الرئيسية » كتب » عرض كتاب » ناطق خلوصي : السينما .. فن الإبهار المميت

ناطق خلوصي : السينما .. فن الإبهار المميت

nateq  2يأتي انحسار الاهتمام بالثقافة السينمائية في العراق ،  امتدادا ً لانحسار الاهتمام بالسينما نفسها أصلا ً . فمازالت المكتبة الثقافية العراقية  تفتقر إلى الكثير من الكتب والدراسات التي تخص هذا الفن الحيوي ، إذ باستثناء ما نشر من متابعات ومقالات في الصحف والمجلات ، ظل عدد الكتب المؤلفة أو المترجمة محدودا ً على امتداد  عمر السينما العراقية .

وصدرمؤخرا ً عن دار ” ضفاف ” في الشارقة  كتابان : ” الف ليلة وليلة في السينما والتلفزيون في الغرب ” للدكتور صالح الصحن ( وكنا ألقينا عليه الضوء في قراءة سابقة ) ، و ” السينما  .. فن الابهار المميت ” للدكتور حسين سرمك حسن ، الذي نتناوله الآن .

يقع هذا الكتاب في 237 صفحة من القطع الكبير وقد ألحق المؤلف العنوان الفرعي  التعريفي  ” تقد تطبيقي لستة أفلام عالمية ”  بعنوانه الذي يجمع بين مفردتي ” الإبهار ” و ” المميت ” المتضادتين ، وقد اهدى كتابه إلى ” المخرج المبدع محمد شكري جميل ، تقديرا ً لدوره الكبير في مسيرة السينما العراقية ” ، وهو اهداء يليق بمخرج قدير مثل محمد شكري جميل .

يُستهَل الكتاب بمقدمة ضافية يقول المؤلف فيها : ” ان هذا الكتاب ــ من وجهة نظري ــ الأول من نوعه في العراق في مجال النقد الشامل للفيلم السينمائي ” وهو محق في ما ذهب اليه . فالنقد الذي توافر في هذا الكتاب نقد من نوع خاص فلا هو أكاديمي بحت ولا هو صحفي . انه نقد تطبيقي شامل يتوقفف فيه الناقد عند كل تفصيل من تفاصيل الفيلم الذي يتناوله  فيضعه تحت مبضع التشريح النقدي ، موظفا ً خبرته في النقد وتخصصه في الطب النفسي ، ويعمد إلى تحليل الفيلم تحليلا ً علميا ً وفنيا ً معا ً ، كما ينبه إلى مخاطر بعض الأفلام على الأطفال والمراهقين بشكل خاص حين تغمض عين رقابة أفراد الأسرة عنهم ، ويشير إلى حوادث مأساوية ذهب ضحيتها اطفال في العراق بسبب ذلك .  ولا يكتفي عند حدود المخاطر التي يتعرض لها الأطفال  والمراهقون وإنما يشير أيضا ً إلى مخاطر بعض الأفلام على تماسك الأسرة ، فقد يقود سوء اختيار المشاهدة إلى مشاكل اجتماعية قد  تفضي  إلى تفكك الأسرة أو تعرضها إلى متاعب .

ولاشك في أن دراسة متأنية مثل هذه جاءت نتاج عمر طويل من المشاهدة والبحث والتحليل النقدي .  يقول المؤلف في مقدمة الكتاب :  ” وقد كنت مولعا ً بالسينما منذ طفولتي . استولى على مشاعري هذا الفن الساحر الملهم الذي كان ينقفلنا الى سماوات الحلم الوردية مخلّصا ً ايانا من جور واقعنا القاسي ولو لساعات . وفي أيام مراهقفتنا ، كنا عصبة نلهث وراء أي فيلم فيديو أو مجلة سينمائية أو خبر جديد ، لكن مع تقدمنا في العمر ، وتزايد معرفتنا بأسس فن السينما       ، ونمو قراءاتنا عن أسرارها الجميلة وتراكم مشاهداتنا ، وملاحقتنا لآخر تطوراتها فكرا ً وتقنية واداءً ، تأكد لي ان مشاهدة أي فيلم والانفعال به ، تختلف تماما ً عن تذوقه معرفيا ً ـ حين تمتلك الأدوات الأساسية التي تعينك على فهم حبكة الفيلم ــ وليس قصته فقط ــ وملابسات الإعداد له ، ورؤيته الاخراجية ، وعناصره المكملة من اضاءة وصوت وصورة وألوان ومونتاج وسيناريو وغيرها ناهيك عن نظرة الممثلين الرئيسيين إلى أدوارهم وتلـبسهم إياها ومصداقيتهم في تجسيد أدق اختلاجاتها النفسية ” . ان المؤلف  يلخص بهذه العبارات المنهج النقدي الذي اعتمده في تحليل الأفلام الستة التي اختارها لدراستها ، وهي : ” المبارز ” و” أرق ” و” هيرو ” و” الساموراي الأخير ” و ” غريزة ” و ” القارىء ” ، وهي أفلام أختارها وفق رؤيته النقدية وبما يتوافق مع تخصصه الطبي . لقد اختار عنوانا ً فرعيا ً يضيفه إلى عنوان الفيلم الذي يتناوله بالدراسة  ، فيقول مع عنوان  فيلم ” المبارز” انه ” سادس أعظم فيلم في تاريخ السينما ” ، ومع ” أرق ” : آل باشينو .. الأداء المعجز ” ، ومع ” هيرو ” : جميل إلى حد يفقدك الصواب ” ، ومع ” الساموراي الأخير ” : حين يحقفق المأمور في الحياة والموت ” ، ومع ” غريزة ” : سقطة السير انتوني هوبكنز “،  ومع ” القارىء : علاج الضمير   ضحاياالمحرقة  ” ولعله أراد بهذه العناوين الفرعية أن يلقي مزيدا ً من الضوء على هذه الأفلام .

ويضع المؤلف ما يطلق عليه تسمية  ” دليل سينمائي للآباء ” يضيفه إلى تحليله النقدي لكل فيلم يتناوله .  وهذا الدليل انما هو صيحة تحذير موجهة للآباء ومن خلالهم إلى الأسرة ، للتنبيه إلى ما موجود في كل فيلم من مشاهد في حقول العنف والجنس  والعري والكجول والتدخين والمخدرات والألفاظ البذيئة والمشاهد المرعبة ، التي لا يجوز أن يشاهدها الطفل أو أن يشاهد بعضها بصحبة ولي أمره .kh hussein cinema

لقد اخترنا أن نتوقف عند فيلم ” الساموراي الأخير ” ( الذي اختار المؤلف صورة احدى لقطاته غلاافا ً للكتاب )  لنعتمده نموذجا  لنهج المؤلف التحليلي . انه يبدأ دراسته النقدية عن هذا الفيلم بالتعريف به فيقول عنه : ” هو فيلم أمريكي ملحمي ، من انتاج عام 2003 ومن اخراج ( شارك في الانتاج أيضا ً) ” إدوارد زويك ” والذي شارك في كتابة السيناريو اعتمادا ً على رواية لجون لوغان ” . ومن هذا التمهيد يدخل إلى استقراء تفاصيل الفيلم : طبيعة القصة وتاريخية الأحداث ، وعملية تطوير مشروع الفيلم التي استغرقت أربع سنوات ، ويتوقف عند مجموعة الأداء ، والقصص التي استُلهمت منها حبكة الفيلم ، والجذورالتاريخية لأحداثها ، مع تعمد الاشارة إلى ان ” الأدوار التاريخية للامبراطورية البريطانية وللهولنديين والفرنسيين ، عزيت كلها للولايات المتحدة ، وهذه التفصيلات والشخصيات وتبسيط الحبكة ، أجريت لغرض مضاعفة دخل الفيلم من المشاهدين الأمريكيين ” ( ص 135 ) ، وهكذا كانت حصيلة المشاهدة الواسعة أن حقق الفيلم  456 مليون دولار ، ورُشح لجوائز عديدة بضمنها جائزة الأوسكار وجائزة الغولدن غلوب .

ويعرّج المؤلف على قصة الفيلم وبطله الكابتن ” ناثان ألغرين “الذي مثل دوره  (توم كروز ) الضابط  السابق المصدوم بتجربة القتال في الحرب الأهلية وفي الحروب ضد الهنود الحمر ، والمدمن على الكحول فيما بعد كرد فعل على صدمته والمردود السلبي الذي تركته على وضعه العقلي ،ثم يتوقف عند عملية ذهابه إلى اليابان ومكوثه هناك وما قام به خلال ذلك، في شرح مركز للأحداث التي وقعت هناك ، وتشكل هذه الأحداث الجزء الرئيسي في الفيلم .

ويتوقف المؤلف عند مجموعة الأداء تحت فقرة ” الممثلون ”  فيذكر أسماءهم والدور الذي قام به كل منهم ، لينتقل بعد ذلك إلى الاستقبال النقدي للفيلم الذي كان ايجابيا ً بصورة عامة في اليابان حيث قال النقاد ” انه محاولة متقدمة في الفهم الأمريكي للثقافة اليابانية ” ( ص 140 ) . أما في الولايات المتحدة فقد بلغ عدد ما كُتب عن الفيلم 214 هقالة  نقدية ،كانت حصيلتها انه  يتوفرعلى  وجود ” قيم انتاجية عالية ومشاهد معارك مثيرة يكون  الساموراي الأخير ملحمة مقنعة  بتقدير4 و6 / 10 ” ( ص 141 ) . ومن الطبيعي أن تختلف رؤى النقاد باختلاف نظراتهم إلى طبيبعة الأحداث ومواقفهم الفكرية منها .   ويشير الكتاب إلى ما قيل من آراء سلبية وايجابية عن أبطال الفيلم . ومما تم توجيهه إلى كروز في هذا الفيلم الذي كان ” يبغي تفوق البطل الغربي ” كما يقول المؤلف ، ان ” كروز كان يتكلم وكأنه سكران يلقي كلماته . انه لا ينجح على الاطلاق عندما تكون الكاميرا مركزة عليه ، ينجح فقط مع مجموعة من الممثلين أو مع ممثل آخر ” ( ص  142 ) .

وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى فقرة بعنوان ” عن الاخراج ورؤية المخرج “، ليشير إلى الأعمال السابقة للمخرج قبل أن يتوقف عند عملية اخراجه لهذا الفيلم ، فيقول : ” كانت المعارك التي أدارها زويك ساحرة ولم تسبقها سوى معارك فيلمه السابق ” المجد ” ، وبعض مشاهد التينجا لا تكرر” ( ص 143 ) ، ويشير إلى تأثير أفلام سابقة عليه دون أن يخفي مأخذه عليه في أحد المشاهد .ويمر الكتاب بالحديث الموجز عن التصوير وعن نهاية الفيلم ، غير انه يتوقف طويلا ً عند أغلاط الفيلم  ، فيحصي خمسا ً وخمسين غلطة يجملها بالتفصيل ، وهي أغلاط منها ما هو فكري ومنها ما هو فني . ويتكرر استعرض ألأغلاط في الأفلام الأخرى ، ويتفاوت عددها  من فيلم إلى آخر لكنها تبلغ ذروتها في فيلم ” المبارز ” حيث بلغ 176 غلطة يورد  124 منها ، ويقدم بعض الأغلاط  مصورة .

وتحت عنوان ” دليل الآباء ” ينزّه المؤلف ” الساموراي الأخير ” من توظيف مشاهد الجنس والعري لكنه يشير إلى توظيف بعض مشاهد العنف الدموية . ثم يتوقف طويلا ً عند شخصية الفيلم الرئيسة ” توم كروز ” فيستقرىء جوانب من سيرة حياته ومسيرته السينمائية والأدوار التي قام بأدائها وعمله في الانتاج وحياته الشخصية والمشاكل التي تعرض لها ، مع قائمة بالاجور التي تقاضاها والتي تراوحت بين 75 ألف دولار و75 مليون دولار .

في كتاب ” السينما .. فن الإبهار المميت ” ينقلنا مؤلفه الدكتور حسين سرمك حسن في جولة فنية وعلمية داخل الأفلام الستة التي اختارها ، ليصنع من خلالها كتابا ً جديرا ً بالقراءة لما يوفره من فائدة ومتعة ، دون أن ينقصه الجانب التعليمي ،وبالتالي فهو يهم القارىء الاعتيادي والقارىء المختص ودارس الفن السينمائي في آن واحد .

 

تعليق واحد

  1. علي داود

    بوركت يمينك لما خطت استاذ ناطق . اود ان اضيف ان من اسباب روعة هذا الكتاب ليس فقط تخصص الدكتور حسين في الطب النفسي ( وهو بارع فيه ) ولا تراكمات مشاهداته للسينما وتبحره في النقد حسب لكن بالاضافة لذلك سرعة بديهته وهو لماح حاد الذكاء واسع الاطلاع في العلوم كلها … ارجو ان لاتحرمنا من طروحاتك الماتعة استاذ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *