الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » ابراهيم الغالبي : نسيان

ابراهيم الغالبي : نسيان

ibrahim alghalibiمن أغرب المشاهد أنني رأيت جدي يفتح باب غرفته ويخرج منها وفي الوقت نفسه كان أيضا ممددا على سريره يغط في نومه.. كيف صار جدي اثنين! لوهلة شعرت أنني لم أره وهو يخرج، ربما تهيأ لي ذلك، تبعته بسرعة ورأيته واقفا يدخن في نهاية الممر، عدت لألقي نظرة على غرفته كان أيضا نائما فوق سريره.. إذن رأيته اثنين فعلا.. هل جُننت؟
دخلت الغرفة وتطلعت إلى وجهه، كان يبدو لامعا كما لو أن طبقة زجاجية خفيفة علت بشرته الشقراء، جدي أشقر وجميل وكان في شبابه زير نساء كما حدثني أبي، لمسته فبدا لي أنه نائم، خرجت ونظرت إليه وهو واقف عند نهاية الممر، اقتربت منه بخطوات مترددة، هل هذا الواقف هو جدي أيضا؟ كيف ذلك يا إلهي؟ وقفت محاذيا له ثم استدرت من حوله، كان ما يزال صامتا يدخن سيجارته، إنه جدي بلحمه وشحمه وثوبه البني ذاته، سيجارته المفضلة وطريقته في التدخين هي نفسها، يجذب دخان السيجارة و يخرجه بقوة بعد أن يحبسه طويلا في صدره، قلت بهمس الخائف المخنوق الذي باغته أمر جلل”
– جدي!
أجابني كما يجيبني دائما بنبرته المحببة:
– نعم يا بعد بيتي؟
لم أعرف ماذا أقول، ولكنني بعد صمت قصير جمعت جملة واحدة وألقيتها في أذنه
– جدي ما زلت نائما هناك وأنت هنا؟ أعني أنك اثنان!
نفخ دخان كثيف من فمه، دخان كثيف جدا كأنه لسيجارة أحرقها كاملة بنفس واحد، قال:
– وما الغريب يا بنيّ؟ أنت أيضا نائم في غرفتك وها أنت تقف هنا.
ربما ابتسمت في وجهه الذي بدا أكثر طراوة مما هو معتاد، قلت له:
– لا يا جدي العزيز، أنا كنت نائما…
قاطعني بكلمة: تعال، وأخذ بيدي، سرنا بخطوات هادئة بطيئة سرعان ما صارت مملة جدا كأننا نسير على رمال متحركة، وصلنا غرفتي وفتحت الباب بيدي اليمنى فوقع بصري عليّ، نعم كنتُ نائما هناك على سريري القريب من النافذة، وثمة صفرة قد علت وجهي كالتي على وجه جدي النائم في غرفته.
بهتُ لم استطع نقل قدميّ، ما يحدث خارج المألوف إلا إذا كان حلما يرقى إلى كابوس مخيف. جربت سابقا رؤية أشخاص ينشطرون إلى وجودين منفصلين، وأتذكر جيدا أنها كانت رؤى مرعبة، رغم أنني أتذكر جيدا أيضا بأنني حين أتذكرها في صحوي استغرب من مشاعر الخوف الرهيب التي استولت علي أثناء الحلم، بعض الكوابيس المرعبة ليست أكثر من مشاعر وليست ذا صلة بمشهد غريب نراه.. لكنني الآن أنا نفسي منشطر إلى اثنين، كما أنني لا أشعر بأني أحلم.. هذا يستحق أن أموت رعبا بسببه.
– جدي، بحق الله ما الذي يحصل؟
سحبني إلى الخلف وأغلق باب الغرفة وهو يقول:
– لا تنظر طويلا إلى جثتك.
– جثتي! هل أنا ميت؟
– نحن كلانا ميتان..
– متى حدث هذا؟
– قبل سنوات، عشرين سنة بالضبط
– لا، لا، أنت تمزح حتما، لا أتذكر أنني متّ، تقول قبل عشرين سنة، ولماذا شعرت الآن فقط، هل كنت ميتا نائما..؟!
– …..
– عشرون سنة، ولماذا جثتي ما زالت في الغرفة؟ أنت تمزح يا جدي، أليس كذلك؟
– لا أمزح يا بني، الموتى ينظرون إلى جثثهم حيث لفظوا أنفاسهم الأخيرة. الجثة لن تغير مكانها لدى الميت..ستبقى كهذا حتى القيامة ثم نتحد بها ونرتفع إلى السماء.
ما يقوله جدي هراء، نعم لا شك في أنه هراء، فأنا لم أمت بعد، اليوم صباحا استيقظت كالمعتاد، فرشت أسناني وأعددت فطوري، مارست قبل ذلك بعض الحركات الرياضية، ثم عدتُ إلى غرفتي، فتحت الحاسوب و قرأت عدة أخبار، بعدها أكملت بعض الصفحات الجديدة لكتابي القادم، وحين شعرت بالتعب خرجت من الغرفة لأرى جدي يخرج وأراه نائما في الوقت نفسه على سريره. كلا، لن أصدق هراء هذا العجوز، قلت له:
– كلامك غير منطقي يا جدي، أنا لم أمت أبدا، و أتذكر يومي جيدا، استيقظت وفرشت أسناني وفطرت في المطبخ وطالعت الأخبار وكتبت جزءا جديدا من روايتي.. لا لا لا.. ما تقوله غير صحيح.
حملق بي قليلا ثم قال:
– كنت مثلك أبحث عن دليل موتي، ولكن لم تطل فترة جهلي هكذا، على الأرجح ستعترف بذلك حين يمر الوقت وتجد نفسك ما زلت على هذه الحال.. مع أنك لو دققت جيدا ستعرف أن ما أقوله حقيقة، وشخصيا كنت بحاجة إلى من ينبهني إليها، فذاكرة الموتى ضعيفة للغاية يا بنيّ، ألم تنتبه مثلا إلى تصورك أنك تستيقظ في الوقت ذاته بالدقيقة والثانية؟ ألست تتناول الطعام نفسه كل صباح؟ الأخبار التي تطالعها هي ذاتها منذ عشرين عاما؟ ما تكتبه لا ينقص ولا يزيد فأنت تعود لتكرر ما كتبته في اليوم السابق؟ وفوق ذلك فأنت بمجرد مغادرتك الغرفة تنسى أنك كنت جالسا عند جثتك.
شعرت بالدوار، كلامه كان يتردد كزعيق في رأسي، لا شك أن هذا الرجل العجوز فقد عقله تماما، فهو يعيش هذه العزلة ولم أره يوما يخرج إلى خارج البيت، لا أذكر أنه طلب مني الخروج منذ رحيل والدي وبقائي أنا وهو بين هذه الجدران.
كانت السحب تحجب قرص الشمس والأجواء تبدو خانقة رطبة، أوراق الأشجار تتساقط دون انقطاع كأنها المطر وبعضها يلتصق بالنوافذ المحكمة الإغلاق، وصدى كلمات جدي ما زالت ترنّ، ترنّ في كياني كله لا في أذني وحسب.. أردت أن أساير جنونه، فبعد أن جلس على الكرسي جلست قبالته، وقلت له:
– يا جدي العزيز هل يأكل الموتى؟ يلعبون الرياضة؟ يتابعون الأخبار؟ يكتبون القصص؟ أرى مزاحك اليوم مبالغ فيه؟ هل تشكو من شيء؟
رمقني بنظرة فاترة ثم قال:
– كل ما ذكرته أوهام وخيالات، أنت تتخيل أفضل الأشياء بالنسبة إليك وتراها كل يوم كما لو كانت حقيقة، هل انتبهت حين دخلنا الغرفة أن لا أثر لحاسوبك المزعوم مثلا؟ كلا لم تره ولكنك تنسى في لمحة بصر، ذاكرة الشباب الموتى ضعيفة جدا، سبحان الله! من هذه النافذة أرى في منتصف الليل شبابا كثيرين يهبطون هذه الأيام إلى عالمنا، يمرون كالبرق الخاطف والعديد منهم أراه يدور كثيرا في السماء لا شك أنهم يبحثون عن مأواهم بعد أن خانتهم الذاكرة في تصور منازلهم، فالذاكرة البسيطة كافية بخلق بيت صغير ينعمون فيه بالهدوء.. لا بد أن ثمة مشكلة تحدث فوقنا هذه الأيام.
ركضت إلى غرفتي، أو ربما تخيلت أني أركض، كانت جثتي في مكانها، لا شيء آخر في الغرفة، يا إلهي! هل ما يقوله جدي صحيح؟ عدت إليه فوجدته يبتسم، بادرني بالقول:-
– ألم تسأل نفسك لحظة أنك لم تغادر هذا المكان؟ الموت هو أن تعيش في المكان نفسه طوال الوقت، وها نحن نعيش هنا منذ عشرين عاما.. كما أنك لم تلتقِ بصديق، لم تحظ بخليلة، لم تذهب إلى وظيفتك مثلا، كل شيء تركته وراءك يا ولدي.. لكنك لا تتذكر.
شعرت بالذهول، أنا على قول جدي إنسان ميت، والأنكى أنه لا يتذكر أنه ميت! قلت له وأنا أتلعثم ربما من الخوف الذي اعتراني:
– أرجوك يا جدي أعطني دليلا قاطعا آخر على أننا ميتان؟
جذب نفسا عميقا من سيجارته، ونهض من كرسيه، رمى بنظره عبر النافذة إلى الأفق الذي يمطر أوراقا صفراء من أشجار عالية، عالية جدا، ثم قال:
– لا فائدة، فنحن نعيد كلامنا هذا طوال الوقت، وتنساه في اليوم التالي.
***

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *