ناطق خلوصي : تعدد المحاور السردية وسطوة المكان في رواية “ليل علي بابا الحزين”

natek 4ينشدّ المرء روحيا ً إلى المدينة الأم التي أبصر النور فيها أو عاش طفولته وصباه هناك ، واختزنت ذاكرته فيها صورا ً وذكريات لا تمحى ، تظل ترافقه مهما طال به الزمن ، ويلوذ بها عند الملمات ، أو ترجع به ذاكرته اليها حين يكون بعيدا ً عنها . انها تبسط سطوتها على مخيلته إذا كان مبدعا ً حقيقيا ً ــ روائيا ً بشكل خاص ــ عندما يكتب وتجد لها حضورا ً في كتاباته وتملي عليه الرجوع إلى الذاكرة وهو يفعل ذلك ، مثلما تملي علينا رواية ” ليل علي بابا الحزين ” لعبد الخالق الركابي أن نعتمدها نموذجا ً ، وهي الرواية التي دخلت القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية لعام 2013 ، وهذا انجاز كبير بحد ذاته ، وإن لم يتسن لها الوصول إلى القائمة القصيرة لسبب أو آخر .
صدرت هذه الرواية عن دار ومكتبة عدنان وتقع في 364 صفحة من القطع المتوسط ، وتتوزع على ثلاثة فصول يحمل كل منها عنوانا ً خاصا ً به : ” الخروج من المغارة ” و” افتح يا سمسم ” و ” كلمات كهرمانة الأخيرة ” ، لكن السرد يواصل امتداده متجاوزا ً هذه العنوانات التي لا تشكّل في الواقع مفاتيح منعطفات حاسمة في مسار الأحداث .
تنتظم الرواية أربعة محاور : المكان ورصد الواقع والتوثيق والمنحى السيَري ، وتتداخل هذه المحاور فيما بينها لتشكل بنية الرواية السردية بالاعتماد على يقظة الذاكرة وخزينها المتراكم ، ويظل المكان محورا ً أساسيا ً فيها حيث تفرض المدينة الأم هنا سطوة حضورها بشكل واضح مع ان بغداد ـ مكانا ً سرديا ً ثانيا ًـ تقاسمها هذا الحضور.
يطلق الروائي تسمية ” مدينة الأسلاف ” على مدينته ببعدها التاريخي بما يشي بامتداد جذوره العائلية فيها وبالعمق التاريخي للمدينة نفسها . ومدينة الأسلاف هذه انما هي مدينة ” بدرة ” التي ولد فيها الروائي وعاش شطرا ً من حياته هناك . ومع انه لا يذكر اسمها بشكل صريح على امتداد زمن الرواية ويستعيض عنه بـ ” مدينة الأسلاف ” ، فإنه يحدد مكانها جغرافيا ً ، ويتمثل ذلك في قول الراوي ( الذي هو الروائي نفسه حيث تتماهى شخصيته بشخصية الراوي ) : ” كانت مدينة الأسلاف شأنها شأن المدن والقصبات النائية المتاخمة للحدود الايرانية ، قد أضحت مقصد مئات الأسر النازحة بحثا ً عن أمان ” ( ص 45 ) ، وقول المهرب نجيب ( احدى شخصيات الرواية ) : ” إذ يكفي أن أجذف مجتازا ً بزورقي هذه البحيرة لأصبح خلال نصف ساعة في ايران ” ( ص 95 ) . ولأن الرواية تعتمد التوثيق عنصرا ً رئيسيا ً ، فإن الروائي يرجع إلى عدد من المصادر التاريخية بهذا الخصوص يثبتها في آخر الرواية . انه لم يجانب الحقيقة حين أكد على تاريخية مدينة الأسلاف ، فهذه المدينة التي تكاد تكون منسية انما هي ذات جذور سومرية وأكدية كما يؤكد السيد جمال بابان في الجزء الأول من كتابه ” اصول أسماء المدن والمواقع العراقية ” حيث يقول : ” يقع تل العقر على بعد كيلومترين من مدينة ( بلدة ) بدرة ، وتل العقر هذا هو خرائب بدرة القديمة التي كان اسمها في العهود السومرية والبابلية ( دير ) ” . انها إذن ” من مدن العراق القديمة ويرجع تاريخها إلى زمن السومريين والأكديين وان أصلها ( الديرة ) ثم أدخل الآراميون على الاسم ( ب ـ بيت ) فأصبح بدرة بمرور الزمن بعد حذف الياء أو ادغامه ، ومعناه القلعة أو الحصن وقد تكرر اطلاق هذا الاسم كثيرا ً في العراق القديم ” ( ص 50 وص 51 ) . لذلك فإن الروائي لم ينتحل تاريخا ً لمدينته وهو يتحدث عن بعثات التنقيب عن الآثار وإن كان قد أجرى مناقلة في المواقع وهو يشير إلى هذه البعثات لاسيما عند اشارته إلى ماكس مالوان بشكل خاص .
abdulkhalek 3يستهل الروائي روايته بقوله : ” يوم عدت بأسرتي إلى بغداد ــ بعد رحلة كابوسية إلى مدينة الأسلاف انتهت باعتقالي ــ فوجئت بالجيران يروون كلاما ً غريبا ً غير قابل للتصديق مفاده ان ” كهرمانة ” في نصبها القائم في الكرادة توقفت يوم التاسع من نيسان عن سكب الزيت في جرارها ، حيث شوهد أربعون لصا ً يثبون تباعا ً مغادرين تلك الجرار ليتوزعوا تحت جنح الظلام في شتى أحياء العاصمة” (ص 7 ) ، وكأن هذا الاستهال يقدم خلاصة للحدث الرئيسي في الرواية مثلما يؤكد منحاها التاريخي الذي يعتمد الربط بين الماضي والحاضر ، ويمكن أن يشير ، بمحموله الرمزي ، إلى المنحى الذي حكم الروائي في اختيار موضوعته مما يقودنا الى الجزم بان الأحداث التي صاحبت عملية الاحتلال الأمريكي للعراق شكلت دافعه الرئيسي لهذا الاختيار . فهو يقدم استقراءا ً لما حدث من خلال الرصد العياني الذي مارسه خلال أيام الحرب مثل قوله : ” كانت الطائرات الأمريكية قد أخذت تجوب سماء الأسلاف بكثافة لافتة للنظر فمن حين لآخر كانت احداها تمرق مخترقة حاجز الصوت ، فكان أفراد أسرتي يتجمدون من حولي ، وقد كتموا أنفاسهم في صدورهم ” ( ص 73 ) ،ويتواصل هذا الرصد على امتداد مفاصل عديدة في الرواية .
وحيث ان الروائي يتنقل بأحداثه تنقلا ً متواترا ً بين الأسلاف وبغداد ، فانه يتوقف طويلا ً عند الأحداث التي صاحبت الاحتلال في بغداد نفسها حيث ” كان القلق قد خيم على الجميع ، فخلا الحي من ساكنيه بالتدريج ….. لقد بات الخروج من البيت ضربا ً من المغامرة ” ( ص 290 ) ، مع الاشارة إلى المجازر المروعة واحراق بيوت الله وذبح أئمة المساجد وانعكاس ما يحدث على الوضع النفسي للناس الرازحين تحت وطأة الظلام والقصف ، فضلا ً على التوقف عند أخبار القتل والنهب ( وعملية نهب المتحف العراقي نموذجا ) حيث كان اللصوص ” يجوبون الشوارع ليقتحموا دون تردد الوزارات والدوائر الرسمية لينهبوا ما يستطيعون نهبه قبل أن يضرموا وراءهم النيران وكان منظرهم يبعث على التقزز حقا ً وهم يتخطون دبابة أمريكية ” ( ص 146 ) ، ويرتبط هذا بما جاء في الاستهلال، ومن هنا يستمد عنوان الرواية دلالته . وضمن هذا السياق تتوقف الرواية عند أحداث تفجيرات سامراء كإحدى افرازات الحرب : ” لقد باتت جثث الناس ــ مثل جثث الكلاب النافقة ــ ترمى على المزابل دون وجود من يجرؤ على اخلائها خوفا ً من أن تكون مفخخة ” ( ص 3112 ) .
ولأن الرواية واقعية بامتيازفقد احتفظت الأماكن بأسمائها الحقيقية : شارع المتنبي ، مقهى الشابندر ، اتحاد الأدباء ، ساحة الأندلس ، قصر المؤتمرات ، دار الشؤون الثقافية وعشرات الأماكن ، وظل عدد من الأشخاص المرتبطين بهذه الأماكن يحتفظون باسمائهم الحقيقية هم أيضا ً أو يتم تحريفها بعض الشيء ، مع التوقف عند حادث التفجير الذي وقع في شارع المتنبي والاشارة إلى أسماء بعض ضحاياه. واعتمدت الرواية التوثيق من خلال التوقف عند بعض الأحداث في تاريخ العراق الحديث مثل الاشارة إلى المعاهدة العراقية ــ البريطانية والاحتلال البريطاني والأمريكي وانتحار عبد المحسن السعدون وتنصيب الملك فيصل الأول واغتيال الوزير توفيق الخالدي وتأسيس المتحف العراقي ودور المس بيل في ذلك ، ثم تاريخ شارع الأميرات ، من خلال الرجوع إلى الماضي القريب والربط بينه وبين الحاضر .
ويبدو المنحى السيَري جليا ً في الرواية . فقد حرص الروائي على تدوين جوانب من سيرته الذاتية ، لاسيما انه سارد الرواية ولسان حال شخصياتها ، حيث يتم الروي بضمير المتكلم تارة ً للتعبير عن ” أنا ” الروائي ، وبضمير الغائب أحيانا ً . يقول الراوي : ” ووجدتني أتذكر بلمحة خاطفة كلاما ً مشابها ً ردده يحيى على مسمعي في بغداد قبل أشهر حينما زارني في المجلة ” ( ص 65 ) . و” المجلة ” المقصودة هنا هي مجلة ” الأقلام ” التي كان الروائي يعمل محررا ً فيها ، ( وقد جمعني العمل به في هذه المجلة لبضع سنوات ) وبالتالي فإن التفصيلات الواردة عن دار الشؤون الثقافية العامة لها وجودها الحقيقي . وضمن هذا السياق السيَري الذاتي يشير إلى عمله في التدريس ثم إحالته إلى التقاعد . ان الروائي يسرد جوانب من سيَر بعض شخصياته مثل بدر ويحيى ودنيا مع التوقف عند سيرة عائلة بدر وأمه بشكل خاص والشبهات التي دارت حول علاقتها غير الشرعية بتومسون الجاسوس الذي تستر بثياب منقب آثار ، فضلا ً على سيرة مدينة الأسلاف نفسها .
kh alrekabi 2وضمن السياق السيَري يتوقف الروائي بتمهل عند سرد جوانب من تجربته الأدبية لاسيما فيما يخص شخص الروائي فيه وحيث انه سارد الرواية والشخصية الرئيسة فيها فانه يشير إلى هذه الشخصية في أكثر من موقع قي نصه : ” وكما توقعت لم أكد ألتقي ” بدر ” مجددا ً حتى بادرني بالاستقسار عن سبب ترددي في انجاز روايتي ما دمت متحمسا ً لها بهذا الشكل ؟ ” ( ص 206 ) ،أو في الاشارة إلى شخصية ” مي ” : ” فوجئت ببهجت يسحبني جانبا ً ليقودني نحو امرأة اسمها ” مي ” ، سبق له أن حدثني عنها أكثر من مرة باعتبارها قارئة متابعة لرواياتي ” ( ص 152 )، و ” عدت أقرع نفسي لترددي ، كل هذه السنوات ، في انجاز رواية سترفدني ذكريات بدر عن الماضي بأهم قصولها ” ( ص 230 ). ويتوقف عند ” مي ” وعلاقته بها فيقول : ” انها كانت تحرر عمودا ً اسبوعيا ً في تلك المجلة ، وكانت المهرجانات الموسمية ولاسيما مهرجان المربد السنوي قد وفرت لنا فرص اللقاء في تلك الفنادق الراقية مثل ” الميليا منصور ” و ” الميريديان ” و ” الشيراتون ” و” الرشيد ” ، حيث كنا نحضر الجلسات الشعرية التي كانت تعقد في مسرح الرشيد المواجهة لقتدق ” الميليا منصور ” أو في ” قصر المؤتمرات ” المقابل لقندق الرشيد ” ( ص 279 ــ 280 ) ، و ” كما ان رواياتي أسهمت في التقريب بيننا …… وكانت لها بدورها تجربتها الروائية الأولى ” ( ص 280 ) ، و ” وجدتها قريبة إلى نفسي ، تتشابه كثيرا ً مع اسلوبي الروائي” ( ص 281 ) ، ويواصل الاشارة إلى شخصية الروائي فيه فيقول : ” كنت منشغلا ً بتجميع صفحات الأرشيف الذي ستنبثق عنها روايتي القادمة ” ( ص 233 ) و ” وكما هو متوقع : كان يطالعني أرشيف الرواية مبعثرا ً تحت عيني ـ يغريني بمتابعة الحدث الذي توقفت عنده آخر مرة ” ( ص 292 ) . ويشير بصراحة إلى عنوان أحد أعماله الروائية بالإسم : ” كل هذه الأمور جعلته يستميت للحصول على مخطوط ” الراووق ” ( ص 304 ) .
ان هذه الرواية تقدم استقراءا ً أمينا ً لواقع أيام حرب احتلال العراق والأيام التي تلتها امتدادا ً إلى الحاضر الراهن حيث ان ” كل شيء بات متوقعا ً وسط هذه الفوضى الضاربة بأطنابها في البلاد طولا ً وعرضا ً ” ( ص 330 ) . وكأن نبوءة الروائي بما سيحدث للمسيحيين ، قد تحققت في الموصل مؤخرا ً . فها هو يقول عن دنيا : ” ذكرت لي عنوان بيتها الواقع غربي الأسلاف ، عند تل ” العاشق ” قرب كنيسة المدينة الوحيدة المهملة بعد أن تركها آخر رجل دين مسيحي اضطر إلى الهجرة عقب تلقيه سلسلة تهديدات كانت تخيّره بين إشهار اسلامه أو دفع الجزية ” ( 336 ) . ولعل ” تل العاشق ” الذي يشير اليه الروائي ( أو تل ” الأربعين ” الذي يرد اسمه في مكان آخر) ، هو تل ” العقر ” الأثري القريب من بدرة .
لقد بدت رواية ” ليل علي بابا الحزين ” رواية أحداث وتوثيق وسيرة ذاتية أكثر من كونها رواية شخصيات دون غياب دور الشخصيات التي ترتبط ببعض أحداثها التي ظلت تتتنقل في مكاني الرواية السرديين لاسيما الأحداث المرتبطة بعائلة بدر ودنيا . ويمكن التوقفف عند شخصيتين نسائيتين تكرر حضورهما حضورا ً متواترا ً في الرواية ، ونعني شخصيتي ” مي ” و ” دنيا ” في الرواية . لقد ظل حضور مي في نطاق دائرة بغداد المكانية وحدها ولم تسهم كثيرا ً في صنع الأحداث ، ويرتبط حضورها بجانب واحد على علاقة بالتجربة الأدبية : تجربة الراوي وتجربتها هي ، وثمة اشارة إلى تحسس زوجة الراوي منها ، مثل تحسسها من دنيا أيضا ً، إلى الحد الذي كاد يؤدى إلى تعثر العلاقة بينه وبين زوجته . أما شخصية دنيا فتختلف عنها في حضورها المتواتر في بغداد ، وهو حضور وقتي ،وفي مدينة الأسلاف حضورا ً يكاد يكون دائميا ، مثلما تختلف عن مي في طبيعة الدور الذي اضطلعت به في مسار الأحداث في الأسلاف بشكل خاص . ولعل الروائي اعتمدها نموذجا ً تطبيقيا ً لمفرزات الاختلاف الديني في المدن العراقية الصغيرة . فقد كانت مسيحية الديانة لكنها كان عليها أن تتأقلم مع طبيعة الوضع الاجتماعي في الوسط المغاير دينيا ً الذي تعيش فيه حيث وجدت نفسها مضطرة لارتداء الحجاب الاسلامي بفعل عملها مع رب عمل مسلم لتعبّر عما يعانيه أبناء ديانتها . انها تقول في حوار مع الراوي ( الروائي ) في نبرة احتجاج واضحة : ” هل سمعت قبل الآن بمسيحية تعمد إلى الاقتداء بالمسلمات في ارتداء الحجاب ؟ ” ( ص 278 ) ، وتسعى لأن تكون لسان حال أهل ديانتها حين تقول : ” لا أعني نفسي بطبيعة الحال ذلك لأنني لم أتحجب إلا استجابة ًلإلحاح يحيى ، بل أعني أفراد أسرتي المسنات إذ من المحال عليهن مثلا ً الخروج حاسرات الرؤوس ، ذلك لأنهن لن يطقن النظرات المنتقدة والمستهجنة التي تلاحقهن في رواحهن ومجيئهن ، هذا اذا لم يتطور الأمر إلى الزجر علنا ً أو الاهانة والضرب كما حصل أكثر من مرة ” ( ص 278) ، وكانت قد قالت قبل ذلك وفي الحوار نفسه : ” نحن سلالة آيلة إلى الانقراض ” ( ص 276) ، وتعني في العراق . ويحيى الذي ذكرت اسمه انما هو رب العمل الذي كانت أجيرة لديه ، وكان صاحب مكتب استنساخ في الأسلاف وقد ارتبط بعلاقة غير شرعية معها قبل أن يجد نفسه مضطرا ً للزواج منها ، وقد تحول اجتماعيا ً بعد الاحتلال حين بدأ يعمل في المنفذ الحدودي في الأسلاف فاشترى بيتا ً في شارع الأميرات مع دلالة الاشارة إلى هذا المكان بالذات للتعبير عن نمط النقلة الاجتماعية التي أحدثها الاحتلال وكانت في صالح فئات معينة من العراقيين . وكان طبيعيا ً أن تتحول دنيا هي الأخرى كما جاء على لسان الراوي : ” لم أكد أصل إلى المكان المنشود حتى فوجئت بـ ” دنيا ” واقفة في انتظاري بهيئة جديدة كان من المحال أن أعرفها بها لولا معرفتنا السابقة ، فقد كانت دون حجاب ، ينسدل شعرها الأشقر خصلة واحدة وراء ظهرها وقد ارتدت ملابس أنيقة ، وثمة حلي من المؤكد انها ذهبية، تزين عنقها وزنديها ” ( ص 269 ) . لكنها لم تهنأ ببحبوحة العيش طويلا ً فقد تعرض يحيى الذي حملت منه ، إلى عملية اختظاف بهدف طلب الفدية بمبلغ كبير ، واتضح انه كان مدينا ً بمبالغ كبيرة حاول أن يسددها بصفقة لحوم فاسدة، قبل أن تتم تصفيته جسديا ً ، لتجد نفسها مضطرة لمغادرة العراق إلى الولايات المتحدة دون أن تتخلى عن تشبثها بالوطن ( في ايماءة إلى اضطرار المسيحيين للهجرة من العراق ) ، وها هي تقول في رسالتها إلى الراوي : ” لا تسألني عن البقعة التي استقر بي المقام فيها خلف ” بحر الظلمات “، فكل بقاع الأرض لم تعد تعني لديّ شيئا ً منذ خيّم هذا الليل الحزين على وطني ، فهجرته دون وداع ، مستهدية سبيلي بنعيب الغراب الذي سيظل يلاحقني أينما وليت وجهي ، فكل البقاع تتشابه ، سيدي العزيز ، ما دامت جهنم قد أمست بحجم الكون كله ” ( ص 363 ) . غير انها أنجبت من يحيى ابنا ً ربما أراده الروائي أن يكون امتدادا لأبيه بما يحمله ذلك من دلالةا للايحاء بتواصل التعايش الديني في المستقبل .
لقد قدمت الرواية عرضا ً بانوراميا ً لسلسلة من الأحداث والوقائع المأساوية التي رافقت الاحتلال يلخص بعضها قول الراوي : “كنت أشعر كأن بغداد كلها في حداد على ما حصل ” (ص 320 ) ، وقوله عن الحي الذي يسكنه انه : ” تحول إلى معتقل لا ينقصه سوى سجان مزود بمفتاح يتحكم في أوقات خروجه من بيته وعودته اليه ” ( ص 320 ) . لكن الروائي لا يفقد الأمل بالمستقبل إذ يقول على لسان الراوي : ” لم انتبه إلى ان الشتاء على وشك الرحيل مفسحا ً المجال لفصل الربيع القصير العابر إلا حينما شممت في احدى المرات ، شذا عطرنفاذ طغى على رائحة الوقود والغبار ، سرعان ما تبين لي ان مصدره بضع شجيرات ورد تسلقت احدى العوارض لتغطيها بحمرة ورودها كأجمل تحد من الطبيعة للقبح ” ( ص 319 ) .
ان ” من بين ما يميز رواية ” ليل علي بابا الحزين ” انها لكاتب متمرس ، صاحب تجربة لها وزنها في عالم السرد العراقي والعربي معا ً!

* مقالة منشورة في ” ألف ياء ” جريدة الزمان عدد يوم 3/12

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *