شوقي يوسف بهنام* : الشافعي والتعامل مع الانفعالات

شوقي يوسف بهنام
شوقي يوسف بهنام

* مدرّس مادة علم النفس / كلّية التربية / جامعة الموصل

يحتل الانفعال Emotion (1) مكانته المعروفة في مباحث علم النفس . وكان لهذا المفهوم دلالته عند القدامى وكان يدرج ضمن مفهوم الأهواء (2) . وليس هدفنا ، هنا ، هو دراسة الانفعالات ، كما يفهمها الشافعي ، قدر ما نريد الاهتمام أو تسليط الضوء على مفهوم الكيفية في التعامل مع الانفعالات الذي تبناه أو طرحه الشافعي . معنى هذا ان الشافعي لم يلغ من حساباته دور الانفعالات ( الأهواء ) وأهميتها في مجمل جوانب الشخصية . والدليل على ذلك هو جملة من النصوص الجميلة ؛ والتي إن دلت على شيئ فإنما تدل على شفافية الرجل ورقة أحاسيسه (3) . موضوع هذه السطور ، هو بيتين جميلين ايضا يتعلقان بدور الانفعالات في الصحة النفسية . ونحن لا نريد دراسة الجوانب المختلفة من السلوك الانفعالي ، كما درسها علم النفس المعاصر ؛ مثل المظاهر الفسيولوجية أو الحشوية والسلوكية المرافقة له . لأن الشافعي لم يكن عالما نفسيا ، بحصر المعنى ، وبمفهومه المعاصر . ان هذا لا يعني أنه كان بعيدا عن هذا المجال . لأن اهتمام الشافعي كان منصبا على معالجة الأهواء . لكن نقطة انطلاقه تختلف عن نقطة انطلاق علم النفس المعاصر . الأ ان التباين في النقطتين ، لا يمنع من ان يكون الشافعي عالما نفسيا ، لكنه عالم من طراز محدد . بمعنى ان يكون وفق النموذج السائد في عصره . ونقطة انطلاق الرجل ، وكما هو معروف ، مسلمات الخطاب الديني .
من هذه الزاوية لا يمكن ان نتعامل مع الشافعي ملما نتعامل مع عالم نفس معاصر . فنحن لن نطالبه بمعرفة سليمة بتشريح الجهاز العصبي والوراثة والإحصاء وعلم الاجتماع والقياس والتجريب والعمل العيادي وما إلى ذلك . هذه شروط لا تتوفر عند الرجل . ومع ذلك فان قراءتنا لبعض من نصوصه الشعرية تؤكد ، لنا ، انه قد أدرك أهمية بعضا من هذه الجوانب في السلوك والصحة النفسية . لقد أهتم الشافعي بالانفعالات ، لأنه كان يعتبرها مصدرا من مصادر الكدر النفسي وعائقا من عوائق التقوى والورع الذي كان الشغل الشاغل بالنسبة إليه . وهذا يعني أنه نظر إلى الانفعالات على مؤشر من مؤشرات اضطراب التقوى وزعزعة الورع. وهذا هو الذي سوف نراه عند معالجتنا لبيتين من شعر الشافعي من خلال مسألة طرحها عليه شخص يعاني ، على ما يبدو ، من اضطراب سلوكه التقوي فكتب الجواب على رقعة (4) يقول فيها :-
يــداوي هـــواه ثـم يكتــم وجــده ويصبر في كل الأمور ويخضع

فإن هو لم يصبر على ما أصابه فليس له شيء سوى الموت أنفع

******************

ويبدو جليا من خلال المناسبة التي كتب الشافعي هذين البيتين والتي أوردها المحقق ، انه كان يقدم فتوى ؛ أو بالتعبير المعاصر ” استشارة ” . وهذا يعني ان صاحبنا هذا كان يعاني من هم مستعصي ، وقد ظهرت على شكل شكوى Complain أو إذا شئنا الدقة أزمة كانت سببا مباشرا ورئيسيا دفعت الرجل إلى أن يذهب إلى الشافعي طالبا مشورته . والشافعي لم يتردد في تقديم تلك المشورة المناسبة ، وفقا لمرجعياته وأرائه . فكانت محصلة هذه المقابلة أو هذه الحوارية ؛ هذين البيتين .
يحاول الشافعي في البيت الأول ، ان يمنح هذا الرجل ؛ الثقة بنفسه . بمعنى آخر ، أن الشافعي لم ينكر على الرجل محاولاته للسيطرة على انفعالاته ، بل استخدم جملة من المفردات تعبر عن عدد من الفعاليات النفسية ؛ غرضها الأساسي هو ما يمكن ان نسميه ، وبلغة علم النفس الضبط الانفعالي Emotional Control . صحيح أن الشافعي لم يستخدم هذا المفهوم ، صراحة ،إلا انه استخدم ما يمكن ان يكون إشارة له ؛ مثل : يداوي ، يكتم ، يصبر وأخيرا يخضع . والحقيقة ان هذه الفعاليات .. ما هي إلا مظاهر متعددة لمفهوم الضبط الانفعالي بمفهومه المعاصر . والصورة التي كونها عن حالة الرجل هذا .. هي صورة لرجل ينقصه الثبات والنضج الانفعاليين وهذا واضح من خلال ما جاء في البيت الثاني على وجه الخصوص . ان الضبط الانفعالي ، بالتالي ، ما إلا محصلة للثبات أو النضج الانفعالي . وهذا هو ما حاول الشافعي إثباته في البيت الثاني أو حاول التأكيد عليه ، على اقل تقدير . والمحصلة التي يريد الشافعي الوصول إليها ، هي ان لا يكون الرجل ضعيف الهمة أو متذبذب في اتخاذ القرار . ويبدو ان هذا الأسلوب الإرشادي كان نتيجة عمله كمرشد روحي أو هكذا كان ينظر إلى نفسه . كما انه قد انطلق من واقع تجربته الشخصية التي تراكمت لديه من خلال تفاعله مع مفردات النص الديني . وهذا يعني أن الشافعي قد أولى موضوع التعبير الانفعالي وأساليب التعامل معه أهمية خاصة .
ونظرة فاحصة إلى البيت الأول ، على وجه الخصوص ، توضح لنا ، حقيقة مهمة ، أو تسمح لنا الإشارة إليها ، وهي ؛ أن الشافعي قد وضع يده على نشاط جملة من الآليات الدفاعية ؛ مثل : القمع والكبت والإزاحة والتسامي وما إلى ذلك . صحيح انه لم يحدد عمل هذه الآليات مثلما فعل علماء التحليل النفسي وفق الصورة التي حددوها لها ، إلا انه يمكن القول ، انه قد أشار إليها ، على أقل تقدير . ولا سيما من خلال استخدامه لمفردة ” الكتم ” وليس من قبيل المصادرة ، القول ، ان الشافعي قد استلهم التعبير القرآني ( والكاظمين الغيض ) عندما عالج حالة الرجل هذا . وعلى حين أن مفردة ( الكتمان ) واضحة في دلالتها النفسية ، أعني انه تشير إلى استخدام آلية القمع فإن مفردة ( يداوي ) يمكن ان تكون دالة على آلية كف الهدف Aim inhibition ، لأنه ربط بين فعل ( يداوي ) والهوى . بمعنى آخر ان الرجل الذي خاطبه الشافعي ، عالج أهوائه بالفعل ولكنه ، على ما يبدو ، لم يكن وفق النموذج المطلوب . وان صبره وصل حد الملل فما كان منه ألا ان وقع فريسة الوسوسة . هنا ، وكما لاحظ الشافعي ، وهذا يوضح لنا فراسة الشافعي اثناء المقابلة الإرشادية ، ان الرجل تنقصه خاصية الصبر ، تلك الخاصية التي طالما يلح عليها الشافعي ويعدها خاصية التجربة الإيمانية برمتها ومؤشر رئيسي من مؤشرات نجاحها . وهنا ، نلمس عمق الرؤية لدي الشافعي في معالجته لمفهوم الحاجات والدوافع بمختلف أنماطها وأساليب إشباعها . لقد عالج هذا الأسلوب من خلال الكبت والقمع وكف الهدف أو بتعابير الخطاب الديني بالصبر والكظم ، وهذه كلها مؤشرات التكيف والتوافق السليم بين الكائن والبيئة .

الهوامش :-
1- د . الخولي ، وليم ، 1976 ، مرجع سابق ، ص 166-168 . والحفني ، مصدر سابق ، ج1 ، ص 263 ، 265 و دافيدوف ، لندا ، 1983 ، مدخل الى علم النفس ، ص 479-526 .
2- الجرجاني ، 1986 ، التعريفات ، ص 27 ، 140 .
3- بهجت ، مصدر سابق ، نص 10 – ص99 ، نص 39 ص 130 ، نص 42 – 131 ، نص 46 – ص 133 ، نص 48 – ص 134 ، نص 56 – ص 141 ، نص 67 – ص 155 .
4- حاولنا في الحلقة التي تحمل عنوان ” الشافعي رائدا للتحليل النفسي ” النظر الى الشافعي كرائد من رواد التحليل النفسي في الحظارة العربية وبالمفهوم الفرويدي على اقل تقدير .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *