تابعنا على فيسبوك وتويتر

ibrahim ismaeil 3كان مهدود الكتف ، حقيبته الثقيلة بالآمال تميل بكتفه الأيسر ، كتفه الذي يميل ويميل ويكاد ينكسر من الوسط .
* * *
أين قرأها ” إنطق ياحجر!؟ ” هاهو يجلس قرب بائع الجرائد :
• لا يصدق وصوله هذه المرحلة . لا يصدق غير تلك الأفلام القديمة ! أفلام الأبطال في الأدغال ، مع الأسود والذئاب …..، الأبطال رفاق الثعابين وجنيّات الدعاسيق !!
يراها بُعد المشرق عن المغرب.. يمتعض كثيراً إن شاهد أفلاماً على شاشة بيضاء لاتحمل ألواناً من اللمسات الحنونة ، المنفعلة ، الباكية ، الصاخبة ، الضاجّة بالضحك والهستريا .. أكثر عجبه أن يتحمل الناس رؤية أفلام طويلة !! ليس فيها رعُباً أو شغباً ، أو حباً ، أو مناكدة حيوان .
• في وقت مبكر تعلّم لغة جديدة وفكراً جديداً وموقعاً دراسياً جديداً . وبقفزة واحدة صار يتقن لغة التخصص والحوار والحب .. أحب ، بكل غموض ووضوح هذه اللفظة . حين تزوج عرف أن لهذه اللفظة (حب) معنى أطهر من ألفاظ القواميس وتصانيفها ، لها معنى خاص خالص الحقيقة . أختزن المعنى لذاته ولِلُذاذاته .
• كان جسد الزوجة صالة تعبق بالحكي و الطرزانات و ألسعالي والامتعاض من الأفلام الطويلة غير الملونة !
جسد الزوجة كان غابة من أثل وزعفران تتمركز حول أضواء تتدرج من الأخضر ، الى البنفسجي ، الى الأصفر ، الى الأزرق ، الى لون الشغاف ، لون المياه ، لون الضوء الثلجي !
ولثلاث سنوات ظل يزرع وينمّي ورد ورائحة الغابة . لكن المطر الرحيق نزل عليها وهي في حالة احتضان لوردتها الأخيرة ! غطاها المطر ، شبعت منه حتى النهاية !
• أخذت روائح الغابة تتوزع على الجداول والساحات وفضاءات المنازل !
• كان الأمل يتجدد في ابنة صغيرة ، طرزانة حقيقية ، وولد صيّاد ، ماهر ، مختص باصطياد لحظات رقرقة الماء بالجداول ، يعجبه جدار غرفته وملاءة سريره ، وسعة النافذة ، فقرر إلاّ يغادر نافذة الغرفة وملاءة السرير!!
• لصق وجهه بالشاشة البيضاء . نادراً ما يغادرها إلاّ الى مقر الوظيفة .. كان يراقب كل كلمة ، كل حادثة ، كل موضوع ، حتى ليكاد يحفظ منهاج البرامج عن ((ظهر قلب)) ، كلّما أزاد رقابته إكتسب معرفة تخص دقائق عمل الشاشة تلك ! ، عرف هفوات المذيعين ، ملابس الممثلين ، موسيقى العازفين ، كاميرات الزوايا القريبة والبعيدة ، الصور الصوتية للنقل المباشر، الصور التقريرية للأخبار المسجلة ،وقفات الارتجال ،مساجلات المتحاورين …شؤون كثيرة ، صغيرة ، كبيرة ، آسرة ، مملّة ، مزعجة ، محبوكة ، مفككة ….. أخذ يكتب عنها .
• إبنته تخطط جماليات الفنون الباكية ..
natek 4إبنه يخطط آليات جريان الماء ..
وهو يكتب ليعمق المجاري بين خطوط صبييه ! الشريكين إياه ! الأسموين ، الآسرين ، الأثيرين لديه ..
• كانوا معاً ينسجون بدقة وإتقان كلمات كتابهم الكبير(( بين خلوصي والفارابي ))
• كانوا يكتبون ويخططون ، ويموسقون ، ويعددون اللغات بغية نشر عبق الغابة على الشوارع والساحات والجداول والتلال .
• كأنهم نذروا ، نذروا أنفسهم لتطريز العالم بألوان الطيف ورفرفة فراشات الضفاف وتموجات أوراق العفاف ، ونسائح شعيرات العذورات . وتذاوب بكورات الأعراش ، يجمعون بشهقات أُم ، وكفاح حلم ، ونديّة طفل ، وحيوية ديدان ، مايديم اخضرار الغابة !
• عشقوا أرض الله دون أن يمسّوها .. كانوا في غمرة عمل ، في غمرة نشوى لامواقيت فيها ولا فرص إلتقاط أنفاس .. الفتاةُ تبرعم كل مافيها ، .. صارت غابة لوحدها .. الفتى تسيّد كل الطرائد ، صار ساقياً يقف على صدور الجداول فيصب فيها مياه قلبه فتجري مياه الأنهار!
• هاهو الأب تملأ المكتبات أنفاسه ، أفكاره ،حيوية دمائه ، رعشة يديه ، نوتة أصابعه ، اهتزازات بصره . هاهو يُدْخِل كل خزين حياته من الوجد والفكر والألم والحلم ورغبة السلام ورغبة الكلام في ((نص)) في الشاشة الكبيرة ، لعل ألأرض ترى كم غابة زرعها وكم حديقة ذكاّها ، وكم وردة ندّاها ، وكم عين أضحك رمشها ..
• خرجوا من البيت بكاة ، حفاة ، خائفين ، ليغادروا مزرعتهم .. لقد كادت أحصن السلاطين تدخلها .. لكنها أحصنُ لاتجيد الوثوب أو الحرث ، لاتجيد حبس نبضات الورد !! لقد أخطأوا البيت ليعود أهله مرّة جديدة والى الأبد !!
* * *
أنطق ياحجر وأختزل المعنى !
لايذكر أين قرأها لكنه أحسها رغم أن كتفه الأيسر ظل يميل ويميل ويكاد ينكسر من الوسط !!


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"