شوقي يوسف بهنام : النظرة ودينامياتها ووسائل التواصل عند الشافعي

shawki  5مدرّس مادة علم النفس في كلية التربية / جامعة الموصل

في هذه السطور يتناول الباحث مسألة يعتقد انها تلعب دورا خطيرا في حياة الإنسان اليومية ومن زوايا مختلفة وجوانب متعددة . انها النظرة ووسائل التعبير والتواصل الإنساني أو ما تسمى اليوم بلغة الجسد Body language؛ كتعابير الوجه وحركات الجسد وما إلى ذلك وهي كلها وسائل تساعدنا على التفاعل مع العالم الخارجي ومن ضمنها مجال الآخرين كذوات مستقلة عنا . وميدان لغة الجسد أصبح ميدانا مستقلا من ميادين العلوم الإنسانية وأصبح العديد من تلك الميادين يعتمد في الكثير من منطلقاتها على المعطيات التي يوفرها هذا الميدان (1) . ويود الباحث ان يؤكد،هنا ، ان النصوص التي انطلق في جزء منها هي نصوص اقل ترجيحا في نسبتها إلى الإمام الشافعي كما يؤكد المحقق الفاضل (2) . ويعتقد الباحث ان هناك ما يبرر مثل هذا اللجوء إلى تلك النصوص ، ذلك لأن النصوص الصحيحة النسبة لا تحتوي هذا القدر من المعالجة التي تعالج موضوع النظرة ووسائل التعبير ، على الرغم منان الباحث قد وجد في مشروعه هذا اعني في النصوص الصحيحة النسبة ما يؤيد وجهة نظره ..أي انها صالحة لقراءتها قراءة نفسية . والتبرير الذي ينطلق منه الباحث لجواز اللجوء إلى هذه النصوص هو موضوعها الذي يناسب اهتمام الشافعي كفقيه وزاهد وبالتالي فلا يعقل ان يكون هذا الموضوع قد سقط من حساباته او انه لم يشدد عليه كثيرا أو يركز عليه . ولهذا فان الباحث يعتقد ان درجة الترجيح في النسبة لا تقف مانعا في إدراجها ضمن تصور الشافعي العام للسلوك أو التصور العام للخطاب الذي ينطلق منه ، ومن ضمنه موضوع سلوك النظرة ووسائل التعبير طالما انها لا تخل في مضمونها لما يريد الشافعي ان يدعو إليه . وعلى هذا الأساس فأن الباحث في اعتقاده هذا سيحفز دارسي تحقيق النصوص لحل مثل هذه الإشكالية .. اعني إشكالية صحة نسبة هذا النص أو ذاك للإمام الشافعي . وعلى الرغم من ان الباحث ليس من أهدافه هذه العملية قدر ما يهتم بقراءة النص قراءة نفسية فان المسألة التي يريد يذكرها ،هنا ، ان عمله هنا ليس الا وجهة نظر لا غير ولذلك فان النصوص التي عليها وقع الاختيار حصرت على هذا الأساس . ومن خلال ما سبق ومن خلال النصوص صحيحة النسبة يمكننا القول ان للشافعي اهتماما بالجوانب النفسية أو قد أدراك أهميتها على اقل تقدير . ومسألة النظرة أو ” غض الطرف ” اي خفضه إذا استخدمنا لغة الخطاب الديني ، واحدة من المسائل التي تؤثر في طبيعة علاقاتنا مع الآخر أو الغير على حد تعبير سارتر . ويقول الرازي في مختار الصحاح عن النظر بأنه ” تأمل الشيء بالعين ” (3) . ولذلك فهي من صميم اهتمام الشافعي كفقيه يحدد ما يجوز أو ما لا يجوز النظر إليه ..أو نظرة حرام أو حلال . ولنبدأ ببيتين من شعره :-
1- يقول المحقق الفاضل :-
أفتى الإمام الشافعي في قضية تقدم بها إعرابي ، أراد استرجاع جاريته بعد ان ندم على بيعها قبل افتراقه عن مجلس المبايعة ، فأبى صاحبه ، فدخلا على الإمام الشافعي وهو بالمجلس الحرام قائلا :-

نعم له الرجعة في بيعها ولو بقنطار من العين
ولا تعد أخرى إلى بيعها ولو ألح الفقر في الدّين

أما سؤال الإعرابي فهو :-

بالله ما قولك في بايع باع من العسرة والدين
غزالة تاه بها حسنها على جمال الخرد العين
وكان يهواها فلما نأت طفا لها من حرق البين
فهل له الرجعة في بيعها يا اعلم الأمة في الدين (4)

*******************
هذين البيتين فتوى عن النظرة بنوعيها نظرة حلال ونظرة حرام . وقضية الإعرابي التي طرحها على الإمام الشافعي يمكن ان تعد في لغة علم النفس ب” شكوى ” complain . وواضح من الحوارية التي انصبت على العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة . ان الشافعي لم يسقط من حسابه أهمية النظرة ولو بقنطار منها في تحديد تلك العلاقة وفق منظور الحلال والحرام أو وفق نسق ” يجوز أو لا يجوز ” وهذا الاهتمام من لدنه بموضوع النظرة ودورها في تحديد العلاقة مع الآخر ” المرأة ” والذي جعلنا ان نلجأ إلى النصوص الأقل صحة في النسبة لا لشيئ الا لأنها لا تتعارض مع توجهاته في النظر إلى السلوك أو في تحديد الأحكام الشرعية التي تهدف إلى ضبط السلوك . وفي نص آخر يعالج الشافعي ظاهرة سلوكية أخرى هي التعلق بالمرأة المسنة Gerophilia وGerontophilia ويطلق عليها تعشق العجائز . و لا بأس ان نقف عند هذا النمط من أنماط التعشق الجنسي . يقول الحفني في موسوعته الجنسية عنه ما يلي ” يتثبت بعض في المرحلة الاوديبية على محبة احد الوالدين ، فإذا كان هذا الأب أو الأم كبيرا في السن بالنسبة للطفل نتيجة زواج متأخر ، فإن هذا الحب قد يصبح عقدة يسميها علماء التحليل النفسي بعقدة الجد grandfather complex وينمو الطفل متصورا ان أباه أو أمه سيصغر حجما بينما هو يكبر ، وتصوراته يشوبها الشبق ، وهي تحقيق لرغبات جنسية محرمة من نوع اشتهاء المحارم ، فالطفل الذكر الذي تلده أمه وهي في الأربعين قد ينشأ وبه تثبيت على حب النساء كبار السن ويتعشقهن . وكذلك البنت التي تولد بينما أبوها قد تجاوز الأربعين ،فإذا أحبته وتثبت بها هذا الحب فقد تطلب الرجال كأبيها كما وعته ذاكرتها ، بشعره الأبيض ، وبفارق السن الهائل بينهما ، تحقيقا للرغبات الاوديبية القديمة والتي لم تتحقق وظلت بها تعتمل لا شعوريا وتهدى سلوكها الجنسي من بعد .ويطلق بعض العلماء على هذا النمط اسم شبيه المحبة paraphilia ، وهو حب متصور يتخيل فيه المحب حبيبه على صورة معينة ليست هي الواقع ، ويتعشق الصورة ويتعامل معها وليس من الواقع . وبالمثل في تعشق الصبايا أو الصبيان ephebphilia فإن العجوز يهوى البنات الصغيرات بينما المرأة قد تهوى الشبان ،وذلك من غرائب السلوك الجنسي ، ويفسره علماء النفس بأن الدافع إليه ارتكاب المحرم أو المحظور ، والمرتكب للفعل لا يرتكبه مع الشريك العجوز باعتبار الحقيقة ،ولكن باعتبار التصور لديه ، وطالما ان هذا التعشق محرم فهو يفعله ،ويعطيه فعل المحرمات لذة مضاعفة . ويبدو ان مرتكب المحرمات المحظورات من نوع البارافيليا أو شبيه المحبة يعاني من ضعف جنسي ،أوبه ُعنّة تزول بمضاجعة الشريك في الفعل ، وفي حالة تعشق العجائز قد يقنع العجوز بأقل القليل من الفعل الجنسي فلا ينكشف أمر المتعشق paraphilic ونذكر من ذلك حالة موليير ، فقد كان يعشق امرأة اكبر من أمه ، وكان يطلق عليها اسم” الأم ” وكانت به عنة ،وأيضا الكاتب الروائي ” لورنس ” صاحب روايتي ” أبناء العشاق “و” النساء في الحب ” (5). ذلك إذن هو تعشق العجائز . وما يهمنا هنا منها هو امتعاض الشافعي من هذه الحالة . وهذا رصد لظاهرة سلوكية تدخل ضمن السلوك الجنسي الغير مرغوب .
2- يقول المحقق الفاضل ” :- أجاب الشافعي رجلا كتب له رقعة يستفتيه بها قائلا :-
نبكي عليه فقد حق البكاء له حب العجوز بترك الخرد العين
********************
أما سؤال الرجل فهو :-
ماذا تقول هداك الله في رجل أمسى يحب عجوزا بنت تسعين (6)
*********************
ان جواب الشافعي الوارد في البيت إنما يدل على إشفاق الرجل على صاحب هكذا سلوك . معنى هذا ان أدرك ان هذا السلوك يدخل ضمن دائرة اللاسواء . ومن البديهي ان لا نطالب الرجل بتحديد السلوك كما يحدده أو يراه التصور المعاصر . وفضيلة الشافعي هنا هي في رصد السلوك والامتعاض منه والإشفاق على صاحبة . ونحن نميل إلى الاعتقاد إلى انه لو كان الشافعي قد عاين هذه الحالة معاينة كاملة لما تردد في تشخيصها مع ما يتفق والتصور المعاصر .واكتفى بالقول انه أي صاحبنا ، لا يعرف التمييز بين العجوز وصاحبة الخرد العين . أليست هذه أدلة واضحة على ان الشافعي لم يهمل أو يسقط من حسابه موضوعات مثل الشهوة ..الرغبة ..السلوك الشاذ ..الرغبات المحظورة ..وهذه كلها موضوعات تدخل في صميم اهتمامات علم النفس المرضي المعاصر . إذن أصبح التبرير الذي قدمناه في مستهل هذه السطور سببا يمكن الركون إليه والانطلاق منه لمعالجة موضوع النظرة ووسائل التعبير والتواصل بين الذوات كما يراها الشافعي . وسوف نلاحظ من خلال بعضا من هذه النصوص مع ذكر نسبة الصحة فيها . وهذا هو الذي شجع الباحث في ان يمضي ، وهو مطمئن في ذلك ، في معالجة موضوع هذه السطور من خلال تلك الأبيات . ولأنها تعبر عن استبصار عميق ورؤية واسعة إلى دور النظرة وآثارها في الحياة اليومية للانسان ولذلك فهو يعالجها معالجة الفقيه البارع ويدرسها دراسة عالم النفس الحاذق .
لا شك ان نقطة انطلاق الإمام الشافعي لمعالجة موضوع النظرة ومضامينها النفسية ودينامياتها وآثارها هي مفردات الخطاب الديني والمتمثل في القرآن والسنة . ونظرة فاحصة على النصوص الشعرية التي اختارها الباحث كعينة لموضوع هذه السطور تؤيد ذلك ، فهو أي الشافعي قد انطلق مباشرة من قضية العلاقة بين الشهوة والنظرة .. تلك العلاقة التي أولاها الخطاب الديني أهمية في تحديد العلاقة ما بين الله والإنسان أو بين العبد والرب ..إذا استخدمنا تعابير الفقهاء والصوفية . ويمكن رسم مخطط يعبر عن تلك العلاقة وفق المسار التالي :-

النظرة ـــــــ الشهوة ــــــــــــ المعصية ـــــــــــ العقاب ـــــــــــ جهنم

وهذا ليس غريبا على بنية الخطاب الديني ؛ فهو إذن مفهوم أخلاقي يستلهم النص الديني ويعده ركيزة أساسية له . الا ان هذا المسار لا يبرز دور الإنسان وفق ما يريده ذلك الخطاب . ولذلك فان هناك مسار آخر يوضحه هذا الخطاب ويدعو إليه لكي تصبح العلاقة بين العبد والرب علاقة سليمة وترضي الطرفين . ويمكن توضيح هذا المسار على النحو الأتي :-

إرادة الشهوة – المعصية – العقاب
النظرة ← الإرادة
إرادة العزوف – (الكبح) – التسامي – الثواب
****************************
إذن هناك ديناميات معينة في هذا المسار وهذه الديناميات تعمل وفق ظاهرة الصراع conflict للتوفيق بين مطالب متعارضة بل ومتناقضة ؛ مطالب الجسد ومطالب النفس ،والمطالب الثانية وهي التي تعد جزءا أساسيا في مفاهيم الخطاب الديني (7) . وبلغة التحليل النفسي الصراع ما بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع أو مطالب الهو id ونواهي الأنا الأعلى super ego .
لا نريد عقد مقارنة ما بين الشافعي و فرويد ،اعني بين أفكارهما وتصورتهما حول بنية الشخصية الإنسانية ،لأن عملا كهذا يقع خارج مهمة هذه السطور . فالشافعي فقيه وزاهد ..و فرويد طبيب ومحلل نفسي ..صحيح ان الشافعي (8) انه اختبر بعض حالات التصوف وعاش بعض من خبراتها الا انه أدرك ما أدركه فرويد فيما بعد في تعامله مع المرضى النفسيين ، مع إدراك الفارق في التوجه والتأهيل لكليهما ، فكلاهما تعامل مع الظاهرة النفسية في صراعاتها ونوازعها وبناها ووظائفها بلغة التحليل النفسي . ومن خلال رحلتنا مع النصوص ذات الفئة الثانية في نسبة الصحة سوف نشير إلى تلك العلاقة بما يتفق هدف وحجم هذه السطور . ولنبدأ مع البيت الأول . يقول الشافعي :-
وعيناك إن أبدت إليك معائبا
فدعها ، وقل يا عين للناس أعين (9)
********************
يصور لنا الشافعي ،هنا ، الحوار الداخلي مع الذات متخذا من العين ونظراتها أسلوبا لمراقبة الآخر . هنا ينبغي الرجوع إلى التحليلات العميقة التي قدمها الفيلسوف الفرنسي ” سارتر ” لطبيعة ” النظرة ” في كتابه الكبير ” الوجود والعدم ” (10) . لقد اعتبر سارتر ” النظرة ” وسيلة الآخر لمحاصرة وملاحقة ومراقبة الأنا وامتلاكها (11) . وعلى الرغم من ان الشافعي لا ينطلق من هذه الفكرة ويتبنى أبعادها الا انه يوافق على ان في سلوك “النظرة” نوعا من المراقبة لذلك الآخر ولذلك فهو يدعو إلى استخدام آلية القمع للحد من سلوكها . وبالتالي فانه يضفي على هذه الوسيلة التواصلية بعدا أخلاقيا واضحا . يتجلى بتجنب النظر إلى الآخر بغية مراقبته ورصد مظاهر النقص والعيب فيه . ومعنى هذا ان العلاقة مع الآخر كما يحاول الشافعي رسم معالمها في هذا البيت هي علاقة قائمة على اساس ان كل البشر متساويين في وجود العيوب لديهم . الا يقول الخطاب الديني ” ان الكمال لله وحده ” .ويبدو ان العلاقة مع الآخر كما أدركها الشافعي في هذا البيت هي العلاقة التي تتمثل بمراقبة الجانب السطحي أو المرئي من السلوك . الا انه في الأبيات اللاحقة من نص آخر نراه قد توغل إلى الجوانب اللاشعورية لذلك السلوك أو ما يمكن تسميته بلغة الخطاب الديني ” النية ” (12) . صحيح ان الشافعي ، في هذه الأبيات على الأقل ، لم يستخدم هذا اللفظ صراحة ،الا ان القراءة الممعنة لها .. اعني لهذه الأبيات ،تؤكد لنا ان الشافعي قد أولى اهتماما خاصا لدور النية في اتجاه النظرة وحركتها مع الآخر . وها هو في مكان آخر يقول :-
كل الحوادث مبناها من النظر
ومعظم النار من مستصغر الشرر (13)
********************
واضح ان الشافعي كان موفقا جدا في تقديمه لنا صورة شعرية تتسم بالعمق والثراء في الربط ما بين النظرة والنار من خلال عقد مقارنة بينهما . وقد استخدم الشافعي تلك المقارنة ليصل إلى نقطة معينة في من تلك العلاقة الا وهي الآثار الناتجة لكليهما . وقد بدأ الشافعي في رسم معالم تلك العلاقة من خلال اعتبار ان النظرة تعد الأساس لكل ما تصيب الشخصية الإنسانية . والشافعي يعني هنا ، المفهوم الديني للأمور التي تصيب الشخصية الإنسانية . ومثلما تبدأ النار بشرارة صغيرة سرعان ما تصبح طوفانا يلتهم كل ما من حوله ،وهنا يضع الشافعي يده على تلك العلاقة ليخرج منها بمحصلة عامة سوف نتتبع خطواتها لا حقا . كما ان النار تحرق الجسد .. كذلك فان فإن النظرة سوف تحرق النفس . وذلك باستخدام عبارة ” كل الحوادث ” للدلالة على مجمل ما تختبره النفس الإنسانية من مشاعر وانفعالات وأهواء .وإذا كان الشافعي في هذا البيت قد تعامل مع ” النظرة ” تعاملا مجردا لأنه استعار أو حاول تطبيق أساليب المنطق والقياس لإلقاء الضوء على المضامين النفسية للنظرة ودينامياتها ، فإننا نراه في البيت الثاني يتعامل معها تعاملا شخصانيا ، أي انه انتقل إلى انه انتقل إلى مستوى الخبرة اليومية المعاشة ليصف لنا مخاطر ” النظرة ” وآثارها على الجانب الروحي للإنسان وفق مفهوم الخطاب الديني الذي ينطلق منه . هاهو يقول :-
كم نظرة فعلت في قلب صاحبها
فعل السهام بلا قوس ولا وتر(14)

********************
لقد استخدم الشافعي مفردة ” كم” للدلالة على الحالات التي شكت له همومها من جراء فعل النظرة . أليس هو فقيه الأمة ومرجعها في معرفة أصول دينها ؟؟ . في نص آخر غير النص الذي نقف عنده الآن ، ينظر الشافعي إلى الجسم برمته نظرة تتسم ، بالسلبية نوعا ما ، هذه النظرة إنما هي متأتية من موقف الخطاب الديني عموما إزاء نوازع الجسد ورغباته . يقول الشافعي في هذا الخصوص :-
ادفن الجسم في الثرى ليس في الجسم منتفع
إنما السر في الذي كان فيه أصل رجع (15)
*******************
ولذلك فلا يمكننا الاندهاش أو الاستغراب من ان الشافعي تعامل مع النفس الإنسانية بكل أبعادها ومتناقضاتها تعاملا قائما على اساس من صدق النية والذي يتمثل بفهم نوازع هذه النفس وفق الإطار الحضاري الذي عاشه الشافعي . ويستمر الشافعي بقوله :-
كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر (16) .
*******************
وعلى هذا الأساس ، كان وراء استخدامه مفردة ” كم” والتي تعد دليلا واضحا على ان الكثيرين من الناس قد قدموا إليه لكي يبثوا له أهوائهم وانفعالاتهم ومتاعبهم ؛ سواءا من جراء استعمال النظرة استعمالا في غير موضعه (نظرة حرام ) أو أي هم أو سلوك لا يليق بصورة الإنسان كما يصبو ان يشكلها الخطاب الديني . وبتلك الشكاوى ،أصبح لدى الشافعي رصيد كبير في إحصاء الأهواء والانفعالات المريضة منها والسوية أو الانفعالات والأهواء الجائزة وغير الجائزة في وقت واحد . ذلك الرصيد قد أودعه الشافعي في هذا البيت ببلاغة رائعة . لكن من حقنا ان نتسائل : كيف يصيب السهم بلا قوس ولا وتر ؟ . هنا وظف الشافعي مفهوم النية توظيفا رمزيا بأعمق ما يكون من توظيف . فالنظرة ..هنا قاتلة .. حارقة .. تخترق شغاف القلب مباشرة من دون وسائل ملموسة . ان الشافعي يهتم بالمضمون النفسي للنظرة . بأشد ما يكون من تجريد .الا ان الشافعي لن يترك الإنسان أسيرا لضغوط وتأثير أهواء النظرة ومزاجها تتحكم به كما تشاء ، فهو يولي الإرادة أو إذا شئنا ان نستخدم تعابير التحليل النفسي كفاح الأنا للسيطرة على رغبات الهو من خلال لجوءه إلى آليات دفاعية معينة . ولا بأس ان نشير هنا إلى دراسة قيمة قام بها احد الباحثين حول العلاقة بين الأساليب الدفاعية Defensive Style وإتجاة نظرة العين Direction of Gaze وفق نظرية ” الكبت- الحساسية Repression- Sensitization ” للتعامل مع مواقف التهديد Threat Situation ، إذ تفترض هذه النظرية أن هناك اتجاهين للتعامل مع موقف التهديد هما الكبت – الحساسية ، والحساسية هي التوجه الشديد نحو الموقف والكبت هي على العكس من ذلك . وانتهى الباحث إلى ان صاحب إتجاه حركة العين المرتبط بأسلوب الكبت يميل إلى ممارسة آليتي الكبت والإنكار بينما يميل صاحب أسلوب الحساسية إلى ممارسة آلية العقلنة Intellectualization والمتسمة بالقلق الوسواسي والاجتراري (17) يقول الشافعي في هذا الصدد :-
والمرء ما دام في طرف يقلبه بأعين الغيد موقوف على الخطر (18)
*******************
في هذا البيت، نلمس حيرة وصراعا يعيشه صاحب النظرة إزاء الغير. تقليب الطرف يشير إشارة واضحة إلى هكذا صراع قد ينتهي بالإنكار وآلية القمع في ان واحد وربما أكثر من ذلك . وأيا كانت الآلية التي تتضمنها عملية تقليب الطرف هذه فانه في النهاية يشير إلى الأساليب الدفاعية المستخدمة من قبل الأنا (19) . نزولا لرغبات أو نواهي الأنا الأعلى لكبح مطالب الهو . وعلى الرغم من ان مفهوم الأنا الأعلى يأخذ عند الشافعي نواهي الخطاب الديني وهو لا يختلف عن الأنا الأعلى الفرويدي ، لسبب بسيط لأن هذه النواهي هي مستمدة من ذلك الخطاب . ويستمر الشافعي في وصف ديناميات السلوك لدى صاحب هذه النظرة . يقول :-
يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحبا بسرور جاء بالخطر
*******************
هنا يعود الشافعي مرة أخرى إلى المقارنة بين النظرة الجائزة وغير الجائزة وآثار كلتاهما . فهو يربط سرور المقلة بهجة العين بمضرة النفس والتي قد تولد صراعا في النفس . تلك العداوة قد أثارها في البيت الأول عندما شبهها بالنار .ويصل أوج استياء الشافعي عندما يقول :-
فطوبى لنفس أولعت قعر دارها مغلقة ابوابها مرخى حجابها (20)
في هذا البيت مدح واضح المعالم لتجنب آثار النظرة والاستسلام لعنانها ونزواتها . والشافعي يشبه الأنا أو النفس أو الذات بالبيت المغلق الأبواب والمرخى الحجاب . أنه الانكفاء على الذات Self-retrocede باجلى صوره . صورة قعر الدار والتي تشير إلى أعمق نقطة في دواخل الذات !! . كذلك فان عبارة مغلقة الأبواب تعني تعطيل إرادي للحواس وإكثار الحواجز بينها وبين العالم ومحاولة تجنبه . الا يمكن ان نلمس ،هنا ، إشارة إلى حالة الفناء الصوفي الذي يعني ان لا ننشغل الا بالله . وما يترتب على ذلك من حالات الوجد والخبرات التي يمر بها الصوفي أثناء خبرته الصوفية . نميل إلى الاعتقاد ان الشافعي لم يك بعيدا وهو الرجل الذي طلق الدنيا وعاش من اجل مرضاة الله ،عن تلك الخبرة.
في هذا المحور الذي يدور حوله الشافعي في مخاطر النظرة ، ومن خلال نصوصه الشعرية فقط ،وسوف نتجرأ في القول ان الشافعي قد تعامل مع المرأة بذات الأسلوب الذي تعامل به مع النظرة ولذلك فقد اعتبرها مصدر خطر بل وشيطانا . فهو يقول :-
ان النساء شياطين خلقن لنا نعوذ بالله من شر الشياطين (21)
*******************
ولا نريد أن نذهب أو ندخل في جوانب قد لا تتلاءم مع موضوع هذه السطور ولذلك سنكتفي بهذا القدر في ما يخص هذه النقطة .
الا ان الشافعي لم يكتف بالتركيز على المشرق في النفس الإنسانية ،إذ قد حاول إبراز دور الإرادة أو ” كفاح الأنا ” أي دور الآليات الدفاعية ودور الأخلاق أو نواهي الخطاب الديني في السلوك ، وفي الوقت نفسه فان الشافعي لم ينكر ، أو بتعبير أدق لم يتجاهل ما في هذه النفس من عيوب وضعف .ألم يصرح القرآن ؛ المرجع الأكبر لدى الشافعي ، بأن النفس أمارة بالسوء ؟. وبالتأكيد فأنه انطلق من جملة نصوص قرآنية في النظر إلى ضعف النفس الإنسانية (22) . ولذلك ينبغي الإقرار بهذا الضعف ومواجهته وتعديله والتسامي به .ففي بيتين جميلين ينطلق الشافعي ليعالج بدقة كبيرة الصراع الدائر بين قوى النفس وعناصرها . ها هو يقول :-
يقولون : لا تنظر وتلك بلية

ألا كل ذي عينين لا بد ناظر
وليس اكتحال العين بالعين ريبة
إذا عف فيما بين ذاك الضمائر (23)
*********************
هناك إشكالية لا بد من الوقوف عندها وهي شخصية قائل البيتين .ولنتفق بدءا مع المحقق في ان القائل هو” جميل بن معمر” الذي سبق الشافعي في الوجود . ونحن نعرف ان هذا الشاعر قد وصف بأنه شاعر عذري .ولكن عذرية الشعر عند جميل ليست نابعة من موقف فكري أو أخلاقي قائم على تحليل أوفهم معين لمفردات الخطاب الديني مثلما نرى ذلك في حالة الشافعي ، ولكنها عذرية لها أسبابها والنفسية منها على وجه خاص .ف” جميل ” مارس عملية “آلية التصعيد أو التسامي Sublimation لدوافعه الجنسية وحاجاته العاطفية ، لأنها لم تشبع لوجود حاجز قسري وهو الحاجز الاجتماعي بينه وبين “بثينة ” . ولوان ” جميل ” قد تزوج بثينة بسهولة ومن دون وجود ذلك الحاجز أو المانع لما كان منجزه الشعري المتصف بالعذرية قد برز إلى الوجود ومن ضمنه هذين البيتين . اللذين كانا معدومي الترجيح عند الشافعي كما يقول المحقق . ماذا كان الرادع الذي جعل ” جميل ” يؤكد على عفة الضمائر وهو ليس بقفيه وليس ورعا أو تقيا بل كان مجرد رجلا عاشقا حرم من الوصال بمعشوقته لا غير . لم يلغ “جميل ” نوازعه الجنسية من حساباته ، بل كل ما فعله هو إرجاء أو تأجيل إشباعها حتى يظفر ب ” بثينة ” . الأمر مختلف تماما في حالة الشافعي ، فلو انطلقنا من ان الشافعي قد سمع بهذين البيتين وأعجب بهما لما فيهما من رقة وعذوبة في التعبير ، والشافعي هنا ، شاعر يتذوق الشعر فما الضير أو المانع من اقتباسهما أو الامتثال بهما وتوظيفهما لخدمة مسألة مهمة طالما انشغل بها كفقيه لنفسه أو لأمته ومرضاة الله ناولا وأخيرا . على هذا الأساس سنحاول الدخول إلى فضاءات هذين البيتين ،وسنتعامل مع الشافعي على انه وظف هذين البيتين لمعالجة موضوع النظرة من زاوية كونه فقيها وزاهدا لا غير . ولذلك يمكن القول ، أن هدف العفة في النظرة عند جميل كان اضطراريا أو خشية متطفل ما بينما كانت عند الشافعي مطلبا أخلاقيا ينبغي السعي إليه والاتجاه نحوه وتحقيقه بما يتلائم وبنية النفس الإنسانية من جهة ونواهي الخطاب الديني من جهة أخرى . ومثل هذا السلوك متوقع من قبل الشافعي أو منتظرا منه إن لم يك مطالبا به ، بينما يكون غير ذلك لو كان الحال مع جميل بن معمر .
لم تك هذه السطور الا مداخلة حول شخصية الشاعر أو قائل البيتين .وما يمكن الخروج من هذه المداخلة هو ان هذين البيتين ،وإن لم تك للشافعي ، كما يقول المحقق ، فلا يوجد ما يمنع من ان الشافعي قد وظفهما في خدمة قضاياه التي كافح من اجلها ؛ اعني العفة بكل جوانبها ومظاهرها وبكل ما تحمله هذه المفردة من معنى ومدلول عنده.
ما من شك في أن الآخرين عند الشافعي هم غير الآخرين عند ” سارتر ” ، فهذا الأخير قد اعتبر الآخرين مصدر خطر على الذات ولذلك قال عبارته المشهورة ” الآخرين هم الجحيم ” . ان الآخرين كمل يرى “سارتر ” يقومون بمراقبتي ورصدي وبالتالي أصبح ” أنا ” جزءا من ملكيتهم . بينما الشافعي يذهب في ذلك مذهبا مختلف . فهو يرى فيهم تهديدا للجانب الأخلاقي والروحي فهم بهذا مصدر إزعاج وكدر له . وما يهمنا،هنا، هو اندهاش الشافعي وتساؤله من عدم إدراك الآخرين للطبيعة البشرية الإدراك السليم أو إدراكه هو على اقل تقدير . هنا نلمس بوضوح ، أسلوب التحليل القائم على القياس لدى الشافعي . ومن المؤكد أن هذا الأسلوب كان غائبا عند ” جميل ” ،إذ رفض الشافعي ، على ما يدو ، المفاهيم السائدة في عصره فيما بنية الطبيعة الإنسانية ،لأن الله خلق الإنسان على هذه الهيئة ، فكيف يريد الآخرين تغيير تلك الهيئة أو التلاعب بها . فإذا كان هذا المخلوق زود بعينين وأذنين ولسان…(24) ..فكيف لا يستخدمها أو كيف له تعطيلها ويوقف فعاليتها . إذن لابد ان للإنسان أن ينظر .هكذا أراد الله أن يكون الإنسان ، فهل هناك من اعتراض على مقاصد الله وإرادته . لقد رد الشافعي ؛ بتوظيفه هذين البيتين ، على الأقل ، على تلك الإشكالية المتمثلة باعتراض هؤلاء : بأن لا أنظر..وأنا إنسان مخلوق ومزود بعينين !! . ويعود الشافعي في البيت التالي ليعالج تلك الإشكالية . هنا نجد ان هذا الحل المقدم من خلال البيت الثاني ،أنفاس الشافعي ولمساته الفقهية واضحة والتي تتفق مع الأنماط السبعة للنظرة كما حددها في كتابه الأم . أن الشافعي لا ولن يعترض على النظرة ،فتلك مسألة مفروغ منها . فهو لا يستطيع إلغائها من حساباته بأي حال من الأحول ،لأن ذلك هو الإنسان وتلك هي بنيته وفطرته . أنه يلح على أسلوب النظرة وطبيعة اتجاهاتها والديناميات القائمة عليها . ها هو في البيت الثاني يقدم علاجا يتفق تماما مع جوهر تعاليمه الفقهية ؛ من طهارة وعفة وصفاء للسريرة . نعم لتتلاقى العيون ولكن بشرط ..بل بشروط . لم يترك الشافعي العنان لينطلق كما تشاء العيون .مرة أخرى يعود الشافعي إلى الضمير ومسالكه الواجب سلوكه . لقد اشترط الشافعي مسلكا خاصا يحرك من خلاله سلوك النظرة واتجاهاتها . وذلك الشرط هو العفة ؛عفة الضمير وصفاء نيته .ذلك هو، برأي الشافعي ، شرط النظرة وأساس قيامها . ها هو الشافعي يعود مرة أخرى إلى سلطة الخطاب الديني .الا ان هذه العودة كانت مقترنة بتقديم استشارة ” فتوى ” فيما يخص المسألة التي يطرحها . الا يحق لنا ان نصف الشافعي بأنه طبيب للأخلاق وبالتالي طبيبا للحضارة ؟؟.
تلك هي المضامين النفسية وابعادها التي بدت لنا من قراءتنا لعينة من نصوص الشافعي الشعرية (مع الأخذ بنظر الاعتبار درجة النسبة) ورأينا بخلاف ما يرى المحقق ؛ أن مجمل هذه الأبيات لا تتعارض مع المسارات العامة لفكر الشافعي إن لم تك متناغمة ومنسجمة معه على أفضل وجه من وجوه الانسجام والتناغم لطبيعة النظرة لديه . واتضح ان المجال الذي يتمحور حوله الشافعي هو المجال الأخلاقي والذي يعد نتيجة لقراءات الفقه وثمرة من ثماره .فهو إذن قد عالج أو طرح تصوراته عن النظرة من زاوية الأخلاق .لكن هذا لا يعني ان الشافعي تناول النظرة من هذه الزاوية فقط وأهمل الجوانب الأخرى أو لم يتطرق إليها أو يخوض غمارها . فمثل هذا التصور يعد إجحافا ، بتقدير الباحث على الأقل ، بحق الشافعي وليسمن الإنصاف بشيئ .
لا يعقل ان يكون الشافعي ، وهو الذي درس ، أو بتعبير أدق ، أولى اهتماما كبيرا بالإبعاد النفسية للنظرة أو بجوانب أخرى من السلوك ، الذي حاولنا تسليط الضوء على بعض من مظاهره في مشروعنا هذا . ولذلك فأنه من الطبيعي جدا أو من المعقول تماما ، ان لا يغفل دور وسائل التعبير التواصلي الأخرى ؛ كتعبير الوجه ،وحركة الجسم وما إلى ذلك من ما يسمى اليوم ؛ لغة الجسد ، كوسيلة من وسائل التواصل بين الذوات Communication أو وسائل التعبير المستخدمة من قبل الذات لنقل رسائلها إلى الآخر ؛مثل طبقة الصوت ونبرته أو طريقة الكلام واستخدام الإيماءة والتلويح أو طرائق تعبيرية أخرى تمتاز بالتجريد أو الترميز .
ومن الطبيعي ، أن لا يكون الشافعي ؛ قد درس أو رصد هذه الجوانب بنفس الطريقة آو الأسلوب يمارسها الباحثون والعلماء في هذا المجال في الوقت الحاضر لاختلاف أساليب التفكير ولتباين المخزون المعرفي بين الشافعي وبين هؤلاء الباحثين والمهارات التي يكتسبونها من ذلك. الا ان هذا لا يمنع ، لأن يكون الشافعي واحدا من الذين حاولوا اقتحام هذه الجوانب ،فهو بالتالي كان من الرواد في هذا المجال .
ولنبدأ بإلقاء نظرة على أبيات مثبتة النسبة للشافعي لكي نلاحظ أن الشافعي قد انتبه إلى ما يسمى بالتعاطف Sympathy أو التناغم الوجداني Empathy (25) ، وهو عبارة عن إدراك ما يحس به الغير وتفهما لانفعاله .
يقول المحقق : وقال الإمام الشافعي :-
عدت حبيبي وبه علة
فعدت والعلة لي لازمة
وعادني من علتي سالما
فعادت النفس به سالمة
والنفس إن صحت ومحبوبها
غير صحيح وجدت ظالمة
وكيف لا تجري على حكمه
وهي بأحكام الهوى عالمة (26)

**************** ****
هذه الأبيات صحيحة النسبة كما قلنا . وهي إذا تؤكد فإنما تؤكد ما كنا قد افترضناه من ان الشافعي يمتلك مهارات في رصد انفعالات وسلوك الآخر . والآخر في هذه الأبيات هو حبيبه . ولا يهمنا كثيرا من يكون هذا الحبيب . النقطة الأساسية التي تتمحور عليها هذه الايبات هي التناغم الوجداني والتعاطف من خلال أسقام هذا الحبيب وحالاته المزاجية بع مرور وقت من الغياب . والشافعي ،هنا ،صريح في الإشارة إلى سلامة النفس وصحتها من عدمها . وهو من ثم لا ينطلق من فراغ بل لا بد له من رصيد في هذا المجال .ونعتقد ان هذا الرصيد قائم على قراءاته ومراقبة نفسه وتأملها أو بما تسمى اليوم ” الاستبطان “. إذن فالغياب لم يؤثر ،على ما يبدو ، على لهفته على حبيبه .ان عواطفه ومشاعره قد أصابها البرود نتيجة إحساسه ان حبيبه في وضع سيئ . والعكس هو الصحيح . فالحضور قد حرك عواطفه وهيّج مشاعره . الشافعي متناغم ومتعاطف مع حبيبه في الحضور والغياب معا .. أو إحساسه بالتواصل معه فكانت تلك الأبيات . هذه المهارات قد يصيبها الفتور والضعف و العطل في حالة المرض . ولكننا نجد ان الشافعي حتى في هذه الحالة يبقى في ذات الحال . يقول المحقق :-
مرض الشافعي فأتى بطبيب فأخذ يجسه ،فوجد الشافعي في جسم المريض ، فأطرق وأنشد :
جاء الطبيب يجسني فجسسته
فاذا الطبيب لما به من حال
وغدا يعالجني بطول سقامه
ومن العجائب أعمش كحال (27)
**********************
هذان البيتان تعبير لسخرية الشافعي من الموقف الذي يمر به . لقد مرض الشافعي .ولم يذكر المحقق ماهية هذا المرض الذي دب في جسم الشافعي . لقد حضر الطبيب للمعاينة والتشخيص وتقديم المشورة والعلاج . الشافعي ،هنا ، في تلك العلاقة التي لا خيار له غير سماع أوامر الطبيب … اللهم الا إذا كان هو نفسه طبيب أيضا.ولكن هكذا افتراض يسقط من الحساب لسبب بسيط الا وهو استدعاء الطبيب . بالفعل بدأ الطبيب بالقيام بعمله . فجس جسم الشافعي لكي يتفحصه . لم يستسلم الشافعي للطبيب تماما أي لم يك سلبيا .فجسه هو الآخر . هنا مفارقة يجب الانتباه لها . إذا لم يك الشافعي يمارس الطب فلماذا جس جسم الطبيب إذن ؟؟. وللخروج من هذه المفارقة ، ينبغي القول : بان الشافعي قد مارس الطب ولكن لم يمتهنه. الا يوجد طب نبوي في الحضارة الإسلامية تستلهم وصايا وإرشادات ورقى مارسها أسلاف الشافعي من قبله وتناقلوها من السنة ؟؟. هنا بدأ الشافعي يإسترجاع ما حملته ذاكرته في هذا المجال . فقام بقلب الأدوار . صار هو الطبيب والطبيب صار المريض . ولا نستبعد من ان ما قاله الشافعي عن الطبيب لم يك غير ملاحظة حول سلوكه . بمعنى أدق لم يك الشافعي يعاني من علة عضوية بالمفهوم الدقيق لهذه المفردة . بل ما بدا للطبيب كان مجرد أعراضا سايكوسوماتية (نفسجمية) .فحسب . والشافعي أولى من الطبيب بمعرفة مرضه .انه لا يعاني غير متاعب الحياة وضغوطها . وحياة الشافعي حافلة بها . أو ان الطبيب الذي جاءوا به لم يك ماهرا في مهنته فكان الشافعي سباقا لتشخيص علله وأسقامه . وعبارة الشافعي ” أعمش كحال ” هي إشارة إلى تلك المفارقة في شخصية الطبيب . فقد وصف الشافعي طبيبه بالأعمش أي ضعيف البصر فكيف يكون كحالا أي مداوايا للعيون . وإذا كان وصف الشافعي للطبيب وصفا مجازيا للتعبير عن قله مهارته وخبرته في مجال تشخيص الأمراض أو كان واقعيا فالحال يبقى كما هو . المهم هو ان الطبيب لم يتمكن من معرفة علة الشافعي سواء الجسمية منها أم النفسية . المهم في هذين البيتين هو قدرة الشافعي على الملاحظة ورصد الآخر ومتابعة نظراته وحركتها حتى وهو في حالة المرض .ويمكن الخروج بنتيجة ان الشافعي طبيب نفسي حتى ولو يبقى ذلك الطبيب طبيبا للجسم . هذا ما يخص جانب حركة التواصل عند الشافعي ،وهناك أبياتا أخرى يبين لنا الشافعي ان اللغة قد تكون أحيانا حاجزا للتواصل فهو يصف لنا عملية التواصل الا شاري أو الإيمائي والذي يعد الآن محور اهتمام ميدان السيمياء . يقول الشافعي على لسان ابراهيم بن المولد :-
لا خير في حشو الكلا
م إذا اهتديت إلى عيونه
والصمت أجمل بالفتى
من منطق في غير حينه
وعلى الفتى بطباعه
سمة تلوح على جبينه (28)
************************
هذه الأبيات أدرجها المحقق ضمن البند الذي يرى في الأبيات انها اقل صحة في النسبة من النصوص الصحيح النسبة . ويبدو ان المحقق تمسك بروح التحقيق وأهمل مسألة روح الأبيات ومضامينها وهذا هو الذي نلح عليه وننطلق منه . في هذه الأبيات تصوير جميل لعملية التواصل بين الذوات . الشافعي ، هنا ، بصدد تقديم مشورة سلوكية يعالج من خلالها الوسيلة الصحيحة لبث الرسالة أو نقل الكلام إلى الآخر .وفاتحة هذه المشورة هي فعل الحشو ، وقبل الدخول إلى دلالات هذه المفردة سوف نبدأ بتعريف الكلام Speech من وجهة نظر علم النفس ، فهو ،أي الكلام ،وظيفة أو سلوك يهدف نقل المعاني إلى الغير والتأثير عليه بواسطة رموز (29) . معنى هذا ان الحشوCircumstantiality خطوة سلوكية تندرج ضمن مجرى الحديث Stream of Talk العرضي أي التفاصيل والموضوعات العرضية (30) . وهو أحد أعراض اضطراب التفكير والكلام لدى مرضى الفصام والهوس .وينسحب هذا المعنى إلى المفهوم اللغوي للحشو أي ملأ أو هو ان يحشي البيت الشعري بلفظ لا يحتاج إليه لإقامة التوازن (31) . ولا حاجة بنا إلى القول ؛ أن كلا المعنيين يؤديان ذات الوظيفة . وهذا يعني ان هناك خللا في بث الرسالة (الكلام) ونقله إلى الغير . وهذا ما يؤدي إلى إرباك المتلقي في استلام الرسالة وعدم فهم مغزاها . فالشافعي ، هنا ، أدرك قبل اللسانين ودارسي السيمياء الحديثة هذه العلاقة ما بين النظرة وأهميتها في التواصل اللغوي بين الذوات . وكان تركيز الشافعي كبيرا على معرفة اتجاه حركة العين والتفرس في أجوائها .ونحن نعتقد انه كان يعني إلى الدوافع اللاشعورية التي تحرك هذه النظرة أو تلك . فليس المهم رصف الكلام والتكثير من العبارات والتوسع بها أو تنغيمها بقدر ما يكون من المهم التركيز على لا شعورية النظرة ومعرفة مقاصدها إن صح هذا التعبير . ويمكن القول في المحصلة ان الشافعي ليس فقط شاعر يحسن من انتقاء مفرداته وتعبيراته بل هو طبيب حاذق في تشخيص اضطرابات التفكير والكلام .
إذن لقد حدد الشافعي اتجاه أبياته الثلاثة هذه ومضمونها في ما يخص بث الرسالة إلى الآخر . ولا نريد القول ان الشافعي المهتمين باللغة والدلالة في مفهومها المعاصر ،وهذا لا يمنع من ذلك .ومن المنطقي إذن ان تكون الرسالة في حالة الحشو ؛ مشوشة ، وغير واضحة للمتلقي كما قلنا ذلك قبل قليل . فالمتلقي ، هنا ، سوف يتهم المرسل صاحب الرسالة ، بأنه مصاب باضطراب في التفكير أو بقلة الذوق العام وسؤ وسائل التعبير لديه .أو بعد موافقة المقام للمقال أو اتهامات أخرى لا شأن لنا بها . هنا الشافعي لن يترك فتاه أو تلميذه لأن يقع فريسة هذه الاتهامات بل سوف يعطيه مشورة والمشورة هي التزام الصمت إذا كانت رسالته في غير موضعها . بمعنى ان المرسل إذا أدرك وضعية المتلقي أو سلوكه ودوافعه ولا شعوره لا لشيئ الا خشية ان الآخر سيسيئ فهم قصده ويتهمه باللغو والاضطراب . أليست هذه المشورة نابعة من فهم عميق لطبيعة الخطاب Discourse وطبيعة الاتصال والتلقي مع الاهتمام بالجوانب النفسية لهذا الجانب من السلوك؟.ان الشافعي وهو يهتم ،هنا ، بعملية التواصل اللفظي لن يهمل أو وسائل تعبيرية أخرى تساعدنا على التواصل مع الآخر وتحديد القناة السليمة لنقل الرسالة الصحيحة مثل الإيماءة والتلويح وتقطيب الوجه و تعابيره Face – expression وهذه الوسائل هي ما حاول الشافعي تحديدها والتعرف عليها في البيت الثالث إذن الشافعي عرف أن للجسد لغة أو العين أو للنظرة معنى وان للإيماءة وطبقة الصوت ونبرته مقصد يتجه إليه المرسل . تلك هي إذن خلاصة خبرة الشافعي ومعرفته في رصد الآخر والتعامل السليم معه . الا يحق لنا ، بعد هذا ، أن نعد الشافعي رائدا لعلوم السميائيات واللسانيات حتى ولو تكون في بواكيرها الأولى ؟؟؟.

الهوامش :-
1- راجع ؛ شاهين ، احمد عمر ، لغة الحواس ، مجلة سطور ، العدد (34) سبتمبر 1999 ، القاهرة ومقالات كل من رمضان بسطاويس محمد ، يحيى الرخاوي ، في نفس العدد من المجلة المذكورة .
2- لم يعتمد الباحث على إي طبعة لديوان الإمام الشافعي غير الطبعة التي نشرتها جامعة الموصل للمحقق د . مجاهد مصطفى مجاهد في عام 1986 لأن المحقق الفاضل أكد ان نشرته تعد أفضل نشرة لشعر الإمام الشافعي ،ولا يفوت الباحث ذكر دراسة الدكتور حكمت صالح التي حاولت دراسة شعر الإمام الشافعي دراسة فنية التي استفاد منها بقدر معين . راجع كتابه ” دراسة فنية في شعر الإمام الشافعي ” طبعة عالم الكتب ، 1984 ، بيروت ، لبنان .
3- الرازي ، محمد بن بكر بن عبد القادر ، د.ت ، مختار الصحاح ، دار الكاتب العربي ، بيروت ، لبنان ، ص 666 .
4- بهجت ،مصدر سابق ، ص 205 ، نص رقم 125 والبيتين صحيحا النسبة .
5- د. الحفني ، عبد المنعم ، 1992 ، الموسوعة النفسية الجنسية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ط1 ، ص 488 .
6- د.بهجت ، مصدر سابق ،ص 203 ، نص 122.
7- منصور ، أحمد صبحي ، 1999 ، ملامح قرآنية: الجسد والنفس ، مجلة سطور ،عدد 34 ، سبتمبر ، القاهرة .
8- انظر في هذا الكتاب : الشافعي بوصفه رائدا للتحليل النفسي .
9- د. بهجت ،مصدر سابق ،ص 223 ،نص رقم 82 .
10 – راجع الترجمة العربية لهذا الكتاب بقلم الدكتور عبد الرحمن بدوي الصادر عن دار الآداب في سنة 1966 ، بيروت، لبنان .
11- راجع :د. إبراهيم ، زكريا ،1970 ، مشكلة الحب ، مكتبة مصر بالفجالة ، القاهرة ،ص 293 – 294 .
12- عالج الشافعي موضوع السلوك الجنسي وما يترتب عليه وما يرتبط به كالنية والنظرة مثلا في كتابه ” الأم ” تحت باب النكاح .راجع هذا الكتاب بضبط ونشر محمد زهري النجار ، ج8 ، مكتبة الكليات الأزهرية ، 1969 ، القاهرة ، ص 162 ، 186 ، وقد حدد الشافعي النظرة الجائزة وغير الجائزة بسبعة أنماط

13- د. بهجت ، مصدر سابق ، ص 280 ، نص رقم 48 .
14- د. بهجت ،مصدر سابق ، ص 280 ، نص رقم 48
15- د.بهجت ، مصدر سابق ، ص 153 ، نص رقم 62 .
16 – د . بهجت ،مصدر سابق ،ص 280 ،نص 48 .
17-17- Halperin, J. M. (1986). Defensive style and the direction of gaze: Journal of Research in Personality Vol 20(3) Sep 1986, 327-337.
18- د،.بهجت،مصدر سابق ، ص 280 ، 48 .
19- للتفاصيل حول مفهوم الدفاع راجع ؛ لابلانش – بونتاليس ، مصدر سابق ، ص 132-135 ، و 244 – 247 .
20- هذا البيت يحمل رقم 15 من قصيدة ذات ستة عشرة بيتا . اعتمدنا عليه لأننا نعتقد ان مضمونه مكمل للأبيات السابقة ولا يتعارض مع نهج الشافعي ونظرته للسلوك . راجع :د.بهجت ،مصدر سابق ، ص 238 ، رقم النص 10 .
21 – علم الرغم من المحقق الفاضل قد بين ان هذا البيت غير مرجح النسبة الا ان مضمونه ، كما يرى الباحث ، لا يتعارض مع أفاق ذهن الشافعي لأنه يعالج موضوع النظر إلى المرأة على انها مصدر خطر على تقوى النفس . راجع :د. بهجت ، مصدر سابق ص 328 ، رقم النص 90 ، وص 217 ، البند الثاني .
22- سورة الشمس : آية 7 و8 .
23- يرى المحقق الفاضل ان البيتين هما للشاعر جميل بثينة ،وسواء أكان جميل هو القائل أم الشافعي فان الموضوع هو موضوع صراع بين رغبتين متعارضتين . انظر كتابه ص ،276 .
24- سورة البلد ، آية 8 .
25- راجع معنى هذين المفهومين في : د.الخولي ، وليم 1976 ، الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، القاهرة ، ص ،169 .
26- د . بهجت ، مصدر سابق ، ص 190 – 191 ، نص رقم 101 .
27 – د. بهجت ، مصدر سابق ،ص 175 ،نص رقم 84آ .
28- د. بهجت ، مصدر سابق ، ص 229 ، نص رقم 93 .
29 – د.الخولي ، وليم ، مصدر سابق ، ص 417 .
30 – د . الخولي ،وليم ، المصدر السابق ،ص 422 .
31- د. مطلوب ، احمد ، 1989 ، معجم النقد العربي القديم ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، العراق ،ص 444-447 .

شاهد أيضاً

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 …

وليد الأسطل: سينما باراديزو

من أفضل الأفلام الّتي شاهدتها في حياتي، فيلم cinéma paradiso، يناقش الفيلم أشياءَ كثيرة، لعلِّي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *