تابعنا على فيسبوك وتويتر

Zeki aljaberسويقة*
تنفتح أبواب الدكاكين
في ذلك السوق الضيّق
ينفذ الضوء خيوطاً نحيلة من فتحات السقف
فترى المتسوّلين العميان يمدّون أكفهم
وهم ينظرون بعيونٍ مطبقة إلى السماء
قراءات من الذكر الحكيم
ودعاء
مغنية الإذاعة تنوح على حبيبها الغادر
وشريط ’’الكاسيت‘‘ يعيد ويعيد
التكسرات في حنجرة المغني:
’’رهيب، والله، رهيب‘‘
تطبق على أنفك رائحة السمك المتعفّن
والدجاج المسلوخ
وروث الحمير
السوق الضيّق يضيق
يتلبد بدخان خبز الصباح
والسجاير التي لا تعرف الانطفاء
في أفواه النسوة والمتسكعين والنشالين
ورجال الشرطة السرية
في الزاوية اليسرى، عند ملتقى الجامع بالسوق،
يركن ذو الوجه المستطيل
محمَّلاً بأكياس المطاط
وفي ثنايا معطفه
يلتف الحشيش بباقات النعناع
والساعات المهرّبة
السوق الضيّق يضيق
’’رهيب .. والله .. رهيب
عجيب .. والله .. عجيب‘‘
تلك المرأة الملتفّة بعباءتها الزرقاء
تدير ’’العلكة‘‘ بلسانها
وتغمز بعينها اليمنى
دعاءُ المتسوّل الأعمى
يمتزج بنواح المغنية
الرزق على الله
على بابك يا كريم!
كوربس كريستي
15-3-2004
* سوق شعبي في الرباط، عاصمة المغرب.

شخص مثير للاهتمام

عند هذا الشخص المثير للاهتمام
الألم شيء جيّد!
فأيّ عالمٍ هذا
لا تنزُّ فيه الجراح دما!
والأطفال لا يصرخون
والنساء لا يذرفن الدموع
والشيوخ لا يقولون: ’’أُفٍّ‘‘
الليل نهار
والبرد هو الدفء
والضحك كالبكاء!
***
هذا الشخص المثير للاهتمام
مزّق الصخر قدميه العاريتين
واعتلى قمّة الجبل
وظلّ هناك
الأشياء الكبيرة
كم تبدو صغيرة
إذا كنتَ في الأعالي!
والصمت قصيدة
يكتبها الألم!
الانتظار
’’إلى ح.ع، أبي خلدون‘‘
غمغمَ في نشوته الصوفية
ما يتجلّى لهُ
من نفحة قدسية:
’’الناسُ سواسيةٌ؛
أسنانُ المشط‘‘
لكَنّ البوابةَ لم تُفتح؛
فالجنّات السحرية
لا تفتحها إلاّ الكلمات السريّة
***
صرخاتٌ مجهولة
صكّتْ أذنيه
همسات مغلولة
غلّت شفتيه
أغمض عينيه
وسرى نحو الجبل الأقصى
فهنالكَ غارٌ يُؤويه
في الطرقات الخلفية
طارده الكلب البوليسي
فتوارى بين كهوف الفقراء
جمرات القصدير وأكواخ البرديّ
وزوايا تتلبّس ثوب الظلماء!
ورأى في الذئب صديقاً
رافقه عبر السهل
ووديان الصخر
والمنعطفات الجرداء
الجبل الأقصى قد غاب
لفّعه الليل الممتدّ
وسحاب يلتف وراء سحاب
***
في دربٍ تتعثر فيه الأصداء
تتأسى فيه الوحشة بالوحشة
ما زال هناك
هو والذئبُ
ينتظران الدهشة
ريحاً تنثر أوراقاً
تحمل تلك الكلمات السرية!
***
أأبا خلدون
الذئبُ الهادئ في ظلّكْ
كم مصّ دماً من أهلي
أو أهلِكْ
وسيمتصُّ!
الرباط
20-7-1993

أين الرحيل؟!
’’إلى ص.ج.ط‘‘
(1)
لم يكذبوكْ،
لم يعقروها ناقةً
حمراءَ،
زاهيةَ الشِياتْ
لم يحرموكَ من السقاية
يوماً،
ولا منعوا رِكابكَ عن سَفَرْ!
فارحلْ بها بين الحواضر والقرى
واقطع بها درباً يضيقُ به الشتاتْ
سعياً إلى قفرٍ يشِتّ به الشتاتْ!
واسلكْ بها سهلاً يعانقه الضحى
للتيهِ بُحّ به الحداءْ!
وضلّ بالساري السرى!
لكن كما همسوا إليكْ:
’’لو جئتَ أطرافَ الجزيرة
إيّاكَ من قُربٍ إلى شجر الأراكْ
فثمود جابتْ صخرةً في الوادِ،
ألقتها هناكْ
ولربما سدّتْ بها
كل الدروب على خطاكْ‘‘

(2)
تمتدّ حولكَ، أين ترحلُ، كربلاءْ!
تنسابُ بين الجوانحِ
وانثيال الصوتِ وهو ينشجُ: “كربلاءْ!!”
عطشى، إذا استسقَتْ
فلا تُسقى سوى ماء البكاء!
عطشى تظلُّ،
طلولها نهبٌ
ورملتُها عراءْ
يُوري الغليلَ دمُ الشهيدْ
ما دام فوق الأرض ظل من يزيد
الرباط
1-8-1993
قصائد للحبّ
حكاية قصيرة
وأعرف أنّ القمرْ
مع الغيمِ في صمته يرتحلْ
وأن الكواكب في إثره ترتحلْ
ويبقى معي البحرُ
لن يرتحلْ
***
لم أرَ البحرَ
قِيلَ: ارتحلْ
عشيةَ أنتِ ارتحلتِ

تونس
8-2-1984

ذلك الصبحُ الشتائي
نحن هنا في زاوية من هذا العالمْ
لا أحد يدري بنا
وربما لا ندري بأحدْ!
لا أحد يدري
أن ذلك الصبح الشتائيّ الذي ارتحلْ
منذ زمنٍ بعيد
ما زال في دمائنا
لمسةَ دفء
وفي عيوننا
خفقة ضوء
وبين صفحات مذكراتنا
وردة!
***
ربما تختفي كلّ صباحات الشتاء
من ذاكرة العالم
وعندما تغيب كل الشموس
ويلتفّ البرد مرتعشاً تحت ستار الضلوعْ!
وتغيب العيون تحت ظلٍ من سحابات الدموعْ!
يطلُ علينا
لمسةَ دفءٍ
وخفقة ضوءٍ
وشذى وردة!
ذلك الصبح الشتائي الذي نحبْ
الرباط
23-12-1994

الغناء عند بّوابة الثلاثين!
(1)
دنيا الصبابة
يا رفيف الضوء في ليلي الجميلْ
يا زهرةً بيضاء
لوّن خدّها شفق الأصيلْ
يا رفة الشوق المجنّح
ذاب، من سكر، على الخصر النحيلْ!
يا أنتِ
أحلى الحبّ في شفتيك
عذّبه العتابْ!
هل ضاع بي دربي
وجف النبعُ في قلبي
وهل عاد السراب إلى السراب؟!
فرجعتُ
والظمأ المقدّس في الضلوع
فحملتِ لي كأساً
وقافية
ومن دمائكِ، أيّ قطرة
صاغت من الأشواك زهرة!
أواه، كم غصّت على شفتي الدموعْ
ولثمتُ وجهكِ
غامت مقلتاي
هدأتُ في صمتِ الخشوع!

(2)
تلك الثلاثون انقضت
لكنني ما زلتُ أحلم بالرجوعْ!
أهي السنين، أم البروق تراقصتْ
نشوى على عزف المطر!
أهي الهجير أم النسيم
وقد تثاقل خطوُه
ما بين أفواف الزهر!
يا أيها الحلم الذي وافى
وأبحر في العيونِ
ولم ينم بعدَ السهر!
سكر السحاب ولم يزل
يسقي جوانحه القمر!

(3)
الموسيقى في البرج الصاعد نحو القمّة
وصبيّان يعيدان الموسيقى
فوق السهلِ الممتدّ!
غناءً ينسابَ رقيقا

(4)
الليلة كأس من فضة
والثلج وراء النافذة الغربية
يسأل عن دفء
يا قافية لا يمسكها الشعر
لكنّ الشاعر ينشدها
فالثلجُ نِثار يتهادى
في أجنحةٍ من ضوء!
الشِعر جنوبي
والوجه شِمالي
يا بوحاً يتكسر بين الأضلاعِ
كمويجاتٍ من دفءِ!

(5)
لي من شموسكِ ألفُ شمسٍ
تلثم الأنداءَ في السَفح الخضيلْ
لي من كؤوسكِ ألفُ نبعٍ!
لا ارتوى ضلعي
ولا زال الغليل هو الغليل!
لي من عتابكِ ألفُ لحنٍ
طاف بالنجوى
كما تهفو الحمائم بالهديلْ
يا أنتِ
يا سحر الطفولة
والحنان العذبِ
يا حلمي الجميل
الرباط
23-12-1993

ترانيم
(1)
رسمتْ لوحةً
ولجتْ فيها
حطّمت الإطار
لكنها
ما برحتْ هناكْ!

(2)
الشمس ذلك الكائن الغريب
تعاود الشروق كل يوم!
حتى وإن توشحت
بمعطف الغيوم
مثلكِ يا سيّدتي الأميرة!

(3)
أروع الحزنِ
أشهى التمرّدِ
أحلى البكاءْ!
لا، لن يهدأ بركان الجبل القوقازي
أرأيتَ الظلمة
كيف اتقدت فيها النجمة؟!
أرأيتَ الصخرة
تتفتّح فيها الزهرة!
ويثور الينبوعْ؟!

(4)
العاصفة في نسمة
والموجة في قطرة
وكل بحار الأسى والوجوم
والقلق البرئ
في دمعة هادئة
على خدّك المشتعلْ
بالبراءة
والخجل!
(5)
آه يا سيّدة الحزن الجميل
علّميني كيف صار الحزن
سحراً بابلياً!
علّميني كيف ذاب الشوق في الكأس
سقانا،
يا هوى العمر،
رحيقاً عسجديّا
علّميني
كيف ظلّ الحبّ طفلاً
ساهم الطرف، نبيا!
علّميني
كيف ظلّ الشعر
ينساب كأضواء القمر
بعضَ حينٍ
وكأنداء السحر
بعض حينٍ
يتغنّى
وأغنّيه
لعينيك
ونشدو للسهرْ!
علّميني ذلك السرّ الذي صاغ من اليأس
رجاءْ
وضياءً فوق ظلّ من بكاءْ
علّميني
آه يا سيدة الحزن الجميل
علّميني
الرباط،
2000


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"