهوية على صعيد صياغة الحبكة) . لكن ريكور له هدف غير هدف عبد الله ، فهو يقصد الهوية الشخصية في العمل السردي وعلاقتها بصياغة الحبكة الذي طرحه في الجزء الأول من كتابه (الزمان والسرد) الذي شرح فيه أولوية الحبكة أو القصة على الشخصية (راجع ص 64 من هذا المصدر ) وهو ما أراده ريكور من إحالتنا إلى مؤلفه هذا ، وهو ما يتفق مع تقسيم أرسطو للتراجيديا إلى ستة أجزاء يأتي الجزء الخاص بالحبكة في الأول قبل الشخصيات والفكرة التي تشكل مع الحبكة الـ “ماذا” لمحاكاة حركة سير الأحداث (راجع الهامش رقم 4 ، ص 298 من الجزء الثالث من الزمان والسرد) .
وموقف ريكور المختلف تماما عن موقف عبد الله ، يتضح بشكل قاطع في تسلسل أقوال ريكور ، لو سار معها عبد الله ابراهيم حتى النهاية ، وذلك على الصفحة 297 حيث يقول ريكور :
(من هذا التذكير البسيط بمفهوم الحبكة ، وقبل كل اعتبار لديالكتيك الشخصية الروائية وهو لازمتها ، يبدو واضحا بأن العملية السردية تطوّر مفهوما أصيلا تماماً للهوية الدينامية التي تصالح فيما بينها المقولات نفسها التي كان لوك يعتبرها متناقضة : التطابق والتنوّع) (ص 297) (26).
وتتكشف مقاصد ريكور المغايرة كثيرا لغايات د. عبد الله حين يستمر ريكور في توضيحها ، ارتباطا بإحالته في السطر الأول الذي حذفه عبد الله ابراهيم ، حيث يقول :
(إن خطوة حاسمة من أجل التوصّل إلى تصوّر سردي للهوية الشخصية تُنجز حين نمر من سير الأحداث إلى الشخصية الروائية . يُسمّى شخصية ذاك الذي يضطلع بسير الأحداث في القصة . إن مقولة الشخصية هي كذلك بالتالي مقولة سردية ودورها في القصة يُردّ إلى المفهومية السردية عينها التي تعود إليها الحبكة نفسها) (ص 298) (27).
وهكذا ننتقل من المعالجة إلى البتر والتشويه . والأمر نفسه يحصل بعد خطوة بسيطة حين يتلاعب د. عبد الله ابراهيم بسطرين آخرين حيث يقول ريكور :
(بكلمة توافق أنا أقصد مبدأ النظام الذي يترأس ما يدعوه أرسطو “تناسق الوقائع” ، وبكلمة تنافر فإني أعني تقلبات الدهر والحظ التي تجعل من الحبكة تغييرا مضبوطا انطلاقاً من وضع أولي ووصولا إلى وضع نهائي) (28).
والذي حوّله عبد الله إلى :
(فتقوم بالتوسط بين طرفين متنازعين ، هما : الإنسجام من طرف ، والتنافر من طرف آخر ، ذلك أن أرسطو افترض وجود مبدأ تناسق عام يحكم الطبيعة ، ويقوم بتنظيم مكوّناتها ، ولكن تقلبات الدهر ومسارات التاريخ ، وارتداداته المؤقتة ، تدفع بأوضاع متناقضة ، فتظهر الحبكة للتوسّط بين الحالتين)
لقد نقلنا عبد الله ، ومعنا أرسطو ، وريكور أيضاً ، من حقل الدراما إلى حقل الفلسفة (الميتافيزيقا) بالحديث عن رأي أرسطو بوجود مبدأ تناسق عام يحكم الطبيعة ، ويقوم بتنظيم مكوّناتها .
عن أي طبيعة يتحدّث عبد الله ، وريكور يستعين بأرسطو في الحديث عن الحبكة ؟!
عبارة ريكور تتحدث عن حبكة القصة من خلال رأي أرسطو حول المراحل الست المعروفة في الدراما ، في حين أن ما نفهمه من عبارة عبد الله ابراهيم هو الحديث عن (حبكة الطبيعة) !! على الباحث حين يغيّر أي كلمة – وليس أي جملة – من النص المقبوس أن يكون حذرا ويعرف النتائج التي سوف تحصل من تغيير بنية الجمل وإعادة صياغتها .
ثم لاحظ أي تغيير في المرجعيات أحدثه تدخّل د. عبد الله في حديث ريكور حين قال :
(فتظهر الحبكة للتوسّط بين الحالتين اللتين يمكن وصفهما بـ “التوافق المتنافر” فينتهي الأمر بنسيج من المتغايرات)
في حين أن ريكور يقول :
(ولكي أمدّ صلاحية هذا المفهوم للتصوير السردي إلى أبعد من المثل الأهم عند أرسطو ، وهو مثل التراجيديا اليونانية وبدرجة اقل الملحمة ، فإني أقترح بأن أعرّف التوافق المتنافر ، المميّز لكل تأليف سردي بأفهوم توليفة المتغاير أو غير المتجانس) (29).
أي أن التوافق المتنافر ليس (الحالتين) حالة التوافق والتنافر بل هو (تركيبهما) إذا استعرنا التعبير الهيغلي من تفاعل التوافق (كأطروحة) والتنافر (كطباق) . ألم أقل أن تغيير أي كلمة – وليس أي جملة – يمكن أن يشوّه المقاصد الأصلية بل قد يهيرها ؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *