قحطان جاسم : آصرة الحكمة والشعر في ديوان “خارطة اللون..قبعة السماء” لسمية عسقلاني

الشاعر قحطان جاسم
الشاعر قحطان جاسم

رافقت الحكمةُ الشعرَ منذ بزوغ البشرية ومحاولات الانسان صياغة تصورات تعينه على فهم ظواهر الحياة والطبيعة. وكانت تلك التصورات بمثابة محاولات دائمة لجعل الحياة اكثر قبولا للعيش. لكن الشعر بمرور الزمن استقل الى حد ما عن الحكمة تزامنا مع التطور الانساني والحياتي، بحيث صار للشعر ميادينه واحتياجاته الخاصة وادواته التي ترتكن الى اللغة معينا اساسيا للتعبير.
• الا ان لعبة الشد والجذب بين الشعر والحكمة استمرت مع ذلك على مدى العصور، وما تزال تجد لها صدى في وقتنا الحاضر، طالما ان الوجود الانساني يشكل المنابع المشتركة للشعر والحكمة. وهذا ما نلمسه في ديوان الشاعرة المصرية سمية عسقلاني الاخير” خارطة اللون ..قبعة السماء ” الذي صدر عن دار الادهم في 2014 في القاهرة. وهو الديوان الثالث. وكانت قد كتبت اولى دواووينها ” الديوان المفقود” بين 1991-1998، لكنه لم يصدر حتى الان، وما يزال قيد التجميع والتنقيح. اما ديوانها الثاني ” البوح بالمكنون” فقد صدر عام 2012، ثم ديوانها الثالث ” وجه في دفتر الابدية” 2013.
• درست الشاعرة عسقلاني الفلسفة وتعمل الآن استاذة جامعية، ويبدو ان الفلسفة تركت بصماتها وطبعت شعرها بالحكمة، خصوصا في ديوانيها الثالث و الراهن. لكن هل اقتصرت تجربة الشاعرة عسقلاني على الحكمة، بحيث حلّت العبارات والمفاهيم الفلسفية تماما مكان الصور المتخيلة والمعانى الحسية والجمالية الذاتية في القصيدة، أم أنها تجاوزتها لتشتغل على موضوعات اخرى في ديوانها الذي نقوم بقراءته؟
بُنية الديوان:
تتوزع قصائد الديوان تحت سبعة عناوين : الزهرة، الجغرافيا، القصيدة، اللون، التاريخ، الحب، الزمن. و هذه العناوين الرئيسية هي مداخل لعناوين اخرى تشكل في ظلها مجموع قصائد الديوان ال 41 قصيدة. وهي عناوين تحمل رمز الطبيعة والتاريخ – الانسان، والحب- العلاقة البشرية ، ثم الزمن ، باعتباره الوعاء الذي نقيس فيه افعالنا ووجودنا. بمعنى آخر، ان الشاعرة سعت الى الاشتغال في قصائدها على مساحة واسعة تتعلق بالوجود الانساني. وهذا التوزع بقدر ما يحمل من تشويق واثارة لفضول القاريء وتحفيز وعيه للغور في تفاصيل القصائد، الا انه يحمل مخاطره عبر تجزئة وتبسيط التجربة الشعرية. فالتوزع على مساحة واسعة من الافكار بهذا الحجم قد يقود الى هلامية وعدم تناسق المعنى.
توزعت القصائد على شكل لوحات انتهت بعضها بخاتمة مباغتة، كما لو ان الشاعرة كانت تسعى للنأي عن بوح كامل الفكرة والاقتصاد بالتعبير، ربما في محاولة لحث القاريء على البحث عن الفكرة المكتومة في قصائد اخرى .بدا ذلك واضحا في قصائد ” الزهرة” ص.7 و” وحشة”ص 41-42 و” ظل الظهيرة” ص.45، حيث بقيت النهايات مفتوحة على آفاق غير واضحة.
الزمن؛ الحبل السري للقصائد :
لكن القاريء لا يعدم وجود خيط داخلي يربط الرؤى المتوزعة على القصائد. ففكرة الزمن مثلا تطل في العديد من القصائد. ففي قصيدة “محملة بالذكريات” ص5، التي تتحدث بحنين مشبوب عن الطفولة، حيث حكاية الجدة تسترجع شيئا من البدايات الممزوجة بتفاصيل الماضي تشكل رصيد الذاكرة الحيّة التي تغترف منها الشاعرة:
خبز جدتي
حكاية الغول
النار في حقل القمح
الشوك في شجرة الليمون
رائحة العتمة
شعرها الطويل
وعضة الخوف” ص5 ??????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????
في هذا التصويرالشعري، الذي يقترب من الفوتغراف مزخرفا بملامح فنتازيا لرائحة العتمة وعضة الخوف، يتجاور المكان والزمان ليكونا عماد الذاكرة.
نترصد فكرة الذاكرة، التي ترمز الى الزمن، متكررة في قصائد اخرى، حتى عند انعدام حضورها المباشر، إذ انها تترك ظلالها سارحة في فضاء القصائد “تخونني ذاكرتي” ص41 ” ، ” يذكرني بدمي المتناثر حولي”ص47، “أن تتذكر حبك القديم – يطفو على السطح كفقاعة”ص 49، ” أخشى ان تدخلني الذكرى في دائرة الحزن ” ص81، و” ارجم الوقتُ- و اشعل النيران في ذاكرتي” ص89 و” أفتتُ ذكرياتي الذابلة” ص95. لكن الذاكرة هنا لا تكتفي بالزمن كدّالة على الماضي، بل تعبر الى الحاضر والمستقبل ايضا، بل انهما يتداخلان كما في” أحلم بالعرش – يأتي طائرا على كف جنيّ”ص11 و” في انتظار مارس- ذلك المغلف بالقلق “ص 95، حيث صور الألم والحزن والأسى والقلق تسم الزمن، الى درجة تكون قاتمة بحيث يعيق الشاعرة وهي تتطلع الى سماء زرقاء ان لا ترى سوى” خيمة زرقاء- من اللاشيء- يمنعني ان أرى” ص57. وهذا التطلع الى السماء يتكرر ليعبّر ايضا عن حنين ووجع انساني لشيء مفقود.
الحكمة في ثوب الشعر:
وهكذا فان الحكمة في قصيدة عسقلاني تتحول الى تعويض عن خسارات ما لذلك الذي يرفع رأسه الى السماء منتظرا خلاصا ما و لتلك “الملقاة على سطح بحر كصفحة فارعة”ص25.وهي خسارات يرافقها عجز ومرارة.
تستعير الشاعرة افكارا من القرآن “سورة مريم” لرسم صورة قاتمة عن هذا العجز. فاذا كانت الآية تجد حلا في نهاية المطاف لحالة مريم وهي تجلس تحت النخلة حيث يجيئها نداء الخلاص الالهي ” وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا.” فان هذا الخلاص يتحول عند عسقلاني الى هم أكبر، حيث السقوط يثقل كاهلها بدل أن يمثل خلاصا لمحنتها، او كما تقول “نخلة عالية- تنبت على كفي- أهزها اليّ- فتسقط فوقي” ص31 . ويكبر هذا العجز ليكون تاما وعبثيا كما في قصيدة “الجنة والتفاحة ص 91، حيث ” هنا لا شيء يسع كل هذا الحزن- لا الدمع- ولا الرأس إذ حذفنا صورة الموتى- – ايّ نار لدى الرب غير تلم التي تصطليها؟ ص 91
لكن منطق الحكمة، الذي يهيمن على اجواء بعض القصائد، يغدواكثر وضوحا وحدّة وقربا الى منطق الفلسفة في بعضها الآخر، حيث قضية خروج آدم من الجنة ” منذ نزعتُ من صدر آدم – وتشكلت على تلك الهيئة- بات يبحث عن حشو للفراغ الذي فوق قلبه”ص 22، ومنذ هذا الخروج صار ” التاريخ أفعى – علاقة بين انحسار الأبجدية وانهيار الحضارة”ص55. ويمتد هذا الانهيار ويتواصل في حروب قابيل وهابيل وسفح الدم الى عصرنا هذا الى درجة ان “الشيطان كان محقا منذ البداية” ص61. وهي استعارة ثانية من القرآن الذي يعتبر الشيطان رمزا للشر، بحيث لم يتوقف سيل الدم منذ ان وعد الشيطان الله أن يحرف الانسان عن طريق الخير. وكرد على كل هذه الشرور والخراب تطرح الشاعرة سؤالا يشوبه بعض العجز “كيف يا الله يومها لم تنهِ المسرحية وتسدل الستار ؟! ص61
حتى الحب لا يخلو من الفكرة الفلسفية، ويتجلى ذلك بصورة سؤال ” هل كان الحب إذا فكرت في الدفء” ص 12، او يغدو مدخلا لفهم نفسي في قصيدتي ” الحب” ص 65، و “الغرام” ص69. بيد ان الشاعرة تعود الى موضوعة الحب في قصيدة اخرى بشفافية اكثر مبتعدة عن الرؤية الفلسفية ” اكتفيت من الحب بصورة- اعلقها على جدار القلب” ص13

تخفت او تكاد تختفي نغمة الحكمة في قصائد اخرى ويحل محلها الوصف والسرد الحسيان اللذان يكشفان عن وقائع بعضها ذات ملمح قاس وخشن ” محيط من الصحراء تبدو صفحتي”، والتي تقترب مما هو محكي يومي كما في قصيدة “تحرر” ص 37. لكن هذا الاقتراب من اليومي لا يفقد القصيدة بهاء الشعر، بل العكس يمنحها خزينا من صور الوجود كما في قصيدة ” اللون” ص 43، او حين يتعانق المادي بالمتخيل، الشيء بظله ” كلما أمر بنبتة الظل- أطمئنها- لن اكشف سرّ خضرتك الداكنة في عينيّ” ص53. الا ان هذا الغور في اليومي سرعان ما يقع في الخطابة المباشرة، بل انه يتحول في بعضه الى صياغات غير موفقة يعوزها الشعر و يقترب من اللغة الصحفية، مما يفقد الشعر اشراقته كما في ” صخبٌ داخليّ – يتصاعد مع دقة الحذاء على رصيف متكسر” ص45″ او” تسقط الشمس في كوب ماء “برتقالي” لفظة تدعو الى البهجة المؤقتة” ص49، و يتحول الى صياغة ركيكة في ” مأساة مجرورة بخيط مزركش” ص51 أو ” كي يحشو قلمه المكسور ” المشمشيَ” لفظة سريعة”ص 50.
تجربة جديدة ومهمة شعرية معقدة:
الخلاصة ان اللغة التعليمية للحكمة التي كانت مشغولة بفهم الظواهر لم تعد صالحة، و الى حد كبير، للاستخدام الراهن في السياق الشعري الحديث، فقد حلت محلها لغة الترميز الحسي والوجودي لما يتعلق بدواخل الانسان ومصيره. لكن يبدو ان الشاعرة سمية عسقلاني كانت تحدوها رغبة خوض غمار تجربة استخدام الحكمة كأداة تضيء بها تجربتها الشعرية محافظة بعض الشيء على وظيفة الحكمة السابقة. وهو امر له فرادته ، ادى في نفس الوقت الى تحميل الشاعرة عبئا جماليا كبيرا، وهذا واضح من الارتباك الحاصل في توزعها على موضوعات عديدة دون بوصلة توجهها شعريا وتضبط تجربتها الجمالية. فالمشكلة تكمن في كيف يوازن الشاعر بين صلادة الحكمة وشعرية اللغة بحيث يحافظ على حسية القول الشعري وغضاضة وانسيابية وتدفق الافكار. ومع ذلك تبقى تجربة الشاعرة سمية عسقلاني قمينة بالتتبع والاهتمام لانها تضفي الى الشعر مغامرة جديدة.

شاهد أيضاً

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

تعليق واحد

  1. زكريا نوار

    كلما قدم الأستاذ قحطان الجاسم قراءة لكتاب أو ترجمة تملكتني الرغبة الشديدة في قراءته.
    أخي قراءتك إبداع فوق الإبداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *