بروست صموئيل بيكيت
ترجمة: حسين عجة

الفصل الثالث

كانت لبروست ذاكرة رديئة –مثلما كانت عادته غير فعالة، لأنها غير فعالة. لا يتذكر منْ يتمتع بذاكرة جيدة أي شيء لأنه لا ينسى أي شيء. فذاكرته متجانسة، وليدة الروتين، وتشكل معاً شرط ووظيفة عادته التي لا تتغير، أداة مرجعية بدلاً من أن تكون أداة للكشف. أن عطل ذاكرة بروست هو التالي : “أتذكر بالقدر الذي أتذكر فيه الأمس…”، وذلك ما يمكن أن يكون أيضاً النقش الذي يُحفر على قبره، ويُعَبرُ بالدقة عن قيمته. فهو لا يقدر على تذكر اليوم كعجزه عن تذكر الأمس. يمكنه تأمل الأمس المُعلقِ ليجف مع ساحل العطلة في شهر آب الأكثر رطوبة من فوق شريط تحت حبل تعليق الملابس قليلاً. فلكون ذاكرته حبل ملابس، لذا ترجع من فوقه الثياب القذرة لماضيه ومعها تعود الوصيفات اللطيفات لحاجاته المُتذكرةِ. من الواضح بأن الإدراك الحسي يشرط الذاكرة. أمّا الفضول، فهو انعكاس غير مشروط “non-conditioned reflex”، كما أنه، عبر تجلياته الأكثر بدائية، ردة فعل إزاء منبهات خطر “danger-stimulus”، ولا يفلتُ، حتى في ذروته وشكله الأكثر تجرداً في الظاهر، عن الاعتبارات النفعية. الفضول هو شعر عادتنا الذي يحاول الانتصاب من الخلف. إذ من النادر أن لا يتلطخ انتباهنا، بهذه الدرجة أو تلك، بذلك العنصر الحيواني. فالفضول هو الاحتفاظ بالقطة، وليس موتها، سواء كانت ترتدي التنورة أو الفرو. بالقدر الذي يُثير فيه اهتمامنا، بالقدر ذاته يُكَونُ شريط انطباعاته. غنيمته جاهزة دائماً، لأن عدوانيته هي شكل من الدفاع الذاتي “self-defence”، أي وظيفة للثابت “an invariable”. ترتبط الذاكرة بقوة، في الحالات القصوى، بالعادة حداً تكتسي فيه كلمتها لحماً، وهي ليست حاضرة في حالات الضرورة فحسب، بل وأيضاً تتقوى فيها. وهكذا فإن شرود الذهن يتوافق لحسن الحظ مع الحاضر الفعال لأعضاء نطقنا.  أكرر بأنه لا يمكننا تطبيق التذكر، بمعناه الأسمى، على تلك الأجزاء المُقتطعةِ من قلقنا. وإذا ما تكلمنا بصرامة، لا يمكننا تذكر إلا ما تمّ تسجيله على الحافة القصوى من انتباهنا ومن ثم جرى تخزينه في تلك الزنزانة البعيدة والتي لا تُطال من كينونتنا، التي لا تمتلك العادة مفتاحها، ولا تحتاجه، لأنها لا تحتوي على أي من الأدوات البشعة والنافعة للحرب.

لكن، هنا، في تلك “الخزانة المُحَرمةِ على أصواتنا”، خُزنَ جوهر أنفسنا، أفضل ما تنطوي عليه أنفسنا المُتعددةِ وتجسدها الذي يَطلَقُ عليها البسطاء اسم العالم. الأفضل لأنه تراكم خلسةً، بألم وصبر تحت أنف سوقيتنا، فهو الجوهر الأكثر رهافة لإلوهية مُنعمةٍ تكون بمثابة “الشيء” المغمورِ في الصراخ الصحي لشهية كاملة القدرة، اللؤلؤة التي يمكن أن تمنحَ المضجع لقحفة الماضي وقصديرها. حين نهرب داخل المُلحقِ الفسيح لضياعنا الذهني، إثناء النوم أو في التحكم النادر للجنون المتحركِ. من هذا المنبع العميق، يستخرج بروست عالمه. أن عمله ليس صدفةً، لكن خلاصه سيكون صدفةً. كذلك ستكشف شروط تلك الصدفة عن نفسها في ذروة هذه البصيرة. لأن ذروة من الدرجة الثانية أفضل من لا شيء. لكن لا يمكن خدمة أي هدف يحتفظ باسم الغواص “whithholding the name of diver”. يُسمي بروست ذلك “بالذاكرة اللاإرادية” “involuntary memory”. أي الذاكرة التي هي ليست بالذاكرة، بل التطابق المتوافق مع العهد القديم الفردي، هو ما يطلق عليه اسم “الذاكرة اللاإرادية”. أنها الذاكرة المُماثلة للفطنة؛ التي يمكنها الارتكاز على إعادة إنتاج انطباعات الماضي التي تمّ تشكيلها بوعي وذكاء لصالح استقرائنا المحظوظ. فهي لا أهمية لها ضمن العناصر العجيبة لسهونا الذي يُلونُ تجاربنا الأكثر تعقيداً. ذلك لأنها تقدم الماضي بلون واحد. فالصور التي تختارها اعتباطية كالصورة التي تختارها المخيلة، وهي مثلها بعيدة عن الواقع. أمّا تأثيرها فقد شبهه بروست كتقليب صفحات البوم صور. إذ لا تتضمن الصور التي تعرضها أمامنا على أي شيء من الماضي، بل على إسقاط ضبابي ومتماثل لابتعاده عن قلقنا واستغلالنا للفرصة  –أي تقريباً لا شيء. يقول بروست ليس ثمة من فارق كبير ما بين ذاكرة الحلم وذاكرة الواقع. فحين يستيقظ النائم، يضمن له انغماره في العادة بأن “شخصيته” لم تختف مع تعبه. إذ من الممكن (بالنسبة لمنْ يهتم بمثل هذه التأملات) اعتبار انبعاث الروح بمثابة القطعة الأخيرة لنفس المصدر. فهي لا تُقَدّمُ إلا ما هو أكثر ضرورة، رحلة الحج كلها برتابتها –رحلة حج المرء لنفسه. ذلك لأن هذا الديمقراطي المُتطرفِ  “thoroughgoing democrat” لا يميز ما بين “أفكار باسكال” « pensées of Pascal » ودعاية الصابون. في الحقيقة، إذا كانت العادة آلهة للكآبةِ، فإن الذاكرة الإرادية هي “Shadwell”، وترجع في نسبها إلى أيرلندا. أن الذاكرة اللاإرادية انفجارية، “برق مباشر، كلي ولذيذ”. أنها لا تعيد أحياء مادة الماضي، بل “اليعازر” الذي أغوته وعذبته، وليس “اليعازر” والمادة فقط، بل وأكثر من ذلك، لأنها الأقل، الأكثر لأنها تُنَحَيْ النفعي، الفرصة المُغتنمةِ، وما هو عارض، ذلك لأن شعلتها قد حرقت العادة وأعمالها برمتها، وكشفت عبر تألقها ما لم ولن يستطيع الواقع المضحك للتجربة الكشف عنه –الحقيقي “the real”. غير أن الذاكرة اللاإرادية ساحر عنيد لن يقبل الاستغلال. فهي التي تختار مكانها وزمانها الخاصين لإحداث معجزتها. لا أعرف كم مرة تتردد فيها هذه المعجزة عند بروست. لكني أعتقد بأنها تعاود أثنتا عشرة أو ثلاثة عشرة مرة. غير أن الأولى منها –تلك الحادثة الشهيرة لكعكعة المادلين التي يغمسها في قدح الشاي- سوف تبرر التأكيد على أن كتابه بكامله هو بمثابة نصبٌ للذاكرة اللاإرادية وذروة حركتها. فكأس الشاي ذاك يشكل معظم عالم بروست، وليست “كومبري” وحدها والطفولة التي أمضاها فيها. ذلك لأن “كومبري” توصلنا إلى طريقين وإلى “سوان”، وقد تروي انطلاقاً من “سوان” كل عناصر التجربة البروستية وبالنتيجة إلى ذروة كشفها. نعثر على “سوان” من خلف مدينة “بالبيك”، و”بالبيك” خلف “ألبرتين وسانت لوب”. فهو يغلف مباشرة “أوديت” و”جلبرت”، “آل فردناند” وقبليتهم، وكذلك موسيقى “فانتي” والنثر السحري “لبرغوت”؛ وبطريقة غير مباشرة (عبر بالبيك وسانت لوب)، “آل غيرمونت”، و”أوريان” والدوق، الأميرة و”جارليس”. فسوان هو حجر زاوية البنية برمتها، والشخصية المركزية التي يسرد عبرها الراوية طفولته، طفولة تستحضرها الذاكرة اللاإرادية، التي حُفزت أو تمّ أغرائها بالنسيان الطويل لمذاق كعكعة المادلين المغموسة بسائل القدح؛ تستحضرها بكل نحتها البارز ولون ما هو جوهري في دلالتها من البئر الفارغ للقدح الذي لا علاج لتفاهته.

من هذا النسر المسخ ذو الرأسين أو الثلاثة، أو من هذه الآلهة : الزمان –شرط الانبعاث لأنه أداة الفناء؛ وكذلك من العادة –هذا الالتواء الذي يقف في وجه الإثارة الخطرة للواحد، فيما يُبارك الآخر عبر تسكينه لألمه؛ ومن الذاكرة –المختبر الطبي المملوء بالسم وعقار الشفاء، المُحفزِ والمُسكنِ : منه “from Him” يستدير الذهن نحو عزاء الواحد ومعجزة الهروب التي خولها طغيانه “His tyranny” ويقظته “vigilance”. قد يأتي هذا الخلاص العارض والشارد في صميم الحياة، حين يُحفز فعل الذاكرة اللاإرادية بفضل إهمال أو موت العادة، وليس تحت أي ظرف آخر، ولا بالضرورة حينها. لقد تبنى بروست هذه التجربة الصوفية باعتبارها محوراً لتركيب كتابه. فهي تعاود المجيء، كما يعود اللون الأحمر في سباعية “فنتاي”، أنها موثق عصبي “neuralgia” أكثر من كونها موضوعاً، مُثابرة وروتينية، تختفي تحت السطح لكي تنبثق برهافة أكبر كبنية عصبية أقوى، قد تمّ أثرائها بذلك الحفر الغريب والضروري لنعمة الملاحظات “grace-notes”، أكثر أمانة وجوهرية في حكمها على الواقع، وتتسلق عبر سلسلة من التدقيق والتطهير للقمة التي تصدر أوامرها منها وتنير أكثر الحوادث العادية لصعودها وتمنح نهايتها المظفرة. لقد ظهرت للمرة الأولى عبر حادثة كعكعة المادلين، ثم خمس مرات على الأقل في مناسبات كبرى قبل استثمارها النهائي والمتعدد لفندق “آل غيرمونت”، في بداية المجلد الثاني “للزمن المُستعاد” « Le Temps Retrouvé »، أي ذروتها وتعبيرها الناجز. وهكذا فإن برعم الحل البروستي مُتضمناً في حكم المشكلة نفسها. أن ينبوع ونقطة انطلاق هذه “الحركة المُقدسةِ” « sacred action »،  وعناصر العشاء الرباني قد تمّ توفيرها من العالم المادي “physical world”، وعبر حركة مباشرة ولحظية من الإدراك الحسي. أن المسار هو غالباً واحد من مسارات الإحيائية الذهنية “intellectualised animism”. فيما يلي لائحة بالأصنام “list of fetishes” :
1-كعكعة المادلين المغموسة في سائل الشاي. (في رواية “إلى جانب سوان” “Du côté de chez Swann” ص 73-69).
2-أبراج مدينة “مارتن فيل”، المنظور إليها عبر شرك السيد “بيرسبيه”. (نفس المصدر، ص 262-258).
3-هواء عفن في أحدى محلات غسل الملابس في الشانزليزيه (في رواية “في ظل الفتيات اليافعات”، ص 90)
4-الأشجار الثلاث، التي يراها الراوية بالقرب من مدينة “بالبيك” من عربة السيدة “فيلباريزز، نفس المصدر ص 161).
5-ذروة شجر الزعرور البري قرب مدينة “بالبيك” نفس المصدر، ص 215).
6-وقوف الراوية لحل خيوط حذائه في زيارته الثانية للفندق الكبير في “بالبيك” (في “سادوم وعامورة” ص 176).
7-الدرجات غير المتوازية في باحة فندق “آل غيرمونت” (في “الزمن المُستعاد”، ص 7).
8-ضوضاء صوت الملعقة من فوق لثة الراوية (نفس المصدر، ص 9).
9-مسحه لفمه بمنديل (نفس المصدر، ص 10).
10-صوت الماء في الأنابيب (نفس المصدر، ص 18).
11-قراءته لرواية “جورج صاند” “François le Champi” (نفس المصدر، ص 30).

هذه اللائحة غير كاملة. إذ لم أضع ضمنها العديد من المحاولات والتجارب الخائبةِ، والتي لا تشكل أية واحدة منها تكرار نفس الدافع، لكنها تشير بالأحرى على اقترابه. من هذه التداعيات، الشبحية والناقصة، تتمتع مجموعة معينة منها بمغزى (“إلى جانب آل غيرمونت”، ص 82-80). كان الراوية في دار الآنسة “سترماريا” (التي كان بمقدورها أن تحتل دور “البرتين” لو لم تكن قد أخفقت في حينها). حينئذ، تحمله الذاكرة تتابعاً من “بالبيك”، “دينوزيرز” و”كومبري” عبر الشفق الذي يلمحه من خلال ستائر نافذته، وكذلك نزوله من السلالم جنباً إلى جنب مع “روبرت سانت لوب”، الذي كان قد وصلَ للتو مع الضباب الكثيف الذي خيم على الشارع. أن هذه التداعيات الثلاث، وإن كانت ناقصة، عنيفة بقوتها. وقد كان الراوية، للحظة، واعياً بالمادة والجوهر المُتنافر لتلك المراحل من حياته : بالصخرة الكالحة، الصارمة في “كومبري”، المتناقضة مع تلك الصخرة البراقة، الشفافة والمرمرية في مدينة “رفبيل” “Rivebelle”. لكنه لم يكن وحده، فقد قطع عليه “روبرت سانت لوب” عزلته، ومن ثم فإن نقطة التحول في حياته، الذروة التي لم تبلغها إلاّ بعد مرور عدة أعوام في باحة مكتبة الأميرة “غيرمونت”، ما هي سوى واحدة من أكثر تلك المقدمات انفلاتاً.

قد يمكننا اعتبار المعاودات الخمس الأخيرة –الحصى، الصابون، الصحن، منديل المائدة، المياه الجارية في الأنابيب، و « François le Chmapi »بمثابة تشكل لنفس الكشف وما يُقدّم مفتاح حياته وعمله. أمّا التجربة السادسة الأساسية، فهي تتمتع بأهمية خاصة (مع أنها أقل تردداً من كعكة المادلين الشهيرة، والتي طالما تمّ الاستشهاد بها كونها نموذجاً للثورة البروستية) ذلك لأنها لا تمثل ظهوراً مركزياً لذلك الدافع فحسب، بل وأيضاً تركيزاً عملياً للخداع التائه للعادة والذاكرة، كما تمثلهما بروست. فـ “البرتين” “ومقالة في المنهج” البروستي « Proustain Discours du Méthode » اللتان طالما انتظرتا لوقت طويل يمكنهما الانتظار أكثر، كذلك يُلتمس من القارىء
التغافل عن التحليل المُقتضبِ، الذي قد يكون المعبر الأعظم لكل ما كتبه بروست في حياته –تقطعات القلب « Les Intermittences du cœur » .

تقع تلك الحادثة في الأمسية الأولى من زيارة الراوية الثانية لمدينة “بالبيك”. لقد كان هذه المرة برفقة والدته، فجدته كانت قد توفت منذ عام. لكن الميتة سرعان ما تُلحق بهما، كما أُلحقت المملكة الفرنسية بمقاطعة “أورليون”. أصبحت أمه جدته، إن كان ذلك عن طريق الإيحاءات بالندم وعقيدة عبادة الموتى، أو تفكك عاطفة الفقدان الذي يكسر الشرنقة ويُعجل بفتح مجازات الجنين السلفي الذي سيكون نموه بطيئاً وغير محسوساً من دون حوافز الحزن. لقد كانت تحمل معها حقيبة والدتها وقفازيها، ولا يفارقها أبداً مجلد مدام “دي سيفينيّيه”. هي التي لم تكن تنهي رسائلها لأمها من دون اقتباسات عديدة من كتاب “مدام دي سيفنيّيه” أو “مدام بوسيرجنت”، صارت تفعل ذات الشيء مع ابنها عبر الاقتباسات من الرسائل أو المذكرات. أن دوافع الراوية في زيارته الثانية هذه لم تكن نفس تلك الدوافع –التي قدمها سوان ومخيلته- والتي لم تضمن له أي راحة وسلام، مادامت “بالبيك” كانت ما تزال تحمل غرابة وجمال اسمها، قبل أن يستبدل الواقع زواج المخيلة بزواج الذاكرة ويُفسر قيمة المجهول “value of unknown” كما سيتم تفسير مدينة “فينوس” في مجرى الأحداث، وكذلك أوديسية “تاكوت” المحلية الممتدة على جزيرة أسطورية عبر التفسير الاشتقاقي لاسم “بريخوت” “Brichot” والاحتقار المُسكن للمألوف. فالكنيسة الفارسية “The Persian church” بزجاجها المُبقعِ قد تمّ “غسلها برشاش الماء” وبرجها الذي تمّ بنائه من حجر الغرانيت لجرف “نورمان” قد جرى استبداله بغرفة خدم جورجيه من أجل “مدام بيتبس”.

أنه يصل متعباً ومريضاً، كما هو الأمر في تلك المناسبة التي قمنا بتحليلها باعتبارها مثالاً على موت العادة. وعلى أية حال، لقد أصبح الآن ذلك الدراغون مسالماً، وتحول الكهف إلى غرفة. فقد تمّ تنظيم العادة –وهي علمية يصفها بروست باعتبارها “أكثر طولاً وصعوبة من تدوير العين خارج جفنها، والتي تكمن في فرض روحنا الأليفة على روح المحيط المرعبة”. يتوقف –بحذر خشية على قلبه- ليفك خيوط حذائه. فجأة يمتلأ بحضور ألاهي أليف. ومرة ثانية يرجع إلى نفسه بفضل ذلك الكائن الذي كانت رقته، قبل عدة أعوام، في لحظة من التعب والكآبة اللذين يشبهان تلك اللحظة، قد أعادت له شيئاً من الهدوء، أي جدته كما كانت عليه في حينها، وبذات الطريقة التي واصلت فيها إلا أن جاء ذلك اليوم الحتمي، الذي صدمه فيه موتها في شارع الشانزيليزيه، والذي لم يترك منها أي شيء آخر سوى اسمها، لذا لم يكن لغيابها من آثر على الراوية أكثر من موت شخص غريب عليه. والآن، أي بعد عام من دفنها، وبفضل الحركة الغريبة للذاكرة اللاإرادية، يدركُ بأنها قد ماتت فعلاً. لا تتمتع روحنا بكاملها، في أية لحظة، وبالرغم من ثراء ميزان-الصفحة، سوى بقيمة مُتخيلةً. فقواعدها التي تستند عليها لا يمكن أبداً إنجازها. لكنه لم يستنتج من تلك الحركة الفقدان الواقعي لجدته فحسب : أنه يكتشف فقدان واقعه هو بالذات، واقع فقدانه لنفسه. وكأن شكل الزمان  “figure of Time” يمكن تصوره عبر سلاسل متوازية لا تنتهي، من لحظة ماضيه البعيدة، حين انحنت جدته من فوق كآبته. وها أنه عاجز عن رؤية الحوادث التي حدّدت بالدقة مرحلة التقطع الطويلة تلك، حوادث ماضي بضعة ساعات، كما حدث ذلك عبر الانفصال الذي حرمه بقسوة اللوح الثمين المُزخرفِ لأيامه الماضية وهو يتصور جدته وحبه لها. بيد أن فرضية الحياة الماضوية هذه قد سممتها المفارقة التاريخية “anachronism” : لقد ماتت جدته. فمنذ المرة الأولى وحتى موتها، منذ حادثة الشانزيلزيه، كان قد أعاد لها حياتها بكاملها، كما فعلت هي لمرات عديدة، في “كومبري”، باريس و”بالبيك”. للمرة الأولى بعد موتها يعرف بأنها كانت قد ماتت، ومن ثم فأنه يعرف الآن منْ كان قد مات “he knows who is dead”. كان عليه استعادتها حيّةً ورقيقة، قبل أن يعترف بموتها وبأنها لم تعد قادرة على أية رقة. لا يمكن غفران مثل هذا التناقض ما بين الحاضر وذلك الغياب الذي لا رجعة منه. فليس ذاكرة –تجربة- قدرهم المشترك ما تم إلغائه فيما بعد فحسب، بل وأيضاً التيقن أنه من الجنون، في حالات كهذه، الحديث عن القدر، أي أن جدته كانت مجرد لقاء صدفوي، والأعوام القليلة التي أمضاها معها لم تكن سوى حادثة عابرة، وبأنه هو بالطريقة التي يعنيها لم يكن أي شيء بالنسبة لها من قبل لقائهما، لذا فهو لا يعني أي شيء لها بعد فراقها. أنه لا يستطيع فهم “هذا المُركب المؤلم ما بين البقاء والفناء”. ويكتبُ : “أنا لا أعرف إذا ما كان هذا الشعور المؤلم وغير المفهوم حالياً سيوصل لي يوماً أية حقيقة. لكني كنت أعرف بأني إذا ما فلحت باستخلاص أية حقيقة من العالم، فسيكون ذلك بفضل انطباع كهذا، وليس من أي انطباع آخر سواه، انطباع خاص وعفوي في آن معاً، والذي لم تشكله لا فطنتي ولم يخففه جبني، لكن ثلمه الغريب والمزدوج معاً قد حُفر، بصاعقة، في داخلي، بسكين الموت اللاإنسانية وما فوق الطبيعية، أو وحي الموت revelation of Death”. لكن الإرادة، إرادة العيش، لم تتأثر؛ فالعادة، وقد تخلصت من شللها اللحظوي، قد وضعت الأساسات الشريرة لبنيتها الضرورية، وها أن رؤية جدته قد شرعت بالتلاشي وفقدان بروزها ووضوحها، الذي لا يمكن لأي جهد قصدي بأحيائه أو إعادة وضعه. لقد بُعثت للحظة، عبر رؤيته لجزء من ذلك الجدار الذي نقل، كأداة، حالة كآبته المتأرجحة، عند رؤيته في عربة قطار لرسم لأعمى، وحين كان تذكره لجدته من الحدة والألم حداً جعله يتخلى عن زيارته “لمدام فيردران” وينزل من القطار. لكن قبل أن يخمد في النهاية هذا التألق الجديد، ذلك التألق القديم الذي تمّ أحيائه وتقويته، كان لا بد من المرور عبر ذلك التعذيب الصليبي والندم المُثير للشفقة. أن إصرار ذاكرة الميت هي بمثابة جلد، فالميت يموت بالقدر الذي يستمر فيه بالعيش في قلب الذي قد بقى. والتأثر على ما كان قد عاناه أكثر قسوة وتعبيره أكثر دقة في تعذيبه من التقدير الواعي للمتألمِ، الذي يحافظ على الأقل على واحدٍ من الخيباتِ –خيبة المشاهد .“the despair of the spectator”. يتذكر الراوية حادثة وقعت أثناء بقائه الأول في مدينة “بالبيك”، والتي يتأمل في ضوئها جدته باعتبارها امرأة سفيهة وعبثية. فقد أصرت أن يأخذ لها “سانت لوب” صورة فوتغرافية، حتى يتذكرها في الأيام القادمة حفيدها العزيز، رمية مُتخشبة (يتم لفظها بالمخشبية، من قبل مدير الفندق الكبير، الذي يكشف الآن للروائي عن الهجوم الأول للمرض على جدته ويوفر له برعونة، عبر لكنته الخاصة، أداة تذكير جديدة للتعذيب). لقد أتاحت لها تلك اللقطات، على الأقل، رؤية الموت باعتباره حادثة قادمة. كما كانت غريبة في مواضع لقطاتها وهي تميل قبعتها، راغبةً في أن تكون الصورة صورة جدة وليس صورة للمرض. كل أشكال العناية تلك من أجل أخذ الصورة فسرها الراوية كونها بذاءات تغنجٍ. لذا، وعلى عكس من “ميراندا” Miranda، كان يتعذب مع تلك التي لم يرها تتعذب، وكأن ذلك العذاب، بالنسبة له كما هو بالنسبة لفرانسواز، وكذلك التحويل العنيف لما هو مناسب للعيش إلى شيء يتناسب مع الأكل قد ترك “جيوتو” المُحسنِ، مساعد فرانسواز في المطبخ أيام الطفولة غير مكترثاً، فيما لم يتمكن من حبس دموعه عندما تمّ أخباره بأن  هزة أرضية قد وقعت في الصين، فالألم لا يمكن النظر إليه إلا من بعيد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| صباح الأنباري : أسوأ قصة في العالم.. حيرة متراكمة.

هذا الخؤون.. ماكر جدا.. يعرف متى يضعك على حافة الرحيل.. لم يقلقني الأمر كثيرا.. بل …

| طالب عمران المعموري : تقانات الميتا سرد في ” عناقيد الجمر” للقاص غانم عمران المعموري .

لقد تجاوزت القصة القصيرة جدا في آلية الكتابة وتقاناتها  مرحلة العفوية والتلقائية، وكاتب القصة القصيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *