سلام الشماع: عزف منفرد.. سلام عليك يا مدني صالح

كنت أرسلت، قبل أيام، إلى مدينة هيت العراقية كلمة كتبتها عن المفكر الكبير والفيلسوف القدير الراحل الأستاذ مدني صالح، بعد أن أخبرني أحد الزملاء أن احتفالاً سيقام لتكريمه في هذه المدينة، ولم يكن في وسعي أن أتردد، أو أتلعثم، وكان يعز علي أن لا أساهم في هذا الاحتفال، ولو بكلمة، بعد أن تعذرت علي المشاركة في تشييع جثمانه، وحضور مجلس عزائه هناك، بسبب ظروف الاحتلال والغربة عن الأوطان.
ومدني صالح رمز شامخ من رموز الثقافة العراقية المعاصرة، بل هو من طراز المفكرين التنويريين الكبار أمثال الدكتور علي الوردي، وكان من أوائل المشتغلين والمهتمين بالفلسفة في العراق الحديث، لا بل هو أول مفكر عربي في التأريخ القديم والمعاصر يفلسف الأدب، ويؤدب الفلسفة، ويعرف الفلسفة للقارئ أنها ليست كتابات، أو نظريات، بقدر ما هي صرخة تملأ الزمان لتؤسس إرادة العقول الحرة.
مات مدني صالح.. ولم يكن يخطر في باله أن يموت في بغداد الجميلة وهي ترزح تحت دبابات الاحتلال.. كما لم يكن يتخيل في حياته أن جثمانه سينقل إلى مدينة هيت، مسقط رأسه، وهي محاصرة من طرف المارينز الأميركي في إحدى عملياته العسكرية، وقد أقفل نحوها الدروب.
ولأول مرة أعرف عن طريق الصديق رباح آل جعفر، ورباح أقرب الناس والأصدقاء إلى مدني صالح فلم يك يفارقه إلا نادرا، عرفت منه أن مدني مات بالسرطان، فقد قال لي وكتب ذلك: “منذ سنوات كان مدني يعرف أنه مصاب بالسرطان، وكان يقاوم السرطان ببسالة، يقعده المرض مرات، لكنه ما يلبث أن يقوم رافعا قامته بكبرياء، مجلجلا بصوته، كاتبا كلمته بتدفق مفكر، وفيلسوف، ومثقف كبير، وقبل كل شيء وبعده بكرامة إنسان، كأكرم ما يكون الإنسان، بحثا عن القيمة والمعنى والمعدن والجوهر في حياة الإنسان، وحواره المتصل مع الكون والحياة والخير والجمال”.
ولقد أعجبتني كثيرا بلاغة وصف الأستاذ رباح للراحل الكبير بعد موته، وكان صائبا سديداً عندما قال: “مات مدني صالح بلا صولجان، أو مهرجان، أو باقات ورد.. وقد شبع حياة في موته، كما شبع موتا في حياته”.
نعم والله لقد كان مدني كذلك.. وكان طوال العقدين الأخيرين من حياته يحذرنا من السايكوسبيكوية البريطانية، والسايكسبيكوية الفرنسية، والساكسبيكوية المتأمركة، بأسلوبه الحلو الرائع البديع الذي لا يفهمه أحد، إلاّ إذا اقترب منه وغاص وتعمق فيه.
وكانت الصحافة في العراق تتدافع على بابه لعلها تحظى بمقال منه، وكان يشترط عدم تعرض مقالاته إلى مقص الرقيب والحذف، وهو يفرض شروطه للنشر.
لم يكن يفهم لغة مدني صالح، التي يخاطب بها الآخرين شفاها، إلاّ أربعة، هم العلامة الراحل علي الوردي، والأديب الراحل يوسف نمر ذياب والكاتبان الصحفيان منذر آل جعفر، ورباح آل جعفر  وليعذرني من حذفت اسمه لعدم ثبوت الأدلة عندي على علاقته بمدني. أما أنا فبالكاد كنت أمسك بجناح جملة من كلامه عندما يخاطبني، ولكني فهمت جيداً ما أراده حين نشر مقالته (عندما يضحك سلام الشماع في عبّه الصحفي) بصفحة كاملة في جريدة القادسية رداً على ما كتبته من أن أول الكتّاب الذين تنفد كتبهم من الأسواق هو علي الوردي، يليه ثلاثة آخرون، ليأتي مدني صالح في المرتبة الخامسة.
وكان الراحل علي الوردي أستاذاً لمدني في كلية آداب جامعة بغداد، وكان معجبا بنبوغ هذا الطالب القادم من هيت، والذي كان يرغب أن يكون فيلسوفا، ومن أجل ذلك باع أجمل البساتين التي خلفها له أبوه في هيت، ولعل طلبة البحرين الذين تلقوا دراستهم في العراق يعرفون هذا الأستاذ الأشهر بين أساتذة الفلسفة العراقيين والعرب على حد سواء.
يقول حميد المطبعي: (ولد “مدني صالح” عام 1932 في مدينة هيت بمحافظة الانبار، وهيت مجتمع كلاسيكي البنى، رفض مدني الاندماج في البنى، ورفض مدني الاندماج في بناه، ورفض أن يتعايش في أمزجته فاكتأب في حداثته، وكآبة الفلاسفة نبأ ونور، ومارس فترة أن يكون معلماً، لكنه أرتكن زاوية بعيدة عن تطفل المعلمين، فيأتي إلى المدرسة بكتاب ويخرج بكتاب وفي مقهى المدينة علم طليعة يجلسون إليه معنى أن يعيشوا ويفكروا شيئا فشيئا، درّبهم على منهج السخرية، وصاروا في ما بعد شعراء وأدباء أشارت كتاباتهم إلى علامات الاستفهام أكثر من علامات التعجب!..).
ويضيف المطبعي: (تخرج “مدني” في الدورة الأولى في قسم الفلسفة بجامعة بغداد، وأكمل تخرجه في جامعة (كمبردج) في بريطانيا، وكان في جدل وعراك مع أستاذه الإنكليزي الذي أراد من مدني أن يكون تلميذا ضعيفا، وهو جاء إليه ممتلئ الفلسفة، فتخرج متمردا علي الأكاديمية المتحجرة، وعندما عين وأساتذة للفلسفة بجامعة بغداد في ستينات القرن المنصرم كان يرشد الطلبة إلى الثورة على المسطرة الأكاديمية”.
 آخر مرة رأيت فيها مدني صالح في بيته في حي الغزالية ببغداد، بعد الاحتلال، وجاءني، ليس كعادته، يجرُّ رجليه على الأرض جرا، وخلفه زوجه تحمل كرسياً جلس عليه الراحل العزيز وفي عينيه دمعة ألم، وهو يرى رتلاً أمريكياً يمرُّ أمام بيته، فلعن السايكسبيكوية الأمريكية وأحفادها إلى يوم الدين.
عندما نعى إليّ الصديق رباح آل جعفر، مدني صالح، وكلانا كنا في غربتنا بعيدين عن العراق، أحسست أن قلبي ينخلع، فها هو آخر الفلاسفة العراقيين يرحل في وقت نحن بأمس الحاجة إلى طروحاته في مضمار المقاومة والتحرير وإعادة الكرامة والسيادة والبهاء إلى وطننا العزيز.  سلام عليك أيها المدني الصالح.. وسلام على هيت التي أنجبتك.. وبغداد التي منحتك السكن والشهرة.. والعراق الذي احتضنك عالما فيلسوفا فذاّ شامخا.
سلام عليك يا علما من أعلام العراق، ورمزا من رموزه، وراية عالية بين راياته، ونهر محبة وأدب سيظل متدفقا يذكر بأمجاد هيت والعراق والعرب..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فراس حج محمد : الزمكانيّة المصاحبة للنصوص الأدبيّة وأثرها في توجيه النصّ.

ماذا يستفيد الدارس من تثبيت الشاعر أو الروائي لزمان كتابة النصّ ومكانها؟ سؤال طرحته كثيراً، …

| د. فاضل حسن شريف : النقد في القرآن الكريم .

لا توجد كلمة بحروفها او مشتقاتها في القرآن الكريم تشير الى النقد. ولكن من تعريف …

تعليق واحد

  1. الأستاذ سلام الشماع تحيه طيبه وانا مشتاق لسماع أخبارك ارجو أن تكون تتذكرني أنا ضياء صبري من جريدة الجريده سابقا أنا الأن مقيم في السويد ارجو سماع أخبارك اخوك ضياء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *