شوقي يوسف بهنام* : سيكولوجية الحسد عند سعدي يوسف ؛ قراءة نفسية لقصيدة “دعوة الى السبات”

شوقي يوسف بهنام
شوقي يوسف بهنام

* مدرّس مادة علم النفس في كلّية التربية/ طامعة الموصل
في القصيدة المنشورة على موقعه .. اعني موقع الشاعر الكبير سعدي يوسف والمعنونة دعوة الى السبات وهو عنوان يحمل ، في تقديرنا دلالة نفسية عميقة ، على الاقل لدى الشاعر الذي رفضه وطنه وهو رفض الوطن كذلك . يقول فيها :-
دوما تنام بإحدى مقلتيك …
ألم تتعب ؟
وتعرفُ لست انت الذئب
تعرف ان حقك ، وهو اول ، أن تنام ،
تنام ملء جفونك ؛ الايام …

انك في الثمانين !
الوسادة ، لم تعد صوفا …
ولصقك ، دائما ، تتمدد امرأة
إذ ً نم !
لا تقل إن العراق يجرح الجفنين .
…………….
…………….
…………….
ان عراقك الابدي غاب
وصارت الوركاء قاعدة لطيارين جاؤوا من اريزونا …
لقد شفي الصبي من الخرافة ؛
لا تقل اني من الوركاء …
انك في الثمانين !
لندن 14-11-2014
*******************
saadi yuosef 6هذا يعني ان القصيدة هي من ايام الشاعر الراهنة . ليس الذئب الذي يخاطبه سعدي الا سعدي نفسه . لقد ابتكر شخصية حيوانية وراح يحاورها باثا همومه واحزانه . اول شيئ انه ينام بمقلة واحدة !! . انه نوم مصطنع .. نم غير حقيقي . ملئه الارق والمتاهة والضياع .
ألم تتعب ؟
*************
سؤال يوجهه سعدي الى الذئب الجديد المتخيل : سعدي . ان حقك الاول والمهم في هذا الوجود هو ان تنام .. وتنام ملء جفونك . معنى هذا بلغة علم النفس النوم العميق الذي لا يتخلله كابوس ما او عائق ما . انه النوم الصحي الذي هو ثمرة لحياة سوية قائمة على اشباع الحاجات الاشباع السليم وبالتالي الرضا عن الذات … نعتقد ان سعدي يوسف يستعير هنا ، او يوظف العبارة التي ترد في التوراة لوصف الانسان السعيد والذي اختبر خبرة الرضا . ” ومات شبعان الايام ” . تلك العبارة تتردد في التوراة ، لا سيما ، سفر التكوين . في القرآن ايضا ذات الفكرة في هذه العبارة ” وسوف يعطيك ربك فترضى ” . لم ُ يعطى سعدي إذن ما كان يحلم به . ها ينام بمقلة واحدة .. هناك تأويل اخر للنوم بمقلة واحدة . ان الذئب يعوي متحديا العالم باحثا عن فريسته . انه يخدع الآخر . يغازله بعين وينام بالأخرى . يعوي لأنه جائع . سعدي ينام هو الآخر بمقلة واحدة لأنه حزين ويشعر انه مسؤول عن مصير العالم .. او مصير العراق . سرير سعدي اصبح سرير حديدي . لم تعد وسادته مثلما كانت في الماضي .. كانت من الصوف .. الان وهو في الثمانين .. لا يفوتنا القول ان الذئب لا يعمر ثمانين عاما !! . وسادته صار كتفه ليس غير . الم يقل المسيح ” ان ابن الانسان ليس له اين يسند به رأسه ” ها سعدي صار مسيحا جوالا لا ينام الا بمقلة واحدة في القرن العشرين . المرأة في حياة هذا الذئب الأخضر ، اذا شئنا ان نستعير الكنية التي اختارها سعدي لنفسه بدلا من اسمه الحقيقي ” الاخضر بن يوسف ” . سعدي هنا يحسد الذئب لأنه ينام بمقلة واحدة ولكنه ليس مثله مخادعا .. مراوغا .. مختالا .. سعدي يحلم بامرأة تنام لصقه ليضع راسه على كتفها لينام . سعدي يلفظ العراق . لان العراق قد رفضه لأنه شيوعي يريد تغيير دفة التاريخ ويعيد للبروليتاريا حقها ومجدها لتقود هي العالم . لكن العراق لا يجرح الجفنين . ولكن ماذا اصاب العراق وماذا اصاب الوركاء . لم تعد الوركاء مدينة كلكامش العظيم والتي منها انطلق للبحث عن دواء الخلود . اصبحت الوركاء مجرد قاعدة جوية لقراصنة جاؤوا من اريزونا . من الصبي الذي شفي من الخرافة انه الشعب الذي صحا من سبات طويل ويريد ان ينام نوم ذئب في الثمانين سعدي يعاني من ما يسمى الحنين الى الوطن والجذور والاصول . نسأل :
الم تتعب ؟
**************
الى متى تبقى تجول وتنام على وسادة من حجر وبجفن واحد ؟؟؟

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| إبراهيم مشارة : الإسلام والحداثة – إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟.

  كلما هبت  جماعة من رواد التنوير في الفكر الإسلامي يقيضها الله لإحياء رسالته وشرحها …

| مقداد مسعود : مِن خلال زمنين (عند باب الأزج) للروائية : نيران العبيدي .

الأزج :بناء مستطيل مقوس السقف : هذا ما يخبرنا به المعجم الوسيط  ..أما (باب الأزج) …

5 تعليقات

  1. محمود سعيد

    يعجبني أن أقرأ للـ د بهنام للاطلاع على تحليله النّفسي، لكنّي أطلب منه المعذرة للاختلاف معه في هذا التّحليل. سعدي ينام بعين واحدة في القصيدة كالذئب، لكنّه ليس ذئباً، والعين الواحدة لسعدي للدّلالة على تفكيره في العراق المستباح الآن، وهذا يؤرّقه. يريد أن يقول أنّه لا يستطيع أن ينام ملء جفونه والعراق في بيد الغرباء من أريزونا ومن بلدان أخرى يمزّقونه ويذلّونه، وليس في القصيدة ما يحمل القارئ أنّه يستعير وصفاً من سفر التّكوين أو من القرآن. وليس في القصيدة نرجسيّة واضحة تدعو الكاتب إلى اعتبار نفسه مسيحاً جوّالاً، ولست أدري كيف فهم الكاتب الجليل أن سعدي لفظ العراق؟ في القصيدة حبّ للعراق ليس بعده حبّ، كما أنّ العراق لم يلفظ سعدي ولا غيره. من حكم العراق لفظ سعدي وأمثاله، في زمن تعس، ومازالوا ملفوظين في الزمن الأتعس. أمّا أهم نقطة وهي بؤرة المقال فلم تكن واضحة ولم توضّح. أين الحسد في القصيدة عند سعدي؟ لم يثبتها الكاتب الجليل! ليته استبدلها. إنّها ثقيلة ثقل جبل حمرين. وتشعّ من السّوء ما لا يمكن تحمّله.

  2. شوقي يوسف بهنام

    الاستاذ محمود سعيد المحترم
    تبقى الفراءة قراءة لا حكما نهائيا
    اما بالنسبة الى الاستاذ محمود سعيد فتعليقه جاء قبل رد فعل الشاعر سعدي يوسف
    نحن ننتظر رد فعل الشاعر
    اولا ان سعدي متعاطف مع الذئب في السلوك . الذئب ينام بجفن واحد لغرض الافتراس
    سعدي قلق على مستقبل العالم . انه في الثمانين و هو يحمل جوازه منتقلا من عاصمة الى اخرى
    اليس هذا اغتربا ؟ اوردنا التعبير التوراتي والقراءني للدلالة على حالة الاشباع التقسي ولكن بلغة النص الديني
    كل في زمانه . الم يشعر سعدي بانه مطرود من العراق وهو تاذي اعلن مرة انه لا يريد في العراق
    اكدنا على ان سعدي يعاني من الحنين الى الوطن وهذا صراع يعيشه سعدي حتى وهو في الثمانين
    قوة النص و في تحمله لقراءات كثيرة
    اخوك
    شوقي

  3. محمود سعيد

    تقديراً، واحتراماً للكاتب الجليل، ولكني أريد الآن تفسيراً يوضح كلمة الحسد في العنوان
    شكرا مرة أخرى

  4. شوقي يوسفب بهنام

    اخي العزيز الاستاذ محمود سعيد المحترم
    السلام عليكم
    لا اريد الخوض في موضوع تماهي او تقمص الانسان لدور او رمزية معينة لحيوان ما . هذه موضوع يجرنا الى جوانب مختلفة
    ارجو ايضا مراجعة مقالاتي عن الشاعر الكبير ادونيس الذي تماهى مع الكثير من الحيوانات واركز على قصيدته المعنونة الذئب الالهي وقد سلطنا الاضواء عليها في مقال عنوناه ” ادونيس وجنون الاستذئاب ” وهو موضوع سيكولوجي نجده كثيرا في الافلام الامريكية وهو نوع من الذهات يعتقد صاحبه انه تحول الى ذئب . راجيا مراجعته في موقعنا الجميل موقع الناقد العراقي
    اما بالنسبة لسعدي فان مقارنته بين حياته وحياة الذئب وسلوكه هو اساس الحسد لديه سواء اكان الحسد لديه من الشعور بان العالم باسره فريسة يجب اقتناصها وبمقلة واحدة او كان راغبا في ان يكون متيقظا على طول الخط لان العالم لا يمنحه فرصه في ان يأخذ ما يريد وسعدي اجاب على هذا السؤال بقوله
    من حقلك ان تنام
    انك كائن يحتاج الى ان ينام وبلصقه امرأة
    ان سعدي في تقديرنا شأنه شأن ادونيس ينظر الى العالم نظرة ارتياب وشك وسخرية اذا لم يخوننا التعبير وسوف اكتب دراسة مستقلة اتناول صورة الذئب لدي سعدي وادونيس لأني لم اعثر على هذا الا قبل ايام
    ارجو ان اكون بهذا التفسير المتواضع قد ححقت بعض في نفسكم
    اخيرا تقبل تقديري واعتزازي بصديقنا الكبير الدكتور حسين سرمك الذي يفتح صدره وقبله وهذا من سمات وخصائص الطبيب والمعالج النفسي الناضج والسليم
    اخوك
    شوقي يوسف بنهنام
    كلية التربية – جامعة الموصل

  5. محمود سعيد

    شكرا جزيلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *