ناظم السعود : بمناسبة بلوغه السبعين … عبد الملك نوري … هل أعلن موته ! * (ملف/6)


nadum alsood 7إشارة :
كان المبدع الرائد الراحل “عبد الملك نوري” واحداً من أهم مجدّدي القصّة العراقية القصيرة ، وأسهم مع المبدع الراحل فؤاد التكرلي في وضعها على طريق الحداثة . وقد رحل هذا المبدع بإهمال وصمت كالعادة في ثقافة تأكل أبناءها . يهمّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تعدّ هذا الملف عنه ، وأن تدعو جميع الأخوة الكتّاب إلى المساهمة فيه وفي باقي الملفّات التي سوف تستمر مفتوحة لأية إضافة وفي أيّ وقت .

المقالة :
توطئة :

في عام 1991 كنت اعمل في القسم الثقافي لمجلة جديدة في بغداد اسمها ( مجلة الرافدين ) وكانت مجلة متنوعة تصدر أسبوعيا اريد منها توجها أيدلوجيا ولكنها غيرت هذا التوجه – بحكم القائمين عليها ومنهم رئيس تحريرها الزميل مظهر عارف ومسؤول القسم الثقافي الأستاذ الناقد محمد الجزائري – الذين حولوها الى مسحة ليبرالية أفدت منها كثيرا في الكتابة عن مختلف الهموم الثقافية التي اراها او يتم تشخيصها واسمع بها وهذ ما حصل بالضبط حين سمعت ان رائد القصة العراقية الفنية – وهو الاستاذ عبد الملك نوري – يعيش حالة صمت وانقطاع تام عن ( الكتابة المنشورة ) بل عن المجتمع البغدادي برغم من انه يعيش فيه ، وكان لابد لمحرر شاب مثلي( وقتها ) ان يتحرى الحقيقة في صمت نوري ويتقصى الأسباب الكامنة خلف قرار الرائد عبد الملك نوري المريب ،وكانت فرصة ثمينة ان حلت بيينا السنة السبعون لميلاد كاتبنا الرائد ( 1921 – 1991 ) فكتبت مقالة ضافية عنه في تلك المجلة تحت عنوان ( عبد الملك نوري … هل أعلن موته ؟!) وخرج العدد الجديد محملا بمقالتي تلك ،وكان من التقاليد الحميدة يومها ان يتم عرض ابرز محتويات العدد على شاشة التلفاز قبل يوم الصدور لغرض التنبيه وزيادة مساحة المعرفة .
abdulmalik noori 2وبعد يومين من صدور العدد كنت أمام البيت ( في منطقة الاعظمية ) الذي يسكن فيه نوري بعد ان بحثت عنه طويلا ، واذكر الان ( بعد 24 سنة من الأهوال والعلل ) انني وقفت امام ” فيلا ” أكثر منه بيت للسكن وهذا ما أفرحني حقا في الداخل حتى وان كان هذا القاص هو نجل وزير الدفاع العراقي في العهد الملكي ! لكن هذه الفرحة سرعان ما تبخرت حين اخبرتني شقيقته الكبرى ان هذا السكن هو ملك لأحد أقربائهم وأعطاه لهم على سبيل الإعارة ! وهزني يومها ان القاص عبد الملك نوري جاء مستندا على ذراع أخته لعلة فيه وكان يفحص هذا ( المحرر الشاب ) الذي تجرا على عالمه ونفض الغبار عن اسمه ، وقبل ان نجلس همس لي انه ما ان سمع بموضوعي من التلفزيون حتى طلب من شقيقته ( وكانت الوحيدة التي تشاركه السكن) ان تشتري العدد من بائع قريب وانه يشكرني على ما كتبته،
لكنني كنت متفرغا ساعتها بتملي صاحب ( نشيد الأرض ) وهي المجموعة القصصية التي فتحت المجال لولادة اتجاه فني جديد للقصة العراقية : كان عبد الملك يتحرك بثقل اثر وزنه الزائد وفيه أكثر من علة لا يكاد يشير اليها وظهر لي كأنه هجر القصة عموما بعد ان قال كلمته فيها ووصلت الى شوط تجريبي لا يود ان يحسب عليه، ولم يفتني انه يشرب من شكائر نمطية ( هي من نوع بغداد ) وان المكان المحيط كان يتقرب الى القديم او انه متروك كحال المبدع الرائد ، وقد سألته اكثر من مرة عن نيتي عقد حوار يجمعني واياه في ( الرافدين ) لكنه كان يأبى ويرفض الطلب بحجج لا يمكن تسويغها الا برغبة داخلية بأنه يفضل الانزواء بعيدا عن اية اضوية كانت ، لكنني أتذكره اليوم وهو يسألني بتعجب واضح : ومن يعرفني في بغداد ؟! وعندها خرجت من عنده وثمة أسئلة تلاحقني : هذا قاص رائد ، ودبلوماسي قديم واسمه مذكور في الابحاث وعند الدارسين ولا يمكن ان يعدد احدهم كتاب القصة القدماء والمحدثين الا ويحسبه معهم ويتذكر أفضاله في بناء قصة عراقية لكنه يعيش حالة مؤلمة من الإهمال والصمت والنأي بعيدا عن الاضواء وحبس نفسه في بيت لم يكن له!.
ويوم رأيت ( الملف ) قد اشرع عنه ودعوة كريمة للإسهام فيه قررت – وأنا لا أكاد أتحرك عن فراشي بفعل المرض – ان أشارك محبة لذاك الراحل الكبير !.
ن . س
==================================
بمناسبة بلوغه السبعين …
عبد الملك نوري … هل أعلن موته ! *

(الان وقد فقدت سلّمي فان علي ان استلقي حيث تبدا جميع السلالم) .
ييتس
ناظم السعود

حين ولد عام 1921 تزامن ذلك مع ولادة الحكم الوطني في العراق ( الم يلتفت احد الى المغزى الذي حكم مثل هذه المصادفة ) و كان عليه ان يشهد بعد عقدين من الزمن ولادة اخرى له كاديب ينشر للمرة الاولى و هو لما يزل طالبا في الجامعة و لم تمض الا سنوات معدودة حتى قدر لعبد الملك نوري ان يكون واقعا تاريخيا احد رجالات التاسيس في ثقافتنا المعاصرة اولئك الذين اثرونا بالجديد في ميادين القصة , الشعر , التشكيل وهو الثالوث الابداعي الذي كنا ولم نزل نفخر به امام العالم .
و لكي نفهم اثر عبد الملك نوري في القصة العراقية الحديثة و ما احدثه فيها من تحولات كان لزاما علينا ان نعقد و لو مقارنة بسيطة بين ما كان يكتب وقتها من كتابات على انها قصص و لم تكن تخرج من دائرة الانشاء و المقالة في احسن الاحوال . و ما اصبحت عليه من حال جديد اكسبها ربما للمرة الاولى سمة الفن و الابداع , و ما كان ذلك ليحدث باعتراف الجميع الا بجهود عبد الملك نوري الذي كان يطمح منذ البدء ان ينشئ ادبا (( آخر )) مغايرا لكافة الاشكال المطروحة ومعبرا عن مفهومه الخاص للقصة : انتاج ابداعي متشاكل مع الذائقة التقليدية , القص الانشائي , نمطية الافكار و المفاهيم التي تنطلق منها … الخ .
ولم يكن ذلك سهلا امام جملة ظروف قسرية كانت تحيط به بعضها عام : اشتراكه في الحركة الوطنية و ما عاناه من اذى جراء ذلك و بعضها خاص : تعوده على نعومة العيش ثم شظف الفاقة للتبدلات التي لحقت باسرته الثرية , الا انه رغم ذك و ربما بسبب ذلك كان يسعى للتعويض في الفن الجديد الذي اخذ يبتدعه باستمرار معوضا به عن خيبات كثيرة , و هذا ما جعل من مسالة ( التجديد ) في الادب و الفن تمثل قضية عمره بالكامل .
و حين نؤرخ للقصة الجديدة في العراق و ربما في الوطن العربي فان الريادة الفنية ستعقد بلا شك باسم عبد الملك نوري وكان هذا الشيء الوحيد الذي اجمع عليه نقاد الادب و متابعوه منذ عقود طويلة !, و هذا ناتج بالطبع للانجازات الرائعة التي حققها عبد الملك خلال عمره الادبي القصير نسبيا يمكن حصر كتابته الحقيقية و التي تمثل ذروة ادبه بين عام 1948 – 1958 و فخلال عقد من الزمن استطاع عبد الملك بجهادية واضحة ان يؤسس قيما اصيلة للقصة جعلها في نماذج معدودة ترتفع الى المستوى الانساني في التعبير و القص .
و لقد جاءت قصص مثل ( فطومة ) { جائزة اولى في مسابقة مجلة الاديب – 1948 } و ( جيف معطرة ) { اول قصة عراقية و عربية تكتب وفق تكنيك تيار الشعور – 1949 } و غيرها كثير لتؤكد كم ان عبد الملك مسكون بقضية التجريب { حتى قبل ان يولد مثل هذا المصطلح على ايدي دعاة الستينين !} و راغب بالفن / الاخر … الذي لم يكتبه احد و هو لذلك لم يكن يستكين لايما انجاز يحققه اذ لم يكن ينتهي الى شكل تعبيري معين حتى ينشد شكلا آخر ليرضي ذاته الطموحة على الدوام .
و الغريب بل المؤلم انه حين اصدر عبد الملك مجموعته الباذخة (( نشيد الارض )) – 1954 و هي المجموعة التي ارخت لولادة جيل ادبي جديد و اصلت لتيار الحداثة (( الفنية )) في القصة العراقية المعاصرة في الوقت هذا تعالت اصوات و تصاعدت اتهامات من قبل خصوم و( معارضين على الدوام) لاي جديد طموح , لقد كانت حملة ظالمة مخطط لها بصورة مسبقة ارادت النيل من هذا الاديب الذي عد (( راس جيل )) و رائد اتجاه . و لكن لماذا ؟ السبب لان اولئك (( المتفيقهون )) عاشوا جدبا قاتلا في كتاباتهم و استكانوا لواقع راكد فآلمهم ذلك المسعى التثويري الذي جاء به عبد الملك في ادبه وما يمكن ان يشكله من ادانة صريحة لهم و لمواهبهم المجد بة .
غير ان تلك الاصوات لم تفهم ان القصة لم تكن محض ابداع عند الملك بل هي قضية وجودية يكابد لاجل ترسيخها و اشاعتها اصيلة , مؤثرة , متفردة , … و لذا اصبح لزاما عليه ان ينشئ فهما آخرُ للقصة ( ربما سبق مرحلته كثيرا ) و تلك هي مزيته التي ادخلته فيما بعد التاريخ و حصرتهم هم بالعتمة !
ولكن ما ابخس مقولاتهم و ما اخف موازينهم … لقد اثاروا غبارا في رائعة النهار فما ادهى حججهم ! لقد قالوا انه نقل – بل سرق ! – بعض شخوصه مما كان يقرأ ! و انه كان يطرح نماذج غريبة شاذة ! بل و كان شيخهم – د.صفاء خلوصي !- حين درس القصة العراقية, وقتها لم يذكر ابدا عبد الملك نوري من ضمن قصاصي العراق ! أي انه اخرجه من دراساته كما طرد افلاطون الشعراء عن جمهوريته !.
و بالطبع فان مثل هذه الاعتراضات و هي لا بد حاصلة مع أي جديد لم تكن تنطلق من مفهوم نقدي محدد بل انها على الاغلب كانت تشوبها طروحات هامشية متخلفة تجد في الجديد ما يكشف العورة التي لم يعد يسترها شيء !.
و نذكر للتاريخ و حده ان عبد الملك نوري قد حقق تفرده دون اتكاءات مساعدة : دعاية و اسناد , متابعة , شلل ,….. الخ , بل انه كان يتبرأ من كل ذلك و يعتبره معوقا و بعيدا عن جوهر الابداع الاصيل و لهذا كان يواجه تلك الحملة بضراوة يحسد عليها كما انه قاوم مع زميله الاديب الكبير فؤاد التكرلي ذلك المناخ المحبط و النقدات الفارغة التي حاولت ان تجد فيه مقتلا و للاسف فان ذلك قد حصل ليس لقوة المحاجة لدى الطرف الاخر بل بسبب امور اخرى لم تكن من ضمن اطراف الصراع بعضها شخصي جدا لا مجال للكتابة فيه غير انه معروف و اخرى تتعلق بذاته المتشوقة دوما لكل جديد و التي تمتلك حساسية فائقة للتواصل مع الاشكال التعبيرية و المستجدة في عالم الادب و التي لم تكن تنجذب الى بعضها حتى تهجرها الى اشكال اخرى اكثر جدة!.
غير ان هذه الذات القلقة كانت لفرط شفافيتها وسطا طيبا لان تتغلغل فيها اوجاع كثيرة بعضها كان ناتجا عن ظروف شخصية واخرى اتية من تلك الحملة الصاخية اجل نحن ندرك الان متاخرين كالعادة ان عبد الملك نوري كان مشروع نهضة طموح ليس في ميدان القصة فحسب بل لباقي الاطوار الادبية الاخرى بسبب ثقافته و قوة شخصيته و تاثيره في الجيل كله الذي كان له استاذا حسب تعبيرهم . غير ان ذلك المشروع قد حوصر و تحول بفعل الظروف التي ذكرنا و التي لم نذكر الى ما يشبه الطموح المحبط : تغلغل في فكره و نهش في ذاته و من هنا تشكلت الماساة : حصل الهجر و الانكفاء و الانقطاع القسري عن عالمه الذي احب .. لقد مل من عالم يكون فيه الطموح دوما محبطا !.. فاثر الاعتكاف لوحده مع حديقته و خضرواته !! و اظن جازما ان مسؤولية ما حدث تقع على الجميع و ان لا احد يستطيع ان يتنصل من ماساة اديبينا الكبير و لكم يتشابه هذا مع ما حصل للسياب العظيم فالظروف و المحبطات العديدة التي وضعت امام السياب و الاهمال الذي لاقاه في وطنه رغم ان اسمه كان مضاءا بشدة في الخارج فهذا ما ادى الى موته المعنوي قبل الجسدي في الغربة … هي نفسها واجهت اديبنا عبد الملك وربما في ذات المرحلة التاريخية .. ان لم تنجح بعد في اطافئه جسديا الا انها عملت على شله كليا و تحجيمه وجوديا بشكل مريع و مرئي ! .
و لا بد هنا من سؤال : ماذا نحن فاعلون ازاء كل ذلك ؟ ..لقد وقف البعض ازاء الصمت الذي غلف حياة عبد الملك بصورة او باخرى .. منهم ظل متوجسا من هذا الصمت فلم يخدشه ! والبعض الاخر حاول ان يخترق الجدار بقصد المغامرة و تفحص المجهول و لفت النظر ! أما الطامة الكبرى ففي البعض الذي عمل جاهدا على تعلية الجدار و تكثيف الصمت و خنق الصوت ! .
لقد عرفنا و من خلال جهد شخصي للكاتب هاتف الثلج ان قاصنا الرائد مازال يمتلك الشيء الكثير وانه يخفي اكثر مما يظهر !.و حين نشرت بعض اقاصيصه و مسرحياته في فترات لاحقة اعلن البعض يا للهول ان ذلك نهاية بائسة لعبد الملك الكاتب !.
لماذا ؟ هل الذي يكتب ثماني مسرحيات في نحو ثلاثة اشهر كما ذكر د. جميل نصيف في دراسته عن تلك المسرحيات يعد مجدبا في موهبته ؟ !.. و الذي يكتب رواية (احلام امراة صغيرة) و التي نشر منها فصلان (( الفصول الاخرى لم تزل مخطوطة منذ منتصف الخمسينات !)) . يدلان اننا امام رواية تشي بكثير من الامتياز اقول افي ذلك من دلالة على نضوب القريحة ؟! كلا !.. بل ان ذلك ليعلن بوضوح تام ان الاديب الكبير مازال مبدعا في قديمه و جديده ! .
هنا نذكر من يعنيهم و من لا يعنيهم الامر ! عسى و لعل ! – و قبلها نتساءل : و بعد ؟ آلام الانتظار ؟ .. الم يحن الوقت الان لنفعل شيئا ازاء هذا الرائد الذي اعطى الكثير ؟
ان عبد الملك نوري و منذ وقت طويل يئن بصمت و يكبت تاوهاته المحرقة في اعماقه مما جلب له مزيدا من الالم و المرض و الوحدة .. ولكن الا نعرف ابدا كيف نحتفي بادبائنا والكبار منهم على الاخص ؟
هل شيء كثير ان نفكر في : حلقات دراسية.. محاور في االدوريات.. اعادة طبع مؤلفات و العمل على طبع المخطوطات المركونة منذ ثلاثة عقود ؟ .. هل كثير ان نفكر بكل ذلك ؟
انا اعرف ان شيئا مثل هذا سيحصل .. ولكن متى ؟.. ربما بعد اعلان الوفاة الرسمي ! عندها ستسابق الخطوات و تتعالى الصيحات من هنا و هناك .. و لكنها ستكون بلا شك : منفر ة كسيحة بل و مضحكة حد البكاء !!.

* مجلة الرافدين / 1991

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *