شوقي يوسف بهنام : القراءة الرابعة .. الشافعي بوصفه رائدا للتحليل النفسي

شوقي يوسف بهنام
شوقي يوسف بهنام

رأينا في الحلقة المعنونة ( الشافعي والتعبير عن الإنفعالات ) ، كيف ان هذا الرجل قدم استشارة ؛ بلغة الطب النفسي ، لشخص يعاني من أزمات انفعالية حالت دون نموه في المجال الذي يقربه من الله . وتقديم مثل هذه الاستشارة ، يعني أن للشافعي خبرة في السلوك وأبعاده . أعني في فهم هذه الأبعاد . مما يجعله أن يكون مرشدا للسلوك القويم أو السوي ، إذا فهمنا ذلك بلغة معاصرة . وليس من الإنصاف ان نطالب شخصا عاش في عصر لا يمتلك رصيد معرفي في فهم السلوك كالعصر الذي عاش به الرجل . فالمعارف التي بحوزتنا الآن هي حديثة بالقياس إلي زمن الشافعي . فهي ؛ أعني هذه المعارف لا تمتلك عمرا طويلا . وعلوم ان ولادة علم النفس جاءت على يد العالم الألماني ( فونت ) عام 1879 عندما أسس أول معمل لعلم النفس وأعلن منذ ذلك التاريخ انفصال مباحث علم النفس عن الميدان الأم ، أي الفلسفة . وبعد هذا التاريخ بدأت تظهر على التوالي وجهات النظر في فهم الحياة النفسية وأبعاد السلوك مما أدى إلى ظهور مدارس علم النفس والتي لازالت تنمو وتتطور يوما بعد يوم . ومن حقنا ان ننعت الشافعي برائد التحليل النفسي ، في الحضارة العربية ، على أقل تقدير . صحيح أنه لم يقدم نموذجا نظريا ، بالمعنى المعاصر للمفردة ، لكنه قدم ملاحظات من شأنها أن تكون لبنة لنموذج نظري سواء في مجال مفهوم السلوك أو التكنيك العلاجي . والفكرة التي سنحاول تسليط الضوء عليها ؛ تتحدد في السؤال التالي : هل لو ظهر الشافعي في القرن العشرين وأعطي خيارا في ان يختار نوع المعرفة أو المهنة التي سوف يمتهنها في الحياة ؟ فهل سوف يختار مهنة التحليل النفسي على طريقة ( فرويد ) أو ( يونج ) أو ( روجرز ) أو غيرهم من أصحاب مدارس العلاج النفسي ومذاهبه . نحن نميل إلى الاعتقاد ؛ بأنه ما كان ليتردد في ذلك . وكان سيسعى لحصول على إجازة من احد معاهد التحليل النفسي لممارسة هذه المهنة الشاقة والمزعجة والنبيلة معا . وسوف يعلق على باب عيادته ( عيادة الإمام الشافعي ) . منطلقا من النص القرآني المعروف ( الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) (1) . كاستراتيجية لمنهجه العلاجي . واعتقادنا بنيناه على جملة من الأسس سنحاول تطبيقها بطريقة تتفق وحجم هذه السطور . من المعروف ان هناك سمات شخصية خاصة لابد من توفرها لدى طالب التحليل النفسي . ولعل أهمها؛ الذكاء اللامع ، البديه السريعة ، التعاطف الحار والدافئ مع الآخر ، قدرة عالية على الإصغاء ، قمع دوافع الأنا غير الملائمة مع دفاعات المريض ، إمكانية إقامة حوار فعال مع صاحب الحالة . قدرته على فهم نفسه .. قدرته على تحمل ثورات المريض واندفاعاته الانفعالية أو ما يسميه ( فرويد ) ؛ التحليل النفسي للذات . إطلاع واسع في الميادين التي تخدمه لفهم العميل . أمكانية قراءة قسمات الوجه وتعابير الجسم أو ما يسمى بلغة الجسد عموما . وحن نعتقد ان كل هذه المؤهلات كانت متوفرة عند الشافعي بقدر أو بآخر. ولذلك فهو مؤهل لمزاولة هذه المهنة . وهذه الخصائص قد تكلم عنها عبر أبياته الشعرية ؛ واصفا إياها تارة .. ومستخدما لها تارة أخرى وناصحا لها تارة ثالثة .
من المؤكد أن الشافعي لم يدرس الأمراض النفسية والعقلية وتصنيفاتها كما نجدها في الطب النفسي المعاصر . لكنه نظر إليها على اعتبارها خللا في بنية الروح أو النفس الأمارة بالسوء ناتجة عن اضطراب في طبيعة العلاقة مع الله . ومن المؤكد ايضا انه لم يقدم لنا رسما لبنية الجهاز النفسي ؛ ( الهو .. الأنا .. الأنا الأعلى ) بالشكل الذي قدمه ( فرويد ) لكنه أشار إلى أجزاء هذا البناء . بلغة تتفق والمناخ المعرفي السائد في عصره . وللشافعي عذر في ذلك .
فهو لم يدرس الطب النفسي وأمراض الدماغ مثلا . وهو لم يكن ملما بعلوم الوراثة والبيولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا ايضا . كل ما كان لديه ؛ جملة من كتب التفسير وعددا من كتب الحديث وكتب النحو والبلاغة والفقه والتصوف المتيسرة آنذاك . ربما قد يكون ذو إطلاع بسيط على الفلسفة اليونانية وبعض النصوص الكتابية للتوراة والإنجيل . هذا هو رصيد الشافعي المعرفي . لا وجود لعلم النفس ونظرياته أو للعلاج النفسي وتقنياته .. ولكنه استطاع ، وبلغة جميلة ونظرة ثاقبة ودقة بارعة ان يغوص إلى أعماق اللاوعي وجذوره . وفضاءات الأنا وعتبات ومقدسات الأنا الأعلى لديه ولدى مرتكزات العقل الجمعي السائد في عصره . فهو تعرف على الآليات الدفاعية مثل ؛ القمع والكبت والتوحد مع المعتدي وخفض قيمة الذات وتضخم الأنا .. وهذه كلها مفاهيم جاء بها ( فرويد ) من جراء عمل عيادي مضن وطويل وإطلاع واسع على معارف وعلوم العصر .( فرويد ) كان ابن عصر التنوير .. الشافعي كان ابن العصر العباسي الأول . أين الرصيد المعرفي من هذا إلى ذاك . أليس من الإنصاف أن يعد الشافعي رائدا للتحليل النفسي ؟؟ .
قد يقول احدهم أو يعترض ، ان الشافعي لم يعمل مقيما في مستشفى اختصاصي للطب النفسي ولم يعرف الأدوية أو العقاقير أوالجراحة أوالكهرباء .. الشافعي لم يعرف الاختبارات النفسية ولم يكن عالما بفنون التشخيص السريري القائمة على محكات موضوعية وخبرة سريرية متراكمة . وردا على هؤلاء نقول : كان لدى الشافعي منهجا في العلاج النفسي وليس دوائيا أو جراحيا . كان لديه القرآن والحديث والسنة . وهذا ليس غير فرقا في الاتجاه في العلاج الذي اختاره . نعم هناك مدارس علاجية مختلفة . هناك المدرسة الإنسانية .. العلاج السلوكي .. الكشطالتي .. الوجودي .. والظاهراتي و الاتجاه المتمركز حول العميل . ألا يحق لنا ان نقول هناك مدرسة شافعية في مداواة السلوك؟؟ .
لقد عرف الشافعي مرضى عانوا من الآم الضغط الجنسي وسوء التكيف وقلق المستقبل والمصابين بداء الوسوسة ( الوسواس القهري ) والانهباط والفتور واليأس وما الى ذلك من الأمراض النفسية . ها هو الشافعي يفخر بكونه طبيبا لفؤاده أي محللا لنفسه : –

وما أنا بالغيران من دون أهله إذا أنا لم أصبح غيورا على علمي

طبيب فؤادي مذ ثلاثون حجة وصيقل ذهنـي والمفرج عــن همــي

(2)

لا يمكن في هذه السطور القليلة الإجابة على السؤال الذي طرحناه . ولكن على وجه الاجمال ، يمكن القول ، ان الشافعي ، وإن لم يكن محللا نفسانيا ، بحصر المعنى ، إلا انه كان يمتلك من السمات والخصائص ، من وجهة نظر هذه السطور على الأقل ، ما يجعله مؤهلا لذلك . ذلك ان الشافعي ، بحكم ، موقعه كفقيه للجماعة ، أو إذا شئنا استخدام التعبير المعاصر ، مرشدا وقائدا لها ، ساعده على ان يكون قريبا وعن كثب من هموم أتباعه وأخوته ومشكلاتهم . ولذلك اهتم كثيرا بها فقدم لها حلولا واقترح لها ستراتيجيات للتعامل معها ومواجهتها لكي تساعد أصحابها العيش دون منغص أو مكدر أو ما يعكر صفو الضمير وسلامته وأمنه الداخليين ، على شكل فتاوى استندت إلى قراءته لنصوص القرآن . و لاشك ان صيغة تقديم هذه الفتاوى كانت فردية ومن ثم موجهه للجماعة . بعبارة أوضح ، كان الشافعي يقدم فتاواه لأحدهم ، إذا كانت المشكلة شخصية ؛ تخص سلوكه أو علاقته أو منغصات صلاته أو موانع زكاته على سبيل المثال .. وتعمم هذه الفتوى لتكون نموذجا للسلوك الجمعي المبتغى . وقد تكون المسألة عامة تخص جماعة المؤمنين فأنه يتوجه إلى ضمير الجماعة العام . وما تواجهه من أزمات أو مخاطر تحتاج إلى حل أو رؤية . وتكون الفتوى عند ذاك موجهه إلى ذلك الضمير . هنا نجد ان الشافعي ليس فقط معنيا بهموم فردية أو شخصية بل تعدى اهتمامه ليشمل الوعي الجمعي الذي سعى إلى ترسيخ طريق الهداية له . وبذلك يستحق الشافعي ليس فقط ان يكون محللا نفسيا بل وأيضا مرشدا للأمة التي عانى الكثير من اجل ان ترى النور والحق .

الهوامش :-
1- سورة الرعد ؛ الآية 22
2- بهجت ، مصدر سابق ، نص 105 ، ص 193 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| د. حسـن الخـاقـانـي : ضياع سباهيسيوس في شارع بشّار.

إنْ تورَّطَ قارئ ما في قراءة رواية: “شارع بشّار” للكاتب العراقي محمد سعدون السباهي فعليه …

حــصـــرياً بـمـوقـعـنـــا
| شكيب  كاظم : ” پيدرو بارامو ” رواية غرائبية عسيرة الفهم  ذات  لمحات  إنسانية .

وأنت تقرأ رواية( پيدرو بارامو) للروائي المكسيكي( خوان رولفو )(١٩١٨-١٩٨٦) تناجي نفسك وتحاورها، ما ألذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.