شوقي يوسف بهنام* : الشافعي وسلوك الآخر اللامقبول

shawki  5* مدرّس مادة علم النفس / كلّية التربية / جامعة الموصل

لم يكن الشافعي ، على ما يبدو ، مهتما فقط بتنظيم حياته الشخصية فقط .. بل حاول وضع معايير وقواعد للسلوك العام في مجمل تجليات الحياة اليومية . وقد مدح الشافعي واستحسن بعضا من هذه القواعد والمعايير وفي الوقت نفسه ذم أو انتقد البعض الآخر منها (1) . والنص الذي سيكون محور هذه السطور يدور حول السلوك اللامقبول أو المستهجن ويمكن ان نصنفه ضمن السلوك اللااجتماعي Antisocial . يقول الشافعي في هذا النص : –

أحق بالصفع في الدنيا ثمانية لا لوم في واحد منهم إذا صفعا
للمستخف بسلطان يحدثه وداخل الدار تطفيلا بغير دعا
ومتحف لحديث غير سامعه وجالس مجلسا عن قدره ارتفعا
ومنفذ أمره من غير موضعه وداخل في حديث اثنين مندفعا
وطالب العون ممن لا خلاق له وطالب النصر من اعدائه طمعا (2)

***************
أيا ً كانت طبيعة القراءة أو أسلوب التأويل الذي سوف ننطلق منه لقراءتنا لهذه الأبيات الخمسة ، فالمحصلة واحدة . بمعنى أدق ، إذا فهمنا أن الشافعي أراد مخاطبة الآخر ، انطلاقا من موقفه كفقيه في الأمة ، فان هذه الأبيات يمكن ان تعد ، وبوجه من الوجوه ، صورة من صور المعاملات اليومية بين الأنا والأنت ، وهو المحور الذي تدور حوله قراءات الفرع الثاني من الفقه ، لأن الشافعي استخدم مفردة ” الصفع ” لرفض السلوك اللامقبول وهو بالتالي يتوازى مع الأحكام الفقهية الأخرى التي عالجها الشافعي في الجانب الفقهي من خطابه . وفعل ” الصفع ” يوازي فعل ” الجلد ” وهو شكل من أشكال العقاب للحد من هذا السلوك أو ذاك . على سبيل المثال ” جلد الزاني والزانية ” . والواقع ان الشافعي ، هنا ، بدا وكأنه أكثر تساهلا في الأنماط السلوكية التي يعرفها ومن ثم يذمها ويرفضها . هذا إذا حاولنا قراءة هذه الابييات إنطلاقا من موقفه من السلوك كفقيه . وسوف نصل إلى نفس المحصلة ، لو انطلقنا من نقطة ترى ان الشافعي وهو واحد من أبناء هذه الأمة ، ليس غير رجل غيور لمسلمات الخطاب الديني الذي يدعو إليه وينطلق منه . ومن هذه الزاوية ، فأن الشافعي يبدو لنا ، وكأنه متخصص بالسلوك ، ومن ثم يدعو إلى وضع معايير للسلوك المقبول وغير المقبول ، على الأقل من المنظور الخلقي والقيمي . وفي كلتا الحالتين ، يصل إلى نفس النتيجة أي السلوك المقبول والذي يرضي الله والإنسان معا . وإذا كان فعل ” الصفع ” أو الجلد هما شكلان من أشكال العقاب المنصوص في الخطاب الديني ، فإنهما يتخذان في علم النفس ذات الصورة . أعني العقاب للسلوك غير المرغوب ، وبالتالي فهما من وسائل إطفاء من هذه اللامرغوبية وتعزيز ما هو مرغوب من السلوك . والحقيقة ، إننا ، هنا ، لسنا بإزاء معالجة نصوص الخطاب الديني بل بقوانين التعلم المعروفة بأطرها النظرية في علم النفس . وليس من قبيل المصادفة ، ان يحدد الشافعي أنماط السلوك اللامقبول بصورة عفوية أو اعتباطية ، ومع ذلك فله العذر في ذلك ، لأن الشافعي لم يكن عالم نفس عيادي ، وبالمعنى الذي تحمله أو تشير إليه هذه المفردة ، لأن تشخيص وتصنيف هذه الحالات لم يتم إلا في العصور الحديثة ومع ميلاد نظريات علم النفس في تنظيم الشخصية وتركيبها . والسمة الأساسية التي تربط بين هذه الأنماط هي سمة عدم النضج immature في تنظيم ذلك البناء . اعني بناء الشخصية أو لدوافعها أو لآلياتها الدفاعية أو لمهارتها الاجتماعية الضرورية للتكيف السليم والبناء والمؤدي في النهاية إلى الرضا عن الذات . الوصف أو التصنيف الذي نستشفه من طروحات الشافعي هي أنه وضع يده على الجوانب السلبية في ذلك البناء والمتمثل في ضعف إدراك المفاهيم أو المعايير الأخلاقية أو ما يسمى بلغة علم النفس نقصا أخلاقيا moral defieciency أو البلاهة الأخلاقية moral imbecility (3), فالشافعي يستخدم جملة مفردات ، تعبر بدقة ، عن هذه الأنماط التي ، وكما قلنا وبلغة علم النفس ، تفتقر الى النضج بمختلف مستوياته مثل ؛ الاستخفاف .. التطفل intrusiveness والمتحف للحديث غير المناسب والمندفع وما الى ذلك من المفردات والتي سنحاول تسليط الضوء عليها لا حقا وبشكل يتفق وترتيب الأبيات التي تتضمنها . أما لماذا حدد الشافعي هذه الأنماط بهذا العدد فقط يعود ، في تقديرنا على الأقل ، إلى تأثر الشافعي بالإطار المرجعي له أي مفردات الخطاب الديني . بمعنى آخر ، فقد عد الشافعي هذه الأنماط أنماطا أساسية ومثالية للسلوك المقبول وفق إطاره المرجعي . وأول ملاحظة يمكننا الوقوف عندها ، وهي حقيقة لا يمكن إنكارها ، هي ان الشافعي كان راصدا ممتازا للظواهر الإنسانية عبر تجلياتها في مختلف نواحي الحياة . هذا الرصد هو الذي أهله ، في تقديرنا ، لأن يمتلك رصيدا كبيرا من الخبرة فيما يخص سلوك الفرد في تجلياته المختلفة . وهذا يعني ، من ثم ، ان الشافعي لم يكن منزويا أو منطويا على نفسه بل انه كان منفتحا على الحياة بكل أبعادها (4) وكانت محصلة ذلك الانفتاح هذه النماذج الشعرية الجميلة التي ابتكرتها مخيلة الشافعي .
ينطلق الشافعي في البيت الأول من جواز استخدام ” الصفع ” للأنماط السلوكية التي حددها بالعدد (8) . ويضيف أنه ليس ملام ذلك الذي ينفذ الحكم في احد منهم . وفي الواقع ان البيت الأول يعد بمثابة مقدمة أراد الشافعي من خلالها أن يوحي للسامع ان ما سوف يذكره من وجهات نظر ” احكام .. فتاوى ” ليست إلا بديهيات لا يختلف عليه اثنان . إضافة إلى انها متفقة مع العقل والنقل معا . وهذا وحده يعد دليلا على قدرة الشافعي على الإقناع أو القدرة على تطويع اللغة في خدمة المعنى المراد توصيله إلى الآخر . ولعل هذا السبب يعد السبب الرئيسي الذي حدا أو جعل من الشافعي ان يحدد انماط السلوك المذموم أو اللامرغوب بهذا العدد حصرا ، اعني انه اعتقد أن هذه الانماط تعد نموذجا لا يختلف عليه اثنان يعبر عن السلوك اللامقبول .
ويمضي الشافعي ، في براعة متميزة ، في توزيع هذه الانماط السلوكية عبر الأبيات الأربعة اللاحقة ، وكأني بالشافعي يستخدم متوالية حسابية لأن كل بيت من الأبيات الاربعة يتضمن وصفا لنمطين من السلوك اللامقبول وبهذا يكون الناتج ” 2 ×2 = 4 ” متفقا تماما مع دعوة البيت الأول . وعلى الرغم من ان هذه الإشارة ، أعني الإشارة إلى البناء الرياضي للأبيات الخمسة ، موضوع هذه السطور ، ليس هو الهدف الأساسي لها فإن من شأن هذه الإشارة ان تساعدنا على إنصاف عقلية الرجل وتحديد أبعادها ومعالمها ليس غير . وطالما أن نقطة انطلاقنا هنا محددة في دراسة شعر الشافعي على وجه التحديد ، ومن ضمنها هذه الابيات الخمسة على وجه الخصوص وهي وجهة نظر نفسية ، فنحن لا نرغب في الانحراف أو الحياد عنها لئلا نقع تحت طائلة سوء التأويل أو فساد الظن من قبل الآخر .
ويمكن ان تعد الابيات الاربعة اللاحقة بمثابة تفسير أو شرح أو نتيجة إذا استخدمنا لغة المناطقه ، للمقدمة التي مثلها البيت الاول . ولذلك فإن الشافعي يمارس هنا دور عالم المنطق بأسلوب شاعر لكي ينتهي بهدف عالم نفس ومن ثم يبرز بدور فقيه صاحب ” فتوى ” أو وجهة نظر أو قراءة أو تأويل . وما يهمنا في هذه السطور هو الشافعي منظورا إليه كعالم نفس فقط .
يبدأ الشافعي في البيت الثاني بتحديد تلك الانماط السلوكية التي وصفناها بالأنماط اللامقبولة وأول نمطين يضمهما هذا البيت هما :-
1- الاستخفاف بحديث السلطان .
2- الداخل الدار تطفيلا بغير دعا ” دعوة ” .

ومن الواضح أن الشافعي لم يكن يعني عندما استخدم مفردة ” السلطان ” بمعناها التقليدي ، لسبب بسيط هو انه كان ينطلق في النظر إلى الناس من خلال النص الذي يقول ” الناس سواسية كأسنان المشط ” . ولذلك فإن الشافعي اسقط من حسابه هذه النظرة إلى الناس وفق انتمائهم الطبقي أو ترتيبهم في السلم الاجتماعي . الأ ان ما أراد الشافعي تثبيته أو إلفات النظر إليه هو سلوك الاستخفاف أو اللامبالاة الذي يميز الشخصية غير الناضجة والتي لا تعطي وزن ما للمعايير الاجتماعية . إذن الشافعي يستهجن سلوك الاستخفاف بالآخر عموما . لأن الآخر ما هو إلا عبد من عباد الله إذا شئنا استخدام لغة الخطاب الديني بكل أنماطه لأن الانسان مخلوق للعبادة(5) . ما يريده الشافعي في النموذج السلوكي المقترح والذي يبتغيه للإنسان وفق قراءته ، هو ألا يستخف بالآخر ، أيا ً كان هذا الآخر ، بعبارة أخرى أو مفهوم أدق ، أن ينظر إلى الآخر ،كما يريد هو أن ينظر إليه الآخرين . وإذا عدنا إلى معايير المنطق التي كانت تحتل مكانتها عند الشافعي ، فإن النتيجة المنطقية لهذا المنظور الذي يمثله الشطر الأول هي الدخول إلى دار الآخر دون دعوة أو استئذان . صحيح ان الشافعي استلهم في هذا الشطر النص القرآني (6)على ما يبدو إلا ان احترام الآخر هو مقدمة أو تمهيد إلى ان لا تقتحم مجال الآخر المكاني اعني ” البيت ” بسلوك تطفلي ، ودخول هذا المحال بهذه الصورة هو مؤشر إلى عدم احترام الذات وتحديد صورتها لدى الذات نفسها . وهذا يعني عدم نضج الشخصية وعدم تكامل أبعاده وبالتالي تعد مؤشرا على اضطرابها . ألم يقود الفقه بالشافعي إلى ان يضع يده على أسرار الشخصية وخفايا السلوك ؟ هذا سؤال نترك جوابه لمحكمة التاريخ . لكن الجواب في تقديرنا هو بالإيجاب . تلك هي الصورة التي بدأ الشافعي برسم معالمها للشخصية غير الناضجة والتي تكشف عبر سلوكها تلك المعالم ، وهي هنا ، الاستخفاف بالآخر
وفي البيت الثالث الذي من خلاله يسلط الشافعي الاضواء على الانماط غير المرغوبة على النحو التالي :-
1- ومتحف لحديث غير سامعه .
2- وجالس مجلسا عن قدره ارتفعا .

***********************
هذه الصورة ، هي صورة لشخص لا يستطيع تمييز الأدوار والمواقف . وبالتالي لا يعرف أين تبدأ حدوده أو مجاله وأين تبدأ حدود أو مجال الآخر . واهم سمة يمكن من خلالها وصف هذه الصورة من السلوك هي سمة الاندفاعية impulsive . و لا نريد ان نقول ، ان الشافعي ، هنا ، كان يدور في ذهنه صورة الشخصية المضادة للمجتمع والتي قد تكون هذه السمات هي من سماتها . المهم ، هو ان الشافعي ، وضع يده على جانب مهم من ما يسمى بالمهارات الاجتماعية الضرورية للتكيف السليم والناضج وهو ما يسمى بالذكاء الاجتماعي . والذي يعبر عنه أو يصفه علماء النفس بالبلاهةshallow الأخلاقية والتي حددها البعض كسمة من سمات الشخصية البينية أو الحدية borderline (7) .
إذن السلوك ، وفق هذا المنظور ، اعني منظور البيت الثالث ، هو متمم للسلوك كما حدده البيت الثاني . فإذا كان الشافعي لم يرض لنموذجه السلوكي أن يقع في دائرة الاستخفاف بالآخر ، في البيت الثاني ، فهو ، هنا ، لا يرضى بذلك النموذج ان يقع فريسة الطفلية ذات البعد الطائش الفقير الأحكام . عديم القدرة في التمييز بين حدوده وحدود الآخر . بمعنى آخر ، يريد الشافعي من إنسانه المقترح ان يكون قادرا على التمييز لظروف المكان والزمان المناسبة للتعامل مع الآخر التعامل السليم والفعال .
ويمضي الشافعي في البيت الرابع ، إلى وصف لنمط سلوكي آخر أو خاصية أخرى لهذا السلوك وهي على النحو التالي :-
1- ومنفذ أمره من غير موضعه .
2- وداخل في حديث اثنين مندفعا .

هي لسلوك إنسان لا يعرف كيفية السيطرة على ذلك السلوك و لا يعرف توقيت لسلوكه . والشافعي يبدو ، هنا ، دقيقا في رسم معالم هذا السلوك . وهو ، أي هذا السلوك ، صفة لإنسان لا يعرف التوقيت في اتخاذ القرار ، ويمكن ان نصنف هكذا سلوك ضمن ما يسمى بلغة الطب النفسي ” اضطراب الإرادة aboulia ” (8) وإنصافا للحقيقة ، يجب ان لا نطالب الشافعي بدقة الملاحظة السريرية ، مثلما نجد الآن في المصحات أو العيادات النفسية ، وذلك لسبب بسيط ، وهو أن الشافعي لم يتخرج من معاهد الطب النفسي ولم يمارس أي خبرة في هذا المجال ، بل تخرج من مجالس الشيوخ . وهناك فرقا كبيرا بين هذا وذاك ، ومع ذلك فأنه استطاع أن يرصد ظاهرة سلوكية غير عادية وبالتالي ضمها أو إدراجها ضمن قائمة السلوك غير المقبول والمستحق الصفع .
ومن الطبيعي ، ان يكون الشخص الذي يفقد القدرة على ضبط توازنه ، أو عدم القدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب أو الملائم ، يكون مندفعا في تعامله مع الآخرين دون أن يعرف موضوع الحديث الدائر بين اثنين . ما أدق الشافعي بهذه الملاحظة ؟ وكيف صاغ هذه الملاحظة بقالب شعري يتناسب مع البناء الإيقاعي للأبيات الخمسة الأخرى ؟ . إذن الشافعي يذم سلوك الاندفاع غير اللائق بصورة المؤمن الذي يدعو إلى بناءه ووجوده . والأنماط الستة التي حاولنا تسليط الضوء عليها كانت أنماطا تمس السلوك الفرد في تعامله مع الغير أو ما يمكن وصفه بلغة معاصرة ” اللياقة الاجتماعية ” وهي إن دلت على شيئ فإنما تدل على شخصية غير ناضجة أو غير متكيفة وبالتالي لم تستطع امتصاص المعايير الاجتماعية والمثل الأخلاقية بصورة سليمة . بقي نمطين أخيرين واللذان يتضمنهما البيت الخامس ، فهما تعبير عن خاصية أخرى في الشخصية .. أو بتعبير أدق ناتج لتلك الخاصية وتحصيل لها . ويمكن تحديد هذه الخاصية بأنها خاصية تنتمي إلى مجال القدرات المعرفية و لاسيما قدرة الحدس . وهذان النمطان هما :-
1- طالب العون ممن لا خلاق له .
2- وطالب النصر من اعدائه طمعا .

فالشخص الذي يحدد ملامحه ، هنا ، شخص غير مدرك لحدود نفسه أو قيمتها . و لاشك ان الشافعي قد استلهم النص أو الحديث الذي يقول ” رحم الله امرءا عرف قدر نفسه ” والنص دعوة إلى معرفة حدود الذات ؛ وكأني بها عودة إلى السؤال السقراطي ” اعرف نفسك ” ، وفي الوقت نفسه دعوة إلى عدم المغالاة في تقدير الذات أو الإفراط في الخفض أو التقليل منها . الحالة الأولى يمكن أن تكون مؤشرا من مؤشرات الفصام أو الهوس بينما الحالة الثانية يمكن ان تكون مؤشرا من مؤشرات الاكتئاب ، وفي كلتا الحالتين يقع المرء في دائرة المرض أو الاضطراب . وعلى الرغم من ان الشافعي لم يذكر هذه النتائج بالصورة التي قدمناها ، هنا ، إلا انه ، على ما يبدو ، قد ادرك بعضا منها .
لماذا شدد الشافعي ، في هذا البيت على وجه الخصوص ، على خاصية مشتركة في قضية الطلب . بتعبير أوضح ، ان الشافعي ، هنا ، ذم الطالب ؛ ” طالب النصر العون ” طالب النصر ” وكان مسبقا قد حدد هوية المطلوب منه ؛ ” ممن لا خلاق له ” و ” طالب النصر من اعدائه طمعا ” . ان الشافعي قد ادرك نتيجة الخبرة المتراكمة لديه أن الذي لا خلاق له لا يمكنه ان يمنح العون أو يلبي حاجة لمحتاج ، هذه مسألة مفروغ منها عند الشافعي والشيء نفسه ينطبق على العدو والذي لا ينصر من كان عدوا له أصلا . إذن الشافعي قد حدد هوية المانح دون تردد لأنها قرينة واضحة بذاتها لا تحتاج إلى إثبات أو برهان . علاوة على ان هوية المانح ليست الشغل الشاغل له . ان هدف الشافعي الأساسي هو بناء الانسان الجديد الذي يطمح إليه وفق قراءته لمفردات الخطاب الديني . بمعنى أدق ودون إدخال الشافعي في إطار المذهبية الفقهية ،لا يود الشافعي من المسلم الجديد ان يكون شافعيا على وجه الحصر . ما يريده الشافعي من الانسان المسلم الجديد ان يكون … بل يجب أن يعرف قدر ذاته وحدود إمكانياته أو يميز بين مجاله ومجال الآخر بالصورة التي تجعله شخصا مستقلا بذاته وليس مجرد إمعة ، معتمدا على الله الواحد الأحد ؛ عارفا صديقه من عدوه ومميزا بين الأخيار من الأشرار ، ناهيك عن ان هذا الإنسان ينبغي أن لا يتخذ من دون الله ناصر أو معين . إذن ما نستطيع الخروج منه من خلال هذا البيت ، على وجه الخصوص ، هو ان مضمونه يمكن ان يكون خلاصة أو محصلة للأبيات الثلاثة السابقة . وإذا كان في البيت الثاني والثالث والرابع وصف للشخصية غير المتزنة وغير الناضجة والتي أدرجها الشافعي ضمن اللامقبول من السلوك وبالتالي استحقاقها الذم أو الصفع ، فان البيت الخامس هو محصلة تلك الشخصية في علاقتها بالآخر بل في أوج تلك العلاقة مع ذلك الآخر الذي لن يفهم أو يقدر أو يحدد ملامح تلك الشخصية . واللوم لا يقع على الأخر ، لأن الآخر أصلا قد أعلن هويته دون خجل أو دون خوف ، ولكن اللوم كله يقع على هذه الذات التي شدد عليها الشافعي كثيرا ، في تعاملها مع ذاتها ومع الآخر .. هذه الذات بهكذا مواصفات لا تستحق إلا الصفع أو الرفض أو ما شاكل من ذلك من انواع العقاب .
أليس من الإنصاف ، بعد كل هذا العرض ، القول ان الشافعي ، في هذه الابيات ، قد بنى فسيفساء سلوكية متكاملة ، تتفق مع مطالب الخطاب الديني ، وفي الوقت نفسه تقوم على فهم عميق لبنية الشخصية الإنسانية وتركيبها و لا تتعارض بل تتفق معه وتتلاءم مع ما هو مقبول أو مرغوب من معايير السلوك ؟؟ . أليس من حقنا إذن ، ان نقول ، ان الشافعي لم يكن فقيها فحسب بل كان عالما في السلوك ؟؟؟ .

الهوامش :-
1- بهجت ، مصدر سابق ؛ نص 13 ، ص 103 ؛ نص 14 ، ص 103 ؛ نص 17 ، ص 105 ؛ نص 19 ، ص 106 ؛ نص 20 ، ص 106 ؛ نص 25 ، ص 119 ؛ نص 28 ، ص 121 ؛ نص 37 ، ص 130 ؛ نص 40 ، ص 130-131 ؛ نص 51 ، ص ، 135 ؛ نص 52 ، ص 136 ؛ نص 55 ، ص 144 ؛ نص 59 ؛ ص 149 ؛ نص 61 ، ص 153 ؛ نص 63 ، ص 153 ؛ نص 64 ، ص 154 ؛ نص 66 ، ص 154 ؛ نص 69 ، ص 156 ؛ نص 70 ، ص 156 ؛ نص 77 ، ص 164 ؛ نص 78 ، ص 164 .
2- بهجت ، مصدر سابق ؛ نص 63 ، ص 153 .
3- د . الخولي ، مصدر سابق ، ص 31 و 373 .
4- بهجت ؛ مصدر سابق ، نص 69 ، ص 156 .
5- سورة الذاريات ، آية56 .
6- سورة البقرة ، آية 189 .
7- Kern berg , 1967 , Borderline Personality Organization , J, of Am Psychoanalytical Association , 15 , pp 641- 685 .
8- د. الحفني ، مصدر سابق ، ج1 ، ص

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *