ليث الصندوق : كوابيسُ الأسِرّةِ البيض

laith 5( 1 )
ألسماءُ مُدثّرةٌ بالغيوم
تئِنّ ، وترجفُ محمولة فوق نقّالة البرق
والريحُ تنبُشُ من تحتها الأرضَ
تكسرُ ما حولها خائفة
هكذا تغتدي عُمُراً لحظةُ الإنتظار
تعدو الشوارعُ مسرعةً تحت أقدامنا
تعدو ، وتتركنا واقفين
وتبدو الدواليبُ في العرباتِ
على رغم سرعتها واقفة
ومن بردِهِ ينفثُ الشَجَرُ المُتَراجفُ
ما تحت معطفِهِ من غبار
إذن فلنؤجّلْ إلى الغد موعدنا
ففي الأفقِ تنفضُ أعرافها
ثُمّ تُسرعُ أحصنةُ العاصفة

( 2 )
في الباص كنتُ وحيداً
فقد عَبّأ الراكبونَ الضجيجَ بأثوابهم
وتَلاشَوا كما يتلاشى الشرَرْ
وكانَ ضياءُ المصابيح يلهث خلفَ الزُجاج
ينبحُ في ركضهِ
ثمّ يرجعُ مُنكفِئاً
حيثُ تجرفهُ زخةٌ من مطرْ

××

داهَمَهُ موتُهُ قبلَ أنْ يُكمِلَ الحُلمَ حتى نهايتِهِ
وما عادَ يُمهِلهُ ليُرمِمَ آمالَهُ لحظاتٍ أخرْ
… وقالَ الأطباءُ عنهُ بتقريرهم :
( إنّ أورامَهُ نخرتْ كلّ توتِ الجسد
وإنّ الحقولَ الفتيّةَ باتتْ تُعاني الجفاف )
لم يعد يتذكّرُ كيف انتهى العُمرُ في غمضةٍ
كلّ أيامِهِ مسحتها مماحي القَدَرْ
بُقَعٌ من دماءٍ بكل مكان
لم يعد يتوقفُ هذا الرُعافْ
عيلتْ حلولُ الأطباء فانسحبوا واجمين
وما عادَ طَيرُ الصلاةِ يلوذ
– كما كان – بالله في لحظاتِ الخطرْ
معَ الليل تشتدّ حُمّاهُ
فتثقبُ أنفاسُهُ اللاهِباتُ اللحافْ

( 3 )

لوحة بريشة الشاعر المبدع ليث الصندوق
لوحة بريشة الشاعر المبدع ليث الصندوق

تُجَرّرُهُ من يديه لمُختبر الفحص
ثمّ الأشعّةِ
يصعدُ ، لكنهُ يتهالكُ فوقَ السَلالِم
ثُمّ يغيبُ عن الوعي
تحضنُهُ وهيَ تبكي
وتعصرُ في طشتِ أحزانِها
كلّ ما في مساماتِها من غيوم البكاء
تُبللهُ بالدموع
فيوشِكُ أنْ يتخبّط من غرق
ويطفو على موجةِ الدمع كيسُ الدواء
وعبر الظلام الذي يتكاثفُ في مقلتيها
إلى لله ترفعُ نظراتِها بالدعاءْ
بيدَ أنّ المساءَ هو اليومَ جدّ مَطير
فأغلقتِ السُحُبُ السُودُ بابَ السماء

( 4 )
ألشوارعُ مسلوخة الجلد تلمعُ من نزفها
كما تتلامعُ فوقَ سريريَ مسلوخة الكدمات
بَرَدٌ … بَرَدٌ من حجرْ
من حطام السماء التي تتصدّعُ فوقي
وريشةُ ( مانيه ) تخطّ وجوهاً
بأصبغةٍ من ضباب على الواجهاتْ
مطرٌ كالنزيف الذي ليس يوقفهُ الشاشُ
مطرٌ حين يعجز عن صبغنا
فهو يوخزنا كالإبرْ
أركضُ ، وهيَ بجنبي
كي لا يُذوّبنا مطرُ القُبُلاتْ
ومن حولنا الورقُ المُتساقطُ
ينزفُ مُنْتَزَعاً من جلود الشَجرْ
لقد عادَ من بعدِ ميتته
يتنفسُ تحتَ تُلول من القطن
كم مَرّ من زمن ليسَ يدري
على نومِهِ في المصحّة
ما بين موت يُداعِبُهُ كأبِ مُشفِقٍ
وحياةٍ تُعذّبُهُ بسياط الخَدَرْ

××

نسمةُ الحبّ تمسحُ
ما يتراكمُ فوقَ نوافذ أعمارنا
من ضباب الشُكاة
جرسُ الفجر يُقرعُ بعدَ قرون من الصمتِ
تناهى إليه صدى إرتطام الغصون على الشُرُفاتْ
ومعْ إنصبابِ الدواء بأنبوب كيس المغذي
تلينُ ، وتنبضُ أعراقُهُ اليابساتْ
ويغمرُ مِنقارَهُ وجناحيهِ دفءُ البَرَدْ
وداعاً .. ودعاً
أراهم جميعاً يطوفونَ حولَ سريري
من اينَ جاءتْ تُرى تلكمُ الأوجُهُ الغائبات ؟
وأيّةُ ريحٍ مُعطّرَةٍ عَصَفتْ بالبلدْ ؟
وأيّةُ كَفّ هيَ الأنَ تفتحُ أبوابَ روحي ؟
ولكنني الأنَ وحديَ اغطسُ في موجة من زبَدْ
وباتَ يشقُ عليّ بأنْ أتيقّظَ
فلتوقظيني إذن ، إنّ حُلمي انتهى
أو فاتركيني أنَمْ للأبدْ

( 5 )
ألسماءُ مُعَبّأةٌ في الحقيبة
ألقلوبُ الكسيرةُ تُعرضُ للمُشترين على الطرقاتْ
اكمِلْ طريقَكَ من دون أنْ تتلفّتَ
فالعُمرُ قد بخّرتهُ الحروبُ على موقِد الحسراتْ
ألظلامُ كثيفٌ
وجفنايَ من حجر
وما عادَ لي من جناحَيَّ غيرُ منابتِ ريش
فلتمنحيني إذن من رصيدِكِ بُقيا أمل
فلم يبقَ لي من رصيدي سوى الذكرياتْ

شاهد أيضاً

رسائل في محرقة الحذف
فراس حج محمد/ فلسطين

(1) امرأة تحدّثني جنسيّاً لبضعِ دقائقَ نلعب معاً شهوة افتراضيّة تداعب عضوها بقليل من المساج …

مهند الخيكاني: استيقاظ النهر

بعد يومين من مشهد الجسر ، ذلك المشهد الذي رمت فيه الأم طفلين بأعصاب باردة …

عذاب الركابي: الصّبحُ .. ليلا ً

. الوقتُ ليسّ الوقت ْ ! الوطنُ ليسَ الوطن ْ ! . الدقائقُ صدأت ْ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *