مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية “كم بدت السماء قريبة!!” لبتول الخضيري (6)

hussein 5د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – 1/10/2014
وهنا ، لابدّ أن يحفزك وصف “الطيف الترابي” على أن تتداعى لتستدعي – بدورك – ذاك المقطع الجميل الذي وصفت فيه الراوية وجوه أهل “خدّوجة” التي لم تتذكرها هنا ويا للعجب ! :
(ردّدتُ لازمة في طريقي إلى البيت : “يا حمّصه .. يا زبيبة .. وقت العشا .. تشريبة” . أفكّر : الربيع في مزرعة المشمش ، لولاه لكانت طفولتي مع خدّوجة ترابية كلها . ليس فقط بسبب العواصف الرملية التي كانت تهجم صيفا وأنا معها في أثناء العطلة . لكن أكثر لون يحضر حين اذكرها هو لون التراب (…)
ذرّات التراب في كل مكان ، هذا الغبار الذي يغطّي عباءاتهم السود ، ملاءاتهم ، أثاثهم ، أبقارهم ، بل وجوههم ، كأنه سحر حيويتهم . أهل خدّوجة لا يتوقفون عن الحركة ، متقمّصين ألوان كل ما يحيط بهم ، فإذا كل شىء بلون التراب ، حتى بشرتهم سمراء كالطين . ينتمي الجميع إلى العائلة البنّية ذاتها ، صبغة يتوارثونها بديمومة مثيرة . كم أعجب عندما يصفون سُمرتي بدورهم وأنا قادمة إليهم : “هلا بقرص الخبز هلا” ) (ص 34 و35) .
وفي يوم ما قد يتوقف – طويلا – باحث أنثروبولوجي أو متخصص بشؤون الشخصية القومية أمام هذه الفقرات التي تُمسك بأهم سمات البيئة العراقية التي انعكست ليس على “البنية” الشكلية والمظهرية “الترابية” للشخصية العراقية حسب بل على أدق وأعمق سماتها الدفينة الروحية والمزاجية ، وعلى تشكيل منجزاتها الحضارية ومواقفها العميقة من معضلتي الحياة والموت .
إنّ بطلتنا تعيش – وكما سنرى مستقبلا – آلية “العزل – Isolation” وما يرافقها من “عقلنة – Intellectualisation” في أغلب تفاصيل حياتها وتعبيراتها العقلية والسلوكية العملية ، وهذا هو الإرث – المخالف لإرث حضارة أبيها وثقافته – الذي انسرب خفية من أمّها الإنكليزية إلى روحها الصغيرة منذ طفولتها . لاحظ – وبسرعة – أنّ أباها في عزّ خلافاته مع أمّها كان يحتفظ بذاك الموقف “الترابي” الحاني القابل لمسح التحاملات وذرو الإنحيازات من سطح النفس تجاه الآخر . في أحد المواقف التي نشب فيها خصام بين الأبوين :
(راحت الأم تبحث عن مروحة قش تقليدية ، بعد أن أضاعت مروحتها الإسبانية . قلتَ لها بعد لحظات صمت كأنّ شيئاً لم يحدث :
– إذا رطّبتِها بالماء ستعطيك نسمة منعشة) (ص 68) .
batol 2ولاحظ – وبسرعة ايضاً – أنّ حتى الأم العصبيّة والتي تصل حدّ التعجرف المُغثي أحياناً في موقفها من الأب ، قد أقرّت – حين خذلها ديفيد في محنتها المرضيّة الرهيبة – بسِمَة الوفاء والروح الإنسانية الثابتة لدى الأب بحكم تكوينه الشرقي :
(يكفيني شعوري أن والدك ، رغم كل المسافة التي كانت تفصل بين تكويني الغربي وتكوينه الشرقي ، لو أنه ما يزال على قيد الحياة ، لما ترك جانب سريري قبل أن استرجع إنسانيتي) (ص 141) .
وما لا يقل أهمّية بالنسبة لحال المجموعة وصراعاتها هو هذا التناقض اللائب بين رؤى المدام المدرّسة وطموحاتها وحتى إحباطاتها الذاتية ، ومخاوف أفرادها ومصادر قلقهم الحارقة ، هذا التناقض عبّر عنه فاروق في لحظة غضب عارمة خاطب فيها المدام قائلا :
(يا مدام ، الذنب ليس ذنب أحد .. نحن لا نعرف غير الرقص وهذه اللغة لا تُجدي في الحرب .. ربما كنا مخطئين بتمسكنا بما تسمّينه الحلم .. ربما آن الأوان أن نفك الإرتباط هذا إن كان سيدمّر لنا أعصابنا على هذا النحو . على كل حال ، الأمل يتضاءل بشأن انتهاء الحرب قريبا ..
توقّف لحظات عن الكلام يلتقط أنفاسه :
(أوّلأاً ، أحمد سيتزوج صاحبته . ثانياً ، أنا سألتحق بإحدى الوحدات العسكرية وسيذهب تعبنا هدراً . يا مدام ، تعلقنا بك رغم زعيقك وأعصابك المتوترة دائما . حاولي أن تفهمي رؤيتنا نحن .. لماذا تسخريننا كالدمى لتثبتي أن دراستك عند الروس لم تذهب سدى ! على الأقل رأيتِ شيئا من العالم الحقيقي .. ماذا عنّا نحن المساكين ؟! من تدريب العضلات إلى تدريب الطلقات )
انفجر فاروق في وجهها محمرا بانفعال .. وقبل أن يركل باب القاعة بقدمه ، استدار نحوها قائلا بكل غضب :
(وبصراحة تامة .. ليس التصفيق “البرجوازي” الذي تسمعه أذناك فقط هو الذي يجذبني إلى هذه الفرقة ، لكن هذا الراتب الخقير الذي أُهلك عضلاتي لأجله كي أُطعم أخي الصغير) (ص 110 و1119) .
بعد أربع سنوات غادروا المدرسة التي أغلقت أبوابها ، فكانوا آخر دورة تخرّجت منها على أطراف أصابعها ، والحرب ماتزال تدق طبولها .. وبإغلاق هذه المدرسة تكون الحياة في البلاد قد شهدت واحدة من أبشع هزائمها ، وتكون إرادة المُثكل قد ظفرت بواحدة من أخطر انتصاراتها . لقد دُحر الجمال والرهافة والإنسانية الصاعدة نحو سماوات الملائكة ووجه الله .
ولأن الحرب لا تسمح بأي “مصير” نهائي ، فإن الراوية تخبرنا ببعض المصائر الوقتية وسوف تقفنا على المصائر النهائية السود : فاروق أصبح طبّاخاً لإحدى فصائل المشاة في مدينة الحلّة ، وأحمد استخدم التاكسي في نقل المقاتلين بين الجبهة والأهالي في بغداد ، بعد أن أرجأ موضوع زواجه من صديقته لحين انتهاء الحرب ! أمّا الراوية فقد استطاعت المدام – التي اعتبرت نفسها مسؤولة عن جانب من خيبة أحلام الراوية – أن تُقنع أباها بأن تلتحق لدراسة اللغة الإنكليزية في إحدى الكليات الأهلية .
وفي ختام هذه الجولة الحياتية التي سطت عليها غيلان الموت وأشباح الخراب ، يقع الحدث الأكثر رهبة وإثارة للجزع في حياة الراوية :
لقد توقف قلب الأب وسكت بصورة مفاجئة دون سابق إنذار (ص 115) ..
وبروح “العزل” التي أشرت إليها ، وبعين المراقب الذي “يصف” الطعنات الغائرة المكتومة و”يراقب” فعلها وهي تمزّق روحه ، وبشيء من تبلّد المشاعر الذي تخلقه الكآبة الشديدة التي لا خلاص منها ، “تصف” الراوية انفعالاتها برحيل أبيها مستذكرة خساراتها الجسيمة ، ومعاتبة إيّاه بأسى شفيف لأن قلبه سكت فجأة دون أن يهيّئها لكارثة رحيله النهائي قبل يوم مثلاً . كانت وهي “تسرد” ملابسات موت أبيها وبؤس حياتها النفسية ، وكأنّها تحاول “الهروب” من مواجهة الواقعة وخوض عبّاب الأسى المنتظر . لم تكن هناك إشارة صارخة لعملية حداد مؤلمة كما نتوقّع . لاذت الراوية باستعراض “النتائج” الحياتية لهذا الرحيل قافزة نحو تحوّلات سنتين لاحقتين ! بعد أن حملوا جثمان أبيها لتغسيله .. تحوّلات دوامها الثقيل في الكلية ، وحال أمّها بلمسة عدوان (تتحوّل إلى سلحفاة !) ، ثم قفزة عن حلّ المشروع التجاري لأبيها بشكل قانوني ونهائي (قضيت فترات متقطّعة ما بين المحامي والمحاسب أوقّع الأوراق بالنيابة عن أمّي) . ثم حرق تركات الأب من عُلب وخلطات مختبرية وغيرها لتعود بخلاف المتوقّع إلى طقوس الدفن !! :
(طقوس الدفن . صلاة الميّت ، ختمة القرآن ، بدأتُ أدخل زمناً ، لشدّة كآبته ، أكاد ألمس هواءً ثقيلاً في قبضة يدي) (ص 116) .
وهو وصف لا يثير التعاطف الحزين في روح المتلقي بقدر ما يثير العمل الذهني في عقله لتفسيره .
kh batol
وقد برعت الكاتبة في هذا الفصل (الرابع) – وكما قلتُ – في ملاحقة صراع الموت والحياة ، والتدهور الجمعي الذي سبّبته الحرب ، من خلال تناوب البيانات العسكرية العراقية التي تتحدّث عن العمليات الحربية في جبهات القتال ، مع الصور الواقعية التي عشنا مراراتها الدامية فعليّاً والتي رسمتها الكاتبة أمامنا بدقّة وسخونة مؤثرة . وتلك البيانات – بيانات الموت الإحتفائية – ومشاهد خراب الحياة الجمعية كانت ، بدورها ، تتناوب مع ما تصوّره لنا عن حياة مجموعتها الصغيرة ، مجموعة الحياة الحالمة المرعوبة . وقد استمرت الكاتبة على هذا النهج في الفصل الخامس أيضاً ولكن بإفراط أحياناً أفقده فعله النفسي ودوره الفنّي أو صار عكسيّاً في بعض المواضع . وبعد أن تفتتح هذا الفصل بتركيز (هل له علاقة لاشعورية بالعلاقة الحبّية المقبلة للراوية ؟! ) على موضوعة تشجيع حفلات الزواج والإنجاب المبكر ومنع استخدام حبوب منع الحمل لزيادة النسل تعويضا عن الخسائر في الأرواح (ص 117) .. ثم تنقل لنا معلومة عن المصائر “النهائية” لزملائها في المجموعة الحالمة المرعوبة : فاروق جُرح في معركة كيلان غرب ، وأحمد اختفى مع أخباره (لاحظ دقّتها فهي تقصد أخباره التي كان يأتيهم بها) عند اندلاع معركة البسيتين .. وسارة توظّفت في دار الأزياء ، وعندما توقفت عروض الدار بسبب التقشّف التحقت بأختيها للعمل كخياطة (ص 118) .
أمّا هي ، فها هو جرس الهاتف يرنّ حيث صوت المدام (مدرّستها) تدعوها لمرافقتها لزيارة مجموعة من أصدقائها تسمّيهم “جماعة العهد البائد” . هذه الجماعة كانت مكوّنة من راقصة هي المدام ومعمارية ومسرحي .. ونحّات هو : سليم الذي سترتبط به بأول تجربة حب . ولم نسمع من الراوية أن قلبها ارتجف لأي ذكرى عن علاقة حب في طفولتها – كما يحصل لدى الكتّاب خصوصا الرومانسيين منهم – أو في مراهقتها ! وكان وصف “راقصة” للمدام مجرّداً من صفة “باليه” الذي يعني لدى المتلقي الكثير . كما لم تسلم المعمارية من تعليق عابر وضجِر على محاولاتها عرض طقم أسنانها البورسلين الجديد (كلفته عالية لا بدّ تحت الظروف الراهنة) (ص 119) . ووسط انشغال الجميع بموضوعاتهم الخاصة ، انسلّت إلى استوديو النحّات .. وهنا – وبعد أن تمهّد الطريق السردي باستذكار بيان عسكري تفصيلي – وبالأرقام الدقيقة !! – عن معارك ديزفول – الشوش ، تضعنا أمام أعمال الفنّان المخيفة التي تعكس روحاً مشبعة بلعنات الحرب ، ومخاوف مرعبة من ويلاتها ، وعمل منهك وبارع لتجسيدها : فهذه قطعة لوليد بالحجم الطبيعي ، يمتد من بطنه حبل سرّي ، يربطه بمشيمة منحوتة على شكل خوذة حرب .. وثانية لأمّ ترضع طفلها ، بدلاً من تكوّرات نهديها الأملسين ، توجد خوذتان خاكيتان .. وثالثة لخوذة كبيرة على شكل مهد لطفل دون ملامح .. وتمثال اسمه “روتين” فيه إنسان يحاول عبثاً الخلاص من مأزقه “الوجودي” . ويتجلى الإفراط الذي أشرت إليه في أن التحليلات العسكرية – تأتي إلى ذهن الراوية وهي في مثل هذا الموقف – (وتطوف بين القطع الفنّية : موج من الرجال يتدفق على الجبهة إلى ما لا نهاية . تتصدّى قواتنا للهجوم ، وتمنع العدو من تحقيق أحلامه في الوصول إلى الحدود … ما زالت قطاعاتنا في هذا القاطع الضيّق – مضيق الشيب – والذي يبلغ أحد عشر كيلومترا صامدة) (ص 121) .. في الوقت الذي أثارت فيه المنحوتات المخيفة تداعيات رهيبة في نفس الناقد الذي عاش ثلاث حروب “كونية” . فالأعمال النحتية الثلاثة التي ركّزتُ عليها هي تصوير نادر جدا للعنة الحرب يمكن أن تتخذ لها موقعا في النحت العالمي المرتبط بعنف الإنسان . لكن حين تتأمّل أشكال هذه الأعمال الثلاثة ومعانيها تلاحظ أنّها في الوقت الذي تعكس فيه ما توقعه الحرب من دمار ورعب وانمساخ في حياة الإنسان وروحه ، فإن فيها شيئاً هائلاً “فرديّاً” من انرعاب الفنان نفسه ونكوصه أو استنجاده بالعون الطفولي من الرحم الأمومي الحاني والحامي . وتنسرب لمسات خفيفة من التعاطف السريع والمباشر من الراوية تجاه هذه الأعمال وخالقها حين تبدأ بإحلال تفسيراتها الذاتية المكمّلة – وبصورة استباقية – لمعاني بعض الأعمال خصوصا أنها لم تعرف حتى الآن أنّ النحات جندي يؤدي الخدمة العسكرية في الوقت الحاضر :
(لُعَب مطرّزة على شكل سمكة أو زهرة ، يتفنّن بصناعتها جنود المعسكرات في أثناء الخفارات) (ص 122) .
تطقطق ستارة القصب خلفها ، ويدخل الفنّان فتعرف من الإنطباع الأول مبلغ قلقه وتشاؤمه واكتئابه . فهو كثير الحركة أقرب إلى اضطراب ، شديد التدخين ، لا يستقر في بقعة واحدة ، يعيد النظر في منحوتاته كأنّه يراها للمرة الأولى ، ساقه لا تكف عن الإهتزاز .. وكلّها علامات على القلق الداخلي وفرط نشاط جهازه العصبي اللاإرادي (وهو جهاز الخوف والطوارىء) .. ويظهر تشاؤمه حين يخبر الراوية بأنّ المدام ترجمت لهم قصيدة تصف طيوراً قُصّ أحد أجنحتها فاضطرت للتعاون فيما بينها على الطيران ، ويتساءل : هل تعتقدين أن البشر يمكن أن يتعاونوا فيما بينهم بقدر أكبر لو اقتُطع من كل فرد يد أو ذراع ؟ (ص 123) ناسياً أن الإحتمال الأكبر في من قطع أجنحة الطيور هو البشر أنفسهم الذين ينتظر منهم خيراً ! وفي الكثير من الأحوال يكون التساؤل عن قناعة مطروحة للنقاش غطاءً لقناعة مخالفة ، خصوصاً أنّ الفنّان يلحق تساؤلها هذا بسؤال لـ “صغيرته” – كما صار يسمّي الراوية وهو يكبرها فعليّاً بعشر سنوات – هل تعتقد أن هناك فرقاً بين من يفهم الحياة ، ومن يحسّ بها ؟ (ص 124) .. وهو سؤال تقليدي جعله الفنان مدخلاً لاستعراض ميوله هو وموقفه من الحياة : (أنا ممن يتبعون الحسّ) مشفوعاً بالحفزات المسمومة للغريزة التي تحرّك التفكير من وراء ستار . وهنا تحصل التفاتة خطيرة من الكاتبة تعرض جانباً دفيناً من صراعات بطلتها النفسية وتهديدات هويّتها حين تجعلها تقول – مباشرة بعد حديث الفنان عن خصاله “الحسّية” وقدرته الخارقة على كشف فطر على سطح شعرة ورسمه مجسّماً – أنّها انجذبت ثانية للتمثال الخشبي فاقد هويّة الرجولة والأنوثة ، أو ربّما جامع الإثنين معاً (ص 125) .
كانت المرّة الأولى حين شاهدت هذا التمثال على قاعدة ؛ (تمثال أملس بعضه امرأة وبعضه رجل ، جالس في حيرة من أمره دون هويّة) (ص 122) .. أسقطت سمة “الحيرة” من عنديّاتها ، ثمّ استدعته مع انطلاق الفنان في استعراض قدرته الحسّية الفائقة على التمييز . فهل كانت هذه الحركة الكاشفة حركة دفاعية إذا جاز الوصف ؟! وهل يتأكّد ذلك من ردّها على سؤاله : هل أنت من جماعة الحسّ أم الفهم ، بجواب انتقلت فيه – وبارتباك – من الجانب التأويلي النظري إلى جانب الحياة المهني حين قالت :
(أنا من جماعة مطاردة خيالي تحت تأثير المدام . المشكلة هي أنني بدأت متأخرة ، أقرب إلى الهاوية ، فلم أحترف شيئا من الفن ، ولم اتعلم مهنة أبي قبل فوات الأوان . أجدني نموذجاً لمفترق خيالات ليس إلّا ) (ص 125)
وفي هذا الموضع – وموضع بعده بقليل حين تسأله عن لماذا اختار النحت بالذات ، يحصل موقف إفراطي مُضاف حين تستدعي بياناً عسكريّاً – وهي في مسار تعارفها بالفنان – تفصيلياً عن معارك الخفاجية والأحواز وغرب الكارون .
المهم أنّ الراوية ، وقبيل أن ينتهي لقاؤهما ويعودان إلى الآخرين ، عرفت من الفنان أن الجيش بدأ يسلب منه مهارته في النحت (كل ما أتذكره في طريقي كل يوم إلى المعسكر ، هو أنني كنتُ يوما ما نحّاتاً) (ص 127) ، وأنّه قد تحوّل الآن – تحت القصف – إلى نحت مناضد الرمل العسكرية . كما تُعلمنا ، بحركة تلقائية منسابة ، بأن فناننا مسيحيّ من خلال الصليب المعلّق برقبته .
بعد هذا اللقاء في تلك الأمسية التي أضافت جديداً إلى حياتها الرتيبة بأيامها الثقيلة ، دخل متغيّر فاجع جديد في مسار هذه الحياة المثيرة للتبلّد والإكتئاب أصلاً . لقد أصيبت أمّها بسرطان الثدي ، وصار لزاماً أن تجري عملية لاستئصال ثديها الأيسر . لم تتح لها الحرب وبطء الإجراءات الذي تفرضه أن تجري العملية في الخارج . ومن المتوقّع أنّ فتاة مرّت بتلك العلاقة المتوترة مع أمّها ، وكانت “منحازة” إلى جبهة أبيها في صراعات علاقتهما المتوترة دائماً ، أن تتضاعف ردودها “الإنفصالية” خصوصاً وهي تواجه “فقداناً” مضافاً شديد الوطأة لأنه يعني الآن فقدان الأنوثة ، وما يثيره من مشاعر بالنقص وبالتهديدات الكامنة بالهجران وفقدان الدور والإعتبار الذاتي . كل ذلك يجري تحت الظلال القاتمة والخانقة لسماء حرب ماحقة تهدر عجلتها الطاحنة ليل نهار بلا هوادة . ومسكينة الراوية – ينطبق عليها وصف “البطل” الروائي بدقّة – تخوض حرباً “داخلية” لا تقل شراسة عن الحرب الخارجية .
ومن الطبيعي أن يبحث الطائر الإنساني الذي تُقطع ذراع من ذراعيه النفسيتين عن كائن آخر يستند إليه خصوصا عندما تكون لدى هذا الكائن حاجة مقابلة مماثلة . والراوية والفنان “سليم” هما طائران قصقصت الضغوط القاهرة أجنحتهما ، الراوية برحيل الأب ، ومحنة الأم الصحّية المدمّرة ، والفنان سليم – الذي لم يكن سليماً – بالحرب حيث مَسْخ الموهبة ومعاشرة الموت . ولكن الأهم هو المشتركات النفسية العميقة التي تحكمها مكبوتات اللاشعور .
لقد كان الإرتباط العاطفي – من الجانبين – سريعاً ، بل لحظيّاً ، بلا زمن تمهيدي أو تجارب تكشف نقاط الللقاء والخلاف عادة . ها هو سليم في لقائهما يأخذها بين ذراعيه :
(أطبق بذراعيه القويتين حولي ، ابتلعتني بنيته الدافئة ، لا يتوقف عن استنشاق عطري ، يلتهم نظراتي ، تُفصح عن خيط من فضول ومفاجأة لطريقة استقباله لي في الممر) (ص 131) .
كل حساب شعوري ممنطِق لعوامل الجذب بينهما سوف يُفسد تلك اللحظات الدافئة والبكر بالنسبة للراوية – “صغيرته” كما كان يسمّيها ومن المؤكّد أنها تفضّل هذا النداء هي الباحثة عن الأنموذج الأبوي الضائع – . لقد قرّر اللاشعور .. وكفى .. وقرارات اللاشعور قاهرة ومستبدة لها “منطقها” الخاص الذي يتعالى على أي منطق مهما كانت عقلانيته . لقد سعت إلى لقائه في شقّته مشفوعة بتبرير : (كان سيلتحق بالجبهة قريباً . قرّر أن يخصّني بالوداع) ، هي التي اعتادت على رحيل الأحبّة من دون أي تهيئة أو وداع . ثم التحمت به في الشقة بتبرير لا يفهمه إلّا “عقل” اللاشعور :
(قرأتُ ذعر الخطوط الأمامية في عينيه . شعر برعشة قلقي من حالة اللقاء السريع قبل التحاق مجهول . استوعب دهشتي ، فشدّني إليه أكثر قائلاً بابتسامة ، كأنّه يبرّر احتوائي :
– لا وقت لدينا للتعارف البطيء ) (ص 131) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أحمد شحيمط : الرواية العربية المعاصرة وأسئلة النقد .

يتحول الإبداع من الرواية والسرد إلى مجال النقد الأدبي، وإثارة تساؤلات عن واقع الرواية العربية …

| عباس محمد عمارة : شفة الأوركيد ديوان هايكو للشاعر علي محمد القيسي .

الشاعر والهايكست علي محمد القيسي في مجموعته الشعرية “شفة الاوركيد” يحرك بركة “باشو” الراكدة ويؤرخ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *