طلال حسن : قصص أطفال عراقية (1)

talal hasanمقدمة
بين ” حكاية ” ، وهي أول قصة للأطفال في العراق ، كتبها طالب مشتاق ، ونشرت في مجلة ” التلميذ العراقي ” عام ” 1922 ” ، وبين ما ينشر الآن في الصحف والمجلات العراقية ، قرابة تسعة عقود .
ورغم البدايات المشجعة ، والنمو العفوي وغير المدعوم ، في العقود اللاحقة ، إلا أن قصة الطفل في العراق ، بدأت بداية جديدة ، متميزة ، متطورة ، مع صدور مجلة ” مجلتي ” للأطفال عن وزارة الثقافة عام ” 1969 ” ، ثم صدور ” المزمار ” عام ” 1970 ” .
إن هاتين المجلتين المتميزتين ساهمتا مساهمة كبيرة في تطوير أدب الأطفال عامة ، وقصة الأطفال خاصة ، كما ساهمت في خلق جيل جديد من الكتاب والفنانين ، كانوا بحق رواداً في مجالاتهم ، ليس في العراق فقط ، وإنما في عموم الوطن العربي .
ولقد لعب بعض الأدباء والفنانين دوراً حيوياً متميزاً في تأسيس وتطوير أدب الأطفال وفنونه ، يأتي في مقدمتهم مالك المطلبي وفاروق سلوم ، والفنانون فيصل لعيبي وصلاح جياد وطالب مكي ومؤيد نعم ونبيل يوسف ، وتتالى المبدعون من الأجيال الشابة ، وقدموا الكثير في هذا المجال ، أذكر من بين القصاصين .. جعفر صادق محمد وفاروق يوسف وشفيق مهدي وحسن موسى وعبد الإله رؤوف وزهير رسام وميسلون هادي وندوة حسن وثريا عزيز ووجدان عباس .. وغيرهم كثير .
وبعد هذه العقود ، التي تقترب من الخمسة ، تباعد الكثير مما كتبه الرواد ، فرأيت أن أقدم للأجيال الجديدة من القراء ، وأدباء الأطفال الجدد ، وللأطفال أيضاً ، ” مختارات من قصة الأطفال ” في العراق ، اخترتها أساساً من مجلتي والمزمار والسلسلة القصصية ، التي صدرت منذ أواسط السبعينيات ، وما زالت تصدر ، عن دار ثقافة الأطفال في بغداد .

كعكة للجميع

قصة : انتصار عباس

child 1مرضت الفيلة مسعودة ، ولم تستطع أن تصنع كعكة عيد رأس السنة لصغارها الثلاثة وهم توتي وتوتي وتوتي .
خرج الصغار الثلاثة مع أصدقائهم صغار الغابة ، وهم حزانى على غير عادتهم .
عند أطراف الغابة ، ظل الصغار يلعبون ويمرحون ، سأل أرنوب الفيل توتي عن سبب حزنه ، أجابه بأسى : ماما مريضة ، ولم تستطع أن تصنع لنا كعكة عيد الميلاد.
صاح توتي الأخ الأكبر بغضب : أوه ، إن همك الوحيد هو الطعام ، فأنت لا تفكر في ماما المريضة .
قال توتي بحياء : لم أسبب إزعاجاً لماما ، وسأذهب لأكون بالقرب منها .
بقي الصغيران يلهوان مع باقي صغار الغابة ، في حين عاد توتي إلى أمه الفيلة مسعودة ، وقد نهضت من فراشها ، وأخذت تصنع لهم كعكة الميلاد .
صاح توتي : ماما ، لماذا لم تبقي في سريرك ؟
أجابت الفيلة مسعودة : كنت سأمرض أكثر لو لم أعمل لكم الكعكة .
ـ لا عليك يا أمي ، أنا أتيت لأساعدك .
عند المساء ، كان كلّ شيء جاهزاً ، لكنهم سمعوا لغطاً في الخارج ، رفعت ماما ” مسعودة ” الستارة عن النافذة، أوه ، ما هذا ؟
لقد حضر أصدقاء توتي وتوتي وتوتي مع أمهاتهم ، وكلّ منهم يحمل كعكة الميلاد ، وأقاموا مائدة كبيرة ، وأخذ الجميع يغنون ويرقصون فرحاً بميلاد السنة الجديدة .
عندما مرض الأسد

قصة : ثريا عزيز

لكم أن تتصوروا حال الغابة عندما يمرض ملكها الأسد ، كان جوها مشحوناً بالخوف والهلع بعد أن كثرت هجمات اللصوص ، وتمت سرقة كثير من بيوت الحيوانات . وفي اجتماع عاجل دعا إليه الأسد جميع الحيوانات ، لإيجاد حلّ سريع ينقذ الحيوانات من هذه المشكلة ، كانت الحيوانات تتهامس فيما بينها ، وتبدي آراءها .
thorya azizكان الأسد يرقد بهدوء على سريره الكبير ، اعتدل في جلسته ، وقال بوقار : ترى ما الذي تقترحونه لمواجهة هذا الخطر المحدق بنا ؟
رفعت الزرافة عنقها الطويل ، وقالت : أنا أطول الحيوانات قامة ، وأستطيع مراقبة قدوم الأعداء من بعيد قبل وصولهم .
شاركت البومة في النقاش قائلة : وأنا قوية البصر لاسيما عند حلول الظلام ، لا أنام ليلاً ، ولهذا سأطلق صيحات تحذير عند قدوم أي شرير .
شارك الدب والحمار والأرنب والسنجاب ، وهنا لاحظ الأسد أن النمر كان صامتاً كأنه فقد النطق ، فالتفت إليه ، وقال : وأنت يا صاحبي الشجاع ، ألا تجد ما تقوله لنا ؟
اعتدل النمر بقامته الرشيقة ، وفتح عينين تشعان ذكاء ، وقال : لقد قالت الحيوانات الكثير ، وبقي علينا الفعل .
ثم طلب السماح بمغادرة العرين .
وفي ليلة مقمرة ، استيقظت الحيوانات على صوت البومة وتحذيرها من قدوم الأشرار، واندفعت الحيوانات جميعاً ترص الصفوف لمواجهة الخطر المحدق بها . واشتبك الطرفان في معركة قوية ودافعت الحيوانات جميعاً بضراوة كبيرة عن الغابة بيتها الكبير السعيد ، وفي غمرة هذه المعركة سمعت النمر الذي كان يرقد على إحدى الأشجار الكبيرة ، وهو يزمجر بشدة . وقبل أن يعرف الأشرار مصدر هذا الصوت المخيف ، هجم النمر عليهم ، وهزمهم شرّ هزيمة .
وعندما أشرق الصباح ، كانت باقات من الزهر الجميلة تطوق عنق النمر الشجاع ، عندئذ طلب الأسد من النمر أن يقترب منه قائلاً له : لم أعد أخشى شيئاً على الغاية ، فالجميع أبناؤها ماداموا يعملون أكثر مما يتكلمون .
الثور المجنح

جمعة كنجي
بينما كان الثور يرعى في أحد الحقول ، خطرت له فكرة غريبة ، تمنى أن يكون ذكياً كالإنسان ، سريعاً كالطير ، قوياً كالأسد . وظلت هذه الفكرة تشغل باله طول اليوم . وفي المساء ، عندما عاد إلى حظيرته ، رأى رجلاً في الطريق ، فقال لنفسه ، لو أخبرت إنساناً بفكرتي ، فقد يساعدني على تحقيقها .
وهكذا توجه نحو الرجل ، وسأله : أيها الإنسان ، كيف أستطيع أن أكون مثلك ؟
نظر الرجل إلى الثور باستغراب ، فهذا الحيوان ذو الرقبة الغليظة ، والجسم الضخم ، يريد أن يكون ذكياً كالإنسان ، لن يستطيع أن يحقق له أمنيته ، وظن الرجل أن الثور يمزح ، فربت على ظهره ، وقال محاولاً إقناعه : يا صديقي الثور ، إن أمنيتك صعبة التحقق ، فلكي تصبح ذكياً كالإنسان ، ينبغي أن يكون لك رأس مثل رأس الإنسان ، وتذكر بأنه ليس بين البشر إنسان عاقل يتنازل عن رأسه لثور مثلك .
انزعج الثور ، ولوى رقبته الغليظة ، فبدا وكأنه غارق في تفكير عميق ، لن يصير ذكياً مثل الإنسان ، لأنه لن يحصل على رأس مثل رأس الإنسان ، ولكنه يتمنى أن يكون سريعاً مثل الطيور ، ماذا في ذلك ؟ ولعل الرجل يستطيع أن يساعده في تحقيق هذه الأمنية ، فقال الثور للرجل وهو يجتر : أريد أن أكون سريعاً مثل الطير ، أليس هذا ممكناً ؟
ضحك الرجل ، وهو يقول : كن عاقلاً يا صديقي الثور ، جسمك ثقيل ، ولا يصلح للطيران .
عندئذ قال الثور : إذا كان هذا أيضاً غير ممكن التحقيق ، فأنا أريد أن أكون قوياً كالأسد .
فرد الرجل قائلاً : أنت قوي فعلاً يا صديقي ، والناس يضربون المثل بقوتك ، ولكن لن تكون قوياً كالأسد ، فهو حيوان مفترس ، له مخالب حادة ، وأنت حيوان أليف ، تأكل الحشائش ، ولك أظلاف .
حزن الثور لأن الرجل لم يعرف كيف يحقق أمانيه ، ومضى بعيداً وهو في غاية الأسى . حطت على مؤخرته ذبابة ، فضربها بذيله وقتلها . وعندما كان يهمّ بعبور الجدول ، لحق به الرجل ، وهو يصيح بصوت عالي : يا صديقي الثور ، قف ، قف ، لقد وجدت الحل .
رقص الثور من شدة الفرح ، واستدار نحو الرجل ، وسأله : وما هو الحل يا صديقي الرجل ؟وهل سأصير حقاً ذكياً كالإنسان ، سريعاً كالطير ، قوياً كالأسد ؟
أجاب الرجل : بكل تأكيد .
ـ وكيف ؟
ـ جارنا نحات ، وبإمكانه أن ينحت لك ما تريد من الحجر .
رضي الثور بفكرة الرجل ، ومضى معه إلى بيت النحات . وعندما عرض عليه الثور فكرته ، فرح بها النحات كثيراً وطلب منه أن يقيم معه في بيته ، وانكب النحات على العمل ، فنحت للثور رأس إنسان ، وصنع له جناحي طير ، ومخالب أسد ، فتحول إلى ثور مجنح.
ومضت قرون عديدة ، ظل الثور المجنح خلالها رابضاً في بيت النحات ، ثم طار عبر الزمن ليحل بين الناس في وقتنا هذا . وتعجب كثيرون من رأسه الصخري ، الذي يشبه رأس إنسان ، ولكن الثور كان ذكياً ـ برغم رأسه الصخري ـ وعرف كيف يتحدث للناس عن الماضي السحيق ، وازدادت دهشتهم أكثر حين عرفوا أن هذا الثور الشجاع ظلّ رابضاً يحرس أبواب المدن العراقية القديمة منذ آلاف السنين ولحد الآن .

الكلب الذي نسي صوته

قصة : جعفر صادق محمد

بينما كان الكلب جالساً ذات يوم سمع الديك ينادي بصوته : كوكو ريكو ..
فأعجب الكلب بصوت الديك ، وقال في نفسه : ما أجمل صوت الديك ..!
وطرأت على ذهن الكلب فكرة نفذها على الفور وقرّر أن يصيح مثلما يصيح الديك .. نفخ الكلب صدره وصاح بأعلى صوته : كوكو ريكو ..
وبعد قليل مرّت قربه القطة .. فسّلمت عليه قائلة :
ـ ميو .. ميو .. صباح الخير .
فردّ عليها الكلب قائلاً .. كوكو ريكو .
لم تصدق القطة عينيها وقالت : ماذا أرى هل هذا ديك أم كلب ؟
ذهبت القطة بينما بقي الكلب يردّد في نفسه : ميو .. ميو .. صوت القطة أجمل من صوت الديك . ومنذ الآن يجب أن يكون صوتي مثل صوت القطة .
فأنطلق في الشارع وهو يصيح بأعلى صوته .. ميو .. ميو ..
وحينما سمعه الفأر . خاف وهرب .. فناداه الكلب قائلاً : أوه .. لا تخف يا عزيزي .. أنا لست قطة ولكنني معجب بصوتها فقط .
فقال الفأر : ويص .. ويص لقد سبّبت لي الخوف يا صديقي ..
فتمايل الكلب طرباً وقال : آه .. ما أجمل صوتك ؟ إنه أجمل من صوت القطة .. سأترك صوت القطة وأتكلم بلغة الويص .. ويص .. الجميلة .
ومرّت ساعات والكلب يتكلم بلغة الويص ويص .. يسلم بها على الآخرين ويتجادل معهم حتى قابله صديقه الخروف وقال له : ماع .. ماع .. ماذا عملت بنفسك يا صديقي .. ؟
فأجاب الكلب : لقد مللت صوتي وأحببت صوت الفأر لذلك تراني أوصوص ويص .. ويص ..ولكن مهلاً .. يبدو أن لغتك أجمل .. ما أجمل المعمعة .. سأمعمع مثلك..
انطلق الكلب فرحاً وهو يصيح .. ماع .. ماع
فناداه الخروف قائلاً : انتظر لحظة .. أعتقد أن صوتك الأصلي هو الأجمل .. توقف الكلب وأخذ يفكر في نفسه : ربما يكون كلامه صحيحاً .
ولكن المشكلة أنه نسي صوته .. حاول أن يتذكر بأية لغة كان يتكلم وكل الذي يتذكره الآن كلمة ماع .. ماع .
وجلس الكلب محتاراً .. يريد أن يتذكر صوته .. وبعد قليل مرّ به كلب آخر أسود اللون .. فحيّاه الكلب الأسود قائلاً : هاو .. هاو
أعجب الكلب بصوت صديقه الكلب الأسود وقال له : إن صوتك أجمل من صوت الخروف .
فأنطلق يعدو وهو يصيح .. هاو .. هاو ..
ولم يعرف الكلب حتى هذه اللحظة .. كيف نسي صوته .. وكيف استعاده ولكنه منذ ذلك الوقت عرف أن لغة الهاو هاو أجمل لغات الحيوانات .
الفيل الأخضر

قصة : جليل خزعل

jalil khazalذات صباح جميل ، خرج الفيل الصغير ليتنزه قليلاً في الغابة ، فتأمل الأشجار الخضر والعشب الأخضر ، وشاهد بعض الحشرات الخضر الصغيرة ، وكانت بعض الضفادع الخضر تقفز بين أقدامه بين لحظة وأخرى . مرت بقربه سحلية خضراء فحيته ، وردّ على تحيتها بتحية مماثلة ، كما سمع نداء الببغاء الأخضر فحياه وابتسم له .
واصل الفيل سيره في الغابة ، وقد لفت انتباهه أن اللون الأخضر هو السائد في الغابة . وأخذ يتساءل في نفسه ، لماذا اكتسبت هذه الأحياء اللون الأخضر ، وأنا لوني رمادي ، وظل يفكر في هذا الأمر طول الطريق .
وفجأة رأى بركة ماء آسن خضراء اللون ، اقترب منها ورمى نفسه فيها ليصبح أخضر اللون .
وعندما خرج كان شكله مثيراً للسخرية ، اجتمعت الحيوانات حوله ، رأته على هذه الحالة ، وأخذت تتندر عليه ، بعدئذ جرى مسرعاً وسحب كمية من ماء النهر بخرطومه الطويل ورشه على جسمه ليعود إلى لونه الطبيعي ، وهو يقول في نفسه : خير لي أن أبقى رمادي اللون من أن أكون سخرية لبقية الحيوانات .

نجاح صديقة الأزهار

قصة : حسب الله يحيى

hasaballah yahiaجلست نجاح في حديقة المنزل سرها المنظر فابتسمت للأزهار .
صفقت للأزهار الملونة فطارت العصافير ، ولم يبقَ منها عصفور .
حزنت نجاح لذهاب العصافير التي كانت تحبها ولم تفكر أن تخيفها .
عادت نجاح تتأمل الحديقة والأزهار .
نجاح تفكر بالأزهار وتحاول الاقتراب منها .
حاولت أن تقطف وردة فوخزتها الإبرة التي في الغصن.
لكن الأزهار ، وجدت نجاح بنتاً نظيفة جميلة رقيقة ، فاقتربت منها وأحاطتها بالحب والحنان .
سُرت نجاح بالأزهار فاتخذتهن صديقات لطيفات لها .
آه .. ما أجملَ الزهور !! وما أحلى أن نكون أصدقاء !! نفرح ونضحك معاً .
وتفتحت الأزهار أكثر و أكثر وعادت العصافير .. ففرحت نجاح أكثر وأكثر و أكثر .. حتى صارت تتمايل مع الزهور كلُ صباح وتغني مع العصافير .

السمكة الذهبية

قصة : حسن موسى

كانت الأسماك الصغيرة تسبح تجاه الفوهة الواسعة التي تندفع منها الروائح الطيبة ، فوهة واسعة ، عميقة كهوة ليس لها قاع . تفيض روائح طيبة ، تنتشر حتى تغطي مساحات واسعة من مياه البحر العظيم الأزرق .
hasan mosaكانت الأسماك تندفع وتتدافع ، حالة من التسابق عنيفة وقوية . أسماك صغيرة ، فضية ومُلونة جميلة وحالمة . ساكنة وسابحة . تركت كل شيء واندفعت تجاه الهوة الطيبة العطر .
غير أن سمكة . شابة . ذهبية اللون . صافية الصدفات . رشيقة الحركة . وقفت أمام الجميع .. بين الأسماك المندفعة . المتسابقة . المتلاحقة . والفوهة المفتوحة . العطرة . الغريبة . وصاحت بأعلى صوتها : ” توقفوا ”
التفتت إليها سمكات .. وتوقفت سمكات أخر عن الحركة. واستدارت لتعرف مصدر الصوت . ولتسأل عن السبب.
غير أن الجمع الأكبر ظلّ يتدافع ، كأن قوة سحرية تدعوه إلى عالم سحري مجهول .
صاحت السمكة الذهبية مرة أخرى ، بصوت أقوى : توقفوا ، أنتم تندفعون في طريق الهلاك !
سمعت بعض الأسماك هذه النصيحة ، التفتت ثم مضت…
لكن جماعة أخرى توقفت ، واقتربت من السمكة الذهبية. غير أن حُمى الاندفاع مضت بالجمع الأكبر نحو الفوهة والعطر .
كان الماء يندفع في جوف الفوهة ، وتندفع إليه أسماك صغيرة ، متسابقة ، غير ملتفتة .. وحيث تغوص في الجوف المظلم ، تضيع ، ولا تخرج ثانية أبداً .
حاولت السمكة الذهبية أن تنقذ ما تبقى من الأسماك .
وحين وجدت نفسها غير قادرة على ذلك ، صرخت صرختها : هذه الفوهة ، فم الحوت القاتل .
كانت الصرخة ، هذه المرة ، حادّة وقوية .
وكان الصوت أشبه بصدمة شديدة ، تذهل ، وتحير .
ثم جاء الصوت ثانية : احذروا الحوت ، إنه خلف العطر.
توقف جمع كبير من الأسماك . وتراجع جمع آخر .. وحاولت أسماك كثيرة الابتعاد عن طريق الهوة . لكن كثيراً من الأسماك أيضاً ظلت تندفع .. وتتدافع .. وتغوص في الفم المفتوح ، الذي يوزع العطر والهلاك .

البقرة الصفراء

قصة : حنون مجيد

hanoon 2كلما تذكرت ذلك اليوم شعرت بالهلع والاستغراب .. فهل يعقل أن تنقذ بقرة حياة طفل ؟ .. أن تعبر به النهر حتى شاطئ الأمان ؟
هذا ما حدث حقيقة حينما كنت طفلاً وعمري تسعة أعوام.
كان الوقت صيفاً .. وحينما حل الصباح تناولت عصاي القصيرة وسرّحت بقرتي الصفراء في المراعي .
هناك التقيت بعض الأصدقاء الذين جاءوا يسرحون أبقارهم مثلي .. تركنا أبقارنا تسرح وأخذنا نلعب أو نتبادل القصص والحكايات .
لم نكن نعلم أن أبقارنا دخلت حقول الزرع وأكلت أو أتلفت المحصولات .. فجأة سمعنا أصوات الفلاحين تتوعدنا ، وهم يتقدمون منا ومن أبقارنا .
كان غضبهم عنيفاً وهم يرفعون مناجلهم بأيديهم ، لكي يقطعوا بها ذيول أبقارنا عقاباً لها ولنا .
وتسابقوا نحو أبقارنا قبل أن تصلها مناجل الفلاحين ، وعدنا بها هاربين .لقد كان خوفنا كبيراً فتفرقنا كلّ إلى جهة . وحين التفت وجدت نفسي وحيداً مع بقرتي وورائي أحد الفلاحين وهو يلوح لي بالمنجل المخيف .
ولم يكن أمامي غير النهر ، ولا أدري كيف اندفعنا أنا وبقرتي في عمق النهر .
ولم أكن أعرف السباحة جيداً حينذاك والنهر واسع ومخيف ودواماته تلف وتدور .. وانغمر جسد البقرة كله في الماء لم يظهر منها إلا رأسها الذي رفعته عالياً .
وقبل أن تأخذني الرهبة ، وتلفني دوامات الماء وتغوص بي بعيداً في الأعماق ، امتدت يداي نحو ذيل البقرة وتعلقت به .
راحت البقرة تقاوم تيرات الماء العنيفة ، وهي ترتفع وتهبط بها .. بل راحت تناضل بكل قوتها ، لكي تنقذ نفسها ، وتنقذ الطفل الذي يتعلق بذيلها الذي هو أنا .
ولم تمر عدة دقائق حتى كانت تخترق وتجتاز دوامات النهر المخيفة وتصل الشاطىء الآخر بأمان ، إنها البقرة الصفراء ، بقرتي التي ما زلت أتذكر صورتها الجميلة حتى الآن .
العصفور والجرادة

قصة : حميد حسن

رأى العصفور جرادة ، تأكل الزرع بشراهة ، اقترب منها وسألها : لماذا تأكلين الزرع الذي تعب الإنسان في زرعه .
أجابته الجرادة : لأنني جائعة .
قال العصفور مرة ثانية : بإمكانك أن تأكلي من الأدغال والحشائش البرية حتى تشبعي .استمرت الجرادة تلتهم الزرع ، ولم تهتم لقول العصفور ، واكتفت بالقول : إنني آكل ما يعجبني ! دعني وشأني .
قال لها العصفور : عملك هذا يضر بالآخرين .
أجابته : وما علاقتي بالآخرين ؟
صاح بها العصفور : إن هذا الزرع زرعهم .
لم تبال الجرادة بصياح العصفور ، فقالت : شيء غير مهم ، فليزرعوا غيره .
سألها العصفور مرة أخرى : حتى لو زرع الناس زرعاً غيره فلن تتركيه أنت وجماعتك .
نظرت إليه الجرادة بغضب وأجابت : المهم أن آكل .. أن التهم .. أن أملا معدتي ، ليس المهم لدي أن يتعب الفلاح ، وأن يتضرر الزرع .
نظر إليها العصفور ، وأجاب بسرعة : أنا أيضاً حوصلتي فارغة ، ومنذ الأمس ، مازالت فراخي تنتظر طعاماً .
وقبل أن تنطق الجرادة بحرف ، أطبق عليها العصفور بمنقاره ، وطار متجهاً إلى عشه .

شاهد أيضاً

طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (18/القسم الأخير))

الديناصور 1 ــــــــــ عادت الديناصورة العشبية إلى وكرها ، عند غروب الشمس ، بعد أن …

طلال حسن: عصر الديناصورات (قصص للأطفال) (17)

ديناصور وديناصورة 1 ــــــــــ ككل صباح ، تأهبا للذهاب إلى المروج لتناول طعامهما من الأعشاب …

غانم عزيز العقيدي: دلامـــــة والخائن طوكان (قصص قصــيرة) (1)

دلامة والخائن طوكان بسبب كبر سنه وتعرضه الى الخسارة في عديد من المرات التي كان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *