الرئيسية » حوارات » عيسى الياسري: أفدت من منجز الآخر ولم انبهر به

عيسى الياسري: أفدت من منجز الآخر ولم انبهر به

aisa hassan alyasiri(اتخذت من الجنوب مرتكزاً أساسياً لتجربتي)

* حاوره : عدنان الهلاليّ

طفولة تتنازعها أحلام غرائبية، طبيعة ذات سحر بدائيّ، مكتبة غنيّة، حكايات الجدة وشيوخ القرية التي تغذي المخيلة، الانبهار بالموروث الشعبي، فلاحون بثياب رثة وأقدام حافية، يشتبكون مع الأرض طول العام ولا يحصلون منها إلّا على ما يسد الرمق، طقوس تخفف من الشقاء كالاحتفال بالأعياد والأعراس ومواسم الحصاد الجميلة، هكذا تشكّل عالم عيسى حسن الياسريّ الشعريّ. ولد شاعر القرية في العام 1942 في محافظة ميسان جنوب العراق. لا يؤمن بالمراحل الشعرية والأيدولوجيات رغم أنه ظهر في مرحلة الستينيات. مارسَ التعليم منذ العام 1963 ثم عمل في الصحافة الأدبيّة والإذاعة. صدرت له بين العامين 1973 ــ 2008 المجموعات الشعريّة: العبور إلى مدن الفرح، وفصول في رحلة طائر الجنوب، وسماء جنوبية، والمرأة مملكتي، وشتاء المراعي، وصمت الأكواخ. ورواية واحدة: أيام قرية المحسنة صدرت عن دار فضاءات الأردنية والصالون الثقافي الأندلسي في كندا.
تُرجمت بعض قصائده في كتاب أنطولوجيا الشعر العربي الذي أصدرته في أستراليا باللغة الإنجليزية الناقدة الأسترالية آن فير بيرن. ونشرت له في مجلة Malpais Review التي تصدر في ولاية مكسيكو الاميركية قصيدة خريف 2011. اقتربنا من تجربته فكان الحوار التالي:
÷ أين بيوتُ الخليفةِ؟ قيل احترسْ.. إنّه يقف الآن يحصي القبائل أنفاسها» تساؤل من ديوانك الأول «العبور إلى مدن الفرح 1973».. سقطت عناوين الخليفة، وبقي العراق، ما الذي تثيره فيك هذه المقطوعة الآن شاعرًا وإنسانًا وهل هناك شيء من النبوءة؟
} نبوءة.. لا.. صحيح أن هناك شيئا ًمن هذا لدى الشاعر.. لكنه في حقيقته تصفّح لمنعطفات التاريخ.. قراءة للواقع.. استشراف للمستقبل.. أو رؤية مستقبلية، فالشاعر هو الذي يرى أبعد ممّا يراه غيره؛ عندما تتصفح كل مجموعاتي الشعرية التي صدرت في العراق وخارجه فستجد فيها الكثير من الإشراقات المتحققة.
÷ الجنوب ثيمة لها حضور واضح في بناء نصك، كيف تفسّر ذلك، هل هو حنين أم وفاء أم تأثير الغربة؟
} أنا اتخذت من الجنوب مرتكزاً أساسياً لتجربتي منذ أوّل مواجهة لي مع النص الشعري، لكنني لم أتعامل مع ــ الجنوب ــ كجهة أو كجغرافيا متحققة، وإنّما كبنية جمالية داخل النص وفي الوقت ذاته كحاضنة له، لقد حوّلته إلى تكوين حي يتنقل بحرية داخل فضاء القصيدة، لذا فقد تلاشت الكثير من علامات الجنوب الدالة كأهواره وأنهاره وكثير من تضاريسه، لكن كل هذا ظلَّ يتنقل داخل النص من دون أن تنال منه عوامل المتغيرات البيئية، أو ما خربه الإنسان، من هنا يكون سحر الجنوب. إنّه يمتلك القدرة على التحول من ــ المادي ــ إلى الحلمي الذي لا يبرح الذاكرة، ولا ينال منه لص الوقت، وليست هناك من علاقة للغربة في تشكل ثيمة الجنوب، إنه المكان الأول ولا وجود للإبداع دونما حاضنة المكان التي ترتفع به نحو حقوله الجميلة، لذا فنحن وأين ما حللنا نحمل معنا المكان.
÷ حصلت على «جائزة الكلمة الحرة العالمية» ما الذي أضافته هذه الجائزة لتجربتك َالأدبية؟ وكيف تجد فوضى الجوائز التي أصبحت أغلبها جزءاً من مجاملات واخوانيات أكثر من كونها إبداعاً؟
} أضافت الكثير، عشت في بلدي مهمّشا ًلسببين، أوّلا ً كنت أختط لنصي أسلوباً بنائياً مختلفاً يتسم «بالبراءة الصافية»، كما يقول الشاعر الفرنسي بودلير ــ فأنا لا أفرض أي ثقل ثقافي، أو معرفي على النص. في العقد الستيني كان المجايلون لي مبهورين بكشوفاتهم لمنجز الآخر، واستعارة الكثير من تقنياته التي لا تنسجم مع الواقع المعيش، منها تحييد التجربة جانباً، التعكز على فوضى اللغة، التجريد حد الشكلانية، أنا التقيت بمنجز الآخر، وبدلاً من أن أنبهر به أفدت منه دون أن أسمح له أن يفرض ظله على نصي، هذا الأمر جعل بعض النقاد الذين استسهلوا التعامل مع منجز الشعراء المهووسين بالتجريب يقفون بعيداً عني، كنت أريد أن أكون أنا. الشيء الثاني إنني كنت بلا إعلام ثقافي يبشر بي.. فأنا بعيد عن إعلام السلطة الرسمي، لم أنتم لأية جهة حزبية تبشر بي، ولا أعرف كيف أعلن عن نفسي، كما يفعل البعض بطريقة يُحسد عليها، لذا فأنا لستُ معروفاً في الاوساط الثقافية العربية إلّا بحدود ضيقة جداً.
وهكذا جاءت ــ جائزة الكلمة الحرة العالمية «لتعيد لي الاعتبار، علماً أنني لم أسع إليها، لم أعرف عنها شيئاً، وفوجئت بحصولي عليها، كما أنها تتخذ أهميتها بالنسبة إليّ؛ لأن أوّل شاعر عالمي حصل عليها هو شاعر اسبانيا الخالد ــ رافاييل ألبرتي ــ المعروف بإبداعه الشعري وبثوريته إبان الحرب الإسبانية الأهلية، كما أنه من الحائزين على ــ جائزة لينين ــ وهذا ما يجعلني أثق بنظافة هذه الجائزة.
لكن قد تسألني.. هل انتبه الإعلام الثقافي العربي لي بعد حصولي على هذه الجائزة؟ وأقول.. أبداً، فصحافة بلدي لم تشر إليها، والصحافة العربية لم تنشر إلّا خبراً صغيراً وعابراً عنها، باستثناء صحيفتين عربيتين تصدران في لندن هما صحيفة الزمان وصحيفة القدس العربي فقد نشرتا مقابلتين أُجريتا معي دونما أي تعليق على الحدث. عندما أقامت دولة الإمارات مهرجاناً للشعر العالمي في دبي العام 2008 او ما بعد هذا التاريخ لا أذكر، دعت له شعراء عالميين وعرباً، ومن بين الشعراء العالميين الذين دعتهم الشاعر الجنوب أفريقي ــ برايتن باخ ــ كنت أتابع الإعلام الثقافي الذي يغطي المهرجان من مغتربي الكندي، كان هذا الإعلام يضج بتكرار اسم هذا الشاعر «برايتن باخ» ولا يذكر اسمه إلا مقرونا ًبحصوله على (جائزة الكلمة الحرة العالمية)، كان برايتن باخ قد دُعي لحضور حفل منحي هذه الجائزة في روتردام ــ عاصمة الثقافة الهولندية العام 2002، وقتها كتبت لي أديبة أميركية من أصل لبناني هي صديقتي الروائية فاطمة خليفة تقول معلقة على هذه الضجة الإعلامية: «ألم تحصل أنت على هذه الجائزة، فلماذا لا يُحتفى بك أنتَ؟ ثم تستدرك قائلة، معذرة لقد نسيت، أنت عربي، إذن أنت لا تحمل جائزة الكلمة الحرة العالمية».
ليس هذا المهرجان وحسب لم أدع إليه بل كل المهرجانات العربية التي يدعى لها شعراء من الدرجة العاشرة كما يطلق عليهم صديقي الشاعر ــ شوقي بزيع ــ عندما شاركنا معاً في مهرجان الشعر العربي في الأردن شتاء 2000. أما عن فوضى الجوائز فأقول وبمرارة، وباختصار شديد، إنها أصبحت جزءاً من واقعنا الثقافي الرسمي المخجل أو المحكوم بعلاقات مشبوهة، إضافة إلى كونها جوائز لا قيمة إبداعية لها.
الحصار
÷ اضطرتك ظروف الحصار، وبعد أن فصلت من عملك في مجلة – أسفار – التي تعنى بالأدب والفن، وكنت سكرتيراً لتحريرها العام 1992 أن تجلس في كشك أمام إحدى المحاكم لكتابة العرائض، ما هو تأثير هذه المرحلة عليك؟ وكيف تجد علاقة المثقف بالسلطة؟
} كان الحصار يهدد عائلتي بالجوع، ويهدد أبنائي بحرمانهم من إكمال دراستهم الجامعية العليا، في هذه المرحلة كنت أمام اختيارين، فأما أن أرفع يدي استسلاماً للسلطة الديكتاتورية، أو أن أجد عملاً مهما كان بسيطاً، وهكذا وجدت نفسي أجلس أمام محكمة بداءة الأعظمية في ــ كشك ــ من الصفيح ــ في الشتاء يتحول إلى ثلاجة متجمدة، وفي الصيف يشبه فرناً ملتهباً، البعض اتهمني بالجنون والبعض بالصعلكة، ولم يكن لي أيّ من هذين المجدين. في ــ الكشك رقم 6 ــ كنت أكتب عرائض أهلي المسحوقين تحت أظلاف السلطة، كنت حراً، وكنت أعرف أن للحرية ثمنها، ست سنوات وحشية عشتها في هذا المكان، تعرضت خلالها إلى جلطة دماغية كادت تودي بحياتي نتيجة الإرهاق النفسي والجسدي، لكن ما حمل لي المواساة تلك الوقفة المشرفة التي وقفتها الصحافة العراقية إلى جانبي رغم قمع السلطة، فقد كتب العديد من أصدقائي الصحافيين والأدباء عن معاناتي وبشجاعة نادرة، عرضت البعض منهم للملاحقة الأمنية، واضطر بعضهم للهرب خارج العراق، ويؤسفني ألا تتسع مساحة الحوار لذكر اسمائهم النبيلة.
كما أنتجتْ هذه التجربة مجموعتين شعريتين هما الخامسة والسادسة احتفى بهما الكثير من نقادنا الكبار، أما عن علاقة المثقف بالسلطة آنذاك فكانت علاقة تتسم بالازدواجية، هنا لا أقصد أصدقائي أدباء العراق المسكونين بعشق الحرية الذين نالهم ما نالني وما أكثرهم، ولكن أقصد أولئك الانتهازيين الذين وصفهم الفيلسوف لوقيانوس ــ بالأذلاء الزاحفين على ركبهم…الخ !! – هؤلاء كانوا يمدحون النظام في قصائدهم وكتاباتهم لينالوا «مكارمه» أما في مجالسهم الخاصة فكانوا يشتمونه.
÷ كيف تصطاد لحظتك الشعرية لتجعلها موحدة في الشكل والمضمون؟ وعلى ماذا تعتمد بالدرجة الأولى. هل على – اليومي أم الذاكرة ــ في تأثيث عالمك الشعري؟
} اللحظة الشعريّة حالة أكبر من أن توضع في إطار تنظيري، أو حتى تعريفي، إنها حالة مغلفة بأسرار مغلقة، بل قل إنها نتاج مصاغ في منطقة اللاوعي، فهي غير مشروطة بوقت، أو خاضعة لمعالجة مستيقظة، إنّها تحضر كما حلم يقظة، كما صوت لا تجنيس له، كما التماعة برق خاطفة، المهم عند إشراقة هذه اللحظة هو الإمساك بها، وإلا تبدّدت كما يتبدد الضباب حين تمرر أشعة الدفء أصابعها على جسده الطري، أو كما تتأخر عن تلبية نداء قلب امرأة أقبل عليك، إنها لحظة غرائبية. وما يشكلها هو تلك العلاقة الجدلية ما بين ــ اليومي ــ وبين ــ الذاكرة ــ لأن كلاً منهما يؤثر في الآخر سلباً أو إيجاباً، المهم أن هذه اللحظة تمثل البؤرة أو الثيمة الارتكازية للنص الذي هو نتاج تلك اللحظة، والذي سنعود إليه بعد فترة من طرحه جانباً، من أجل أن يبدأ الوعي عمله المعمّد بحس معرفي وذائقة متميزة من أجل تشذيب كل ما هو زائد وفائض عن بنية النص الجمالية.. النص شجرة بكر تحتاج إلى بستاني ماهر.
÷ الأجيال الشعرية في العراق أجيال تواصل لا تقاطع، من الواضح أنك دائم التواصل مع الشعراء الشباب، وبما أنك تقيم في الخارج منذ زمن ألا تجد صعوبة في ذلك…؟
} في بداياتي، لم أجد في بلدي مَن ينشر لي أو يهتم بي، ولولا – لبنان ــ ممثلة بوالدنا الراحل ــ د. سهيل إدريس ــ ومجلة الآداب التي تبنت نشر قصائدي، ولولا مصر ممثلة بنقادها الكبار كالناقدين الراحلين د. عبد القادر القط ود. محمد شكري عياد والناقد د. صبري حافظ والشاعر فاروق شوشه أمدَّ الله في عمريهما الذين تابعوا ما ينشر لي في الآداب لكنت قد تخليت عن كل شيء. عندما انتقلت إلى ــ بغداد ــ 1972، ووقفت على رأس أكثر من قناة ثقافية، جعلت من الشباب ودعمهم من أوّل اهتماماتي، كنت أنشر إبداعاتهم في المواقع التي أشرف عليها، أجيز كتبهم التي تحال لي من دائرة ــ الشؤون الثقافية العامة ــ التي كنت أحد خبرائها لكي تنشرها على نفقتها، أعاملهم بأبوة، أتابع نقدياً ما يصدر لهم من مجموعات شعرية، أو قصصية، ولم يقتصر هذا على الأدباء الشباب العراقيين بل وحتى على الكثير من الشباب العرب الذين كانوا يرسلون لي إصداراتهم، وعندما جلست لكتابة العرائض، كان الشباب يحضرون إلى موقع عملي، سيّما الشباب الذين ظهروا في العقد التسعيني، كانوا جيلاً متمرداً أفخر به، يدسّون في جيبي، وكما منشور سريٍّ، مجموعاتهم الصغيرة التي يطبعونها على ــ آلة الرونيو ــ كانوا مراقبين من السلطة، وبعد عودتي إلى البيت كنت، وبعد أن أستريح من عناء العرائض أقرأهم بمحبة، وأكتب عنهم بمحبة، وآخر ما قدمته لهؤلاء الشعراء قبل أن أغادر العراق 1998 بأيام، أن جعلت من مشروعهم الشعري الحداثوي موضوع أمسيتي الثقافية التي أقامها لي اتحاد الأدباء، ودافعت عنهم حين تصدّى لهم البعض من رموز السلطة الثقافية.
والآن، وأنا في مغتربي، أشعر بحاجتي للبكاء حين تصلني على صفحتي في ــ الفيس بوك ــ رسائل شباب مرفق بها نص شعري أو قصصي، ويطلبون مني رأيي فيه، أقسم أنني أبكي عندما يخبرونني أنهم كانوا أطفالا ًعند مغادرتي العراق، ولكنهم يعرفون الآن كلّ شيء عني. أنا أؤمن بأننا سنفتح الباب اليوم أو غداً ونغادر.. وعلينا أن نتركه مفتوحاً ليدخل أبناؤنا الشباب.
÷ ما الذي قدمه لك المغترب الكنديّ وما الذي أخذه منك؟
} منحني حرية التعبير والمعتقد، أن أرفع صوتي بوجه وزيرة الهجرة لأقول لها.. أنت ِامرأة سيئة لأني لم آخذ كفايتي من الخبز.. وبدلا ًمن أن يدفعني حرسها خارج الباب بالركلات.. تبتسم في وجهي، علّمني ألا أحمل أوراقا ً ثبوتية في جيبي، أن أقبل المرأة التي أحبها علنا ً ولا تقتادني الشرطة إلى ــ معتقل التسفيرات الرهيب ــ. أمّا ما أخذه مني فهو تلك الخسائر التي لن يكون بمقدوري استردادها، أخذ مني دفء بيت العائلة، جلسات السمر مع الأصدقاء، التجوال على شواطئ ــ دجلة ــ بصحبة امرأة تحبني، إغفاءة عميقة على سطوح منازل ــ بغداد ــ في ليلة صيف مقمرة تختبئ نتف من هبات ريح الشمال بين أغصان نجومها، وجعل أمي ترحل من دون أن أدرك احتضارها الأخير.
÷ كتبت الكثير عن المرأة.. الأم.. الزوجة.. الحبيبة.. الصديقة، ما الذي قدمته لك المرأة؟ وهل هي ملهمتك الدائمة..؟
} يقول أحد الشعراء العالميين المحدثين لا أتذكره: الآن عرفت وأنا في نهايات العمر – يا فرانشسكو -، بأن هناك امرأة تستحق أن نموت من أجلها « أما أنا فقد عرفت وأنا في طفولة العمر، بأن المرأة هي التي تساعدنا على أن نحيا كما هو الخبز.
÷ بعد كل ما حدث في البلدان العربية، ما هو تأثير ذلك على الثقافة؟ وكيف وجدتَ سلوك المثقف العربي..؟
} إنه تأثير مدمّر من دون شك، نحن نتعرض لهجمة ظلامية لم تشهدها أكثر منعطفات عصورنا ظلاماً، إلا أن مبدعينا لم يفقدوا إيمانهم برسالتهم الإبداعية التي تجهد من أجل تغيير الواقع، فهو نتاج طبيعي أفرزته أنظمة استبدادية ومتخلفة تحكمنا وفق أجندات خارجية، عملت على عزل الكفاءات الوطنية، وانتشار الفقر والجهل.
÷ كيف تقيم أداء اتحاد الأدباء والكتاب في العراق؟ وهل لديك ثمة ملحوظات على أدائه؟
} أعتقد أننا ومنذ بداية العقد التسعيني بدأنا نتنازل عن أكثر من شرط من شروط القبول والنشر في مؤسساتنا الثقافية، ليس في العراق وحسب بل في معظم أقطارنا العربية، سيما تلك المؤسسات الثقافية التي يديرها حزب السلطة، أو حزب خارج السلطة، لكنه يريد أن يضمن البقاء على رأس المؤسسة. أذكر أنني عندما أردت أن أنتمي لاتحاد الأدباء في بلدي العام 1972 وكان رئيسه آنذاك شاعر العرب الأكبر – محمد مهدي الجواهري – شعرت بالرهبة، وبعد تردد استمر طويلاً، سألت مقرره عن شروط القبول في الاتحاد، أخبرني أن عليّ أن أكون قد نشرت ثلاث قصائد على الأقل في ثلاث مجلات معترف بها، وهي مجلة الأقلام ومجلة الآداب البيروتية ومجلة الأديب المعاصر وغيرها، ولما أخبرته أنني نشرت الكثير في هذه المجلات، سلّمني استمارة طلب الانتماء لكي أقوم بملئها، أن هذه المؤسسات تقبل الآن فيها حتى أولئك الذين ينشرون الهراء على صفحات – الفيسبوك – لضمان الأصوات الانتخابية، لذا فأنا أنظر إلى مستقبلنا الإبداعي نظرة خوف وقلق. من المحزن أن تمتد السياسة التي فقدت عفتها إلى الإبداع.
÷ تقول في إحدى قصائدك: أنا صانع أحلام ماهرْ….. « إلى أين وصلت بصناعة أحلامك هذي، وما الذي تحقق منها..؟
} ليس المهم أن تتحقق أحلامنا، المهم إذا ما انكسر أحدها أن نبتكر حلماً جديداً. لذا فإن ّكل شيء بي وما حولي ناله الهرم إلا أحلامي، فإنها ما زالت تحاول أن تضيء كلّ النجوم المنطفئة، وأن تنظف هواء العالم من رائحة النحيب.

* عن صحيفة السفير البيروتية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *