الرئيسية » ملفات » محمود سعيد : إن من البيان لسحراً .. قراءة في خمس قصص لناطق خلوصي (ملف/11)

محمود سعيد : إن من البيان لسحراً .. قراءة في خمس قصص لناطق خلوصي (ملف/11)

mahmood saeed 7إشارة : هذا الملف الذي تقدمه أسرة موقع الناقد العراقي عن القاص والروائي والناقد والمترجم المبدع الأستاذ “ناطق خلوصي” يحتفي بتجربة عريضة وثرة تمتد على مساحة أكثر من نصف قرن من العطاء المتواصل في حقول إبداعية متنوّعة أغنى بها خلوصي المكتبة العراقية بالعديد من النتاجات التي تستحق التقدير والإحتفاء .

المقالة :
بين يديّ خمس قصص للكاتب العراقي ناطق خلوصي. أثار ناطق اهتمامي منذ مدة طويلة، قرأت له في غير مجلة وجريدة وبخاصة الآداب، والزمان، ولا أخفي سرّاً حينما أعترف بأنّ الاتجاه الواقعيَّ في الكتابة يعجبني، وهو ما يمتاز به ناطق بجدارة، إن مقدرة الأديب على تصوير الواقع بدقة فنية شيء مهم، لكن ما يوازيه في الاهتمام هو تمكنّه من الأدوات اللازمة للوصول إلى هذا الهدف، ولعل سرّ نجاح قصص ناطق في نظري يعود إلى أنه يمتلك قدراً كبيراً من الوعي الاجتماعيّ الذي يخولّه التقاط الموضوعات الجديرة بالكتابة من الواقع العراقي، وتحليل تلك الموضوعات، ثم اختيار الشخصيات اختياراً موفقاً إضافة إلى رشاقة الأسلوب وانسيابه. أي أن أدوات السرد عند ناطق جيدة، وهو قادر على الوصول بنا إلى الغاية المرجوة من العمل، ولذا فلا يخامرني الشك وأنا أدور بدوامة من سحر كلماته أنني سأجد ما أبغي وهو المتعة في قراءة شيء رفيع، فلقد كثر الكتـّاب، لكن لن تجد كتابة جيدة تشتهيها، وكثر المبدعون، لكن هبوط الإبداع يفقأ عينيك، وكثرت الألقاب لكن هناك قلة تستأهل بعضها لا كلها.
فقط أولى القصص الخمسة قصة (شجرة الأب) سياسية، تتكلم عن صمود رجل على مبادئه، صمود ذي مبدأ، لقي صاحبه من جرائه إبعاداً قسريّاً على شكل منفىً بعيد لا يستطيع فيه أن يرى عائلته إلا مرة بين فترة وأخرى، لكن روعة القص عند ناطق جعلته لا يشير بأي كلمة إلى مبادئ الشخص، ولا إلى اتجاهاته، ولا انتمائه الحزبي. كل ذلك بقي رهن الحدس والتخمين والكتمان، ويبدو أن زمن القصة كان قبل الاحتلال، لكنه غير مذكور قط، فقد كان النفي والإبعاد من سمات عقوبات وممارسات النظام السابق الديكتاتوري . كلمتان باح بهما الأب لابنه دلتنا على طبيعة السياسي الذي كان! (لا اساوم). تلك الكلمتان كافيتان.
أحببت هذه القصة كثيراً لأني وجدت في ذلك الرجل الذي تكلم عنه ناطق شيئاً مني، كانوا لا يدعوني أستقر في مكان عمل، اُعتقلت مدة طويلة، وجرى نقلي إلى أربع ثانويات في البصرة، وحقق معي الأمن نحو ست مرات لتقارير كُـتبت عني من قبل طلاب أدرّسهم، ولو لم أتدارك الأمر فأُحيل نفسي إلى وظيفة كتابيّة، ومن ثم إلى التقاعد لجـُننت أو لأنتحرت لأن ما تعرضتْ له عائلتي وأطفالي يفوق الوصف، كلّ ذلك تمّ في آخر سنتين قضيتها كمدرّس، أما الآن فأنا أحمد الله لبقائي حيّاً، إذ أني لو كنت في عراق ما بعد الاحتلال لقضي علي بالتأكيد. إنني أشكر ناطق خلوصي لهذا natek 4الموضوع الممتاز الذي اختاره كقصة قصيرة، فقد هزني كثيراً، وودت أن أكتب عن موضوع شبيه لكن عندي أربع مشاريع ناقصة تدفعني لتكملتها، منهما مشروعان منتهيان يحتاجان إلى تغيير بعض الأشياء فقط، ومنهما مشروعان في بدايتيهما أرى أن أتخذ قراراً بإتلافهما أو إنهائهما، وأنا في الواحدة والسبعين، وغير واثق من صحتي لأعيش في الأقل أربع سنوات أخرى لأتمم مشاريعي، ثم أبدأ برواية تتناول مثل هذا الموضوع الرائع، لكن بذرة الرواية غُرست في داخلي كشجرة القصة ولا يستطيع شيء اقتلاع جذورها إلا الموت.
شجرة الأب، قصة سياسيّة فكريّة، من طراز القصص العقليّة الموحية، التقط ناطق خلوصي هيكلها العظمي من حوادث الحياة في النظام السابق، والهيكل العظمي أي هيكل مخيف، مرعب صادم إن بقي عظاماً جرداء، لكن الخبير يستطيع جعله مقبولاً عندما يزرقه بروح الحياة، وهذا ما فعله ناطق خلوصي، فقد كسا الهيكل العظمي بأحداث وحركات وحوار فبات جسداً حياً، لحماً وجلداً وأطرافاً وتقاطيع موحية.
إن تلخيص هذه القصة يسيء إليها، فعلى من يتتبع الأدب الجاد عليه قراءتها.
القصة الثانية (في ظل أمل)
وهي قصة أم تنتظر ابنها الوحيد في بيت عراقي، وأظنها أحدث القصص التي كتبها ناطق، ولأنه لا يضع النقاط على الحروف . ولعل الكثير من العائلات العراقيات عانت وضعاً مثل هذا، فنحن نستطيع أن نشاهد أماً كهذه في أي بيت. إنها أمّ مستفزَّة قلقة محطمة الأعصاب، لم لا؟ أي امرأة مثلها سيكون لها الشعور نفسه لا محالة، فابنها (لم يعد حتى الآن. هذه هي الليلة الخامسة التي يغيب فيها عنها . سمعها متوفّز لالتقاط أيّة نأمة ، أيّة حركة، ومشدود الى الهاتف النقال بعد أن خرس صوت الهاتف الأرضيّ منذ زمن .) خمسة أيام أليست كافية لتطيح بقوى أمٍ وحيدة ليس لها سوى ابنها، كيف تزجي الوقت مثل هذه المرأة الوحيدة؟ لا تمر دقيقة ولا ثانية إلا بتذكر ابنها، حركاته! وأقواله: ” إن ّ الخوف لا يعرف طريقه الى القلوب العامرة بالإيمان ”
من هذه الجملة نستنتج أن ابنها ربما كان من معارضي الاحتلال ، لكننا عندما نخترق قلب الأم نراها تتعاطف مع الإنسان كإنسان، ليس مع طرف معين، حتى مع الجندي الأمريكي: في النهارات، ترى الدبابات و( الهمرات ) تجوب الشوارع والأزقة بحركة نزقة، أو ترى الجنود الغرباء يجوسون الأمكنة في أوقات مختلفة، يمرون بوجوههم: المتوردة منها والفاحمة، وكأنهم يمشطون الأمكنة بعيونهم المترصدة وفوهات بنادقهم المتربصة. تهمس لنفسها وهي تراهم ” لماذا جئتم الينا من تلك الأصقاع البعيدة، اجتزتم البحار والمحيطات وأنتم تعرفون أن لا خيار أمامكم سوى: أن تميتوا أو أن تموتوا، وكلا الخيارين علقم ؟” وهي لا تنكر أمام ابنها أنها تتعاطف معهم:” لاتنكر انها تعطف عليهم أحيانا ً أو ترثي لحالهم فهم في ريعان الشباب: في سن ابنها أو أكبر منه قليلا ًوربما أصغر منه. لماذا يكونون طعما ًرخيصا ً يُقحم في شباك الموت؟ لا تشك في أنهم تركوا وراءهم أمهات وزوجات أو حبيبات وخبـّأوا في صدورهم أحلاما ً. ومع ذلك فالوقت طويل. كيف ينقضي؟ تضطرب، تفتح الغرف، تنير الضوء، تنتظر حتى الفجر، لا يهمها متى تنام، تنزل إلى الطابق الأسفل، ترتج قواها العقلية تصعد إلى الطابق الأعلى، تنزل إلى الأسفل، لا تعرف ماذا تفعل، تبكي، تكاد تجن، لكنها قوية، تتمالك نفسها، تزيح: ستارة النافذة على سعتها وكأنها تفتحها على عالم رحب ، وما لبثت أن لاذت ساكنة ً في ظل أمل !
استطاع ناطق أن يصور بذكاء ومقدرة فذة اضطراب امرأة على صفيح ساخن في بلد يحترق بالنار، ولا صوت فيه إلا صوت المدافع والرصاص والموت.
القصص الثلاث المتبقية: هي سور الليل، ورائحة الماضي، ووسط الظلام، والقصص الثلاث قصص رائعة عن ضحايا الحروب المستمرة،والعدوان الأجنبي، والنار التي تحرق العراق والتي بدأت ولم تنتهِ، كل هذا جعل قدر المرأة والأطفال الأبرياء هو ممارسة ومعاناة البغاء والتشرد وانعدام الكرامة، ففي كل قصة ضحيتان أو أكثر، أحدى الضحيتين رجل مشوه، بدناً وروحاً، وأمراة كانت شريفة يوماً لكنها أصبحت ضحية دفعتها المآسي كي تبيع شرفها لتطعم الأفواه الجائعة الذليلة. القصة (رائحة الماضي) عن امرأة قضت حياتها كلها هاربة من سكين عائلة تبحث عنها لتقتلها غسلاً للعار، حتى إذ توقفت عن الهرب واجهت حقيقة أنها أصبحت عجوزاً، أدركت أنها قضت حياتها كلها وهي جائعة، وعندما يلوح لها شخص أحبته في الماضي ويقدّم لها جرعة أخرى من القهوة لتشربها لا تستطيع أن تقول له أنها جائعة و: إنها شربت ما في الفنجان الأول على معدة خاوية! وحينما يأخذها لبيت ابنته وتحسّ بالإطمئنان كان أولّ شيء تفعله هو أن (تتجه إلى إناء على خوان وتمد يدها وتلتقط فخذ دجاجة محمّرا ً وتبدا بالتهامه وكأنها لم تتذوق طعم اللحم منذ زمن سحيق.)
أما قصة (وسط الظلام) فهي عن أكثر من ضحية مثيلة، شابة جميلة يقتل زوجها الشاب قبل أشهر، فلا تجد سوى طريق الذل، ولعل التوقف عند قصة سور الليل يلقي الضوء على القصتين الأخريين، ليكشف كيف استطاع الاحتلال أن يدفع الشعب إلى منحدر لا ينتهي إلا بالوصول إلى الدرك الأسفل.
سور الليل عنوان موفق، فما أن تقرأه حتى يتبادر إلى ذهنك أنك ستقتحم مع الكاتب سور ظلام هائلاً لتشارك في مؤامرة سياسية، أو في عملية وحشية تخلف جريمة كبرى، فالجرائم الصغرى لا ترتكب في الظلام. من الكلمتين الأوليين شدّ الكاتب انتباهك إلى ما سيجري، حسناً، استمر، امشِ مع الكاتب، تراه يتكلم عن شخص يقود سيارة، لكنه لم يكن حراً، فهو يخضع لإيعازات “الآخر” وأنت لا تعرف الشخص، ولا تعرف الآخر، هل يضعك الكاتب في إطار أحداث بوليسية؟ إن أحسست بهذا الشعور فأنت معذور، فالليل والظلام وأوامر الآخر و(سماء رمادية تظلل صفحة مساء خريفي موحش) يجبر الشخص أن يكون في (يقظة حسية تجعله يراقب كل شيء من حوله و(قد ارتضى أن يقوم بهذه المغامرة بل سعى إليها في الواقع، من أجل أن يخترق عالما ًيختبىء وراء سور الليل) مكونات هذا الأسلوب أدوات بوليسية، وهي في حد ذاتها منمنمات تشويقية، لكن مجرى الأحداث يبدد جوّ الحبكة البوليسية، ويثير عندك الأمان إلى جانب الإثارة، يلي ذلك سرد جميل معبّق بغموض جميل مثير يصور حياة عائلة من خلال تصرف طفل صغير في حديثه مع أبيه، عندئذ نفهم سرّ لقاء الرجلين في البيت، ثم تتطور الأمور فتزيد شخوص القصة شخصاً مهماً وهو زوجة حسناء متبرجة، وحوار لاهث يفضي إلى فضح عملية لقاء متعة مؤقتة، حرص الكاتب أن يحيل حوادثها وملابساتها بإشارات ذكية إلى هوة الظروف الاجتماعية المعروفة التي أشرنا إليها سابقاً من حروب ودمار وحوادث شاذة، لم يعد من المهم الإفصاح عنها مطلقاً، فهي معروفة للداني والقاصي.
إن هذا الموضوع مطروق عند الكتاب العراقيين فهناك كمّ كبير من القصص تكلمت عنه، لكن ناطقاً أجاد في قصصه الثلاث، واستطاع أن يقدّم لنا نماذج متميزة بروحها الكلاسيكية القديمة المتجددة، وسردها الجميل الموحي، ففاق غيره لا بعضهم، بل جميعهم على الإطلاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *