فصل من رواية جديدة بعنوان “أيام الزّهْلَلَة” للكاتبة هدية حسين ستصدر قريباً*

hadiya 8بعد نوم مضطرب تخللته أصوات مبهمة، وصرير أبواب تُفتح وتغلق، وأحلام متداخلة مع الكوابيس، صحا وسمي الغجري على أصوات السيارات، فتح عينيه بصعوبة، نزل من السرير ببطء وهو يشعر بتصلب عظامه، ألقى نظرة سريعة الى الشارع، ثم عاد ودخل الحمام، اغتسل تحت دش صدىء ونشف جسده بمنشفة يميل بياضها الى اللون الرمادي.. بعد ربع ساعة نزل الى صالة الاستقبال شبه المعتمة، وسأل عن أقرب مطعم، ثم خرج.
حركة الحياة في العاصمة، بسياراتها وناسها، لا تشبه حركة الحياة في (مدينة النور) الضجيج هنا له حياة نابضة.. سار باتجاه اليسار كما أشار له الرجل العجوز في الفندق، ومضى الى مطعم شعبي يقدم الشاي والكاهي والقيمر، يراوده إحساس لا يمكن التخلص منه، وهو أنّ كل من يراه يعرف بأنه غريب ومتهم بقضية ما، وحينما جلس الى إحدى الطاولات حيرته نظرات شاب في الثلاثين من العمر، أسمر البشرة، بعينين سوداوين واسعتين، يجلس قبالته على طاولة أخرى، فكلما رفع وسمي رأسه ليدس الطعام في فمه كانت عينا الشاب تتطلعان إليه، مما جعله يحس بغربة مضاعفة، ويسأل نفسه: لماذا يحدق هذا الرجل بي؟ وبعد أن انتهى الشاب من الطعام، متزامناً مع إفراغ وسمي لصحن طعامه، نادى على عامل المطعم:
ـ شاي سنكين.
ثم عاد ليصحح:
ـ خليهم اثنين.
وتوجه الى وسمي بالقول:
ـ هل تحب الشاي السنكين أم الشاي المخفّف؟
وجد وسمي نفسه يقول: شاي مخفف.
فعدل الشاب عبارته وصاح على العامل:
ـ واحد سنكين والثاني مخفف.
وقام من مقعده ليجلس جوار وسمي ويقول:
ـ الأخ غريب أليس كذلك؟
كان لابد لوسمي من شخص يعرف زواغير العاصمة وخباياها، لا وقت لديه إلا بالتعرف على ناس تدله وتشير عليه بالوجهة الصحيحة.. ومع حضور الشاي عرّف الشاب بنفسه:
ـ مجيد عبد الله، كاسب أعمل بالأجرة كلما تسنى ذلك، الحياة صعبة وأنا الآخر لستُ من أهل هذه المدينة، لكنني أعيش فيها منذ أربع سنوات، أهلي في محافظة الديوانية، أذهب لهم في الشهر مرة لأعطيهم ما يعينهم على الحياة… وأنت؟
وجّه السؤال لوسمي فأجاب:
ـ أنا من مدينة النور.
بدا مجيد عبد الله كمن يبحث عن شيء لا وجود له وقال:
ـ نوّرت، وأين تقع هذه المدينة، في الشمال أم في الجنوب؟
لم يعرف وسمي حقاً جغرافية مدينته، لذلك قال:
ـ لا أدري.
وبدا حائراً.. ثم قال:
ـ للمرة الأولى أدخل العاصمة، جئت لزيارة أحد المعارف.
وأخرج العنوان، فقال مجيد عبد الله:
ـ كرادة مريم؟ أنت لست بعيداً من هنا، متى ستذهب؟
ردّ وسمي:
ـ في الحال.
وطلب المساعدة فلم يبخل بها عليه.. سارا في شارع طويل، ثم توقف مجيد عبد الله ليسأل:
ـ هل أنت مثلي من هواة المشي؟
قال وسمي:
ـ إذا كان الطريق سيأخذ أكثر من نصف ساعة فأفضّل أن أستقل سيارة، لأنني مازلت متعباً من رحلة القطار.
عندها قال مجيد عبد الله:
ـ من هنا ستصعد تاكسي، لأن الباص لا يمر في هذا الشارع، السائق يمكنه أن يوصلك، وإن شئت فسأرافقك، ليس لدي عمل هذا اليوم.
امتن له وشكره:
ـ سأحتاجك في مشوار آخر، وسنلتقي على الغداء في المطعم نفسه.
ـ تتدلل، الأغراب لبعضهم،أنا مثلك حينما دخلت العاصمة، لذلك أتفهّم مشاعرك.
كرر وسمي شكره وقال بأنه لن يتأخر كثيراً، فقط سيوصل أمانة، وطيلة الطريق الذي لم يأخذ من الوقت كثيراً، كان وسمي يجول ببصره على الأبنية العالية، والمحال التجارية، والمطاعم ذات الواجهات الزجاجية النظيفة، والناس بأزيائهم المختلفة، ويندهش لهذا الضجيج.. ترى في أية زاوية من هذه المدينة تسكن (شمعة)؟
**
الوقت عصراً، حركة الناس لا تهدأ، أغنيات تنطلق بشتى اللهجات من الراديوات أو من محلات الكاسيت، أين جقماقجي؟ الكلمة التي استعصى على وسمي حفظها، فأخرج الورقة التي دوّن فيها الاسم.
ضحك مجيد عبد الله من طريقة قراءة وسمي للكلمة، وسأله:
ـ ألم تسمع بها؟
ضحك مجيد عبد الله ثانية وأردف:
ـ سأدلك عليها، تعال أولاً لنمضي الى شارع النهر، شارع ستستمتع به كثيراً، وبعدها سنذهب الى جقماقجي لتشتري ما تريد.
ودلفا الى الشارع من أحد الفروع، الشارع المزدان بالمتاجر، ومحال الذهب والفضة، والأكسسوارات والعطور، وبدلات الأعراس، والثياب والحقائب، والنساء الأنيقات الرائعات.
النهر يجري منذ الأزل، يجري وتمشي معه أسراره، أسرار لا يبوح بها، وليس من أحد يعرف لغتها، عالم من سحر، كائنات تعيش في الأعماق، أرواح هائمة تطوف على الضفاف، أشباح تحوم في الليالي الحالكات، كم جثة منتفخة مرت على سطحه عبر السنين؟ جثث نساء غالباً، مخنوقات أو مذبوحات، بمخشلاتهن الذهبية أحياناً، ومن دونها أحياناً أخرى، صيادو سمك بصنارات، أو صيادو شباك، بواخر بحمولة، وزوارق تتهادى حاملة الركاب من هذه الضفة الى تلك، النهارات هنا ضاجة بالحياة، لا تشبه نهارات مدينة النور، ولا الليل ليل، بقيا يتجولان حتى بداية المساء، شعر وسمي كأنه يسبح في الأضواء، ساهماً ينظر الى الشوارع، شارداً في طيات مداخلها وواجهات محالها، مكتباتها ودكاكينها، مقاهيها وأعمدتها وشرفاتها، نصبها وتماثيلها، ودخان السجائر الذي يتلألأ ويتراقص تحت الأضواء.. متاهة لذيذة وجد نفسه فيها، الناس لا تنام هنا، بينما هناك، في مدينته، تلوذ بالصمت، والليل ساكن الا من بعض المناسبات.. مطرب واحد يحيي الحفلات، وهنا مطربون لا يحصى عددهم، يحاصرون المرء بأصواتهم من المسجلات، ستعرف الكثير يا وسمي، قال له مجيد عبد الله، وأضاف: وسأعرّفك على بعض أسرار المدينة، فأردف وسمي: وخماراتها، ضحك مجيد عبد الله وقال: وخماراتها أيضاً، لكنني لا أشرب الخمرة، ضحك وسمي وهو يقول: عمرك خسارة إذن.
وبين ضحكة وضحكة، وكلام يجر كلاماً، أفصح وسمي الغجري عن غايته من المجيء، وقصّ حكايته وهما يجلسان في مقهى بمواجهة النهر، من دون أن يذكر اسم شمعة، يريد الوصول الى مبتغاه بأسرع وقت، لأنه في إجازة قصيرة، الكمالية مقصده وليس أي مكان آخر، ألقى السؤال على مجيد عبد الله كمن يلقي بحجر ثقيل أتعب صدره:
ـ هل تعرف الكمالية؟
ابتسم مجيد عبد الله، ظاناً أن وسمي يبغي متعة الجسد.
ـ نعم أعرفها لكنني لن أذهب معك الى هناك، سأوصلك الى مدخلها ولا أدخلها، لا أريد مشاكل ولا أرغب بتبديد ما أحصل عليه، برقبتي عائلة وأنا معيلها الوحيد.
وعندما تعمق وسمي بحكايته ذكر له اسم الفرقة (فرقة ريم وابنتها شمعة) عندها قهقه مجيد عبد الله عالياً، ثم قال:
ـ شمعة؟ لماذا لم تقل ذلك منذ البداية؟ إنها أشهر من جميع راقصات الغجر في بغداد، وهي المطلوبه اليوم في المسرح، سآخذك الى المسرح، إنها تمثل في مسرحية هزلية و…
قاطعه وسمي مستغرباً:
ـ شمعة تمثل؟
أجابه مجيد عبد الله:
ـ وترقص طبعاً، الراقصات الغجريات مطلوبات في المسرح، ولأن هذا زمنهن فقد استعان بهن المخرجون في المسارح التجارية ليكسبوا أموالاً طائلة.
سأله وسمي:
ـ هل حقاً رأيت شمعة، وما رأيك بها؟
علت ضحكات مجيد وقال:
ـ رأيتها في التلفزيون، لا أذهب عادة الى المسرح، قلت لك برقبتي عائلة وأنا معيلها، سأدلك على المسرح وأنت تدخل وحدك، ليس بعيداً من هنا.
نظر مجيد عبد الله الى ساعة يده وقال:
ـ لنذهب الآن.
وضع وسمي الغجري يده على كتف مجيد عبد الله وقال:
ـ ستدخل المسرح على حسابي.
شربا العصير وانحدرا الى شارع الرشيد، قال مجيد عبد الله فجأة، منتشلاً وسمي من صمته وخيالاته:
ـ هذه هي محلات جقماقجي، هيا ندخلها.
قال وسمي:
ـ لا، دعنا الان نمضي الى المسرح وسأشتري الاسطوانة في يوم آخر.
اقترح مجيد عبد الله أن يستقلا سيارة أجرة من أجل الوصول في الوقت المحدد، وقفا على الرصيف، وقبل أن يرفع مجيد يده ليشير الى سائق الأجرة، وقفت السيارة بالقرب منهما، نزل أحد الركاب وصعدا.
ـ الى مسرح النجاح.
قال مجيد عبد الله للسائق، وانطلقت السيارة، كاد وسمي يبكي من شدة الفرح، بل يكاد لا يصدق بأنه في الصحو وليس داخل حلم من أحلامه الموصولة كلها بتلك الشمعة التي أحرقت كيانه… دقائق وتوقفت السيارة، دفع وسمي الغجري للسائق أكثر من الأجرة التي طلبها، ونزلا… قال مجيد عبد الله وهو ينظر الى مدخل المسرح.
ـ غريب، أين الناس الذين كانوا يروشون قبل أيام أمام المسرح؟ هل تغير وقت العرض أم ماذا؟
اندفع مجيد عبد الله الى الداخل، يتبعه وسمي، الإعلانات الكثيرة للمسرحية لا وجود لها، فقط صور فنانين وفنانات تعرفهم المدينة، وإعلان احتل نصف جدار عن أوبريت ضخم سيُقدم لمناسبة عيد الثورة.. التفت مجيد عبد الله الى وسمي وقال:
ـ يبدو أن عرض المسرحية قد انتهى.
انطعجت ملامح وسمي وقال:
ـ المعروف الوحيد الذي يمكنك تقديمه لي هو أن تدلني على الكمالية.
قال مجيد عبد الله منزعجاً:
ـ هل ستطرق الأبواب واحداً بعد الآخر وتسأل عنها؟
ردّ وسمي بسؤال:
ـ ألم تقل بأنها أصبحت مشهورة؟
ـ نعم هي كذلك.
قال مجيد عبد الله، وأضاف :
ـ لكن دخول الكمالية ليس سهلاً، والناس المشهورون لهم حمايات ووكلاء ينظمون أمورهم، عليك كما أظن أن تذهب الى الوكلاء هناك.
صمت وسمي طويلاً، وبدت عيناه حائرتين، فقال له مجيد:
ـ غداً عندي شغل طيلة النهار، خليها بعد غد، وسأمضي معك، فقط أضعك على الطريق ولا أدخل الكمالية.
بدت عبارة بعد غد لا نهاية لها، ومن أجل أن يختصر الوقت ويسلي نفسه، اقترح على مجيد أن يذهبا معاً الى أحد البارات، لكن مجيد اعتذر:
ـ لا أشرب الخمرة كما قلت لك سابقاً.
ـ إذن دلني من أين أشتريها.
ـ أوه.. هنا بين بار وبار ستجد باراً، وما دمنا قريبين من الصالحية فهناك بار قرب الإذاعة، تعال معي.
ولأنه لا يستطيع السهر في بار بمفرده فقد طلب من مجيد عبد الله أن ينتظره.
ـ الليل يخيفني هنا يا أخي مجيد، لم أتعود بعد على هذه المدينة، هلا رافقتني عند العودة؟
في الفندق، وهو يشرب خمرته على مهل، وقبل أن تلعب الخيالات برأسه، راودته فكرة الذهاب الى الكمالية بمفرده، يستقل سيارة أجرة ويسأل سائقها، يكاد صبره ينفد، لكنه بعد تقليب الفكرة وجد أنه غير قادر على المجازفة، فمدينة مثل العاصمة، شاسعة ومريبة، سيضيع فيها، وقد تأتي الأمور بعكس ما يشتهي، ما معنى حمايات ووكلاء؟ تذكّر ذاك الغجري العجوز الذي قال له: إذا بحثت عنهم ووجدتهم فإن حياتك ستكون على كف عفريت، وربما ستُقتل.. أيكون ذلك العجوز خرفاً؟ لا بد أن يكون كذلك وإلا ما وعده مجيد عبد الله أن يأخذه الى الكمالية.. لكن الحذر واجب.
بعد الكأس الثانية راح يغني:
من علّة البحشاي
ما ظل عندي راي
دائي صعب ودْواي
ما يعرفه إنسان
ثم بعد الكأس الثالثة، ثقل لسانه وارتخت شفتاه، وراحت الحروف تصطدم ببعضها
باحثة عن كلام:
الهجر… مو… عادة غريبة
لا…. و…لا.. منكم عجيبة
ونام تلك الليلة على مكابدات مُعذِبة، وآهات متواصلة، بينما نقطة ضوء مغبشة راحت تتسع داخل روحه، وتفتح له طريقاً الى شمعته… شمعته التي تحرقه ولا تحترق.

* الرواية سوف تصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: الأخضر بن يوسف

وَلِهٌ بهذا الليلِ . في النهارات : أنتَ منشغلٌ بالأرض تجتث ُ ما تكدّسَ في …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية …

الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها على الطريق السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *