اسماعيل ابراهيم عبد : التراسل الإشاري في تداول الرواية ؛ مشاكل وإشكالات

ismaeil ibrahim abd 4فك اشتباك العنوان
التراسل : أو التبادل الإشاري مصطلح يستخدم في تحليل الخطاب من حيث التحادث ومقاربات الحوارات القصصية , يتميز بوجود ثلاثة أطراف طرف أولي : يخص المبتديء بالتحاور(التبادل) , الذي يعتني بتوجيه الأسئلة ثم يستلم جوابها . طرف وسطي : يخص مقولات المستجيب , بلغة أدبية طرف تام : يقوم بالحمل القولي في التنبيه والمجادلة والتبادل المعرفي للموضوعات المطروحة (هـذه الـمـعـلـومـات ملخص التبادل , مـن مـعـجـم الـسـرديـات لمحمد القاضي ص62) . التداول : هو لغة الإستعمال الجارية بين المتخاطبين على وفق الأنظمة اللسانية , التي يتم التفاعل من خلالها بين قوى اللغة وتفاعل أبعاد مكوناتها على أساس / البعد التركيبي : بُعد العلاقات اللغوية . البُعد الدلالي : بُعد الإشارة الى الأشياء المادية وغيرالمادية . البُعد التسويقي : قائم على أساس العلاقات التي تدوّر الكلام , وتبادل شيفراته ـ الإشارات المضمرة ـ (معتمد السند , معجم السرديات , ص80) .

في منهجة الروي /

ما يقلق النقد الحديث قضيتين / 1ـ عدم طواعية المشهد الأدبي للقوانين الإشتراطية , التي تخص الجودة والعمق الدلالي . 2ـ عدم تحقق النقد من جدوى الأدبية الرياضية . هاتان القضيتان إنتقلتا الى الإبداع الروائي , فقد يحاول بعض الروائيين أن يكتب بموجب إشتراطات مسبقة ويعدّها شكلاً من التخطيط للعمل فيقع بمشكلة إسقاط المشهد التدويني في فخ الأدلجة الفنية فيقع بالإفتعال المخرّب للجمالي والثقافي في آن واحد . كما أن البعض يُوقِف عمله على وفق حسابات كمية تخص عدد الصفحات أو عدد الكلمات كمساحة ممنوحه له في الكتابة , بموجب إمكانيات الطبع الراهنة . وربما يكتب البعض بالتقيد بمقدار المكافأة المالية وطبيعتها التي يخمنها لعمله فيفقد المشهد التدويني عفويته وعذرية إنفعالاته وصدق وحميمية أفكاره . الحل المقترح , لإخراج المشهد الروائي من المطبات النظرية لصالح الأفعال الفطرية المتعالية (المطلقة) في إشعاعها الجمالي والثقافي , هو في / أ ـ توجيه العناية الى مشعات التجربة بكل حرارتها وآثارها المادية والنفسية . ب ـ إشباع القص الروائي بالأحداث المتلاحقة , المستوعبة والمستوحية , لجُل قضاياها من البشر ) . ج ـ وضع المقال الروائي بحالة بث الشيفرات التي لا تكون سهلة مبسطة شبه ساذجة , ولا مغرقة في الغموض بما يجعلها شيفرات مغلقة كلياً . د ـ الإهتمام بعمق الأفكار وجديتها وإستثنائيتها دون الإلتفات الى الإستلزامات والمكافآت هـ ـ إبتكار أساليب جديدة تؤسس لمنافذ أُخرى لأُخرى وأُخرى لأُخرى .. وهكذا فتكون أساليب الروي متغيرة لانمطية فيها إضافات تسير قُدُماً من عمل الى آخر .

تنظيرات في طبيعة الشخوص الفواعل وإشكالاتها

أن أكثر ما يثير الجدل في الإقناع الروائي هو بناء وطبيعة الشخوص الفواعل فيها . وللتعرف على ذلك يمكننا أن نتابع التنظيرات الخاصة بهذا عبر /

1ـ يرى رولان بارت أن الشخصية تخضع لفعل الشعرية الأرسطية ثم تطورت لتكتسب كثافة نفسية لتكون فردا أو شخصا أو كائنا متكونا كاملا , فهي إذا جوهرا في قائمة الإستخدامات كفاعل ومفعول ومسند , والشخوص توابع للعقلانية النقدية .

2ـ يرى غريماس هي منظومة ضمن علاقات عوامل بين المسند إليه والمفعول والمضاف الإسنادي والمضاف السردي . وكون الشخصية فاعلاً فيعني / 1ـ إنـهـا مـنـظـومة الـفـواعل الأبطال للأفعال الكبيرة والحقيقية والمتخيلة (معجم السرديات , ص51 ) . 2ـ الشخصية فواعل تنتمي الى طبائع لا تُحصى عدداً , في حين أن الفواعل تنتمي الى مستوى العمق وعددها لا يتجاوز الستة وهي (المرسل , المرسل إليه , المساعد , المعارض , الذات , الـمـوضـوع ذو الـعـلاقـات الـمـبـاشـرة بالأحداث) , ( معجم السرديات ــ ص304) .

3ـ تمثل الشخصية مع الحدث عمود الحكاية لذلك تُدرَس في إطارالحكاية . (معجم السرديات ــ ص270) .

4ـ تكوّن الشخصية بؤرة إذا قامت بنقل المعلومات السردية من خلال وجهة نظرها الخاصة لضربين منها : ضرب يتعلق بالشخصية نفسها بوصفها مبأراً . ضرب يتعلق بسائر مكونات العالم المصوّر الذي يقع تحت طائلة إدراكها . (معجم السرديات ــ ص271) . في حين يربط الدكتور جبار حسين صبري بين الشخصيات (الفواعل) دون أن يفرّق بين المصطلحين في ما يخص الزمن . ويرى أنها حاوية لزمن متمدد ( ) . د. جبار حسين صبري , في مكان آخر , يجسّد رؤاه في الشخصية ـ كونها زمنية المستقبل ـ بقوله : ” إن إفتراض إنكار الحاضر وإستبعاده سيمنح الشخصية إنتظاراً , أنذاك ينبني المستقبل … ( ) . يعني بذلك أن شخصية المستقبل هي تلك التي تعيش الأمل والتخيل لآن لم يجيء بعد , تعويضاً عن الآن المرئي . يرى البعض في فهم الشخصية للفعل وتعقد الشخصية من خلاله , متعة كبيرة . ” حين تنطبق قاعدة جنيت : الفعل × الشخصية = قيمة ثابتة . حتى هذه المرحلة (تجميع المعلومات) عن الشخصية (الفاعل والفاعلين) قمنا بترتيب معين يغطي وجهات نظر مختلفة عن نظريات الشخصية السردية , والرواية واحدة من مجالات تطبيق تلك النظريات . بواقع عملي وتعلمي تقوم نانسي كريس بجهد التطبيق المقترح في كتابها (تقنيات في كتابة الرواية) فيه تقنيات وتمارين لإبتكار شخصيات ديناميكية ووجهات نظر ناجحة . الكتاب يضع مشغلية الرواية بمشاغل الشخصية , وكأن الرواية ليست سوى تركيب وتحريك الشخصية , وهو ما يتعادل مع وجهات النظر غير الحيادية التي ترى الفاعل أهم من الشخصية , وكأن هناك رتباً حقيقية في القيمة بين عنصر وآخر من عناصر السرد الروائي . أن ما يميز تقديم الشخصية , ومقترحات بنائها في الكتاب أعلاه هو هذه الحيوية في تصور تكوين الفواعل من الشخوص وتميز صفات الفاعل لكل منها تميزاً يجعله كائناً حقيقياً مستقلاً عن الكوائن الأُخرى في المشاهد المتجاورة . مايهم في هذه الحيوية هو السؤال , من أين تأتي بالأشخاص ؟ وإجابتها : [ لديك أربعة مصادر : أنت نفسك . وأشخاص حقيقيون تعرفهم . وأشخاص حقيقيون تسمع عنهم . وخيالك الخالص ] ( ) . إن الآراء التي مرت , وعلى الرغم من تشابكها وإفتراقها أحياناً , إلاّ أنه يمكن جمعها بملخص يفيدنا , من الناحية الإجرائية , في تلمس فعل الشخصية حين نتوصل الى ما يشبه استقرار قوانين (النحو) السردي لبناء إنعكاس رؤى المروية , الملخص هو : 1ـ يرى شلوميت , أن الشخصية صورة من رؤية تبؤرية .

2ـ يرى سعيد يقطين , أن الشخصية فاعل في وظيفة للنص والخطاب .

3ـ يرى بارت , أن الفاعل فرد , شخص , كائن مستقل .

4ـ يرى غريماس , أن الفاعل متحرك ضمن عملية المسندات : (إشتقاق العلاقات , أفعال تحول العلاقات ) . تنسرب تلك الى أن تكوّن / المسند إليه , المفعول , المضاف الإسنادي , المضاف السردي .
5ـ يرى محمد القاضي , نقلاً عن علماء السرديات , أن الفاعل أعمق من الشخصية وأنه محدد بالمرسل , والمرسل إليه والمساعد المعارض , والذات , والموضوع , ويرى أن الفاعل يتمحور حول البطل والشخصية البؤرية .
لنحاول التقريب بين هذه الآراء لنوسّع مضامين توصيف عــــمل الشخصية (الفاعل) وعملية إنعكاس تكونها على السرد الروائي , ثم الفعل الروائي , ثم الرؤية الروائية .
نرى أن التوفيق بين الأراء الواردة أعلاه يتحمّل الإفتراضات الآتية /
1ـ إن الآراء جميعها تعتقد بصحة كون الشخصية ـ كائن مخلوق ـ خاضع لرؤية تسبق العمل الروائي . 2ـ أنها تعلن إرتباط الشخصية بالمضمون الروائي من حيث اللغة والبناء والمعرفة والقيمة الإنسانية للعلاقات الإجتماعية في القص .
3ـ أن السخصيات متعددة بتعدد أنماط إستخدامها , ومتطورة بحسب تطور فن الرواية ومرتّبة بقيمة العناصر الأهم في الروي .
4ـ أن زمنية الرواية تفترض زمنية الشخصية (الفاعل) .
5ـ أن كثافة الفعل الروائي متأت من كثافة أفعال الشخصية 6ـ أن الشخصية حامل ومحمول للمضمون الروائي . 7ـ أن نمو الشخصية نحو التعقيد والتركيب والثراء الحدثي المضخم هو جزء من تقدم الرواية نحو الجودة الفنية .
8ـ أن الشخصيات الفواعل هم واضعو الرواية كـ ( نص , سياق , خطاب ) على طريق التداول الصياغي والدلالي والإعلامي .
يجتمع السيميائيون على أنه لا يوجد شعب بلا قص , ولا توجد قصة بلا فاعل , هذا يعني أن وظيفة الفاعل سرمدية أزلية . يتشكل الفاعل في الواقعة الروائية كعنصر موظف لترتيب السرد الروائي وتبئير الحوادث , وتركيب الدلالات , خاصة إذا كان المؤلف متخفياً وراء حدوسات أحد شخوصه كالبطل الأساسي أو البطل الثانوي أو أحد الشخوص الثانويين جداً. أو قد يُدخِل المؤلف المتخفي آراءَهُ في مفصل بؤرة مهمة في تشكيل الحوادث الكبرى . ترى كيف تتشكل هذه الوظائف ؟ ـ عندما يفكر الروائي بكتابة رواية فمن المؤمل أن يحدد الموضوع أولاً , ثم الشخوص الفواعل , ثم الحوادث الكبرى , فالفرعية , يختار طريقة الروي من خلال أفعال السرد التي تبين المظهر اللغوي والفِعالي للرواية , إعتمادا على خزينه المعرفي وتجربته الإجتماعية ومضموره العاطفي والنفسي , إضافة الى قدراته التخيلية . ـ لا توجد نظرية حاسمة تحدد أولويات الإختيار , أي لا توجد نظرية تقول , على الروائي أن يختار الموضوع أولا ـ كمثال ـ , فقد تعجبه شخصية حقيقية يراها فيتحفز لكتابة رواية من أجلها , أو قد تهزه حادثة أو كارثة فيتبنى القيام بكتابة رواية لهذة الحادثة . قد تعجبه طريقة سرد (ما) فينفذ إعجابه برواية . إذاً لا يمكن التكهن بلحظة الإختيار الأول لأحد عناصر الرواية , لكن يمكن إنتقاء العنصر الأهم , خاصة وأن نظريات السرد إهتمت بذلك وأصبح من الجلي بأن وضع الشخوص بصفاتهم الخارجية والداخلية ولغتهم لترتيب الفعائل هي العملية الأهم في الرواية . ـ تعدّ عملية توضيع الشخصية وتوصيفها إنتاجاً أولياً لوظيفة الفاعل وقدرته على تشكيل المظهر الخارجي والداخلي لحركة الأفعال . ـ عندما تكتمل العناصر الأُخرى يتشكل نشاط وحيوية فاعل المظهر الكتابي في الروي , وهذا الإتجاه هو الخط الثاني لوظيفة الفاعل الذي يأتي بعد الخط الأول أي وظيفة تركيب وترتيب لــغــة الأحداث . ـ بعد ذلك يتأتى للرواية أن تتبنى طريقة سرد (ما) , فيتشكل الخط الثالث لوظيفة الفاعل , حيث يتمم الفاعل عمل المظهر والجوهر والفعل للمتوقع من الحوادث , بمعنى أن الفاعل دخل بوظيفته كلياً . ـ ثم تأتي عملية التأمل في تنامي الروي لتمثل الخط الرابع لوظائف الفاعل . ـ إما إنتظار الفعائل غير الحاضرة كحالة تأمل في وظيفة المرحلة الجديدة من وظائف الفاعل , أي حسم موقف المروية من أحداث ونماذج سردها فهي تمثل الدخول في زمنية الفاعل كخط خامس لوظائف الفاعل . إذا للفاعل خمس مراحل للتشكل هي : ـ تبريرالتشكل المظهري للأفعال .
ـ التشكل الكنائي للروي . ـ الإسهام ببناء علائق العناصر الروائية . ـ التدخل بتصنيع الأحداث . ـ صوغ الزمنية للأفعال . حتى الآن نكون قد قطعنا مسافة طويلة في برمجة وظيفة الفاعل لكننا لم ندخل في مرحلة ما قبل وجود الفاعل , أي مرحلة إنتقاء فواعل الرواية , التي تتسبب في أخطر عمل أو فعل (روائي , فكري , تقني) حيث أن عملية تحديد مصدر الفعل ما هي إلّا وجهة نظر مسبقة , وهي تقويمية إنتقائية لما بين عدة خيارات , وعدة مناهج , وعدة طرائق تقنية , بل أن لها مساس مباشر بآيدلوجيات العصر وآيدلوجيات العمل الروائي . الوظائف الفعائلية متنامية بتتابع تكاملي .
إشكالات

في رواية الشخوص العراقية تبرز عدة ظواهر أو مشاكل تتعلق بطبيعة الشخوص حيث/ ـ قد تكون الشخصية مبسطة تطرح أفكارا بسيطة وتقليدية وسيكون فعلها البطولي متحيزا لآيدلوجية وصائية ما ! ليأتي الراوي خاويا حائرا في كيفية النهوض بالروي من خلال تعاقبية الأحداث والأزمان مثلما هي رواية الصليب حلب بن ربيعة وضجة في زقاق لغانم الدباغ ورواية العودة الى البيت لويع شامخ . ـ المشكلة الأُخرى هي نوعية الشخصية كونها سطحية وليست معقدة والتي تدفع الى النتائج السابقة ذاتها , حيث الأوصاف المجانية للزمان والمكان والمظهر الخارجي دونما الغوص في دواخل النفس المتأزمة (إفتراضا). ـ بعض الشخوص مركبين ومعقدين لكنهم منساقون نحو مقولات ثقافية لا تلائمهم وليس لوجود أقوالهم مبرر سردي مقنع . ـ شخوص الميتاسرد , في الغالب , شخوص فائضة ومضرة والدخول الى الحالة السردية والخروج منها لا يخدم المشهد مثلما هي رواية دلمون للروائي المغترب جيان . ـ يحاول الروائي العراقي أن يبني خصوصيته عبر تفتيت البنية الثقافية للإرهاب , يغوص في توصيف وملاحقة أطوار الضحايا لكنه لا يذهب عميقا في تحليل نفسية وتربوية شخوص الجريمة . ـ تعاني الكثير من الشخصيات من قلة وضآلة المعلومات مما يقيد حركتها ولغتها ومن ثم يقلل من قدرتها على تمثيل الرؤى من تجارب ومواقف . ـ العبور على منطق الواقع والظرف الإجتماعي , حين يتصور الفاعل الكاتب المؤلف أن المرأة تنتظره في كل مكان , وحاضرة للفعل العاطفي والجسدي بإشارة منه . حتى في الجيش والمعارك فهناك إمرأة جملية , جميلة جدا ـ تراوده عن نفسه لكونه شاعرا أو قصاصا .

بناء الشخصية

من خلال المتابعة والتجربة وجدتُ أن بناء الشخصية الروائية يمر بأربعة مراحل هي /

* تهيئة الجو العام حيث هي مرحلة جمع معلومات حقيقية وأخرى موهمة ليتصورها له فيسحب وعيه نحوها صائغا أجواء ماقبل الشروع الحقيقي بالكتابة عن صورة الشخصية الرئيسة على الأقل .

* التوغل الإبتدائي هي مرحلة المضي قدما في تشكيل ملامح الشخصية من ناحية المظهر والحركة والأفعال على شكل لغة محددة الأقوال والأفكار والمستوى البلاغي .
* التعطيل المؤقت

مرحلة المراجعة الأخيرة والإنسراح وراء الصورة المتخيلة للحالة والنشوى والسحر اللذاتي الذي يدفع الى المرحلة النهائية لقرار الكتابة عن شخصية بانت طبيعتها وأهدافها وصارت حية تمشي وتتحرك من ذهنه الى أطراف أصابعه .

* التحديد هي مرحلة نخمين طبيعة المتلقي في تخيل رفضه أو قبوله للشخصية التي ستصبح بعد لحظات ملكه ومتعته ووعيه .

إشكالية تحيين العالم الحقيقي ليكون روائيا

عند إستحضار العالم الروائي ذهنياً يستدعي ذلك مؤولات خاصة , منها معرفية وأخرى عيانية , وهذا الوعي مركب من مجسدات منها تتماثل مع العالم الذهني المعنوي وأخرى تمتثل لطبيعة التسميات الذهنية . هذه المتماثلات تنشأ على أعقاب أدلّة مضمرة (طاقة موضوعية لاشعورية) تكمن وراء نتائج الوعي الظاهر المنضم في متتاليات زمانية ومكانية مكافئة لحجم وماهية العالم الذي ينقل الروي عنه معادِلَه الدلائلي . يعلم الروائي بأنه ما من حدث دون وصف ، وما من وصف دون صورة ما لمعنى , وبذات الوقت تنعكس الصورة الى دلالات متعددة التنقلات والتبادلات التي تؤشر ظروف وتكتيك الاشتغال في حيز الانجاز لكل من ، الوصف , التمثيل ، الحدث ، التي تمتد الى نوع الاشتغال الروائي الذي يمزج قيمة السرد الجمالية بدلالات التداعي الصوري ، ومن ثم التمثيل الحدثي شبه الحر . ان تمثيل المفاجأة الحدثية عبر التراكم الصوري يعدّ نمطاً من التداعي الفعائلي الآخذ بالتمدد ، حد صياغة روائية ، انه تكتيك متشعب الطرائق .. قد يكون مبدأ التوسط الصوري بين الصورة الحقيقية وانشطاراتها اللاحقة يجعل منها تداعياً حراً , ولكنها هذه المرة تتقيد بزاوية جديدة من التمثل الحدثي تلك هي الاتجاه من المحمول نحو الموضوع وليس العكس ، يحافظ فيها على التمثل الذي يجعل من الذهن علاقة مع موضوع ، هو شيء يجتذب شيئا ليجعله في علاقــــة وشيء اخر- مثلما جاء في انماط الاخبار في – سيميائيات التأويل لطائع الحداوي . نمط آخر من أنماط الإخبار الحدثي يقارب الإقتباس الحواري . إن العلاقة الدلالية علاقة تفاعل وتعالق بين عناصرعدة لغوية ومضمونية تتبادل الأثر لخلق معنى تركيبياً للمروي أو المكتوب أو المخمن .. الدلالة التامة توليد يمكن أن نقبض عليه من جانبين : [ توليد النسيج اللغوي وتوليد الذات المموضعة لكيفية عرض الدلالة ـ مثلما يراها د.حسين خمري في كتابه ـ نظرية النص ــ ص250] ( ) . يبين لنا بأن الدلالة علاقة فعل بفاعل وفاعل بمحيط , إضافة الى علاقات كثيرة التغير لتوليد المضامين المنتجة للنسيج .. ما أن تكتمل الظروف المولدة للفعل الروائي التبئيري حتى يحال العالم المرئي كله الى صورة متخيلة محينة تدوينيا لتغدو فناً أكثر إقناعا من الحقيقة بما أستبصره الرائي المشيد لصورة متغيرة مرئية من زاوية خاصة .. كأن العالم المرسوم في المخيلة هو الحين المطلوب لحالة الوجود العقلي والنفسي كغاية مبهجة للبشر .. الملاحظ على الرواية العراقية أنها ما زالت دون مستوى التحيين المقنع للعالم المرئي عبر الواقع التدويني .

إشكالية الإعلام ولغة التداول

الرواية إشتغال متداخل الرؤى , متضافر الغايات , متعدد الآليات , يتوسع ليصيـــر طموحاُ إعلامياُ ينشدُّ إليه الكثير من المبدعين والعاملين في الحقول والمؤسســـــــات الإعلامية والمعرفية الأخرى . لقد حظي الإعلام الحديث بإنتشار تداولي تواصلي , واسع مادياً ومعنوياً , خلط لغات العالم وقنوات إتصاله , ومن ثم صارت اللغة الوسيطة , بل الهجينة , ظاهرة تهم الدارسين , ليس لأن ذلك دخل الى الرواية بشكل متسارع ومؤثر , ولـيس لأن الرواية هي فن العصر , ولكن لأن ( الإتجاه التخاطبي الحديث يميل الى الواضـح والمعلن والمباشر , والـشـكـل الـقـابـل لـلـتـسـويـق , والـمضمون الإستثنائي جدا ) . من هنا لا تقرأ والعصر هو عصر الكثرة والجمهرة لكل شيء , فلن يضيع الصغير بفعل الـوجـــود الكبير, إنما العكس , كل شيء يكبر ويكبر ليصل ويقترب فيقترن بالمثال والمختلف . لننظر ثانية في مشهد يكسر عصمة اللغة بخفة الروي , بالـسخرية مـرة , وبالتباكي مرة , وبالإنفلات العاطفي مرة ثالثة / [ جلستُ أُقلّب القنوات وأبقيت الصوت واطئا جداً . بعد عشر دقائق جاءت غيداء … وهمست : ميخالف أتفرّج وياك ؟ فقلت لها : طبعاً إتفضلي ! بدأت عيناي تكثران من اللقاء بعيني غيداء … كانت شهوتي لها تزداد .. * ذات ليلة إستيقظت من أحد كوابيسي , … جاءت غيداء مسرعة نحـــوي وفوجئت بها تعانقني … وهي تلهث ((خايفة جودي , خايفة)) شعرت بليونة نهديــــــــها على صدري وبحرارة جسدها تسري في عروقي … تلاقت شفاهنا بقوة . مصصت شفتها العليا ثم السفلى بنهم . كانت يداي تتحسسان ظهرها وضمتنــــي هي بقوة أكبر . تسلل لساني الى فمها يستكشفه فعضته برفـق طـوقـت لـسـانـهـا بـشـفـتي ومصصته , ثم عدتُ الى شفتيها المليئتين أقبلهما وأعضهما بين الحين والآخر وهي تستجيب بآهات تخنقها القبلات . بدأت أقبل خدها ثم شحمة أذنــــها …تدغدغت قليلاً ومالت كغصن … كنت أريد أن أعرّيها وأشرب شبقها بـعـيـنـي ثـم أدع لـسـانـي وأصـابـعـي تـكـتـشـف تضاريس جسدها قبل أن أصهر شهوتي كلها لتسيل في شرايينها . أمـسـكـت بـنهدها الأيسر وأخرجته من فتحة التشيرت الواسعة وأحنيت رأسي لأقبل حلمتها …. كانـت حلمتها منتفضة ومتأهبة . أخذتها بين شفتي ثم أدرت لساني حولها … أطلقت سراح النهد ووضعت راحتي على خدها . قبلتها وهمستُ بأذنهـا : ((آني آسف)) . فأجابت بصوت خافت : ((آني موآسفة)) . خرجتُ من المطبخ وصعدتُ الى غرفتي بهدوء في الظلام . إستلقيتُ في فراشي … أخذتُ أستعيد شريط قبلاتنا .. كانت حليقة العانة . حـاولـت أن أقـبـل مـا بين الـفـخذين لكنها أبعدت رأسي وهمست ((مواليوم)) ..عضت شفتي بشيء من القسوة وهي تودعني … قبل الفجر … في الليلة التالية همست بأذني ((سوي بيه شماتريد , بس مومن كدام)) .. ضخـمت الجملة الأولى , وفعلنا كل شيء دون أن أخترق المنطقة المحظورة كليا , فكـنت أداعبها بإصبعي وأقدم لها القرابين كي أستمطر جسدها الربيعي … أخـذ جسدها يومض في رأسي وأنا أغسل أجساد الـمـوتى … كانت تقول ((خـذنــي)) فـأقـــــــول (متظاهرا) : وين … فتقول : إلك … ذات مرة قالت ((أريدك)) . ((شلج بيه ؟ آني عجوز بعد عشرين سنة أتسكرب وما فيدج بشي)) . فقالت : ((لعد الفياغرا ليش إخترعوهه)) وضحكت من قلبها … بعد سفرها والعائلة بهجرة اللجوء الى السويد … بدأ صوتها أكثر حـزنا فـي آخـر مـرة تحادثنا على السكايب ..وسألتني سؤالاً لـم أجد له جواباً مناسباً ((ليش ضيعتني من إيدك جودي))] ( ). في المشهد قوى محركة للقص الروائي منها تخص لـغـة الكـلام , ومـنهـا تخص لغة الأدب , وغيرها إشارية سياقية , أو مرجعية موسوعية . لنقم بالتصنيف أولاً / أ ـ همست ميخالف أتفرج وياك؟ فقلت لها طبعاً إتفضلي . ب ـ بدأت عيناي تكثران من اللقاء بعيني غيداء . ج ـ كانت شهوتي لها تزداد . هذه الجمل وقعت وسيطاً بين لغة السوق (الكلام) , ولـغـة الأدب (الـجـمـالية) لتؤلف منطقة إهتمام وتسويق إقتضتها الطبيعة الإستعمالية الجديدة , حــيث الكلمات الشعبية هي نمط من الكلام الدارج الذي يقع ضمن لغة التداول الســــوقي الإستعمالي المادي في جملة أ. في جملة ب أدبية مخاتلة لها أكثر من وجه دلالي لأنها أخذت جمالها من مجـــــازها الإستعاري بين القول المباشر وغير المباشر , اللذان يخفيان معان أخـــرى مـن مثل , تكرر الوجود معاً , أو أنهما دائما الإشتياق … وغير ذلك . هذا التعدد في إحتمالات المعنى الدلالي يحيل الى الجمالية الأدبية . فيما تجيء الجملة ج لتكسر حدة الشعبية والأدبية بـلغـة بسيطة , مباشـــرة مفهومة , غير مكررة ولا مملة , مما يؤكد قدرة الجملة على التداول شبه الحر , والذي لايهتم بالمقامية إنما يحتمي بالسياقية , كون الشهوة سياق للعمل الجنسي , وهي لـفـظـة لها مرجع موسوعي قائم على الأصل (شَهَوَ) ذي المشتقات المحيلة الى منظومة الـجنس في معاني التشبع النفسي والجسدي لـلـملامـســــة المادية بين شبقي الرجل والمرأة . لـكـن المضمر وراء ذلـك لـيـس الـشـبـق وحـده إنــما الإزدياد في الحاجة الأنسوية , والحاجة الشديدة توفر تسويقاً لفن الشهوة المتعلق بالجسد . تلك مضامين مفضوحة لكنها تتقبل الإيجاز والمجاز والإضمار وتنساق الــى السياق والمرجع . تلك خلائط فائضة عن التداول الإستعمالي للغة الأدبية فـي تـوسـطـها بـيـن الــــدلالة البعيدة والإيماءة القريبة لفعل التبـادل المعرفي (محتوى التـراسل) . للنظر الى ثلمات أخرى في جـدران لغـة الأدب لصالح لغة التداول خفيفة الـــروي : أـ تسلل لساني الى فـمها يستكشفه فعضـته برفق , طوقت لسانها بشفتي ومـصصته . ب ـ بدأت أقبل خدها ثم شحمة أذنها…تدغدغت قليلاً ومالت كغصن . ج ـ أطلقتً سراح النهد ووضعتُ راحتي على خدها . قبلتها وهمستُ بأذنها : آنـــــي آسف . فأجابت بصوت خافت : آني موآسفة . الجمل الثلاث الـمـجـزوءة مـن الـمـشـهـد تـحـتـوي المواصفات السابقة لكنها أضافت إسلوب (الدعابة = خفة الروي) الذي تكوّن مظهره من الكلمات الآتية / (عضته , طوقت , مصصته , أطلقت , سراح , آني موآسفة) . وهو إسلوب تكرر إستخـدامـه فـي الـروايات العـربية في الحوار (خاصة) وإستثمره الروائيون العراقيون ـ على إستحياء ـ على قـدر ضيق , وهو مايزال إسلوباً محبباً , ومن المتوقع أن يتوسع إنتشاره في شبكات الإتصال العـالـمـيـة net , فـهـو يـحــرر الكاتب من ضعف المعرفة في قواعد النحو والبلاغة وجودة اللغة الفصحى الـمـؤدية للمعنى . وقد تكون له جوانب مضرّة لكنها ستكون ضئيلة بالقياس الـى الـمـردودات الـنـافــعة المنوه عنها أصلاً . المجزوءات الثلاث تحررت من عصمة اللغة الأدبية شـائـكـة الـمـعـاني والدلالات , بطريقة الدعابة , الـتي دعا لها كالفينو لتكون متجها سماه (الـبـهـجـة) والـتـي تعادل المتعة والنفع والفرح والدهشة . يكتسب هذا الإتجاه حالياً صيغته وقواعد نحـوه السردي من علائم التناصيّة والقراءة المكتفية , وتوسع حضارة التقارب الإجتماعي العالمي وتخالط ثقافات الشعــــــوب . لندقق في الآتي / أ ـ ذات ليلة إستيقظتُ من أحد كوابيسي …. جاءت غيداء مسرعة نحـــوي وفوجئت بها تعانقني … وهي تلهث (خايفة جودي , خايفة) . ب ـ أخذ جسدها يومض في رأسي وأنا أغسل أجساد الموتى … ج ـ بعد سفرها والعائلة بهجرة اللجوء الى السويد , … بدا صوتها أكثـــــر حزناً في آخر مرة تحادثنا على السكايب … وسألتني سؤالاً لــم أجـد لـه جـوابـاً مـنـاســــــباً : (ليش ضيعتني من إيدك جودي؟). رقعة المشهد السابق منتقاة من صفحات الرواية الممتدة على 8 صـفـحــات , وتـلـك الصفحات إحتوت على ثلاث فقرات للتأسي أو التباكي والمثبتة أعـلاه ف أ , ب , ج , فـقـط , وهـي فقرات تسويقية لحالات من المواقعات الجسدية بين رجل وفتاة , وقد ناورت اللغة فيها على طبيعة التركيب الإبلاغي للأشياء السبعة : الكوابيس , اللهاث , الخوف , غسل الموتى , اللجوء, الحزن , سؤال الضيـــــــاع . يوحي هذا , من الناحية الإحصائية , الى أن الرواية تـمـيـل الــــــــــى الترفيه واللذة والـدعابة , لكن هذا مضلل جداً جداً , فالروائي وضع فخاً للقاريء والـناقد ليقــول : ليس المهم عندي فروض الدلالات إنما الإتجاه المستقل لخصوصية دلائل الـــــــذات الكسيرة العامة للضياع الإنساني والأسى الموتوردمجاً بين جسدانية الحب والموت . المهم الثاني , كما نتوقعه من عمل الروائي سنان أنطوان , هــو تـرسـيخ القـــــول / (( نحن الآن بحاجة الى روي يشبه الحكي , والتحاور باللغة التسويقية الشــــــائعة , شرط أن تلتزم بقواعد الخبرة الروائية , التداولية والتأويلية , المتجهة الـــــــى رفعة الذوق وفنية الإقناع والاشباع )). * الإنفلات العاطفي , بما فيه من حسية , وشفافية , ووضوح وعلن , وجمال قيــم , وجمال تـعـبـيـر , هـو الآخـر مـبـدأ جـودة فـي روايـة , وحـدهـا شجـرة الرمان , لسنان أنطوان , حيث يُكْسَرالتلاحم المنطقي والقولي لصالح الإفاضة فـي متعة التخاطب للحالات ( وصف الجسد ,وإنفلات اللغة عن التهذيب أحيانا, وحتـى العبور الى ما يخدش الحياء والعرف) . هـذه المتعـة الـمـسافــرة عـبـر لغـة صـور حسية مباشرة ممتعـة تتجـه بالقاريء الى بوهيميته المفرطة , وفطريته النفسية والسلوكية . إنها مجمع تلفظي يجتمع بمساراته عند محور واحد هو الطقس الجنسي , الــذي بــه تتحطم العواصم كلها لأنه لحظات لازمانية ولامكانية , تـقـتـرب لـغـتـه مــــن طبيعة اللمس اليدوي والعضوي , هذا الطقس يعين الـروي عـلـى أن يكـون بـخـفـة تـنـفـس السيكارة و شرب الشاي وإبتلاع المهدءات والمسكرات والمُخَدِّرات ! الملاحظ على هذا النمط قدرته الشديدة على التشويق والإقناع , وتوافقه مع الذائقة الشعبية المهذبة , على الرغم من لغته غير المهذبة ! يحتاز هذا الإستثمار على خفة روي يكسر عصمة (اللغوي) .

* ثمة ملاحظة , كان من المفترض أن نمثّل لها قبل الآن , لكنني أردتها مـتـأخــــرة لأنها فكرية ثقافية أكثر منها جمالية , تتعلق بالكثرة والإتساع والجمهرة , والمؤتلـف والمختلف من التواصل الجديد .. سأشكل من المشهد القادم نموذجاً آخر لموضوعة كسر عصمة اللغة بخفة الروي المنوه عنها قبل قليل . لننظر/ [ كنتُ أداعب إنتصابي . سمعتُ باب الـغـرفـة يـفـتـح بـبـطء , وإذا بها في غرفتي . سدت الباب وراءها . قمتُ من السرير وإتجهتُ نحوها . همسـتْ ((أريد أنام يمّك)) … أخذتُها الى فراشي . نزعتُ عنها التيشيرت وقبّلتُ ما بين نهديها وحلمتيها . خلعت هي بنطلون الرياضة … فسقط عـنـد قدميها . تحسستُ سروالها الداخلي فوجدته مبللاً بالشهوة . دفعتها الــى الـسـرير … قبلت كل بقعة في جسدها … أستكشف نعومتها بلساني وكانت تتلوى وتتأوه ] ( ). أن فعل الروي جاء متدرجاً خطيّاً بالأفعال النحوية , بـمـثل الحيوية السابقة , فأصبح لدينا مشهد يبدأ بمداعبة الرجل لإنتصابه , ويستمر في دخول الفتاة الـشـبـقـة الــــــى الغرفة , ثم حدوث المواقعة الجنسية . هـذه الأحـداث هي فعائل الروي , وهي مرتبطة ـ على قلتها ـ بأفعال سرد أُخركُثُر . إنها 24 فعلاً ضمن 51 كلمة , وهو عدد كبير يقترب من 48% من مسـاحة الروي , وهو يحيل كذلك الى الشعرية لا النثرية , كما يقرّب القول مــن الهذيان العاطفي , الوصّاف … واقع الروي يشير الى أن الروي إتخذ لنفسه ثلاث لقطات , كـل واحـدة , كـعـــــدد , حصلت على 8 أفعال , ومن المتوقع لمثل هذه الـمـنـظـومـة أنها ستجتذب بمشاهدها الروائية قرّاء كُثُر , على قلة مشاهدها الروائية بسبب شعرية أو , لنقل , رومانسية , الفعل الجنسي المكثف لحركيته بالفعائل النحوية , السردية , في التعامل مع القرّاء , بمثل ما تتعامل مواقع الرومانس في النت , حين تُجْعَل اللقطــــات قريبة وسريعة وحِسية الى أبعد حد ! .. مثل هذا الترتيب الصياغي والدلالي للرواية العراقية الحديثة يؤدي الى النتائج الآتية / 1ـ تحييد لغة الأدب بتعويضها بالكلام والصورة والمتعة الحسيّة . 2ـ أنه يجمع المؤتلف مع المختلف , العاطفي والعمري , الـعـفـة والخــرق , الشهوة والتقاليد , عصمة اللغة وإستعمال اللغة . 3ـ إتساع وكثرة المتابعين عددياً ونوعياً وهـو مـا يبرز كفاءات القراءة دون الإلتفات بدقة الى مباديء التأويل الثقافي و كفاءة الأنتاج .

أمثلة

سأقوم بتطبيق ثلاثة شروط تقنية دلالية / تحيين العالم الروائي , الشخوص , عصمة اللغة , على روايات عراقية منتقيات تخلصت من الهنات الشائعة في القص العراقي وهي/

ناطق خلوصي ورواية المزار

من حيث التحيين / يتجه الروائي ناطق خلوصي الى تحيين عالم الطفولة ليكون له معينا في الفعل الأخلاقي شبه التعليمي على وفق قائمة طويلة من المسندات التراثية والشعبية واللغوية . ومن أهم معيناته أن الزمن الروائي هو تحيين فني كلياً , لم تجر عليه تعديلات تلائم الزمن الحاضر كما أنه لم يقم تناصا ما ليحقق ذلك .. الشخوص / شخصياته مخططات معتنى بها من الناحية النفسية والجسدية والسلوكية تتلائم مع الشخصيات البسيطة العميقة التي لا تحتاج الى إنفتاحات دلالية لتوصيل محمولاتها , كأنما تقصد بها أن تكون شخصيات تداولية حتى وإن أهملها الإعلام . اللغة / تأخذ اللغة الروائية الطريقة العفوية المبسطة قواعدا ودلالات ونحويات أدبية تتلائم مع الفرض والشرط الثاني ـ طبيعة الشخوص المبسطة ـ تتميز بالحميمية والتمهل والإلتزام بالقواعد البلاغية الإخبارية التي تحكي وتحكي حتى تبلغ الحادثة مبناها التقاطعي كأنما معدّة لتمثيلية إذاعية أو مسرحية تناسب مستوى متوسطي الأعمار .

حنون مجيد ورواية المنعطف

في تحيين العالم الروائي / يستعيد الروائي في منعطفه عدة أزمان وعدة عوالم, موجزها (زمن الماضي , زمن الحاضر , زمن التذكر خليط الأمان خليط الأماكن ) حيث المدينة والريف والصحراء , ثم عوالم السفر والذكرى والتأريخ الشخصي للأبطال . كلها محينة كأنها اللحظة الأخيرة للوصول الى اللاوصول . هي مضللة الضياع الشاملة المتناصة مع كل مضللات الفهم والديماغوجية السياسية للأزمان والأماكن كلها . الشخوص / تميل شخصيات الروائي حنون مجيد الى أن تكون متنوعة وحيوية في القول والحركة , كما أنها واضحة التركيب من الناحية النفسية والجسدية , وهي عميقة التفكير على الرغم من مظهرها الذي يوهم بعكس ذلك . اللغة / لا يميل الكاتب الى التعقيد اللغوي ولا يريد الجمع بين اللغة الفصحى ولغة السوق الإعلامية , لذا فهي لغة لا تكسر القواعد ولا تجازف بتجديد قوى البلاغة القولية إلّا بالقدر المطلوب إسلوبياً العامد الى تأكيد قدرة اللغة الفصحى على التوصيل والفهم دونما الإخلال بالبلاغة السردية .

فاضل العزاوي ومخلوقاته الروائية

تحيين العالم الروائي / للكاتب طريقته الخاصة في نقل الوقائع من الصورة الذهنية الى الصورة الروائية , فهو يهتم بتصنيع العالم ثم يقيم له معادلا فنيا وعند الإستعمال (الروي) يختار مضللات قصدية تزيد من حيرة القاريء وقلقه بإزاء المقول الروائي , ومن مميزاته , أنه يحتاط للحدث بالتقديم المخاتل ثم إنزال الحادثة الى ظرف كوني تخيلي , لا يستهدف بـه الإقناع إنما يُراد له أن يحين الفلسفة الوجودية كأنها قضية فردية تستجلب التعاطف معها . الشخوص / يميل الى تكوين شخوص شبه ورقية لا تعتني بالمظهر الخارجي مطلقا , قليلة العدد , تسهِّل عليه السيطرة على أفعالها , تختلط مع شخوص الأقبية الشعرية , ثم هي متخالطة , بشرية وحيوانية وجمادات طبيعة . اللغة / لا يهتم بكسر منمطات اللغة لكنه يختارها لغة غامضة ليدلل على أهمية أن تكون اللغة محتوى فلسفي أولا ثم تعبيري يخص الدلالة ثانياً .

أحمد خلف ورواية الحلم العظيم

في التحيين الروائي / تكاد أن تكون الذاكرة هي المعين الوحيد في نقل الوقائع المادية الى الوقائع الروائية , معتمداً على دولبة وتأرجح الزمن التأريخي للأحداث المتناصة افقيا وعموديا مع الظروف السياسية للعراق والتي أحيانا تضر بفنية الرواية . الشخوص / دربة الكاتب ومهاراته التقنية تجعله يعتني بقدرات الشخوص على تمثيل الحركة الروائية من الجانب الزمني والشكل الخارجي والداخلي لكنه لايميل الى تشعيب إهتمامات الشخصيات من الناحية الفكرية والجغرافية . جل شخوصه من النوع المتأزم بسبب الإضطهاد , وهم منتمون منحازون ليس لديهم قناعات بنجاح المستقبل . اللغة / لغته تترتب على أساس الحاجة الإستعمالية بنوعيها المبسط والمعقد , ومن بين مهماتها أن تحافظ على أناقة اللفظ وقدرته الإيحائية , تنفتح دلاليا على أبعاد ثقافية بحدود , تنفلت أحيانا من مهامها الإقناعية .

حمزة الحسن ورواية عزلة أورستا

تحيين العالم الروائي / من طريف إشتغالات الروائي , أنه يستحضر عالم الغابة والثلج والسجن وفقدان الأصدقاء والأهل والحبيبات , بلحظة محيّة واحدة لها نكهة الشعر وحرارة الحياة الواقعية على الرغم من لاواقعيتها الشديدة من الناحية المادية . الشخوص / فوضويون , ملتزمون , مثقفون , فنانون , حيرى , ساكرون , متشنجون , عاطفيون , حكماء , مسيطرون , خاوون من الداخل . كل شخوصه سياسين محبطين . اللغة / لغة الروي شاعرية بدرجة مقتصدة , لا تفتعل التعبير الشعري في الروي , كونها ثرية بالقول والحركة التجسيدية . لغة إغتراب نفسي وجغرافي .

ليث سهر الزيدي ورواية فاطمة أو الناصرية

تحيين العالم الروائي / عالم التحيين هذا واحدة من أفانين الذاكرة والمخيلة فهو عالم مركب من صور عمرانية المكان وصور ذهنية متخيلة للمكان المؤطر للبث الفكري الآيدلوجي , لذا فهي تعبيرية أكثر منها حدثية , تحيل الى المفكرة السياسة للمدينة , والتخلف السياسي للمدنية السياسية . الشخوص / ليس لديهم ملامح خارجية ولا تشكلات جسدية مميزة , هذا الإشتغال تقصّدَ تبييء المكان والزمان لصالح حينية إستشرافية إستثنائية في الرواية العراقية . اللغة / يغلب عليها التركيب الإنشائي المغرق بالتعمية والتداخل ولكأن الكاتب يريد ان يكون التعبير لوحده قضية وتجربة خالصة الخصوصية , لكنه لم يقترب كثيرا من هذ الطموح .

أسعد اللامي ورواية أُنسام كاميل

تحيين العالم الروائي / يهتم الروائي في هذه الرواية بجمع عوالم في غاية التناقض , فـــي غاية التقاطع , حيث الحينية هي بيئة عالمية ومحلية جاءت على أعقاب التغير بعد 2003 , وفي هذه التوليفة تختلط بيئة الماء والمدينة والقوى الاجنبية , كظرف وجودي , جمعها الكاتب ليرسم لنا جواً مشحوناً بالمضارعية الزمنية والمكانية والتذكرية , مما يعني توليفاً يتقصد عالما من المحلية العالمية . الشخوص / هم إنعكاس للحينية أعلاه , إنهم من المعدان سكانالأهوار , والصحفيين , والمدنيين الأمريكان والعسكريين الأمريكان , والأخوة المتعاكسين آيدلوجيين . يعتني الروائي بدرجة شديدة بمظاهر ودواخل الشخصيات , إضافة الى أنه يغطي حركتها بالعمق التعبيري والدلالي . اللغة / لغة مقتصدية , لا تجازف بالقول دونما مبرر منطقي وروائي , وعلى الرغم من الحرص الشديد فأن مواقف الشخوص تصل أحيانا للبوح بلغة أبلغ مما تتطلبه قولية الحدث , فتتألف رقعة قولية مضللة دونما مبرر حقيقي . مثلما الموقف بين الأخوين في الدورة بعد العام 2003 .

أسعد الهلالي ورواية الميتة الثالثة لعبد شويخ

تحيين العالم الروائي / يستعيد الكاتب عوالم مستحضرية من تأريخ العراق قبيل العام 1958 , وهو يرسم لنا جواً وظرفاً وحكاية , ماضوية , لكنها كأنها تحدث أمامنا كل يوم وحتى اللانهائي . تتميز عوالمه المحيّنة بكونها مقنعة وصادقة ومخططة لتوضح كيفية إستثمارالتأريخ الإجتماعي والسياسي العصري في صوغ متن روائي مخلّق من ذاكرة دقيقة ومقنعة في توصيف الحدث والزمان والمكان , ولا تضحي بالعمق الفكري المنحاز للثورية الجديدة .. التحضر . الشخوص / جلهم قرويين , واضحي الملامح من الناحية المظهرية والنفسية , لكن توظيبه لهم يحتاج الى معملة أقل إنحيازية . حيث أن بعضها صار شخص ورقي كاريكاتيري كالشيخ ومساعده وكاظم المعيبير . اللغة / تحافظ على قواعد النحو والبلاغة التقليديين , وتعتمد قدرة اللغة المبسطة العميقة للتبادل الإستعمالي , بعض مقولاتها يحتاج عناية خاصة , فمثلا حين تكون المواقف عاطفية فلا يجوز أن تكون اللغة بلا سيولة ومرح .

جهاد مجيد ورواية دومة الجندل

تحيين العالم الروائي / يستثمر الروائي أكثر من طريقة ليبعث الحيوية لتأريخ مدينة (عاصمة) , وليحيل موجوداتها الى معلومات توثيقية مضللة , مكانها وزمانها وحدودها الجغرافية مستحضرة بالكامل . عوالمه إذا شبه إسطورية , لكنها تتناص مع مراحل معروفة من تأريخ العراق , ومدينة بغداد تحيدا , تمتاز عوالمه بكونها تخلق مكانا وزمانا وأحداثا تكاد لكثرتها أن تكون موصفات وليست كائنات حدثية . يوغل في ترسيم مظاهر الإستبداد والنفاق السياسي . لكأنه يجلد الذات الشعبية بسوط التأريخ المدمّى . الشخوص / شخوصه تأريخية سلطانية مموهة للحقائق ومغيّرة للنمط الأسطري , يتمثل فيها الهم السياسي بوضوح , تستهدف النقد الإجتماعي المستعذب للتفخيم والتعظيم الفعائلي , تحتاط للتغيرات السردية بالحلم الزمني المدوّر بين الغياب والحضور والتجلي . اللغة / إنها تحمع بين الرمز والإستعارة والفقه البنيوي للبلاغة السردية , لا تتجاوز القواعد البلاغية إلا في بعض النصوص الخطابية المباشرة مثل التعليق على الكتب التأريخية والتوصيف للبعض من الأحداث التأريخية الحقيقية .

حسن مطلك ورواية قوة الضحك في أورا

تحيين العالم الروائي / يعتدُّ حسن مطلك بالبيئة المخلقة التي تفاعل الأرضي بالسمائي ثم تترسم حركة الوقائع الآثارية ليكون الجو الإجتماعي جو لتخليد قوى الفعل الحضاري الشعبي , ويتخذ من الموجودات الفطرية البشرية والحيوانية والنباتية وجمادات المتخلفات الآثارية , تشكيلا هرميا للتصاعد والتقاطع حتى يتصل بالكائنات العضوية من الموجودات التي لها مظهرا تأريخيا وجوهرا تراثيا شبه فلسفي للصدق الفني والكذب الواقعي . الشخوص / واقعية , معبرة , شعبية , فطرية , واثقة , شديدة التوتر والحركة , متحررة من الشروط التقليدية السردية كلها تقريبا . اللغة / هي مزيج من النثر السردي والشعري والفلسفي , تهتم باللفظ كأنه فقرة قانونية دستورية , لا تحيد عن قلقة وعي القاريء مطلقا , يستهدف بها شعرنة الكلمة , وسردنة المقطوعة الشعرية الشعورية .

محمد الحمراني ورواية النائم بجوار القبر

تحيين العالم الروائي / يلج العالم من إستنهاض عالم الأموات وفتح النور على ظلمته ثم إدخاله في منظومة الوقائع اليومية , حتى لكأنه ينسى , بلا قصد , مكونات عالم الموتى , ثم هو خالق لجو من محيط صاف يستبصر عوالم معتزلة بغداد لكأنها تجادل الناس في وجودهم الآني . الشخوص / هم ليسوا كُثْر , لكنهم يستلهمون سبب وجودهم من العمق الفكري والإجتماعي لهم مثلما هو راعي قبر الحلاج . السمة المميزة للشخوص هي أنهم ليسوا أحياء ولن يكونوا , كذلك هم ليسوا أموات تماما .. إذاً هم أفكار أكثر منهم شخوص . اللغة / تتميز بتأريخية ألفاظها وتعابيرها وسلوك ناطقيها , لكنها تفتقر الى درجة من الحيوية على مستوى الإقناع .

سعدي عوض الزيدي ورواية طوفان صدفي

تحيين العالم الروائي / عوالمه محينة ومستحضرة عبر العمل الفني تماما فهي عوالم الإستبداد والضحايا , وموجوداتها هي موجودات ثقافية , هي الأخرى مخلقة . واقعها المادي الوحيد الأسماء . مبرر ذلك هو تحطيم بنية التأريخ وجعلها مسربا روائيا حكائيا أصدق من الرواية التأريخية نفسها . الشخوص / واقعيون , عاديون , مجانين , نساء , مقاومين . ليس لهم ملامح خارجية ولا يتمتعون بأصلاب طاهرة . اللغة / شاعرية سردية حكائية , يستهدف بها كسر عصمة هيمنة التأريخ على السرد والثقافة .

مهدي علي زبين ورواية هياكل خط الزوال

تحيين العالم الروائي / للعالم الزبيني أطر خارجية تفرضها سرعة التحولات السياسية والاجتماعية بعد 2003 التي جعلت الروائي يصطنع فوضى داخل فوضى الأحداث لتصيير العالم الروائي عالما واقعيا , بعكسه من واقعته التدوينية الى واقعته البشرية. الشخوص / الكلاب , البشر , هم أذكياء فطرييون يتكافلون مع بعضم بلا جدوى من أي نوع . اللغة / سردية شعرية تتخللها مداخيل تناصية لمناسبة ولادتها في جو غير مستقر.

حميد الربيعي ورواية تعالى … وجع مالك

تحيين العالم الروائي / لعوالم الرواية أجواء خاصة ونوع زمني مخاتل , إنها عوالم المحبة والعطش والجريمة والخروقات الأخلاقية تنزرع في بيئات غاية في التنوع , فالعالم لديه حركة بشر وآلات ومهن , وموجودات عفوية السلوك لها أزمان لا تعي من الماضي شيئا ولاتهتم لما في الحاضر من تفرد , تعيش المستقبل كأنه متعة يجب أن تقتطف في كل لحظة لأنها اللحظة التي لن تتكرر . يحتوي هذا يباس في المدن والصحارى والقيم والعلاقات البشرية إلّا ما إنحرف عن قوانين المجتمع التقليدي . الشخوص / بشر يبحثون عن ملاذات , قد يجدونها في الجنس أو التزوير أو إمتهان الآخرين , أو تحسين الأصلاب بالإنتماء الى مصاهرات منتقاة لهذا الغرض . اللغة / عفوية متحررة منتمية الى إنسيابية روي غير مقيد بشروط مسبقة لأنه يريد أن يجعل الحكي الروائي كالحي العائلي . ليس في اللغة بلاغات فائضة عن حاجة الإستعمال , العاطفي تحديداً .

تحسين كرمياني ورواية أولاد اليهودية

تحيين العالم الروائي / يقترب هذا العالم من عوالم الباحثين المثيولوجيين حيث يقدم الروائي بيئة تتساند في جزئياتها الوجودية لتصطنع عوالم من طبقات مزدوجة الأثر والتأثير , فيها الغجر والقبائل الهامشية وبين بنياتها المكانية والبشرية أناس يخلقون بيئة مختلفة , وفي الرواية , بيئتهم مستلهمة من إنحياز مسبق لتلك الموجودات المعلمة للظرف المكاني والزماني , التي تبتديء بالمأثور وتنتهي بالأسطري . الشخوص / أُناس فطريون , غجر , أبطال لا إصول لهم , حكام , قوى إضطهاد .. اللغة / تجمع بين لغة الرسائل وتكتيكات الأناشيد ـ اليهودية خاصة ـ , ولغة البكائيات , ثم تتعاشق مع لغة التواصل الإجتماعي الفطرية المباشرة .

محمد علوان جبر ورواية ذاكرة أرانجا

تحيين العالم الروائي / يتألف العالم المروي من تجويات مدينية مدنية تؤالف بين روحية المكان وعائلية التماسك , يجعل الجدران حالة من تأطير للأماني والسلام المجتمعي . الشخوص / قفراء , سجناء , نساء , أصدقاء . منتمون بلا تنظيم مباشر . اللغة / تميزت بكونها لغة تجمع الرمزي الى الطقوسي , وتشكل بإستعمالها حالين , العمل الرسمي الوظيفي , والعمل الحر غير المتبط بالدولة . وأن مصاغاتها متأنية في أدائها , مبهجة حتي في بكائيات مقولها .تميل الى كسر صلادة اللغة العصماء.

سنان أنطوان ورواية وحدها شجرة الرمان

تحيين العالم الروائي / تشاد محايين الزمان والمكان والظرف الأجوائي على إصطناع بيئة من محجوزات المكان (مغتسل موتى , بيت شرقي بسيط , شجرة رمان تعتاش على الماء الخارج من مغتسل الموتى , العالم الجغرافي لقارة أوربا) مضافا إليها علائق بشرية من روابط فنون تشكيلية , وروابط عائلية , علاقات حب وجنس , ثم علاقات الحياة الطبيعية ـ السوقية تحديداً . الشخوص / هم من الشباب والموتى والنساء يتميزون جمعيا بهم واحد هو الفقدان .. الروائي يعتني جيدا بمظهر وجوهر شخوصه , يصفهم كأن الملابس والحركة تهدف الى بيان الفعل الحميمي كالجماع والحديث العاطفي والكابوسية المزعجة والإحتجاج على سوء الظرف الإجتماعي المصاغ من الحواجز المميتة . ينقصها قليلا من التأني في الأفعال لئلا تصبح مصنوعة من دونما تطابق بيئوي . اللغة / إنها مثال مهم في كسر حاجز عصمة اللغة , فقد وضع الجمل والكلمات في إطار مصغر من الإستعمال لكنها وائمت بدرجة كبيرة بين الحالة الشعبية الفطرية عند الحديث أو ممارسة أخطر الأفعال في الرواية (الجنس والفن والحب والرسم) . كذلك هي من النوع الذي يشيع في منظومات التواصل الإجتماعي الذي لا يخل بالعمل الروائي ولا يطيح بالمستوى التعبيري من جانب الجودة والتداول , وينصرف القول الى الدعابة والسخرية المنضبطة أحيانا ..

حسن البحار ورواية بحر أزرق ..قمر أبيض

تحيين العالم الروائي / لعله الروائي العراقي الوحيد الذي جعل عالمه الروائي والحياتي عالما من البحر والسفر والحكايا .. إنه ليجد في بيئة البحر ثراء وقيما وبوحاً أدبياً .. يستثمر حرة البواخر والمرافيء وأماكن الإستراحات بيئة ملحقة بالحركة البشرية .. الشخوص / هم رفاق البحر , يمخر بهم الى دواخل النفس البشرية وذكرياتها في النجاح والإخفاق , لكن النساء والبتوتية والماضي تبقى عوالمه المستحضرة إينما يذهب ووقتما يشاء له السكون والتأمل . اللغة / شعرية مبهجة تتعامل مع اللفظ كأنه شغاف قلب لا يجوز تحميله بأكثر من الميوعة العاطفية . في المصاغات عمل أدبي يفيض بالوصف والوصف بالدرجة الأولى للأماكن والنفوس الأثيرة , والتي تغتني بالحب والتسامح والإخاء العالمي .

خضير فليح الزيدي ورواية فندق كويستيان

تحيين العالم الروائي / لعل اللحظة لا تكفي في نقل العالم الأرضي في العراق وألمانيا ليكوّن تحييناً روائيا لذا يلجأ الى التذكر والتسجيل والوثائقية وبذلك يرمم الفجوات الزمنية بالمستظرف من الأحداث والمستغرب من الوقائع الإجرامية تخصيصاً , لكنه لا يحافظ على النسق المتضافر زمنياً ودرامياً لما يؤلف المنطق التناسقي بين أجزاء الرواية . الشخوص / إنهم الأصدقاء والأعداء تحت مظلة الجمر العراقي للعام 2006 / 2007 , يتميزون بكونهم جريئين , مضطهدين , شبه مرضى نفسياً وجسدياً , مقطوعين عن الأصلاب الإجتماعية , مجازفين , يتمتعون بروح الدعابة والكآبة واللامبالاة , حيويين جداً , يتصرفون بالسرد الحكائي كأنهم هم من يصنع تأريخ الأحداث . اللغة / هو الروائي الثاني والأخير في بحتنا ممن تقصدوا كسر حاجز العصمة اللغوية بإدخال اللهجة العاميّة الى السرد بطريقة مهذبة مطواعة , مرحة , ساخرة , مستعذبة بما فيها من صدق فني وإقناعي . بل حتى الترميز , بما يشبه الحكمة الشعبية , يدخل في المحايثات المتناصة مع التقاليد الإجتماعية المنضبطة في إهدافها التداولية (التواصلية) . لنا عودة موسعة تخص فندق كويستيان .

هوامش :

صبري , تفكيك الزمن في النص المسرحي (إطروحة دكتوراه) ,2009, ص 92
صبري , تفكيك الزمن في النص المسرحي(إطروحة دكتوراه) , 2009, ص 95 , ص 97
كريس , تقنيات كتابة الرواية , 2009 , ص13
خمري , نظرية النص ,2007, ص25
أنطوان , رواية وحدها شجرة الرمان , 2010 , ص 219 , ص 238
إنطوان , رواية وحدها شجرة الرمان , 2010 , ص 235

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مصطفى الموسوي : كتاب لؤي عبد الإله “حين تغيرنا عتبات البيوت” والهوامش التي اصبحت متوناً .

في منتصف سبعينات القرن الماضي غادر القاص والروائي والمترجم لؤي عبد الاله وطنه العراق الى …

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء ” : في مديح المجاز / علي هامش صحائف السيدة واو  .

1/ قبل يومين أو ثلاثة كنت أتصفح الأنترنت ورحت أطالع صفحات في الفيس بوك .رغم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *