يوسف عبود جويعد : (( الحياة في … خمس نساء ))

بyuosef abodعد الانتهاء من قراءة رواية ( خمس نساء ) للروائية الدكتورة حنان المسعودي تغير احساسي في مضمون الرواية واختلف هذا الشعور الذي احسست به وانا اقلب صفحاتها في الوهلة الاولى , فانا امام طرح سردي يحمل غاية واهداف كبيرة تستوعب الحياة بكل متناقضاتها فلم يكن النساء الخمس ( رنين , هديل , سحر , منال , زينب ) الا ثيمات سردية شاءت الروائية ان يكن امام انظار المتلقي , من اجل مهام سامية , فهن زميلات دراسة امتدت لاكثر من عشرين سنة واعيات , متعلمات , لكل واحدة منهن دورها في الحياة وتتعامل معه بحصيلتها العلمية والحياتية التي خبرتها في حياتها , ان النسق المضمر في هذه الرواية واضح في كامل تفاصيلها , لكون الروائية نالت حضها من التعليم وحصلت على شهادة الدكتوراه فانعكس هذا كله في التناول السردي والاسلوب واللغة والتعامل مع الاحداث وتحريك الابطال وفق التنسيق المنطقي للواقع , انهن صديقات حميمات , ومتواصلات في هذه العلاقة بشكل مستمر ويجتمعن دائماً لمراجعة مسيرة حياتهن , ويتسارعن لاسعاف أي منهن في حالة احتياجها لهن لحل مشكلتها , طرحت الروائية واقع الحياة من خلال ابطالها من جوانب مختلفة ومتعددة , حتى اننا نكتشف انها جمعت حكايتهن التي تصلح ان تكون رواية قائمة بحد ذاتها بطريقة مختزلة ونكاد نحس في ذلك ونحن نبحر في اتون الرواية , وكان اسلوب السارد الخارجي للاحداث اختياراً موفقاً لها , اذ انها تركت لمساتها المؤثرة والممتعة والشيقة على الحدث السردي لكونها قد تكون تجربة قريبة من الروائية ولا ابالغ اذ اقول انها تركت روحها داخل اللا مرئي من الرواية , او ربما قد تكون هي واحدة منهن , وهذا الاحساس القريب ترك اثار جيدة لضخ المضمون السردي للاحداث بالاحساس الصادق الذي يصل للمتلقي دون عناء , اضافة الى ذلك انه منحها القدرة و التمكن التام في السيطرة على حركة الرواية ومتابعة الابطال , دكتورة هديل متزوجة ومطلقة ولديها ابنتين من زوجها وكان سبب ذلك احساسها بخيانة زوجها لها , زينب متزوجة ولها اطفال وزوجها محامي الا انه متسلط جداً ويكره صديقاتها وهو دائماً يذكرها بعدم الجدوى من لقاءها بهن بشكل مستمر , الا انها تجد ذلك من دافع السيطرة وسطوة وظلم الرجل عليها الذي كان يعاملها وكأنها خادمة وهي مغلوبة على امرها , وقد تكون المظلومة الوحيدة من بينهن في حياتها الزوجية لانها تركت شهادتها وبقيت ربة بيت من اجل تربية اطفالها , وقد حاول هذا الزوج ان يبعدها عن صديقاتها (( كانت زينب تمثل هزيمة المرأة في الصراع الازلي بين كينو نتها وسطوة الرجل المتسلح ب.. ان الرجال قوامون على النساء … ذلك الصراع الذي قلما خلف نتائج اجتماعية متوازنة فاما ان تنشغل المراة بعملها وتنسى بيتها او يسرقها البيت من كيانها , ياحبذا لو تواجدت نقطة محددة في منتصف هذا الطريق كي تتمكن النساء من الوقوف hanan almasodikh hanan almasodiعندها بثبات )) وشاءت الصدف ان يرى صديقتها رنين مع رجل في المطعم الذي دعاها فيه ولاول مرة , فكانت تلك حجة لمنعها من اللقاء بهن , اما سحر المهندسة المدنية فهي احبت شاب يصغرها سناً وتداركت الامر في اللحظة الاخيرة واستطاعت ان تنفصل عنه لانها اكتشفت بوعيها ان هذا الزواج لن يدوم , ومنا ل تعمل في شركة عقارية … كمساهمة وموظفة , الجديد في هذه الرواية ان الاحداث السردية لبطلات الرواية بنسق متواز مع الحدث الرئيسي (( كن جميعهن عاملات ناجحات مستقلات بذاتهن ما عدا زينب فهي ربة بيت تقليدية )) وينطلق معه دون تباطؤ نحو الخط التصاعدي للنسق السردي , وتحتدم الاحداث بعد حادثة رؤية زينب لرنين في المطعم وتصل العلاقة اللطيفة الجميلة التي تجمع تلك الصديقات في لقاء حاد جدا ويمثل ذروة التازم السردي , حيث تطلب زينب من زوجها ان يأذن لها وللمرة الاخيرة الذهاب الى صديقاتها لتوضيح بعضا لامور ويجتمعن في المكان المتفق عليه وتنبري زينب في لوم وتقريع رنين على فعلتها ويدور حديث حاد بين الصديقات الذي يصل حد الاختلاف وتخرج زينب غاضبة مقررة ان لاتعود اليهن مرة اخرى , بعدها تسقط رنين مغمياً ويكتشف بانها مصابة بورم في الدماغ وتترك زينب زوجها المتسلط مقررة ان لاتعود بينما تقبل دكتورة هديل الزواج من زميلها وتتوالى الاحداث الجميلة التي لاتدع المتلقي ان يترك الرواية , ولان ليس من المعقول ان تنهدم هذه العلاقة الجميلة بين النسوة الخمسة , فقد تداركت كل واحدة منهن اسباب هذا التدهور وسرعان ما تلتئم العلاقة وتعودج لسابق عهدها بسبب الظروف الحياتية التي تمر بها كل واحدة منهن وحاجاتهن لبعضهن في الوقوف لمعالجة المشاكل التي تعيق حياتهن , (( صمتن الصديقات دلا لة على موافقتهن لزينب فالخبرة الاولى في حياة انثى الشرق تاتي في ليلة زفافها ولو كانت ذات خبرات سابقة لما تقدم احد للزواج منها اصلا , نظرية القطة المغمضة مطبقة بشكل فعال في المجتمع دون ان يدرك الرجل ان تلك القطة العمياء قد تهدم بيته بسبب جهلها .. المهم عنده ان تكون ( مغمضة ) رواية خمس نساء تحد واضح لتقاليد اثبتت فشلها في حياتنا الاجتماعية الزوجية والاسرية فالرجل الشرقي يريد امرأة كالقطة العمياء لا تعرف شيء ولاتعي شيء وهذا السائد في اغلب الاوساط في البلاد , اما الحقيقة العلمية التي لاتقبل الجدال لإن المرأة المتعلمة والمتفتحة هي التي بامكانها ان تنشأ جيلاً متعلما وان تكون اسرة سعيدة اساسها العلم والمعرفة (( اصدقائي … كلنا بحاجة الى تلك الصدمات الصغيرة التي تهزنا بين الحين والاخر فتجبرنا على ان نفيق ونتدارك انفسنا ولكن ارجو ان لا تات بعد فوات الاوان )) , تجارب خمس نساء ندخل نحن في حياتهن الخاصة ونكتشف رغم كل الصعاب التي مررن بها الا ان وعيهن وعلمهن ومعرفتهن خففت تلك الصعاب وان علاقتهن الحميمة الحنونة الودودة فيما بينهن كان لها الاثر الكبير في مواجهة الصعاب وحل جميع المشاكل , اننا نحتاج لهذا الطرح الجديد في الرواية العصرية واجادت الكاتبة نقل هذه الصور في المتن السردي بوعي عال وقدرة متفانية وكانت بحق تستحق الثناء , فالمتلقي لا يحتاج الى رواية طويلة مترهلة مملة , بل يحتاج الى رواية تطرح وتوجه وتعالج باسلوب مختزل وسرد ممتع

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. عاطف الدرابسة : رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة المصرية (فاطمة ناعوت) .

رؤىً نقديَّةٌ في ديواني : (شرفتي محطُّ العصافير) ، وديوان (الأوغادُ لا يسمعون الموسيقى) للشاعرة …

| كريم عبدالله : القناع في القصيدة السرديّة التعبيريّة قراءة في قصيدة الشاعرة : سلوى علي – العراق ( بلقيسٌ أنا ) .

تبقى القصيدة هي المرآة التي من خلالها نتمكن من رؤية العوالم الداخلية للذات الشاعرة , …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *