الرئيسية » نقد » ادب » مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية “كم بدت السماء قريبة!!” لبتول الخضيري (4)

مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية “كم بدت السماء قريبة!!” لبتول الخضيري (4)

hussein sarmak د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – 1/10/2014
ومع حضور العلامات المُنذرة للمُثكل ، تسري حركة الحياة – بتخطيط من الأب – قُدُماً من خلال آلة البيانو التي جلبتها الأم لكي تبدأ البنت بتعلّم الموسيقى عصر كل يوم وسط تذمّرها الإبتدائي . لكن المثكل يسدّد ضربته الكبرى الساحقة التي سوف تمزّق الكيان النفسي للبنت ، وذلك بموت صديقتها الحبيبة “خدّوجة” المفاجىء بسبب مرض البلهارزيا الذي كان يفتك بالأطفال في تلك النواحي الريفية من العراق . إلّا أن سلوكا غريبا ومتناقضاً حصل لدى البنت كما يبدو لي ، ويثير الكثير من التساؤلات . لقد كان رد فعل البنت تجاه رحيل صديقتها غريباً بالنسبة لي . فقد جاء وصف استجابتها تجاه حالة الثكل هذه “شبه محايد” وبعين مُراقب عادي لديه من الطاقة على التخفّف من لطمة الفقدان وتقديم توصيفات مسترخية ومُرفّهة في مثل هذا الموقف القاسي . لقد ركضتْ خلف “حاتم” الذي دعاها للحضور بسرعة إلى بيت خدّوجة حيث واجهها صراخ مخيف يرج جدران الطين :
(ارتجف قلبي للأصوات . هُيّء لي أنني أميّز نبرة “دو” من “فا” و “صول” ! احترت في أمرهم . لا أحد يدلّني على فاجعة دلّة [= أم خدّوجة] حتى رفعتْ بصرها وصوّبته في اتجاهي . بياض مقلتيها فقد الحياة وبات كأنه شريحة من بيضة مسلوقة تحيط ببؤبؤ دامع . ولولتْ : “يمّه راحت بنيتي” . ارتخت مفاصلي وقد ادركتُ ما يحدث . لم تكن تلك اللفافة البيضاء الملقاة على الأرض بجانب أمّها غير خدّوجة . لا أذكر سوى أن يد أحدهم جرّتني بعيداً عن المشهد .
الموت وخدّوجة … أخفقتُ في الربط بينهما ! ) (ص 59) .
ولا يمكن تفسير ضحالة هذا الإنفعال بصدمة كبرى مثل صدمة الإنثكال بفقدان خدّوجة بغير فعل أوالية “الإنكار – Denial” – مع عوامل أخطر ستتضح لاحقاً – حيث لم تستطع النفس الصغيرة المضناة من همّ انكسار صورة الأب الحامية ، والرازخة تحت وطأة التهديد بغيابه ، من استيعاب حقيقة رحيل الصديقة الوحيدة والأثيرة التي تماهت معها بقوّة حدّ الإستدخال والإجتياف بتعابير التحليل النفسي (ولاحظ عبقرية اللغة العربية المظلومة فالتماهي من الجذر “موهَ” ؛ أماه الشيء بالشيء : خلطه ) ، وقد اختلطت روحا البنتين الصغيرتين حدّ التطابق ، وحدّ رسم البنت لسيرورة روايتها العائلية وفق أنموذج خدّوجة بحيث مثّلت عمليّة الفقدان “خلعاً” قاسياً لا يرحم لجزء من “أنا” البنت الصغيرة . عمليّة الخلع هذه التي وُوجهت بأوالية الإنكار المّربكة تضاعفت تأثيراتها المشوّشة من خلال المراوحة المؤلمة بين نظرتين حضاريتين للموت :
(شرحوا لي كيف أنّها تبوّلت دماء كثيرة في مياه السواقي مما أودى بحياتها . أمّي سارعتْ إلى عرضي على الطبيب . قال لي أبوها “كاظم” إن روحها صعدت عند ربّ العالمين ، وأمّي تؤكّد لي أنها أصبحت ملاكاً يرقص في السماء . ظللتُ اياماً أرجوها أن تنزل ، لكنها لم تفعل (..) موت خدّوجة ، وتردّي حالتك الصحّية ، حوّلاني إلى فتاة أخرى) (ص 60) .
batol 4وبخلاف ما قد يترشح في وجدان وعقل القارىء من توقّع عن هذا التحوّل وفق المسارات التقليدية المُعتادة ، فإنّ التحوّل المستتر عن الأعين التي تلاحق تحوّلات سطوح الأنفس ، كان خطيراً .. بل خطيراً جداً جداً ، وسوف يتحكّم بتشكيل البنى النفسية اللاشعورية العميقة في شخصية البنت حتى النهاية ، وكانت أول نُذُره هي آخر ذكرى لها عن الزعفرانية .. ذكرى طفلية ضاجّة ومُلذة ، لكنها “باردة” قياساً بما نتوقعه من استجابة روح انتُزعت منها “روحها” ؛ روح طفلة صارت قادرة على إدراك معنى الموت كرحيل نهائي لا رجعة منه ؛ طفلة تركض الآن مع باقي الأطفال الزاعقين والمهرولين خلف سيّارة المكافحة بلا أدنى علامات “ظاهرة” على الحداد والتأسّي الضروري لسلامتها النفسية :
(آخر ما أتذكره عن الزعفرانية هو الجمعة الأخيرة قبل تركنا المزرعة بشكل نهائي [= للإنتقال إلى المدينة حسب مقترح الطبيب بعد تصاعد كآبة الأب] . بدأ العصر بهدير مُحرّك يألفه أطفال المنطقة جميعاً .. صاحت المجموعة الأولى فينا : “هيه .. إجه أبو الدخان” .. تدب الأقدام الصغيرة لعشرات الأطفال .. يجرون خلف سيارة تنفث الدخان من مؤخرتها ..
نمضي بعناد لأجل لحظات مسروقة من تخبّط ونشوة اختفاء في الدخان . نتبعثر .. نمسح عيوننا ، وننفض ملابسنا موزّعين على الطريق بأحجامنا المختلفة ، وأطوالنا المتدرجة . ذلك اليوم لاحظتُ أنني كنتُ أطول فتيات المجموعة . من بعيد يأتيني صوت ماكنة ضخ الماء من النهر إلى بستان مجاور : طُبْ . طُبْ . طُبْ .) (ص 60) .
التحوّل المستتر في لاشعور هذه البنت في الموقف من الموت ؛ موت رفيقتها ، بل انخلاع أناها برحيل صديقتها الحبيبة ، وممثلة روايتها العائلية ، خدّوجة ، والنُذُر المُهدّدة بالفقدان الوشيك لأبيها الحامي المنعم الذي صار ملاذها الوحيد وسط الأزمة المشتعلة والمزمنة بين أبويها ، هو – كما قلتُ – العامل الأكبر الذي سوف يتحكّم بمسيرتها الحياتية ، واستجاباتها السلوكية الكبرى ، وسماتها الشخصية الباطنة الحاكمة ، طوال حياتها . وهذا ما سيتأجج فعلياً ، ويصبح أكثر تأثيراً في حياتها بعد انتقال العائلة إلى المدينة (بغداد / جانب الرصافة / الكرّادة) . هنا بدأ عمل الأم في فرع شركة الخطوط الللبنانية ببغداد ، واستمر عمل الأب في مشروعه ، والبنت في مدرستها وتعلّمها رقص الباليه والعزف على البيانو .
ومنذ بداية هذا الفصل تبدأ البنت برسم صورة لعادات كلٍّ من أبويها المنزلية وطقوسهما الحياتية التي تعكس نظرتين مختلفتين بل متناقضتين إلى الحياة وإلى سلّم أولوياتها . فالأب مازال يضفر جديلة ابنته ، في حين تنشغل الأم بشؤونها الذاتية .. هي ترعى بشرتها وجسمها بدقّة وهو يعصف في منديله : خ ، خ ، خ (ص 61) .. هو يوقد إصبع بخور كل جمعة ، وهي تشعل شمعة كل يوم أحد . ولعلّ أهم العلامات السلوكية التي قد نحسبها بسيطة هي أنّ الأم قرّرت قطع شجرة السدر التي تتوسّط حديقة المنزل وحرق بقاياها ، في حين كان الأب يؤكد لها أن حرق شجرة السدر نذير شؤم عند أهالي بغداد (ص 62) .. صراع بين عالمين حضاريين ، وبين ثقافتين متناقضتين ضاعفه تناقض الدورين اللذين اضطلع بهما كلّ منهما ، فالأب – وهذا متغيّر بالغ الأهمية والتأثير في سيكولوجية البنت – كانت انشغالاته العمليّة واليومية ذات طابع أمومي ، وهي أصلا من تخصّصات الأنوثة المباركة :
(أجدك في انتظاري في حديقة البيت ، تغرس أقلام ورد الجوري .. عندما أبدأ تمريناتي المسائية على البيانو أجدك في الحديقة ايضاً تخفّف من كثافة شجيرة الياس ) (ص 63) .. وله وجهة نظر غريبة في تدريب ابنته على الرقص إذ يعتبر الرقص “رجولة قادمة” ! (ص 63) بالرغم من أنّه اختصاص أنثوي عموما . وفوق ذلك – وكما أشرنا في أكثر من موضع – فقد كان الأب “حافظة أسرار” البنت وموئل تفريجها النفسي ، ومحطة استكانتها الروحية . أمّا الأم ، فقد كانت – كما قلنا سابقاً أيضاً – منهمّة بذاتها ، مهملةً شؤون ابنتها واحتياجاتها ، النفسية خصوصا ، وقد تجلى هذا في “صدمة” البلوغ لدى البنت ، ومشهد دماء العادة الشهرية الأولى . فحتى في هذا الموقف المخيف بالنسبة للبنت فكّر الأب في دخول غرفتها لإبداء العون – طبعا هو لا يعرف لماذا استدعت أمّها ! – ولم تكن الأم قد هيّأت ابنتها لاستقبال هذا التحوّل الصادم والمبارك :
kh batol(ناديتُ أمّي في ذلك الأسبوع ، رافضة بشدّة أن تدخل أنت غرفتي بدلاً منها . عندما حضرتْ بكل بياضها ، بكيتُ على فراشي ، فوضعت يدها تربّت رأسي مُحدثة ارتباكاً في لمعة شعري ! (علامة التعجّب منّي) ، أريتها اللباس القطني الأبيض تتوسّطه بقعة دم أرعبتني . ابتسمتْ بهدوء قتلني . أنا أموت وهي تبتسم … جلستْ ربع ساعة على طرف الفراش تشرح لي حقيقة أمري . أطول ربع ساعة في حياتي . ألم تمت خدّوجة بسبب دماء خرجت منها ؟ خشيتُ بعدها أن أكون هالكة كل شهر . لم أغفر لأمي لأنها ، نسيت أن تهيّئني ليوم هكذا) (ص 63) .
ولو تأملنا المقبوس السابق الذي تصف فيه البنت استجابة أمّها لمحنتها “الدامية” ، فسوف نلاحظ “انفلاتات” عدوانية من نفس البنت مموّهة بمكر اللغة تجاه الأم . فوسط محنتها التي ينبغي أن تتركّز كل حواسها ومداركها علي بؤرتها ، تشير إلى أن الأم دخلت “بكل بياضها” ، وأن تربيتتها على رأسها أربكت لمعة شعرها !! والبنت تشير إلى أنها لا تتذكر آخر مرّة غيّرت ملابسها في حضرة أمّها في حين أن هذه ممارسة عادية بين البنت وأمّها ! ثم تلك الإشارة المريرة إلى ابتسامة الأم القاتلة الهادئة ! وهنا يحصل الإنسراب الأول الذي يُظهر مقدار تاثير رحيل خدّوجة المكبوت في طيّات اللاشعور ، فهي تخشى أن تموت مثل خدّوجة بسبب خروج الدم منها . وسيرافقها هذا الخوف المؤرّق كل شهر في موعد الدورة الشهرية .
ويستبين عدوان البنت المكتوم على الأم حين تصل البنت ، وهي تقلّد مشية أمّها إلى المطبخ ، وتسألها عن الطبخة فترد “معكرونة” :
(أقول : معكرونة ! أراها مكبّلة بحبال معكرونة ، شعرها خيوط معكرونة ، ومن أذنيها تزحف ديدان معكرونة . تسلق عذاباتها في قدر ضغط .. العمل يأخذ أكثر وقتها) (ص 64) .
إنّ أخطر منافذ العدوان المبيّت هو المُزاح – ألهذا تحذّر منه كل الأديان ؟ – والخفّة اللعوب في التخييلات الصورية العابرة ، خصوصا تجاه الرموز “السلطوية” في حياتنا . إنّها تُمرّر الحفزات الساديّة تحت أغطية لا تلتفت إليها عين الضمير الراصدة المعاقبة التي لا تنام ، فهي “مجرّد” تخييل عابر ساحته الهزل واللاجدّية التي لا نُحاسب عليها . مثل ذلك نقوله ، ولكن بدرجة أكبر من الصرامة التحليلية ، عن الممارسة التي قامت بها البنت في ساعة ضجر مسائية ، وهي وحيدة في غرفتها وسط الحرّ والظلام بسبب انقطاع التيار الكهربائي . فقد سقطت بعوضة في قدح الشاي ، اصطادتها بقلمها ورمتها جانباً ثم شربت ما تبقى في القدح !. ثم اصطادت بعوضة ثانية وبدأت بتعذيبها ! لقد وضعتها أمامها فوق الكتاب ، وشرعت باقتطاع جناحيها ودهس نتوءاتها بطرف القلم :
(شعرتُ أنني أملكها . تُرى ، أنمتلك أحياء أخرى ثمّ نعذّبها ؟! أم نعذّبها أوّلاً ثم نشعر أننا نمتلكها ؟! ) (ص 69) .
إنّ عمليّة تقطيع البعوضة بحدّ ذاتها هو فعل عدواني سادي (4) لا غبار عليه أخذ شكل اللعب الخفيف الذي لا نُحاسب عليه عادةً . وقد يكون من الغريب على اذهان القرّاء العامين ، والمألوف بالنسبة للمحلّلين النفسانيين ، أن نقول بأنّ الأنموذج الأصل الذي مُثّل به شرّ تمثيل وقُطّعت أوصاله بلا رحمة من قبل البنت يكمن بعيداً في مجاهيل لاشعورها وظلماته ، وهو الأم . ولعلّ ما يؤكّد ذلك هو الإحساس الثقيل بالذنب الذي اجتاح كيان البنت لفعل أقدمت عليه بكل رغبة واندفاع ، والحاجة إلى التكفير التي تمظهرت في آليّة “نكوص – Regression” إلى ملاذات التفكير السحري “الشيطانية” كما وصفتها ، للإضطلاع بعملية “ترميم” و “إعادة خلق” غريبة للضحيّة ، لم تسعف البنت في إطفاء ذلك الإحساس المُمض ، فكانت صرختها المذعورة حين اصدمت الأشلاء الهشّة بوجهها :
(فجأة ، شعرتُ بالإثم تجاه هذا المخلوق . أشعرتني البعوضة بالخطيئة . ماذا لو عادت إليها الروح وانتقمت ؟! خفتُ ، ولأطرد خرافتي ، أعدتُ محاولة لصق الجناحين بالجسم ، وإعادة الرأس الناعم إلى مكانه . لم أكد أنتهي من تجربتي الشيطانية تلك على ضوء الشمعة ، حتى عاد التيار الكهربائي ، فجأة ، ليغذّي المروحة العمودية الواقفة أمامي . أطلقت هواءها باتجاهي لتقذف البعوضة بأجزائها المتقطّعة في وجهي . حدث ذلك في ظرف ثوان سبق استيعابي لما حدث . انتقمتْ البعوضة بصرختي المبحوحة “يمّه” ) (ص 69) .
وتُسقط تلك الحفزات الساديّة أحياناً على الحيوانات في صورة مخاوف لدى البنت من الخفاّش “اللعين” مثلاً ، وهذه مخاوف مدعمة بتصوّرات خرافية (يلتصق بالوجه ويمتص الدماء من العينين !) ، أو العدوان “الإستباقي” ضد السحلية القبيحة التي تقطع البنت “ذيلها الرطب الذي يتراقص وحيداً قرب حافة الباب) .. مثلما تنفلت دوافعنا تلك تجاه أبسط الكائنات التي نتلذّذ بتعذيبها (نملة كبيرة على شعيرات فرشاة اسنان البنت بدت لها سعيدة وهي تلعق مخلّفات معجون الأسنان ، نفضتُ الفرشاة ، فهوت المسكينة إلى حوض المغسلة ، فتحتُ الصنبور وأغرقتها مع الرغوة ! – ص 70) . وكلّما نزلت السلم متوجّهة إلى مائدة الفطور ، داست صرصراً أو خنفساء سوداء انقلبت على ظهرها طوال الليل : (تُحدث صوت تكسّر يابس تحت قدمي ، تلعب لوامسها الرقيقة حتى تنهرس . يأتي النمل ليحمل أجزاءها بامتنان ) (ص 71) .
إنّ اللغة بحدّ ذاتها هي واحدة من أشدّ منافذ وأدوات التعبير عن العدوان والتفريج عن شحناته المكبوتة ، مثلما يوفّر استخدامها “الشعري” منفذاً مُضافاً لذلك . وفي الوقت الذي نراقب “هوايات” و “طقوس” أطفالنا خصوصا في علاقتهم بالحيوانات التي هي رموز ممثلة لنا نحن الآباء ، علينا أن نراقب ونستمع بدقّة إلى ألفاظهم وكيفية استخدامهم لمفردات اللغة .. اللغة ماكرة .. ومثلما تكشف مفردة “بامتنان” عن الحفزات الساديّة ، فإن بإمكان مفردة بسيطة “محايدة” أخرى أن تكشف عن النزعات المحارميّة . جاء ذلك في الموقف الذي أعقب صدمة البلوغ وهي نقلة شديدة الخطورة والحساسية في علاقة البنت بأبيها ؛ الرجل الأول والأخير في حياة أي بنت . لقد أعلن لها الأب عن ضجره ذات مساء جمعة واقترح عليها أن يجلسا ويشربا فنجان قهوة . كانت تلك المرّة الأولى التي تشرب فيها القهوة ، وأول مرة تضع فيها ساقاً على ساق وتستمع . ثمّ بيّن لها قناعته بانها بدأت تنضج ، وأنّه يستطيع الإعتماد عليها (ص 64 و65) .
أهاج الأب مشاعر الإستقلالية والنماء والسيطرة في نفس ابنته ، وعاملها كامرأة صغيرة ، ومن المؤكّد أنّ وعي البنت ومداركها الشعورية تستقبل هذا الثناء والتقييم بمشاعر الفخر والغبطة ، ولكن للاشعور “مداركه” و “وعيه” الخاص و “منطقه” الذي يخرق أي منطق ، فهو يفكّر – دائما – بإشباع حفزاته المكبوتة من ناحية ، ويعبّر باستعاراته اللغوية المسمومة من ناحية أخرى ، ولهذا جاء المقطع الذي عبّرت فيه البنت عن مشاعرها تجاه هذا الثناء والمديح الأبوي في صورة خلطة عجيبة من حفزات إلكترا ، ونوازع الأوديب الصغير ، ومنافسة الأم ، ونهضة المشاعر النرجسية ، وتوجّسات قلق الإرتباط :
(لا أعلم إن كنتَ تكلمني أم تكلّم نفسك ، وأنتَ ترتشف القهوة التي حُرمتَ منها لفترة ، خفتُ من هذا الدرس الأول ، ودعْوَتُكَ لأن اشاركك تجاربك أشعرتني أن جديلتي نفد عمرها . يبدأ عالم لم أتخيّل أبداً أنني سأدخله معك ؛ عالم من حواس يختلف عن تلك التي نلتجيء إليها في قاعات الدرس والرقص . إنّه حيّزك ، هذا الذي تصفه أمّي بالدبق والفوضى . إنّه فضاء الرفوف التي تحيطنا من كل جانب ؛ أكياس ، أنابيب ، حاويات ، علب ، دوارق .. مطيّبات ، روائح وعطور) (ص 65) .
وتجتمع كل سبل الرجاء ، أخيراً ، في أمل وحيد للبنت يلوب في أحشاء العلاقة به وتتكفّل اللغة ، الآن ، باستخلاصه وتمويهه وتمريره حين تضع عطايا باب مرادها منه كإبداع في “حضنها” بدلاً من عقلها :
(تفتح لي باباً تدلّني على إبداع ، بدأ يكتمل عندك ، لتضعه في حضني) (ص 65) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *