الرئيسية » نقد » فن تشكيلي » فيصل عبد الحسن : الأبيض والأسود يزيحان الغموض عن التاريخ السري لإسبانيا والمغرب

فيصل عبد الحسن : الأبيض والأسود يزيحان الغموض عن التاريخ السري لإسبانيا والمغرب

faisal abed alhasan writerاستعادة الماضي من خلال فن الفوتغراف متعة كبيرة، كما أن لها فوائد معرفية كثيرة، فَمَنْ لَمْ يعش تلك السنوات الماضية من تأريخ المغرب عاشها مع الصور الفوتغرافية في المعرض الذي أفتتح مؤخراً وسط مدينة الرباط وإقامه المركز الثقافي الإسباني ” سرفانتس “.
أكثر من مئة صورة فوتغرافية وثائقية جمعها الباحثون الإسبان خوان بابلوأرياس وتوريس غارسيا ومانويل فيريا، حكت للمشاهدين قدرة فن الفوتغراف على رواية التأريخ من خلال بؤبؤ العدسة، وبالأبيض والأسود، ومن خلال صندوق الكاميرا الخشبي بستارته السوداء التي حكت حكايات حدثت منذ اكثر من مئة سنة، فقد حكت الصور عن فترة الحماية الإسبانية على شمال وجنوب المغرب خلال الفترة بين سنتي 1912ــ 1956 م.
صندوق الصور الذي استخدمه المصورون في ذلك الزمن، الذي يعتبر بداية التصوير في العالم نجح في التقاط الكثير من هذه الصور التأريخية، لقد أهتم أولئك المصورون المجهولون كثيراً بإظهار السينوغرافيا حول الشخصيات التي يتم تصويرها، فشخص السلطان لا يصور إلا وهو جالس بين حاشيته، وعلى كرسي الحكم، وتحيط به الستائر المطرّزة والخدم والحشم بأزيائهم المميزة، وكانت تلك الصناديق العجيبة تفرض على مستخدميها أن يطلبوا من الشخصيات الرسمية المهمة، التي يصورونها ان تتوقف عن الحركة تماماً، وتنقطع حتى عن التنفس لئلا تظهر الصور مشوهة، كما أن فتحة العدسات المستخدمة في هذه الصناديق فتحات واسعة لألتقاط كل ضوء صادرعن الموقع الذي يتم تصويره، كما ان سرعة إغلاق ساتر العدسة يكون بطيئاً جداً ليتسنى تثبيت الهيئات على ورق التصوير الحساس فقد كان التصوير يتم مباشرة على ورق التصوير كمسودة ” أو ما يسمى بظل الصورة ” ومن ثم اعادة تصوير الظل إلى صورة.

أبو حمارة
صور مختلفة الحجوم لوجوه فردية ومجاميع بشرية، تضمنت لقطات سلطانية لضيوف المملكة كالجنرال فرانكو عند زيارته للملك محمد الخامس، وهو السلطان مولاي يوسف، الذي تولى العرش المغربي سنة 1912 بعد تنازل أخيه المولى عبد الحفيظ، ووقتها كانت المغرب تعج بالفوضى والاضطرابات، إذ لم يمض وقت طويل على أخماد فتنة جيلاني زرهوني أو ما يلقب ب ” أبو حمارة ” الذي كان ينتقل من قبيلة إلى أخرى على حمار ليبث روح التمرد والثورة على السلطان المغربي، وادعى أنه أبن السلطان، وزوّر الأوراق التي تثبت أنه محمد الابن الأكبر للسلطان الحسن الأول، الذي كان وقتها معتقلاً لدى أخيه مولاي عبد العزيز ولا يستطيع أخوه أظهاره للناس لأنه صاحب الحق بالسلطنة من أخيه عبد العزيز.
والملك الحالي للمغرب محمد السادس هو حفيد “محمد الخامس″ بن مولاي يوسف، وقد زينت جدران المعرض التي أطل من خلالها الزائر على العلاقات الدبلوماسية للدولة المغربية في عهد الحماية، ورأى صور المشاركة في الحملات العسكرية بين الطرفين إسبانيا والمغرب.
والصور الأكثر قدماً في المعرض صورت بألات تصوير بدائية، هي ربما من الجيل الأول لآلات التصوير، التي تنتمي لفترة الحرب العالمية الأولى، وقد حكت تلك الصور المشوشة عن مغرب غارق في البؤس والتخلف خلال بداية القرن الماضي، لكنها أظهرت أهله ومشايخه بأزيائهم القديمة، ووجوههم الشاحبة، وقد فرضوا على قادة الجيش المحتل الإسباني احترامهم، وبدت وجوه قادة الجيش الإسباني السمحة والمرحبة بمواطني المغرب من خلال الصور لكسب ودهم، وارضائهم، وبدا شيوخ المغرب وكبراؤه في الصور الفوتغرافية أكثرعزة وكرامة من ضباط الاحتلال، الذين جاءوا إلى أرضهم غازين، وبدوا وهم ينظرون للضباط والقادة بشموخ المسلم، المؤمن بالله، الذي يعتقد بإن الخير والضر لا يصيبه إلا بتقدير الله العزيز الكريم، ومن يدقق في الصور سيرى آيات التبجيل والاحترام واضحة من قبل الغزاة لأهل البلد وكبرائهم.

صندوق العجائب
فهل كانت هذه المعاملة الطيبة التي تبدو في مختلف الصور المعروضة مداهنة لشيوخ القبائل المغربية أنذاك؟ وهل هي كانت وسيلة المحتل لخداع الناس؟ أم أن لتأثير الثورات والرفض الجماهيري للغازي، وأذاقته مرَّ الهوان في معارك غير متكافئة في العدة والسلاح هي السبب؟ فقد كانت ثورة الريف في الشمال الشرقي للمغرب بقيادة عبد الكريم الخطابي مستعرة، والتي ابتدأت عام 1920 وأخذت تفتك بالجيوش الإسبانية والفرنسية المحتلة وتمرغ كرامة هذه الجيوش التي تمتلك السلاح العصري في التراب.
الصور حكت أيضاً عن الجانب الإنساني لأهل المغرب كالمناسبات الدينية والسلطانية واحتفالات الناس بالمولد النبوي الشريف، وحفلات الأعراس والطهور، وحلقات الذكر الحكيم في الزوايا والمساجد، ونقل جانباً من المعرض أيام القحط التي مرت بالبلاد بسبب أنقطاع المطر، وجفاف البوادي بسبب شحة الماء، وأظهرت بعض تلك الصور فترة الجوع في المغرب بين الأعوام 1913 و1914 و1937 و1945م بسبب قلة الأمطار، وحينها أضطر الناس إلى طبخ جذور النباتات الصحراوية، ومنها ما كان يسمى أقرني، وسمي اللوف والرقيطة أيضاً، وكان أكله يخلف ألتهابات في الحلق والبلعوم، ويتسبب بتشنجات مؤلمة في الأمعاء، وثمره يشبه حبات العنب مرّ المذاق، وأكل الناس أيضاً خلال هذه الأعوام الجراد والحلزون وسميت تلك الأعوام بأعوام الجوع أو اعوام بوهيوف، وأظهرت صور أعوام بوهيوف مدى فاقة الناس ونحولهم وموتهم جوعاً ومرضاً، في طرقات المدن أو في الطرق الترابية المؤدية لها، إذ حدثت وقتها هجرة واسعة للسكان من المناطق المتضررة في البوادي إلى المدن الكبيرة، التي كانت مقراً للحاكم العسكري الإسباني في الشمال ” كاباص ” الذي كان يلقبه الأهالي بسي عبد السلام، لأنه تعلم اللغة العربية، وحفظ بعض الآيات القرآنية، وأخذ يلبس مثل ملابسهم، ويخالطهم في مجالسهم، وأخذت سلطات الحماية الاسبانية بناء على توصيات للحاكم العسكري كاباص توزيع بعض الشعير على أولئك المبتلين بهذا الخصاص، وتصور تلك الصور قبضة الشعير، التي كانت تعطى لكل فرد من أفراد القبائل المغربية المتضررة.
وصور أخرى عرضت في المعرض، التقطت خلال فترات تعاون المخابرات المغربية والإسبانية في عهد الحماية الإسبانية على المغرب، صور بالأبيض والأسود أزاحت الغموض عن التاريخ السري المشترك لإسبانيا والمغرب.
صندوق العجائب بالرباط نقل بالأسود والأبيض أسراراعوام بوهيوف وفتنة بوحمارة وقبضة شعير كاباص، لقد نقل إلى الواجهة عالماً ثاوياً في اعماق التأريخ المغربي والإسباني المعاصر، وأعاد أوجاعه التي دفنها التأريخ إلى الحاضر.
{كاتب عراقي مقيم في المغرب
faissalhassan@hotmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *