تابعنا على فيسبوك وتويتر

ali alkasimiمحمد عز الدين التازي، أستاذ الأدب العربي الحديث في المدرسة العليا للأساتذة بتطوان، من أبرز الروائيين العرب المعاصرين، ومن أحرصهم على التجريب والتجديد، ومن أرقاهم لغة وأسلوباً، ومن أعظمهم عناية بإمداد القارئ بثقافة رصينة، ومن أكثرهم إنتاجاً ونشراً، فقد صدرت له حتى الآن اثنتان وعشرون رواية، بعضها في أكثر من مجلد واحد، نُشرت في مختلف البلدان العربية: المغرب، العراق، مصر، سوريا، لبنان. وقد أصدرت وزارة الثقافة المغربية، سنة 2005، بعض رواياته بعنوان ” الأعمال الكاملة” في ثلاثة مجلدات تضم 1785 صفحة من الحجم الكبير، ولكن هذه “الأعمال الكاملة” ليست كاملة، لأنها لا تضم الروايات التي صدرت بعد سنة النشر، مثل ” بطن الحوت” (2006)، و”حكاية غراب” (2007)، و” أبنية الفراغ” (2009)، و” شهرة تحت الرماد” (2010)، و” دم الوعول” (2012)؛ فالتازي يكتب رواية على الأقل في العام. ولا شك في أن وزارة الثقافة المغربية ستنشر مجلداً رابعاً وخامساً وسادساً، لتكون ” الأعمال الكاملة” كاملة حقاً. وبالإضافة إلى هذا العدد الكبير من الروايات، فقد أبدع التازي خمس عشرة مجموعة قصصية، وعدداً من كتب الأطفال والأعمال النقدية والمسرحية. فالتازي كاتب أدمن على السرد والكتابة، ولكنه ليس كاتباً تحت الطلب، كما يقول في “الحديقة الأندلسية” وبعض رواياته الأخرى.

نُشِرت معظم رواياته في أكثر من طبعة واحدة؛ وقررت وزارة التربية الوطنية المغربية روايته ” المباءة” على تلاميذ المدارس الثانوية، وتُرجمت بعض رواياته إلى اللغتين الفرنسية والإسبانية، مثل رواية ” أيها الرائي” (1990)، و” مغارات” (1999)، و” كائنات محتملة” ( 2002)؛ وتُرجِمت كثير من قصصه إلى اللغات الإنكليزية، والألمانية، والإسبانية، والفرنسية، والسلافاتية. ونال باستحقاق عدة جوائز مرموقة مثل جائزة المغرب للكتاب (2009)، وجائزة الطيب صالح (2013)، وجائزة سلطان العويس (2013)، كما نال وسام العرش من درجة فارس.

تتناول رواياته موضوعات مختلفة، على الأخص علاقة الرجل بالمرأة، وعلاقة السلطة بالمثقف، والعلاقات الاجتماعية المختلفة. ويبني التازي عوالم سردية بديعة غير مألوفة، وكثيراً ما يواجه أشخاصُ رواياته قدراً غاشماً لا يتحكَّمون في أحداثه وتقلّباته، فتبدو للعيان هشاشة الإنسان وضعفه، تماماً مثل أشخاص الشاعر المسرحي البريطاني وليم شكسبير ( 1564 ــ 1616م) في مآسيه.

mohammad altaziوالتازي كاتب يسائل عصره، ويتمعّن في قضاياه، ويتّخذ موقفاً منها. فهو في كل رواية تقريباً، يبدي رأيا في قضية راهنة ولا يبخل على القارئ بتوجُّهاته السياسية والاجتماعية والتربوية التي يسميها بـ ” الآراء” التنويرية ” الرامية إلى تنوير طريق البلاد العربية نحو التقدم والتطور والتنمية البشرية، والتخلُّص من ثالوث الجهل والمرض والفقر الذي ترزح تحته شعوبها منذ قرون طويلة، على حين أن غيرها من البلدان استطاعت أن تحقق التنمية البشرية خلال جيل أو جيلين ( 25 إلى 50 سنة). وخلاصة هذه “الآراء التنويرية” ضرورة تبنّي الديمقراطية، وإطلاق الحريات خاصةً حرية الفكر، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإقامة علاقة قانونية بين الدولة والمواطن ترتّب حقوقا وواجبات على الطرفين، يتساوى فيها جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية، أو الجهوية/الإقليمية، أو العقدية، أو الطائفية. وفي غمرة حماسته الوطنية قد تتسرب إلى بعض نصوصه السردية خطابات فوقية في السياسة والاجتماع، كما يقول في رواية ” الحديقة الأندلسية”.

وموضوعٌ آخر أثيرٌ إلى نفس التازي ويتردّد في عدد من رواياته، هو التحدُّث عن عاداته في الكتابة وأسراره في الإبداع. وهو في ذلك يذكرنا بالروائي الأمريكي الأشهر إرنست همنغواي الذي أفاض في ذلك في روايته السيرذاتية ” الوليمة المتنقلة” التي تضمنت فقرات عديدة عن عاداته الكتابية: أين يكتب، ومتى يكتب، وكيف يكتب، وأي نوع من الأقلام يستعمل، وماذا يشرب حين يكتب، إلخ، ويشرح لنا التازي كيفية كتابة رواية تتحلّى بالتجريب وتزدان بالتجديد في الموضوع، والبناء، واللغة. ففي رواية ” الحديقة الأندلسية”، لم يكتفِ التازي بالحوارات التي تضمنتها الرواية حول هذه القضية، بل لخّص لنا رؤيته للتجريب الروائي في عتبة من عتبات الرواية، هي ثنية الغلاف الأمامي، فقال: ” التجريب الروائي لا يفرِّق بين الواقع وبين الحلم، بين الواقع وأسطورة الواقع، بين الواقع والتوقُّعات، بين الذات ومجتمع الذات، لأنه يعي بذاته ككتابة عن الواقع، تستلهمه ولا تستنسخه، تعيد تشكيل ملامحه ولا تسعى إلى بثه كما هو…”

ولد التازي سنة 1948 م في مدينة فاس، عاصمة المغرب العلمية، التي خصها بثلاثيته الروائية ” زهرة الآس″، كما خصَّ نجيب محفوظ ( 1911 ــ 2006م) مدينته القاهرة بثلاثية القاهرة ( بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية) وروايات أخرى . درس التازي المرحلة الثانوية في القرويين، وبعدها التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس حيث حصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها، ثم دبلوم الدراسات العليا سنة 1986.

عتبات النص

المقصود بعتبات النص تلك النصوص الصغيرة الهامشية التي تسبق النص المركزي للرواية، والتي لا بد أن يمرّ بها القارئ كما يمر الزائر على عتبات الدار قبل دخولها، كالغلاف وما عليه من عنوان واسم المؤلف وتعيين الجنس، والإهداء، والفواتح، وكلمة الناشر على الغلاف الخلفي، وغيرها. وجميع هذه العتبات ذات علاقة عضوية بالنص المركزي، وتشكّل جزءا أساسياً في إستراتيجية الروائي. وسننظر في بعضها:

عتبة العنوان: لعل العنوان أهم العتبات، لما يضطلع به من وظائف تشويقية وتواصلية وتفسيرية وتميزية وتلخيصية. حتى إن أحد نقاد السرد البارزين، الدكتور عبد المالك أشهبون، أفرد له كتاباً كاملاً، ” العنوان في الرواية العربية” (2011). يقول مؤلِّف رواية ” الحديقة الأندلسية”: ” أنتَ تتحدث عن مشكلتي مع عناوين رواياتي. إبداع العنوان ليس أسهل من إبداع الرواية نفسها.” ( ص 36).

ولقد وُفِّق التازي في إبداع عنوان هذه الرواية ” الحديقة الأندلسية”، لا لأنه على صلة وثيقة بموضوع الرواية التي يتناول رحلة قام بها الكاتب إلى مدينة إشبيلية الأندلسية في إسبانيا لإلقاء محاضرة حول ” البديل الثقافي وثقافة البديل”، بل كذلك لأن ” أشبيلية مشتهاة واقعة في التاريخ وفي ذاكرة كل العرب من أيام الفتوحات الإسلامية إلى اليوم” كما يقول المؤلف في ص 21، ولأن بلاد الأندلس عموماً تشكِّل جرحاً مفتوحاً في وجدان المغاربة والعرب والمسلمين جميعاً، كما تشكِّل فلسطين هذا الجرح الدامي اليوم. فكثير من المغاربة في تطوان وطنجة وسلا وشفشاون وغيرها من المدن المغربية، تجري في عروقهم دماء أندلسية، ويحتفظ بعضهم، منذ حوالي خمسة قرون، بمفاتيح المنازل الأندلسية التي غادرها أجدادهم مكرَهين، تماماً كما يحتفظ كثير من اللاجئين الفلسطينيين في مخيماتهم، بمفاتيح منازلهم في حيفا ويافا وعكا وغيرها من المدن الفلسطينية التي اغتصبها الصهاينة ظلماً وعدوانا. ومن ناحية ثانية، فإن كثيراً من الأندلسيين في إسبانيا اليوم تجري في عروقهم دماء مغربية، وهم يدركون ذلك من أسمائهم العائلية وما توارثوه من حكايات آبائهم وأجدادهم. فلفظ ” الأندلس″ في العنوان كفيل بإثارة حب الاستطلاع لدى القارئ المغربي. أما الحدائق الأندلسية فهي ابتكار مغربي خالص، فأشهر الحدائق الأندلسية النموذجية المسماة بـ “جنة العريف” في قصر الحمراء بغرناطة هي من إبداع أيادٍ مغربية اشتهرت لمساتها بذوقٍ فنيٍّ سامٍ.

ويعرف القارئ أنه حالما يلج رواية التازي هذه ” الحديقة الأندلسية “، فإنه سيمتِّع حواسه وروحه ووجدانه، بأزاهير الأدب الرفيع، وورود السرد البديع، وسيجني ثماراً يانعة من المعرفة الأصيلة والثقافة النبيلة.

الغلاف

kh mohammad altaziيمثِّل غلاف الرواية أشكالاً هلامية مبهمة تفتح أبواب التأويل مشرعة، ويغلب على الغلاف اللون الأزرق، المفضَّل لدى العرب، وكُتِب اسم المؤلف والعنوان وتعيين الجنس ودار النشر بالخط الأندلسي المشجَّر، طبعاً. أما الغلاف الخلفي فمزدان بصورة للروائي التازي وهو يقف بجانب تمثال فتاة جميلة في إحدى حدائق إشبيلية الغنّاء. والصورة تؤكِّد لنا قيام التازي بالرحلة موضوع الرواية. وتحت الصورة كلمة للمستعرب الإسباني إغناسيو فِرّاندو يلخص فيها مضمون الرواية. ولا أشك أبداً في أن التازي هو الذي اختار الأشكال والألوان ونوع الخط العربي، فهو مؤلِّف متمرِّس يفرض رؤيته على الناشر والطابع.

الفواتح:

في الصفحة الأولى من الرواية، نجد ثلاث فواتح: لابن ضربان الشرياقي، وموريس بلانشو، وباروسلاف سايفرت. وقد دأب التازي على افتتاح كثير من رواياته بأقوال مقفاة مرصَّعة بالبديع، أشبه ما تكون بأقوال متصوفة بغداد في القرن الرابع الهجري، منسوبة إلى المدعو ابن ضربان الشرياقي، حتى إن بعض القراء استهوتهم هذه الأقوال، فجدّوا في البحث عن ابن ضربان الشرياقي، ظناً منهم أنه مؤلِّف حقيقي، لعلّهم يعثرون على كتابات أخرى له. وفي حقيقة الأمر، فإن هذا الشرياقي ما هو إلا صنو أو نظير للتازي، ابتكره التازي نفسه، تماماً كما كان الشاعر الفيلسوف البرتغالي فرناندو بيسوا ( 1888 ـــ 1935م) يخلق أنداداً خيالين له، وينشر مقالات باسمهم، ويردُّ عليهم، ويحاورهم، ويجادلهم، ويفنِّد أفكارهم. أما أقوال الشرياقي فهي ذات صلة بموضوع الرواية التي وردت فيها.

يقول الشرياقي في فاتحة رواية ” الحديقة الأندلسية”:

” أيها الكاتب العجيب والقريب والأريب، ها أنت تخرج من مقام إلى مقام، لتبلغ المرام، تبدد الحيرة والكآبة والسقام، تخرج من مكان إلى مكان، وتذهب من زمان إلى زمان، وحيث أراك منطلق الفكر، منشرح الصدر، جيّاش العواطف، دقاق الكلمات من موقف إلى موقف، ومن رفقة إلى رفقة، ومن ابتهاج إلى ابتهاج، ومن حال إلى حال، في سفر تلقي فيه الأخيار والأغيار، تتعلّم حكمة الكلام وحكمة الصمت، وتفتح عينيك على ذاتك وصبواتك وتجلياتك…”

وهكذا نرى أن هذه الفاتحة الشرياقية تتجاوب مع مضمون الرواية، ومع الفاتحة الثانية للروائي الفرنسي موريس بلانشو (1907 ــ 2003م) التي يقول فيها:

” عندما أتحدث عن نفسي، فأنا أتحدث عن ذات لا أعرفها، وأنا أتحدث عنها لأكتشفها.”

كما تدعمهما أحداث الرواية والحوارات التي تتخللها.

لغة الرواية

التازي من الروائيين العرب القلائل المتمكنين من اللغة العربية، العارفين بأسرارها، القادرين على إنتاج مختلف أساليبها ومتباين خطاباتها في الوقت المناسب والموضع الملائم في رواياته. ولعل نشأته في فاس، ودراسته في المدرسة الإسلامية القرويين، وقراءاته المعمقة، لها إسهام في ذلك. يقول في كلمة/ عتبة له على ثنية الغلاف الأمامي للرواية:

” التجريب الروائي يتجه نحو كتابة نص متعدّد الأبعاد واللغات والأصوات، ولذلك فهو يتعدد في طبقاته النصية وطرائق اشتغاله على إستراتيجية الأشكال واللعب السردي.”

لنستمع لأحد أشخاص الرواية، الروائي إدريس الغالي ( نظير التازي في الرواية)، يخاطب ناطاليا، وهي شابة أندلسية تعمل بائعة في محل تجاري، ما إن رآها بعينيها اللامعتين وابتسامتها الأخاذة، حتى تعلق بها وأحبها بقلبه وروحه ووجدانه. هنا يغادر الكاتب وهاد السجع الشرياقي، ليرتفع إلى قمم الشعر الحر، فيناجيها قائلاً:

” ناطاليا ! أيها الوجه الملائكي يا نوارة أزهرت في القلب يا ربيعاً لعُمر في خريفه يا شهوة في مكامن الروح والجسد يا براءة عذرية تمسح عن النفس الذنوب والخطايا تطهّرها بكل ما هو طهراني… ناطاليا أنتَ قصيدة شاردة نظمها شاعر مجهول بساط سحري أسطورة امرأة أأنتِ حلم أم واقع وهم أم حقيقة؟ ناطاليا…” (ص 84)

أما عندما يتحدّث كاساي، عن نفسه بضمير المتكلم، وهو جرو صغير اشتراه السارد وتعلّقا ببعضهما، نشعر ببساطة لغة البوح التي تجعلنا نتعاطف مع هذا الجرو المسكين. يقول الجرو:

” هكذا ولدتُ، صدفة، في يوم من الأيام…حركاتي رعناء، عيناي لم تكونا تنظران بوضوح إلى العالم الخارجيُ، فقد ظل جسدي أرعن الحركات، حتى إنني سقطتُ عدّة مرات وارتفعت أقدامي الأربعة إلى الأعلى، وقد صار ظهري إلى الأرض. بالقوة القليلة التي توفر عليها جسدي، أو بشيء من الحيلة بدأت أتعلمها، استويتُ واقفاً وقد صدر عني صوت مختنق أبح، …” (ص 257)

وهكذا جاء نص ” الحديقة الأندلسية ” متعدِّد الأبعاد واللغات والأصوات. فالتازي، كما قلنا، قادر على استعمالها جميعاً، ماعدا اللغة الدارجة أو العامية التي يستخدمها كثيرٌ من الروائيين العرب خاصة في الحوار، ظناً منهم أن الواقعية تقتضي تعدد الأصوات، فتُنقَل الحوارات بالدارجة. وقد فاتهم أن الواقعية لا تساوي الواقع كما هو، لأن الواقعية مدرسة فنية، وهذا يعني أن : الواقعية = الواقع + الفن.

والفن يرمي إلى ترقية المتلقي فكراً ولغةً وذائقةً. فجميع اللغات الكبرى كالإنكليزية والإسبانية والألمانية والفرنسية تتوفر على مستويين على الأقل: مستوى راق فصيح يُستعمَل للكتابة والتعبير عن الأفكار المعمقة، ومستوى عاميّ مبسّط في مفرداته وقواعده يُستعمل للتواصل اليومي السريع. واللغة الدارجة أو العامية تختلف من مكان إلى مكان في البلاد، وهي سريعة التغير بمرور الزمن. أما اللغة الفصيحة المشتركة فتمتاز بثباتٍ نسبيٍّ في المكان والزمان. ولهذا فإن الكتّاب الكبار الذين يتمنون لكتاباتهم الذيوع والانتشار والخلود، مثل نجيب محفوظ ومحمد عز الدين التازي، يتجنبون العامية ويلتزمون باللغة الفصيحة المشتركة. وتقيّد التازي باللغة الفصيحة من الأسباب التي جعلت الناقد المغربي البارز الدكتور عبد الفتاح الحجمري يقول عنه: ” كتاباته منذورة للبقاء “. ولعل أعظم روايات عبد الرحمن منيف (1933 ـــ 2004) هي ثلاثية ” أرض السواد”، ولكنها لم تحظَ بالقبول والانتشار بسبب بنائها القائم بصورة رئيسية على الحوار الذي جرى باللهجة البغدادية الخاصة بأواخر القرن الميلادي التاسع عشر وبداية القرن العشرين التي لا يجيدها اليوم حتى أبناء البصرة أو الموصل مثلاً.

بناء الرواية

مؤلِّف رواية ” الحديقة الأندلسية ” الفعلي، هو الروائي التازي، ولكن مؤلَّفها المتخيَّل هو رضوان العباسي، الذي يكتب الرواية عن روائيٍّ متخيَّل آخر هو إدريس الغالي الذي يسكن بلدة مارتيل قرب تطوان ويسافر إلى مدينة إشبيلية لألقاء محاضرة. وهناك يلتقي بمجموعة من المغاربة المهاجرين وبعض الإسبان، مثل رسام الكاريكتير مروان الشافعي، ومحمد نسيم مدرس الموسيقى، ومحمد الفارابي الناشط الثقافي، وخوسي ماريا الإسباني الذي وقع في غرام فاطمة التطوانية أثناء زيارة له إلى المغرب، وعبد الله الغزواني أبو عبيدة إمام المسجد الذي يعمل جاهداً على هداية الجميع ليضمن لهم مكاناً في الجنة، في حين أن إدريس الغالي وشلته يمضون معظم أوقاتهم في الحانات واصطياد الفتيات.

ينبني السرد في الرواية على دعامتين:

الأولى، يسرد إدريس الغالي أحداث الرحلة والعلاقات الإنسانية ومشاعره تجاه الأحداث والأشخاص، في شكل يوميّات.

الثانية، يُفسَح المجال لجميع الأشخاص الآخرين لسرد قصصهم الذاتية ومشاعرهم وعواطفهم والأحداث و الوقائع من وجهة نظرهم وبضمير المتكلم، بما فيهم الجرو كاساي.

ولما كان التازي مولعاً في اتخاذ روايته ساحة يعبر فيها عن رؤيته للكتابة الروائية والتجريب الروائي، ولا يكتفي بدراساته النقدية الجادة، فإن مؤلّف الرواية المتخيَّل، رضوان العباسي، كثيراً ما يتورَّط في مناقشات ومجادلات مع بطل الرواية، الروائي إدريس الغالي، عندما يتذمر هذا الأخير من المواقف الصعبة التي يضعه فيها المؤلّف، أو عندما يقترح مساراً أفضل للرواية. ومن أمثلة هذه المناقشات، ما كتبه إدريس الغالي في يوميته الأخيرة:

” وجدتُ المؤلف رضوان العباسي يمثل أمامي. قال لي أنا الآن أضع نهاية لهذه الرواية التي يعود بطلها إلى مرتيل بعد سفر إلى إشبيلية، ومعه بعض الذكريات.

قلتُ له قل هذا لنفسك أو أنجزه في الكتابة ولا تقله لي.

قال أنا أتشاور معك، لأنك روائي، كيف ندق المسمار في النعش؟

قلتُ له هل دق المسمار في النعش يعني لديك نهاية النهايات؟ إنك قد صنعت النهاية من البداية، وحيث بنيت روايتك على هذا البناء: سفر وعودة من السفر…”

ونحن نرى أن رواية ” الحديقة الأندلسية” لا تتوفر على نهاية، بل على خاتمة يتوقَّف عندها الحكي، أما نهايتها فقد بقيت مفتوحة، لأنها ليست كالنهايات الروائية المغلقة المعتادة ( زواج البطلين، القبض على القاتل، موت البطل، إلخ. )، بل طرح الروائي المتمرِّس أسئلةً وجودية وثقافية وسياسية لم تُجِب عليها الرواية ويتعيَّن على القارئ التفكير فيها إن لم يُجب عليها. ليست هنالك نهاية تستجيب إلى أفق توقع القارئ أو تخيِّب توقعاته، طبقاً لثقافته وعاداته القرائية، بل هنالك أشخاص ظلَّت أوضاعهم صعبة ومصائرهم معلقة: مهاجرون يقتلهم الحنين إلى وطنهم وتنحرهم الغربة، ولكنهم مضطرون للبقاء في المنفى من أجل لقمة العيش وينتظرون حلاً، صراع فكري بين أصحاب العتيق والجديد لم يجد إجابة شافية، عاشق متيم لا سبيل إلى شفاء غليله إلا باعتناق دين جديد له طقوسه التي يستحيل بعضها عليه، حريق يشبُّ في شقة البطل دون معرفة فاعله، ومؤلِّف تجاوز الخمسين يصبو إلى حب غانية في العشرين من عمرها ولم يستطِع العثور على عنوانها، وهكذا وهكذا.

ـ محمدعز الدين التازي، الحديقة الأندلسية (تطوان: منار الكتاب، 2013) 277 صفحة. وللرواية طبعة ثانية صدرت هذا العام عن دار رؤية بالقاهرة.

* أديب وباحث أكاديمي عراقي مقيم في المغرب.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"