يوسف عبود جويعد : بوصلة القيامة . والقدرة المميزة في السرد والنسيج المحبوك

yuosef abodما أن استلمت نسختي من رواية بوصلة القيامة من يد الروائي هيثم الشويلي وقرأت عنوانها حتى تيقنت انني امام عمل روائي مميز ففوزها بجائزة الشارقة للابداع العربي لم يأتي محض صدفة او جاء اعتباطاً بل انه قرار جاء بعد فحص وتمحيص وتدقيق ومتابعة متأنية من قبل لجنة مختصة في هذا المجال . وشرعت في قراءتها وكان باب الدخول لعالم الرواية مستهل للروائي يقول فيه
(( كل الروايات لم تكن اقرب من الخيال بقدر الحقيقة التي اصبحت شيئاً من الخيال في مملكة الجحيم . الرواية تحكي قصة رجل تشبث بالحياة بقوة مقاتل , رجل يملك ثلاث امهات ورابعتهم الجدة ))
لقد اجاد الروائي فن كتابة الرواية فهو يزج المتلقي في الاحداث المحتمدة منذ الوهلة الاولى وليس كبعض الروايات التي تمر فيها على اكثر من مائة صفحة دون ان تصل الى النسيج المحبوك للرواية وبهذا فان الروائي على علم مسبق بحاجة المتلقي الى مايشده ويجذبه لمتابعة الاحداث دون ملل فقد قدم لنا عمل روائي متماسك وسرعان ما تكون مع البطل (احمد ) هو يصف لنا واقع مرير لحياة شعب عاش الويلات والكوارث في ظل نظام مستبد متسلط طاغي ظالم فهو يصف لنا تلك المعاناة وهو في رحم امه ( لا اشك قط في انني كنت عائقاً لوالدي اللذين يرزحان تحت وطأة المطاردة او البحث عنهما بتهمة الانتماء الى احزاب اخرى ) فالوالد الذي كان يحمل رتبة (نقيب ) في الجيش العراقي الا ان التهمة التي اسندت اليه ( العمالة ) كانت سبب بمتابعته ومراقبته واشتداد المراقبة الى حد انه بين قاب قوسين او ادنى من الاعتقال مما حدى به ان يجد له مخرجاً للهروب ولكي يعيش احمد امنا مطمئناً غير مطارد فقد اضطر الى تركه في بيت القابلة (سهيلة) بعد ولادته مباشرة وهي الام الثانية له التي رعته وربته وواجه صعوبة في مواصلة الدراسة بسبب المضايقات التي مر بها في تلك المرحلة وينقل لنا الحرب العراقية الايرانية من خلال المعارك التي دارت ( الزحف الكبير ويوم النصر العظيم وام المعارك) فنحن معه في احداث الرواية التي توثق حقب زمنية مهمة من تاريخ العراق ثم تليها معركة احتلال دولة الكويت ( القوات العراقية متمثلة بالرئيس تنذر دول الخليج بحرب تحرق الاخضر واليابس ففي عام 1990 دخل ( الجيش الصدامي ) الى الاراضي الكويتية فلم يدم الاقتحام سوى يومين فقط ومن دون مقاومة واصبحت الكويت – بقدرة قادر – المحافظة التاسعة عشر التي ضمها اليه ) وانتهت حرب الكويت واعيدت لاهلها وبعده بدأت صفحة جديدة من التازم والاضطرابات لاسقاط رجال السلطة المتمركزين في المحافظات ويصف لنا الروائي بقدرة بارعة وبوضوح تلك الفترة اذ ان الحكم haitham alshoailikh haitham alshoailiالصدامي التعسفي المباد اتجه الى الشعب لينتقم منه اشد انتقام فكان يلاحق من تحوم اي شكوك حتى لو كانت بسيطة فيكون مصيره السجن واصدار حكم الاعدام بحقه ويلتحق احمد بالخدمة العسكرية وهو يعيش في ظنك وعوز اذ انه لايملك حتى اجرة السيارة للوصول الى مركز التدريب وهكذا اضطر الى الهرب من الخدمة العسكرية ثم القي القبض عليه واودع السجن ثم نقل الى محافظات بعيدة وهرب ثانية وظل يتنقل بنموذج عدم تعرض (مزور ) بهذا فان الروائي يعيد لنا حياة والده المطارد فقد اصبح مطارد هو الاخر واصبح البلد الكبير سجن لاحمد وضاقت به سبل الحياة ويصف لنا الروائي باشارة واضحة كيف ان الشعب اكل علف الحيوانات يدخل شركة المطاحن العراقية ويصف لنا تل من قمامة الذرة ونخالة القمح واعواد التبن وقليل من الشعير المتعفن الذي يحمل رائحة كريهة وجرذان ميتة متخشبة وتراب ويوضع هذا الخليط من الاقذار في المطحنة ليكون طحين اسمر للشعب البائس ويشعر احمد ان هذا البلد عبارة عن قبو يلتهم الاحياء جميعا وبما على وتيرة الاحداث ان تتصاعد لتصل الى مرحلة التازم لكن الروائي هيثم الشويلي يصل بنا الى ذروة الاحداث وعمقها وسموها فتبدأ عملية انتقالية باهرة في الاحداث عندما تكشف القابلة سهيلة سر امه وابيه وتأخذه الى مكان تواجد اهله في ( الجبايش ) ويلقى القبض عليه في مديرية امن الجبايش ويواجه انواع التعذيب والتي برع في تصويرها بحقائقها وبعد الركل واللكم والرفس الذي يصل به حد الموت ينبري احد رجال السلطة بعصا غليظة ويضربه بيده فيكسرها ويوضع في غرفة مظلمة لايرى فيها يده ومن هنا فان المتلقي يواجه هذه الحياة مع احمد وكأنه جزء من الرواية وهذه القدرة المميزة للروائي تميزه عن بقية كتاب الرواية ثم ينقل احمد الى بغداد في امن الحاكمية كما تسمى انذاك ويحكم عليه بالسجن ثلاثة سنوات وينتقل الى سجن ابي غريب ويصدر العفو ويخرج احمد الا انه يقرر ان يخرج من هذا البلد فلم يجد فيه الراحة والامان وعاش مطارد ومتعب وكانت رحلة الهروب الى خارج البلاد اشد ابداعا وهو يواجه الموت على الحدود ويصل الى الاردن باعجوبة ويعمل هناك مع احد التجار ويستطيع ان يدخر مبلغا من المال الا ان الحنين الى الوطن والاهل دفعه الى ارض الوطن ويعتقل ثانية وتمر فترة فيسقط الصنم الكبيرة وكان الابداع في نهاية الرواية ليتركها مفتوحة (وحين رايت الشمس بعد ثلاثة اعوام ويزيد رايت الناس يتدفقون كالجراد يملؤون الطريق الكل كان بركض ويلتفت الى بوابة السجن وهو لايصدق انه حر بلا قيود او تعذيب او موت التفت احدهم واطلق مرارة من فمه (تفووووو)كان يبصق مرارة الاسى والالم من فمه كنت اركض مع الراكضين اركض واتعثر اركض واتعثر وانا انظر لبوابة السجن مازلت لا اصدق الا حين ابتعدت كثيرا هانذا اولد من جديد وانا لا اصدق هذا لانني ما زلت اركض واتعثر). بوصلة القيامة رواية يمكن ان اصنفها من ضمن الروايات التي تعتبر وثيقة ادانة

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *